Полный текст (236 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(ص: ٤٩) : "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ".
وأمَّا أهل السنَّة الذين يتحدَّث عنهم المالكي وكأنَّه واحد منهم، فهم بريئون منه براءة الشمس من اللمس.
٩ ـ قوله: "وهم ـ يعني السلف الصالح ـ عندي المهاجرون والأنصار، ومن كان على نهجهم فقط".
أقول: هذا من المالكي قصرٌ للصحابة على المهاجرين والأنصار ومَن كان على نهجهم فقط، ومن المعلوم أنَّ الهجرةَ انتهت بفتح مكة، فمَن أسلَم بعد الفتح وصحب الرسول ﷺ فليس من الصحابة عند المالكي، بل إنَّه أخرج من الصحبة الشرعيَّة كلَّ مَن أسلَم وصحب الرسول ﷺ بعد الحُديبية، وهذا هو الذي قرَّره في كتابه السيِّء في الصحابة، ورددتُ عليه فيه بكتابي "الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وذكرتُ فيه أنَّ ما زعمه من قصْر الصُّحبة الشرعية على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية هو من محدثات القرن الخامس عشر، وتأمَّل قوله هنا: "عندي"؛ فإنَّ ذلك يزيد في بيان اختصاصه بهذه البدعة، وأنَّه لَم يُسبق إليها طيلة القرون الماضية، ومن أجل أن يَسْلَم له مثل هذا الفهم الخاطئ الذي انفرد به، زعم أنَّ الأخذ بالكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، زعم أنَّ ذلك بدعةٌ، نعوذ بالله من الخذلان.
١٠ ـ ما ذكره (ص: ١٨٠) عن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة والشافعي ومالك والبربهاري من وجوب أن يخضعوا لمعيار القرآن وما صحَّ من السنَّة،
стр. 177
وأنَّهم تحت القرآن والسنَّة لا فوقها، وأنَّ هذا طريقُ وفهم السلف من الصحابة الكبار؛ إذ لم يكن عندهم أحدٌ فوق القرآن وما صحَّ من السنَّة.
أقول: هو كلام حقٍّ أُريد به باطل، وهو التشنيع والتهويل على أهل السنَّة بأنَّهم يجعلون الرِّجال فوق الكتاب والسنَّة، وهذا من أقبح الكذب وأشدِّ الإفك، فمَن من أهل السنَّة فهم هذا الفهم الخاطئ وقال هذه المقالةَ القبيحة، بل إنَّ أهل السنَّة هم المتمسِّكون بالكتاب والسنَّة، المقدِّمون لهما على قول كلِّ أحد، قال الإمام الشافعي ﵀ كما في كتاب الروح لابن القيم (ص: ٣٩٦) : "أجمع الناسُ على أنَّ مَن استبانت له سنَّةُ رسول الله ﵌ لم يكن له أن يَدَعها لقول أحد".
وأمَّا غير أهل السنَّة من أهل البدع أسلاف المالكي فهم الذين يُعوِّلون على العقول ويتَّهمون النقول، فإن كان النقلُ آحاداً فهو عندهم ظنيُّ الثبوت فلا يُعوَّل عليه في أصول الدِّين، وإن كان قرآناً أو سنَّةً متواترةً ـ وهو لا يتفق مع أهوائهم الفاسدة ـ قالوا: قطعي الثبوت ظنيُّ الدلالة، فلا يُعوَّلُ عليه!!
١١ ـ وقال في (ص: ١٧٩ ـ ١٨٠) : "راجع المسائل السابقة التي في هذا الكتاب ثم فتِّش في سير الصحابة والتابعين وانظر مَن منهم فضَّل الآثار وأقوال الرجال على القرآن الكريم؟!
ومن منهم جعل المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني؟!
ومن منهم كفَّر المسلمين؟!
ومن منهم تسمَّى بغير الإسلام؟!
ومن منهم زهَّد في كبائر الذنوب؟!
ومن منهم غلا في علمائهم وكبارهم؟!
ومن منهم أفتى باغتيال المخالفين له في الرأي؟!
стр. 178
ومن منهم شبَّه الله بخلقه؟!
ومن منهم ركَّز على الجزئيات وترك الأصول؟!
ومن ومن ... إلخ".
والجواب: أنَّ هذا من المالكي اتِّهام لأهل السنَّة بهذه العظائم، وسبق له أن اتَّهمهم بأكثر من ذلك، ومرَّت الإجابة على بعض هذه الأمور التي ذكرها هنا، وبعضها لم تسبق الإجابة عليه، وفيما يلي الإجابة باختصار عنها:
ـ أمَّا زعم المالكي أنَّ الحنابلةَ وغيرَهم من أهل السنَّة يُفضِّلون الآثار وأقوال الرِّجال على القرآن الكريم، فهو قولٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة وحدَهم هم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهم الذين يُعظِّمون النصوصَ الشرعية ويُعوِّلون عليها، ويذكرون الآثار التي توافقها أو تبيِّنها، ولا يقولون بتقديم الآراء على النصوص؛ لأنَّ تقديمَ الآراء على النصوص شأنُ أهل البدع، الذين تعويلُهم على علم الكلام وأقوال الرِّجال، وليس على النصوص الشرعيّة.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يجعلون المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني، فقد مرَّت الإجابة عن ذلك قريباً.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُكفِّرون المسلمين، فهو زعمٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة لا يُكفِّرون إلاَّ مَن كفَّره الله ورسوله ﷺ ، بل إنَّ أهل السنَّة يعتبرون الفرقَ الثنتين والسبعين التي جاء في حديث رسول الله ﷺ أنَّها في النار، يعتبرونهم مسلمين من أمَّة الإجابة، فكيف يزعم هذا الحاقدُ على أهل السنَّة أنَّهم يُكفِّرون المسلمين، وهذه عقيدتُهم في فرق الضلال المختلفة؟!
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة تسمَّوا بغير الإسلام، حيث قالوا: إنَّهم أهل سنَّة، وإنَّهم على منهج السلف، وهذا من إفكه وتلبيسه، فهم متسمُّون
стр. 179
بالإسلام كما تسمَّى به غيرهم من المبتدعة، ولكنَّهم يتميَّزون عنهم بانتسابهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة، والإسلامُ يشمل أهل السنَّة وغيرهم من فرق الضلال التي لم تصل بدعُهم إلى الكفر، لكنَّهم يمتازون عنهم بنسبتهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، فيُقال: مسلم سنِيٌّ، ومسلم بدعيٌّ.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب، فهذا كذبٌ عليهم؛ لأنَّهم يُحذِّرون منها، ويعتبرون مَن وقع فيها مؤمناً ناقصَ الإيمان، فلا يصفونه بالإيمان المطلق كما هو شأن المرجئة، الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعد، ولا يَسلبون عنه مطلقَ الإيمان كما هو شأن الخوارج والمعتزلة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعيد، فأهل السنَّة يعملون بنصوص الوعد والوعيد معاً، ولا يهملون شيئاً منها، ويقولون عن مرتكب الكبيرة: مؤمن بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، وأمَّا في الآخرة فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفى عنه، وإن حصل له العذاب فإنَّه يخرج من النار، ولا يخلد في النار إلاَّ الكفَّار الذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يغلون في علمائهم وكبارهم، فهذا من تهويله وحقده على أهل السنَّة، والغلوُّ في العلماء والكبار هو ديدنُ أهل البدع، وخاصَّة الرافضة منهم، وأمَّا أهل السنَّة فإن وُجد من فرد أو أفراد مبالغة في أحد من علمائهم فلا يُسوِّغ ذلك نسبة الغلوِّ إلى أهل السنَّة عموماً.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُفتون باغتيال المخالفين لهم في الرأي، فهذا من الكذب على أهل السنَّة؛ فإنَّ علماءهم لا يُفتون بقتل إلاَّ مَن كان مستحقًّا للقتل، ولعلَّ مرادَه في ذلك ما يتباكى عليه من قتل أئمَّة الضلال،
стр. 180
كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي وغيرهم، وقد زعم أنَّ قتلَهم كان سياسيًّا، ولم يكن من أجل بدعهم.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُشبِّهون اللهَ بخلقه، فهذا من أقبح ما افتراه على أهل السنَّة، فأهل السنَّة أثبتوا لله الصفات ولم يُشبِّهوه بالمخلوقات، فجمعوا بين الإثبات والتنزيه، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، بخلاف المشبِّهة الذين أثبتوا وشبَّهوا، وبخلاف النفاة، فإنَّهم أرادوا التنزيه لكنَّهم عطَّلوا ولم يُنزِّهوا.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة ركَّزوا على الجزئيات وتركوا الأصول، فهذا كذبٌ عليهم؛ فهم يُركِّزون على الكليَّات والجزئيات، ومستندهم في ذلك ما جاءت به نصوص الكتاب والسنَّة، وذلك بخلاف أهل البدع الذين يُعوِّلون على العقول وعلم الكلام في الكليَّات والجزئيات.
١٢ ـ قوله (ص: ١٨٠) : "فالبربهاري وابن بطة عندنا من السلف بينما الصحابة ليسوا من السلف، ولو كانوا عندنا من السلف الصالح لما خالفناهم في فهم الإسلام وفي الأمور التي سبق شرحها".
أقول: السلفُ الصالح عند أهل السنَّة والجماعة هم الصحابة ﵃ ومَن سلك سبيلَهم، ومنهجُهم في العقيدة اتِّباعُ الكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، والتقييد بفهمهم يُسمِّيه المالكي بدعة، وأهل السنَّة هم الذين يأخذون بنصوص الوحي وفقاً لفهم السلف من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، ولا يُخالفون الصحابة، بل الذين يخالفونهم هم أهل البدع الذين يُعوِّلون على علم الكلام، ولا يُعوِّلون على النصوص.
وقد ذكرتُ بين يدي شرحي مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني عشر فوائد في العقيدة، الفائدة الأولى: منهج أهل السنَّة والجماعة في العقيدة: اتِّباع
стр. 181
الكتاب والسنَّة على فهم السلف الصالح، وهذا يُسمِّيه المالكي بدعة، وأنا أوردُ هنا ما أثبتُّه هناك:
عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة مبنيَّةٌ على الدليل من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ وما كان عليه الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم، قال الله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وقال ﷺ في حديث العرباض بن سارية: " ... فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧) ، والترمذي (٢٦٧٦) وغيرهما، وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وفي صحيح البخاري (٧٢٨٠) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كلُّ أمَّتِي يدخلون الجنَّة إلاَّ مَن أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبَى؟ قال: مَن أطاعنِي دخل الجنَّة، ومَن عصانِي فقد أبَى".
стр. 182
وفي صحيح مسلم (٧٦٧) عن جابر بن عبد الله: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: "أمَّا بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالة".
وروى البخاري في صحيحه (١٥٩٧) ، ومسلم في صحيحه (١٢٧٠) عن عابس بن ربيعة، عن عمر ﵁: "أنَّه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال: إنِّي لأعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النَبِيَّ ﷺ يُقبِّلُك ما قبَّلتُك".
وروى البخاري في صحيحه (٢٦٩٧) ، ومسلم في صحيحه (١٧١٨) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ".
وما جاء في هذه الرواية أعمُّ من الأُولى؛ لأنَّها تشتمل على مَن كان مُحْدِثاً أو تابعاً لمحدث.
وروى الإمام أحمد (١٦٩٣٧) ، وأبو داود (٤٥٩٧) وغيرُهما - واللفظ لأحمد – عن معاوية ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهلَ الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإنَّ هذه الأمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة يعني الأهواء، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة".
وانظر تخريجه وشواهدَه في تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط وغيره على هذا الحديث في حاشية المسند.
وروى البخاري في صحيحه (٥٠٦٣) ، ومسلم في صحيحه (١٤٠١) عن أنس في حديث طويل، آخره: "فمَن رغب عن سُنَّتِي فليس منِّي".
стр. 183
وإنَّما كانت عقيدةُ أهل السنَّة والجماعة مبنيَّةً على الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ ما يُعتقد هو من علم الغيب، ولا يُمكن معرفة ذلك إلاَّ بالوحي كتاباً وسنَّة.
وما جاء في الكتاب العزيز وثبت في السُنَّة فإنَّ العقلَ السليم يُوافقه ولا يُعارضه، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – كتاب واسع اسمه: درء تعارض العقل والنقل.
والمعوَّل عليه في فهم النصوص ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ وما جاء عنهم من الفهم الصائب والعلم النافع، وقد فهموا معاني ما خوطبوا به من صفات الله ؛ لأنَّ الكتاب والسُّنَّة بلغتهم، مع تفويضهم علم كيفياتها إلى الله ؛ لأنَّ ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ هو سبحانه، كما جاء عن الإمام مالك بن أنس في بيان هذا المنهج الصحيح، حيث قال عندما سُئل عن كيفية الاستواء: "الاستواءُ معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وقد أوضح ما كان عليه الصحابةُ في صفات الله الشيخ أبو العباس أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة (٨٤٥ هـ) في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٢/٣٥٦) ، فقال: "ذِكْرُ الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملَّة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية: اعلم أنَّ الله تعالى لَمَّا بعث من العرب نبيَّه محمداً ﷺ رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربَّهم بما وصف به نفسَه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروحُ الأمين، وبما أوحى إليه ربُّه تعالى، فلم يسأله ﷺ أحدٌ من العرب بأسرهم قرَويُّهم وبَدويُّهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ وغير ذلك مِمَّا لله
стр. 184
فيه سبحانه أمرٌ ونهيٌ، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنَّة والنار؛ إذ لو سأله إنسانٌ منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة والملاحم والفتن ونحو ذلك مِمَّا تضمَّنته كتبُ الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومَن أمعن النَّظر في دواوين الحديث النَّبوي ووقف على الآثار السلفية، عَلِم أنَّه لَم يَرد قطُّ من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم ـ أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مِمَّا وصف الربُّ سبحانه به نفسَه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيِّه محمد ﷺ ، بل كلُّهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم! ولا فرَّق أحدٌ منهم بين كونها صفةَ ذات أو صفةَ فعل، وإنَّما أثبتوا له تعالى صفات أزليَّة: من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً، وهكذا أثبتوا – ﵃ – ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة: من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزَّهوا من غير تعطيل، ولم يتعرَّض مع ذلك أحدٌ منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدلُّ به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوَّة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحدٌ منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصرُ الصحابة ﵃ على هذا، إلى أن حدث في زمنهم القولُ بالقدر، وأنَّ الأمرَ أنفة، أي: أنَّ الله تعالى لم يُقدِّر على خلقه شيئاً مِمَّا هم عليه ... ".
стр. 185
وهذا الذي أوضحه المقريزي هو ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ قبل ظهور الفرق المختلفة، وقد قال ﷺ في حديث العرباض بن سارية الذي مرَّ ذكرُه قريباً: "فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وليس من المعقول أن يُقال في شيء من مذاهب هذه الفرق المختلفة في العقيدة التي حدثت في أواخر عهد الصحابة وبعده، كالقدرية والمرجئة والأشاعرة وغيرها، ليس من المعقول أن يُقال في شيء من ذلك: إنَّه الحقُّ والصواب، بل الحقّ الذي لا شكَّ فيه هو ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولو كان شيء من هذه المذاهب حقًّا لسبقوا إليه ﵃ وأرضاهم، فلا يُعقل أن يُحجب حقٌّ عن الصحابة ويُدَّخر لأناس يجيئون بعدهم، قال إبراهيم النخعي كما في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/٩٧) : "لَم يُدخَّر لكم شيءٌ خُبِّئَ من القوم لفضل عندكم".
وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ كلاماً نفيساً لأبي المظفر السمعاني، فقال (١٣/٥٠٧) : "واستدلَّ أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلِّمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجَوهر وعرض، قالوا فالجسمُ ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما حمل العرض، والعرض ما لا يَقوم بنفسه، وجعلوا الرُّوح من الأعراض، وردُّوا الأخبارَ في خَلق الرُّوح قبل الجسد والعقل قبل الخلق، واعتمدوا على حَدْسهم وما يؤدِّي إليه نظرُهم، ثم يَعرضون عليه النصوصَ فما وافقه قبلوه وما خالفه ردُّوه، ثمَّ ساق هذه الآيات ونظائرَها من الأمر بالتبليغ، قال:
стр. 186
وكان مِمَّا أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصلُ ما أمرَ به فلم يترك شيئاً من أمور الدِّين أصولَه وقواعدَه وشرائعَه إلاَّ بلَّغه، ثمَّ لَم يَدْعُ إلى الاستدلال بما تَمسَّكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرفٌ واحدٌ فما فوقه، فعُرف بذلك أنَّهم ذهبوا خلافَ مذهبهم وسلكوا غيرَ سبيلهم بطريق مُحدَث مُخترَع لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابُه ﵃، ويلزم من سلوكه العودُ على السلف بالطعن والقَدْح، ونسبتهم إلى قلَّة المعرفة واشتباه الطرق، فالحذر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بمقالاتهم؛ فإنَّها سريعةُ التهافت كثيرةُ التناقض، وما من كلام تَسمعه لفرقة منهم إلاَّ وتَجدُ لخصومهم عليه كلاماً يوازنه أو يقاربه، فكلٌّ بكلٍّ مقابل، وبعضٌ ببعضٍ مُعارَض، وحسبُك من قبيح ما يلزم من طريقتهم أنَّا إذا جَرينا على ما قالوه وألزمنا الناسَ بما ذكروه لزِم مِن ذلك تكفيرُ العوَام جميعاً؛ لأنَّهم لا يعرفون إلاَّ الاتِّباعَ المجرَّد، ولو عُرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرُهم فضلاً عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنَّما غاية توحيدهم التزامُ ما وجدوا عليه أئمَّتَهم في عقائد الدِّين والعضُّ عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار بقلوبٍ سليمة طاهرة عن الشُّبَه والشكوك، فتراهم لا يَحيدون عما اعتقدوه ولو قُطِّعوا إرَباً إرَباً، فهنيئاً لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كُفِّر هؤلاء وهم السواد الأعظم وجمهور الأمَّة، فما هذا إلاَّ طَيُّ بِساط الإسلام وهدمُ مَنَار الدِّين، والله المستعان".
وما جاء في كلام أبي المظفر من ذِكر خلق العقل فيه نظر؛ قال ابن القيم في كتابه المنار المنيف (ص: ٥٠) : "ونحن ننبِّه على أمور كليَّة يُعرف بها كون الحديث موضوعاً" إلى أن قال (ص: ٦٦) : "ومنها أحاديث العقل، كلُّها
стр. 187
كذب ... وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصحُّ في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم ابن حبان، والله أعلم".
وقد نقل الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري نقولاً عن جماعة من السلف في إثبات الصفات من غير تشبيه أو تحريف أو تعطيل، وختم ذلك بكلام نفيس له، ومِمَّا قاله (١٣/٤٠٧ – ٤٠٨) : "وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبةُ وحماد بنُ زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدِّدون ولا يشبِّهون، ويروُون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف، قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرُنا.
وأسند اللاَّلكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقاتُ عن رسول الله ﷺ في صفة الرَّبِّ من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسَّر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عمَّا كان عليه النَبِيُّ ﷺ وأصحابُه وفارق الجماعةَ؛ لأنه وَصفَ الرَّبَّ بصفَة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ ومالكاً والثوريَّ والليث ابنَ سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
وأخرج ابنُ أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى: سمعتُ الشافعيَّ يقول: لله أسماء وصفاتٌ، لا يَسَع أحداً رَدُّها، ومَن خالف بعد ثبوت الحجَّة عليه فقد كفر، وأمَّا قبل قيام الحجة فإنَّه يُعذر بالجهل؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبتُ هذه الصفات، ونَنفي عنه التشبيهَ، كما نفَى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
стр. 188
وأسند البيهقيُّ بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان بن عيينة قال: كلُّ ما وَصف الله به نفسَه في كتابه فتفسيرُه تلاوتُه والسكوتُ عنه.
ومن طريق أبي بكر الضُّبَعي قال: مذهبُ أهل السنة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: بلا كيف، والآثارُ فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال الترمذي في الجامع عَقب حديث أبي هريرة في النُزول: وهو على العرش كما وصفَ به نفسه في كتابه، كذا قال غيرُ واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة: قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتَوهَّم، ولا يُقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عُيينة وابن المبارك أنَّهم أَمَرُّوها بلا كيف، وهذا قولُ أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأمَّا الجهميَّةُ فأنكروها، وقالوا هذا تشبيهٌ. وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يكون التشبيهُ لو قيل يدٌ كيَدٍ، وسَمعٌ كسمعٍ.
وقال في تفسير المائدة: قال الأئمةُ: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم: الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر: أهلُ السُّنَّة مُجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ولم يُكَيِّفوا شيئاً منها، وأمَّا الجهميَّةُ والمعتزلةُ والخوارجُ فقالوا: مَن أقرَّ بها فهو مشبِّهٌ، فسمَّاهم مَن أقَرَّ بها مُعَطِّلةً.
وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: اختلفت مسالكُ العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضُهم تأويلَها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يَصحُّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويضِ معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأياً ونَدين الله به
стр. 189
عقيدةً اتِّباع سلف الأمَّة؛ للدَّليل القاطع على أنَّ إجماعَ الأمَّة حُجةٌ، فلو كان تأويلُ هذه الظواهر حتماً لأوشكَ أن يكون اهتمامُهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرُ الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتَّبَع. انتهى.
وقد تقدَّم النقلُ عن أهل العصر الثالث وهم فقهاءُ الأمصار، كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومَن عاصرهم، وكذا مَن أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يُوثَق بما اتَّفق عليه أهلُ القرون الثلاثة، وهم خيرُ القرون بشهادة صاحبِ الشريعة".
وما جاء في كلام الجوينِي من أنَّ السَّلف يُفوِّضون معاني الصفات إلى الله غير صحيح؛ فإنَّهم يُفوِّضون في الكيف، ولا يُفوِّضون في المعنى، كما جاء عن مالك ﵀، فقد سُئل عن كيفية الاستواء؟ فقال: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
стр. 190
٢٨ ـ زعمه أنَّ تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية تقسيمٌ مبتدَع، والردُّ عليه
أورد المالكي في (ص: ١١٦) عنواناً بلفظ: "التكفير عند ابن تيمية"، قال فيه: "إنَّ التأصيل للتكفير موجود في كلامه عندما بالغ في التفريق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فهوَّن من شأن الأول، وبالغ في شأن الثاني، والتفريق نفسه تفريق مبتَدَع، ليس في كتاب الله ولا سنَّة رسوله، ولم يَقُل بهذا التفريق أحدٌ من الصحابة ولا التابعين؛ فالتوحيد شأنه واحد، وهذا التفريق هو الذي جعل مقلِّدي ابن تيمية يزعمون أنَّ الله لم يبعث الرسل إلاَّ
стр. 191
من أجل توحيد الألوهية، أمَّا توحيد الربوبية فقد أقرَّ به الكفار، ونسوا أنَّ فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، وأنَّ صاحب إبراهيم قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، فضلاً عن سائر الملحدين في الماضي والحاضر، وغير ذلك مِمَّا يؤكِّد أنَّ الرسلَ بُعثوا للإقرار بوجود الإله وربوبيَّته واستحقاقه للعبادة، وبُعثوا بسائر أنواع العبادة والأخلاق وتحريم المحرَّمات وغير ذلك.
أقول: وهذا التفريق والاستنتاجات السابقة جرَّأت مقلِّدي ابن تيمية ﵀ وسامحه ـ على تكفير المسلمين الذين حصل لهم خطأ في الاعتقاد، وكان الأولى أن يُخطَّؤوا أو يُبدَّعوا إن ثبت عليهم ذلك، لا أن يُتَّهموا بالشرك وهم قائمون بأركان الإسلام وأركان الإيمان، بل جرَّت الخصومةُ ابنَ تيمية لإطلاق عبارات فهم منها تكفيره لسائر المتكلِّمين من المسلمين وسائر المخالفين له في الرأي من الفرق الإسلامية، والغريب أنَّ ابن تيمية ﵀ يدعو لهجر الكلام والفلسفة وعرض الدِّين من النصوص الشرعية، بينما هو هنا يأتي بشيء لم يُؤثر في كتاب الله ولا سنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو الناس إلى الشهادَتين ونبذ عبادة الأوثان وتأدية أركان الإسلام كما في حديث معاذ بن جبل في بعثه إلى اليمن، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة الوفيرة التي لم نجد فيها هذا التقسيم المبتدَع!!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ ـ لم يورد المالكي تحت هذا العنوان"التكفير عند ابن تيمية" نقولاً عن ابن تيمية في التكفير، بل أطلق اتِّهامه في ذلك، ودندن على التشنيع بتقسيم التوحيد عند أهل السنَّة إلى توحيد ربوبية وألوهية، وزعم أنَّ هذا
стр. 192
التقسيم جرَّأ مقلِّدي ابن تيمية على تكفير المسلمين، وكلُّ ما أورده يدلُّ على الحقد الشديد على أهل السنَّة في كلِّ شيء تميَّزوا به عن أهل البدع والضلال.
٢ ـ تقسيم التوحيد إلى ربوبيَّة وألوهية جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة، فيها بيان أنَّ الكفَّار الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ مُقرُّون بتوحيد الربوبية، ومنكرون لتوحيد الألوهيَّة، ويُقرِّر الله في هذه الآيات توحيد الربوبيَّة الذي أقرَّ به الكفار؛ لإلزامهم بتوحيد الألوهية الذي جحدوه، ومن هذه الآيات قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، فبدأها بالأمر بعبادة الله، وختمها بالنهي عن الشرك، وقرَّر فيما بين ذلك توحيد الربوبية؛ لبيان أنَّ مَن تفرَّد بالخلق والإيجاد وإنزال المطر وإخراج الرزق من الأرض هو المستحقُّ لأَنْ يُعبد وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 193
وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
٣ ـ قوله: "وهذا التفريق هو الذي جعل مقلِّدي ابن تيمية يزعمون أنَّ الله لم يبعث الرسل إلاَّ من أجل توحيد الألوهية، أمَّا توحيد الربوبية فقد أقرَّ به الكفار!! ".
أقول: إنَّ بَعْثَ الله الرسل وإنزاله الكتب جاء في القرآن أنَّ ذلك لعبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وقد جاءت الآيات في ذلك على سبيل الإجمال والتفصيل، أمَّا الإجمال ففي مثل قول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
ومن الآيات التي فيها التفصيل قوله تعالى في الأعراف عن نوح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقوله عن هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقوله عن صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقوله عن شعيب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ
стр. 194
أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ، وقال عن كلٍّ من هود وصالح وشعيب أنَّه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال في سورة الشعراء عن كلٍّ من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب أنَّهم قالوا لأقوامهم: ﴿أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ، وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
فهذه الآيات كلُّها تدلُّ على أنَّ الرسلَ إنَّما بُعثوا لأمر أقوامهم بعبادة الله وحده دون مَن سواه، وعلى هذا فأهل السنة جعلوا عنايتهم واهتمامهم بما اعتنى به الرسل وبلَّغوه لأقوامهم، وهذا بخلاف غيرهم من أهل البدع، الذين جعلوا عنايتهم بتقرير توحيد الربوبية والاشتغال بالاستدلال على وجود الله وإهمال بيان توحيد الألوهيَّة والتحذير من الشِّرك، مِمَّا ترتَّب على ذلك افتتان كثير من المسلمين بالاستغاثة بغير الله ودعائه والذبح له، وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفُها لغير الله سبحانه، ومَن حصل منه ذلك وبلغته الحجَّة ولم يَتُب منه فهو مشركٌ بالله، وهذا هو الشركُ الذي بعث اللهُ الرسلَ لدعوة أقوامهم إلى تركه، أمَّا توحيد الربوبية فإنَّ الآيات الكريمة التي مرَّ ذكرُها تدلُّ على اعترافهم به، ولم يَقُل أحدٌ منهم: إنَّه مشاركٌ لله في الخلق والإيجاد.
٤ ـ قوله: "ونسوا أنَّ فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، وأنَّ صاحب إبراهيم
стр. 195
قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، فضلاً عن سائر الملحدين في الماضي والحاضر، وغير ذلك مِمَّا يؤكِّد أنَّ الرسلَ بُعثوا للإقرار بوجود الإله وربوبيَّته واستحقاقه للعبادة، وبُعثوا بسائر أنواع العبادة والأخلاق وتحريم المحرَّمات وغير ذلك!! ".
أقول: لَم ينسَ أهلُ السنَّة ما ذكره الله عن فرعون ومَن حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ لأنَّهما مثالان من شواذ الخلق، ولم يذكر الله عن رسله أنَّهم أمروا أقوامَهم بأن يُقرُّوا بوجود الله وربوبيَّته للعالَمين، بل إنَّما أمروهم بعبادة الله وحده، كما هو واضح من الآيات المتقدِّمة؛ وذلك لأنَّ الكفَّار الذين بُعثوا فيهم إمَّا مقرُّون بربوبية الله، وإمَّا منكرون لها علوًّا واستكباراً، كما قال الله : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ، وقال الله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينََ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ ، وعدم إقرار فرعون بربوبية الله هو من قبيل تجاهل العارف، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ، وقال : ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا
стр. 196
مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
٥ ـ أقسام التوحيد عند أهل السنَّة ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الألوهية: توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والذبح والنذر وغيرها من أنواع العبادة، كلُّها يجب على العباد أن يخصُّوا الله تعالى بها، وأن لا يجعلوا له فيها شريكاً.
وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله، كالخلق والرَّزق والإحياء والإماتة والتصرف في الكون، وغير ذلك من أفعال الله التي هو مختصٌّ بها، لا شريك له فيها.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، من غير تمثيل أو تكييف، ومن غير تحريف أو تعطيل.
وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنَّة، ويتَّضح ذلك بأوَّل سورة في القرآن وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد الثلاثة.
فأمَّا سورة الفاتحة، فإنَّ الآيةَ الأولى منها، وهي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتملةٌ على هذه الأنواع، فإنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيها توحيد الألوهية؛ لأنَّ إضافةَ الحمد إليه من العباد عبادةٌ، وفي ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إثباتُ توحيد الربوبيَّة، والعالَمون هم كلُّ مَن سوى الله؛ فإنَّه ليس في الوجود إلاَّ خالق ومخلوق، والله الخالق وكلُّ مَن سواه مخلوق، و (الله) و (الربُّ) اسمان لله.
стр. 197
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مشتملٌ على توحيد الأسماء والصفات، و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفة من صفات الله، وهي الرحمة، وأسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، وليس فيها اسمٌ جامد، وكلُّ اسم من الأسماء يدلُّ على صفة من صفاته.
وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية.
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية.
وأمَّا سورة الناس فقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات أنواع التوحيد الثلاثة؛ فإنَّ الاستعاذة بالله من توحيد الألوهية.
و ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل قول الله في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الربوبية والأسماء والصفات.
و ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات.
وللابن عبد الرزاق ـ حفظه الله ووفقه لكلِّ خير ـ في ذلك رسالة مفيدة بعنوان: "القول السديد في الردِّ على من أنكر تقسيم التوحيد".
стр. 198
٢٩ ـ تشنيعه على الإمام أحمد في مسألة التكفير، والردُّ عليه
سوَّد المالكي عدَّة صفحات في التشنيع على الإمام أحمد ﵀ فيما نُقل عنه من تكفير مَن قال بخلق القرآن، وقال في (ص: ١٠٩ ـ حاشية) معلِّلاً هذا التكفير: "خروج أحمد منتصراً من السجن بعد أن ظُلم من المعتزلة وسلطتهم، وكان لنشوة الانتصار والغضب على الخصوم أثر على حدَّة الإمام في التكفير والتبديع ... وللأسف أنَّ أغلب المنتصرين لا يتحكمون في عواطفهم، خصوصاً إذا كانت الدولة والعامة معهم، فالقلائل من عقلاء الناس يتحكمون في خصوماتهم حتى لا تخرج عن الشرع!! ".
وهذا منه اتِّهام للإمام أحمد بأنَّ المنقولَ عنه في تكفير مَن قال بخلق القرآن ناتجٌ عن الحدَّة والغضب والعاطفة دون مراعاة لحدود الشرع، ومع هذا الاتِّهام يزعم زوراً أنَّه حنبليٌّ نسبة للإمام أحمد، وهو لَم يَأْلُ جهداً في التشنيع عليه وعلى الحنابلة من بعده، وكأنَّه لَم ير أحداً من العلماء نُقل عنه تكفير من قال بخلق القرآن إلاَّ الإمام أحمد، وقد اطَّلع المالكي ـ وهو ينقِّب عن مثالب لأهل السنة ليشنِّع بها عليهم ـ على كتاب شرح السنة للاَّلكائي، وهو مشتملٌ على ذكر المئات من أهل العلم، نَقل عنهم القولَ بأنَّ القرآن كلامُ الله غير مخلوق، وأكثرهم نقل عنه القول بتكفير من قال بخلق القرآن، وذلك فيما يقرب من مائة صفحة من (٢/٢٢٧ إلى ٣١٢) ، ومنهم الأئمَّة مالك والشافعي والبخاري وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح والأوزاعي والليث بن سعد ويحيى بن يحيى النيسابوري وعبد الله بن المبارك وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقال في (ص: ٣١٢) : "فهؤلاء خمس مائة وخمسون نفساً أو أكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمَّة المرضيِّين، سوى الصحابة الخيِّرين، على اختلاف الأعصار ومضيِّ السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام، مِمَّن
стр. 199
أخذ الناسُ بقولهم وتديَّنوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول المحدِّثين لبلغت أسماؤهم ألوفاً كثيرة، لكنِّي اختصرتُ وحذفتُ الأسانيد للاختصار، ونقلتُ عن هؤلاء عصراً بعد عصر، لا يُنكر عليهم منكر، ومَن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه".
أقول: هذا العدد الكبير من العلماء الذين سمَّاهم اللالكائي وهم بالمئات، والذين أشار إليهم ولم يذكر أسماءَهم وهم بالألوف هم أهل العلم بالكتاب والسنَّة، وهم أهل الحقِّ والهدى، فمَن العلماء غيرهم؟ وماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال؟
стр. 200
٣٠ ـ رميه أهل السنَّة بالنَّصب وزعمه أنَّ ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير نواصب، والردُّ عليه
سوَّد عدَّةَ أوراق في رمي أهل السنَّة بالنَّصب، وتسمية جماعات منهم، ثم قال (ص: ٦٤ ـ ٦٥) : "ثم جاء بعد هؤلاء آل تيمية بحرَّان، ثم دمشق، وابن كثير ﵀ كان فيه نصب إلى حدٍّ كبير، والذهبي إلى حدٍّ ما، أما ابن تيمية إلى حدٍّ لا يُنكره باحث منصف، فاشتهر عنه النصب، وكُتبه تشهد بذلك، ولذلك حاكمه علماء عصره على جملة أمور، منها بغض علي، ولم يُحاكموا غيره من الحنابلة، مع أنَّ فيهم نصباً ورثوه عن ابن بطة وابن حامد والبربهاري وابن أبي يعلى وغيرهم.
والتيار الشامي العثماني له أثر بالغ على الحياة العلمية عندنا في الخليج، وهذا من أسرار حساسيتنا من الثناء على الإمام علي أو الحسين، وميلنا الشديد لبني أميَّة، فتنبَّه!!
стр. 201
والنواصب لهم أقوال عجيبة كعجائب غلاة الشيعة، فمنهم من كان ينشد الأشعار التي قيلت في هجاء النَّبيِّ ﷺ ، ومنهم من يلعن عليًّا وهم الأكثر، ومنهم من يتَّهم عليًّا بمحاولة اغتيال النَّبيِّ ﷺ ، ومنهم من يحرِّف الأحاديث في فضله إلى ذمٍّ، وغير ذلك مِمَّا لا أستحل ذكره هنا، والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها مَن يذمُّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه!! ".
وقال في (ص: ١٧٦) : "ثم تتابع علماء الشام كابن تيمية وابن كثير وابن القيم ـ وأشدُّهم ابن تيمية ـ على التوجس من فضائل علي وأهل بيته، وتضعيف الأحاديث الصحيحة في فضلهم، مع المبالغة في مدح غيرهم!!
وعلماء الشام ـ مع فضلهم ـ بشرٌُ لا ينجون من تأثير البيئة الشامية التي كانت أقوى من محاولات الإنصاف، خاصة مع استئناس هؤلاء بالتراث الحنبلي الذي خلفه لهم ابن حامد وابن بطة والبربهاري وعبد الله بن أحمد والخلال وأبو بكر ابن أبي داود!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ ـ النواصب عند أهل السنَّة هم الذين ينالون من أهل بيت الرسول ﷺ ويُؤذونهم، والنواصب عند المالكي وأسلافه من الرافضة هم الذين لا يغلون في عليٍّ وزوجه فاطمة وبعض أولاده، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية عقيدة أهل السنَّة في أهل البيت وبراءتهم من طريقة الروافض والنواصب، فقال في العقيدة الواسطية: "ويُحبُّون (يعني أهل السنَّة والجماعة) أهلَ بيت رسول الله ﷺ ويتولَّونهم، ويحفظون فيهم وصيَّة رسول الله ﷺ ، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" ... " إلى أن قال: "ويتبرَّؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة
стр. 202
ويَسبُّونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل"، وقد أوردتُ نقولاً كثيرة عن الصحابة ومَن سار على نهجهم في بيان فضل أهل البيت وتوقيرهم، وذلك في كتابي: "فضل أهل البيت وعلوِّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة".
٢ ـ أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له نصيب كبير من حقد المالكي، والذي زعم زوراً أنَّه يُبغض عليًّا ﵁، فله كتاب"فضل أهل البيت وحقوقهم"، وهو مطبوع، وقد أثنى على عليٍّ وأهلِ البيت في كُتبه، ومن ذلك قوله في منهاج السنة (٦/١٧٨) : "وعلي ﵁ ما زالا ـ أي أبو بكر وعمر ـ مُكرِمَيْن له غاية الإكرام بكلِّ طريق، مقدِّمين له بل ولسائر بني هاشم على غيرهم في العطاء، مُقدِّمَين له في المرتبة والحرمة والمحبَّة والموالاة والثناء والتعظيم، كما يفعلان بنظرائه، ويفضِّلانه بما فضَّله الله به على من ليس مثله، ولم يُعرف عنهما كلمة سوء في عليٍّ قطُّ، بل ولا في أحد من بني هاشم" إلى أن قال: "وكذلك عليٌّ ﵁، قد تواتر عنه من محبَّتهما وموالاتهما وتعظيمهما على سائر الأمَّة ما يُعلم به حاله في ذلك، ولم يُعرف عنه قطُّ كلمة سوء في حقِّهما، ولا أنَّه كان أحقَّ بالأمر منهما، وهذا معروف عند مَن عرف الأخبار الثابتة المتواترة عند الخاصّة والعامة، والمنقولة بأخبار الثقات".
وقال أيضاً (٦/١٨) : "وأمَّا علي ﵁، فأهل السنَّة يُحبُّونه ويتولَّونه، ويشهدون بأنَّه من الخلفاء الراشدين والأئمَّة المهديين".
وقال أيضاً في الوصية الكبرى كما في مجموع فتاواه (٣/٤٠٧ ـ ٤٠٨) :
((وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإنَّ الله جعل لهم حقًّا في الخُمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على
стр. 203
رسول الله ﷺ ، فقال لنا: (قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد) ، وآل محمد هم الذين حرُمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء ﵏؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الصدقة لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد"، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ، وحرَّم الله عليهم الصدقة؛ لأنَّها أوساخ الناس"، وقال أيضاً كما في مجموع فتاواه (٢٨/٤٩١) : "وكذلك أهل بيت رسول الله ﷺ تجب محبَّتُهم وموالاتهم ورعاية حقِّهم".
٣ ـ وأمَّا الإمام الذهبي فقد أثنى على عليٍّ ﵁ ثناءً عظيماً، وألَّف في مناقبه كتاباً خاصًّا، قال في كتابه تذكرة الحفاظ (١/٩) : "علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي، قاضي الأئمَّة وفارس الإسلام وختن المصطفى ﷺ ، كان مِمَّن سبق إلى الإسلام ولم يتلعثم، وجاهد في الله حقَّ جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، وشهد له النَّبيُّ ﷺ بالجنَّة، وقال: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه"، وقال له: "أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بعدي"، وقال: "لا يحبُّك إلاَّ مؤمن ولا يبغضك إلاَّ منافق"، ومناقب هذا الإمام جَمَّة أفردتُها في مجلد، وسمَّيته بـ (فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ﵁ ، وكان إماماً عالماً متحريًّا في الأخذ، بحيث إنَّه يستحلف مَن يحدِّثه بالحديث".
٤ ـ وأمَّا الإمام ابن القيم فقد قال في بيان منزلة أهل البيت في كتابه الصواعق المرسلة كما في مختصره لابن الموصلي (١/٩٠) في بيان أسباب قبول التأويل الفاسد: "السبب الثالث: أن يَعْزُو المتأوِّلُ تأويلَه إلى جليلِ
стр. 204
القَدْر، نبيلِ الذِّكر، مِن العقلاء، أو مِن آل بيت النَّبيِّ ﷺ ، أو مَن حصل له في الأمَّة ثناءٌ جميل ولسانُ صِدق؛ ليُحلِّيه بذلك في قلوب الجُهَّال، فإنَّه من شأن الناسِ تعظيمُ كلامِ مَن يَعظُمُ قدْرُه في نفوسهم، حتى إنَّهم لَيُقدِّمون كلامَه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلمُ بالله منَّا!
وبهذا الطريق توصَّل الرافضةُ والباطنيَّةُ والإسماعليَّةُ والنُّصيريَّة إلى تنفيقِ باطلهم وتأويلاتِهم حين أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ﷺ ؛ لِمَا علموا أنَّ المسلمين متَّفقون على مَحبَّتِهم وتعظيمِهم، فانتمَوا إليهم وأظهروا مِن مَحبَّتِهم وإجلالهم وذِكر مناقبهم ما خُيِّل إلى السَّامع أنَّهم أولياؤهم، ثم نفقوا باطلَهم بنسبتِه إليهم.
فلا إله إلاَّ الله! كم مِن زندقَةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ قد نفقت في الوجود بسبب ذلك، وهم بُرآءُ منها.
وإذا تأمَّلتَ هذا السَّببَ رأيتَه هو الغالب على أكثر النفوس، فليس معهم سوى إحسان الظنِّ بالقائل، بلا بُرهان من الله قادَهم إلى ذلك، وهذا ميراثٌ بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرُّسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، وهذا شأنُ كلِّ مقلِّدٍ لِمَن يعظمه فيما خالف فيه الحقَّ إلى يوم القيامة".
٥ ـ وأمَّا الإمام ابن كثير، فقد قال في تفسيره لآية الشورى بعد أن بيَّن أنَّ الصحيح تفسيرها بأنَّ المرادَ بـ ﴿الْقُرْبَى﴾ بطون قريش، كما جاء ذلك في تفسير ابن عباس للآية في صحيح البخاري، قال ﵀: "ولا نُنكرُ الوُصاةَ بأهل البيت والأمرَ بالإحسان إليهم واحترامِهم وإكرامِهم؛ فإنَّهم من ذريَّةٍ طاهرَةٍ، مِن أشرف بيتٍ وُجِد على وجه الأرض، فخراً وحسَباً ونَسَباً، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان سلفُهم، كالعباس وبنيه، وعليٍّ وأهل بيته وذريَّتِه، ﵃ أجمعين".
стр. 205
وبعد أن أورد أثرَين عن أبي بكر ﵁، وأثراً عن عمر ﵁ في توقير أهل البيت وبيان علوِّ مكانتِهم، قال: "فحالُ الشيخين ﵄ هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضلَ المؤمنين بعد النَّبيِّين والمرسَلين، ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين".
٦ ـ قوله: "والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها مَن يذمُّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه!! ".
أقول: أهل السنَّة لم يسكتوا عن المالكي الذي ذمَّ أصحابَ رسول الله ﷺ وقال: إنَّهم يُذادون عن الحوض ويُؤمر بهم إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همَل النعم، فكيف يسكتون عمَّن يذمُّ الرسول ﷺ ؟! ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ﷺ .
وأمَّا ما زعمه أنَّ من النواصب مَن يتَّهم عليًّا بمحاولة اغتيال النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ منهم من ينشد الأشعار في هجاء الرسول ﷺ ، فهو من أسوأ هذيان المالكي، والعجيب أنَّه لم يحمله الحياء على ترك التفوه بهذا الإفك المبين.
وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة في الخليج في هذا العصر عندهم حساسية من الثناء على عليٍّ والحسين ﵄، فهو من أقبح الكذب وأبطل الباطل؛ فإنَّ أهل السنَّة في هذه البلاد يُعظِّمون عليًّا ﵁ وغيرَه من أهل البيت ويتوَلَّونهم جميعاً، فلا يغلون في أحد منهم ولا يجفون في أحد.
وأهل السنَّة في هذه البلاد بخير، ولا يسوؤهم ويكدر صفوهم إلاَّ وجود المالكي وأمثاله من أهل الزيغ والضلال بينهم.
стр. 206
٣١ ـ استشهاده لباطله بكلام لعَمرو بن مُرَّة ومحمد بن إبراهيم الوزير والمقبلي والصنعاني والقاسمي، والردُّ عليه
أورد في نهاية قراءته المزعومة في كتب العقائد ملحقاً بعنوان: "ملحق بأقوال بعض العلماء والباحثين قديماً وحديثاً"، قال فيه: "هذا الملحق خاصٌّ ببعض الأقوال لبعض العلماء والمهتمين في الماضي والحاضر، أحببت إيرادها هنا لتعلقها بالموضوع، ولم أشأ أن أتوسَّع في ذكر النماذج، وإلاَّ فهي كثيرة والحمد لله، لكن سأختار ما يتفق مع المنهج الذي طرحته في هذا الكتاب أو كان قريباً من ذلك، وقد اكتشفت بأنَّ هذا المنهج ـ الذي يرجع للكتاب والسنَّة ولا يتعصَّب للطوائف الأخرى أو على الأقل يحاول الإنصاف ـ كثير طرقه عند علماء المسلمين وباحثيهم، سنذكر منهم على سبيل المثال بعض النماذج!! ".
ثم ذكر خمسة من العلماء مضوا، وهم عمرو بن مرَّة المتوفى سنة (١١٨هـ) ، ومحمد بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة (٨٤٠هـ) ، وصالح بن مهدي المقبلي المتوفى سنة (١١٠٨هـ) ، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢هـ) ، ومحمد جمال الدين القاسمي المتوفى سنة (١٣٣٢هـ) ، أراد بذكرهم الاستشهاد على ما زعمه من الاكتفاء بإسلام لا مجال فيه للحبِّ في الله والبغض في الله، ولا يُتعرَّض فيه لأمور العقيدة، ولا للتحذير من البدع، ويُكتفى فيه بإسلام جملي، مع الواجبات الظاهرة والمحرَّمات الظاهرة، وقد زعم أنَّ العلماء على هذه الطريقة كثيرون، ولكنَّه اختار منهم هؤلاء، ولا شكَّ أنَّه متكثِّر بهذا العدد القليل من قلَّة، وأنَّ إشارتَه إلى كثرتهم هي من قَبيل التهويل والتلبيس، وإلاَّ فكيف لم يظفر خلال الثمانية القرون الأولى إلاَّ
стр. 207
بشخص واحد، وهو عمرو بن مرة، مع أنَّ الأثر الذي أضافه إليه لم يثبت، كما سأبيِّنه قريباً.
وكذلك الأربعة الباقون، سأذكر من كلامهم ما يوضِّح أنَّهم في واد وهو في واد آخر، وأنَّهم يبيِّنون الحقَّ في العقيدة، ولا يكتفون بالإيمان الجملي المزعوم، الذي لا يُتعرَّضُ معه لمباحث العقيدة.
فأمَّا عمرو بن مرَّة، فقد أورد عنه أثراً من كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري المتوفى سنة (٣٧٥هـ) ، وهو بإسناده إلى مسعر بن كدام، قال: "ما أدركت من الناس من له عقلٌ كعقل ابن مرة، جاءه رجلٌ، فقال: عافاك الله، جئتُ مسترشداً، إنَّني رجلٌ دخلت في جميع هذه الأهواء، فما أدخل في هوى منها إلاَّ القرآن أدخلني فيه، ولم أخرج من هوى إلاَّ القرآن أخرجني منه، حتى بقيتُ ليس في يدي شيء؟
قال: فقال له عمرو بن مرة: الله الذي لا إله إلاَّ هو! جئتَ مسترشداً؟
فقال: والله الذي لا إله إلاَّ هو! لقد جئتُ مسترشداً.
قال: نعم! أرأيتَ هل اختلفوا في أنَّ محمداً رسول الله، وأنَّ ما أتى به من الله حقٌّ؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في القرآن أنَّه كتاب الله؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في دين الله أنَّه الإسلام؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في الكعبة أنَّها القبلة؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في الصلوات أنَّها خمس؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في رمضان أنَّه شهرهم الذي يصومونه؟ قال: لا.
стр. 208
قال: فهل اختلفوا في الحج أنَّه بيت الله الذي يحجُّونه؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنَّها من مائتي درهم خمسة؟ قال: لا.
قال: فهل اختلفوا في الغسل من الجنابة أنَّه واجب؟ قال: لا.
قال مسعر: فذكر هذا وأشباهه، ثم قرأ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ، فهل تدري ما المحكم؟ قال: لا. قال: فالمحكم ما اجتمعوا عليه، والمتشابه ما اختلفوا فيه، شد نيَّتك في المحكم، وإيَّاك والخوض في المتشابه، قال: فقال الرجل: الحمد لله الذي أرشدني على يديك، فوالله! لقد قمت من عندك وإنِّي لَحَسن الحال، قال: فدعا له وأثنى عليه".
وهذا الأثر في إسناده مَن لم أقف على تراجمهم، وفيه بشر بن عمارة الذي يروي عن مسعر، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: "ضعيف"، فهو غير ثابت عن عمرو بن مرة.
وقوله في متنه: "أرأيتَ هل اختلفوا في أنَّ محمداً رسول الله، وأنَّ ما أتى به من الله حقٌّ؟ "، أقول: ما جاء به النَّبيُّ ﷺ حقٌّ يجب الإيمان به جملة وتفصيلاً، ويدخل في ذلك كلُّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ ، والمالكي لا يقبل من الأحاديث الصحيحة إلاَّ ما يوافق هواه، وهو يزعم أيضاً أنَّه لا يعوِّل إلاَّ على ما كان من النصوص قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة، وهذه طريقة أهل البدع، الذين لا يأخذون بأحاديث الآحاد في العقيدة؛ لأنَّها ليست قطعيةَ الثبوت بزعمهم، ثم أيضاً فأهل السنَّة لم يختلفوا في أنَّ القرآنَ كلامُ الله وأنَّه غير مخلوق، وأن الله يُرى في الدار الآخرة، وأنَّ عذاب القبر حقٌّ، وهذه المسائل الثلاث وغيرها مِمَّا خالف فيها بعض المبتدعة، والمالكي لا يريد ذكر شيء فيه اختلاف بين أهل السنَّة وغيرهم من فرق الضلال.
стр. 209
وأمَّا محمد بن إبراهيم الوزير، فلَم ينقل عنه كلاماً، بل اكتفى بقوله (ص: ٢٠٨) : "كل كتاب إيثار الحق على الخلق"، ولم يتحقَّق له ما أراده من الاستشهاد لكون الحقِّ لا يكون مع فرقة معيَّنة إلاَّ نادراً، وأنَّ كلًَّ فرقة ممسكة بطرف من الحقِّ كما زعم ذلك؛ فإنَّ باقي عنوان الكتاب يدلُّ على ردِّ الخلاف إلى القول الحقِّ؛ إذ إنَّ عنوانَ كتابه: "إيثار الحقِّ على الخلق في ردِّ الخلافات إلى المذهب الحقِّ من أصول التوحيد"، وقد قال في (ص: ٤٥) : ((والطرق إلى الله تعالى كثيرة جدًّا، ولكنَّا نقتصر منها على أصحِّها وأجلاها وأوضحها وأشفاها؛ حتى نأمن بالسلوك فيها من الضلال في الطرق التي تُبعُدُ السائرَ فيها عن مقصوده والعياذ بالله، وإلى تلك الطرق الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ، وقد يكون فيها ما يستلزم رد كثير من الشرائع".
وأمَّا المقبلي، فإنَّه نقل عنه من أول كتابه: "العلم الشامخ في تفضيل الحقِّ على الآباء والمشايخ" كلاماً في اعتماده على الدليل وعدم تقليده لأحد، وهو لا يدلُّ على ما زعمه المالكي من الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه لمسائل العقيدة، ولا يُحذَّر فيه من بدعة؛ فإنَّ كتابَه المذكور مشتمل على تقرير حسن لبعض المسائل في العقيدة، ومن ذلك قوله في (ص: ٥٧) : "وما أحسن جواب بعض المحدِّثين وقد سُئل عن أحاديث الصفات، فقال: رواها لنا الذين رووا لنا الصلاة والزكاة وسائر الشريعة، انتهى. فالواجب تسليم ما صحَّ، وما اشتبه معناه رددناه إلى الله سبحانه، ولا يغرَّنك قولهم: آحاديٌّ فلا نقبله في مقابلة العقل؛ لأنَّ ما رواه الثقات مقبول، وإلاَّ اطَّرحنا أكثرَ الشريعة، والدليل على قبول الآحاد شامل لكلِّ الدين، والتفرقة جاءت من
стр. 210
قِبَلهم لا من قِبَل الله ورسوله، والعقل قد فرضنا أنَّه لم يدرك حقيقة ذلك، فكيف يُقال: إنَّه مصادمٌ له؟! ".
وهذا الكلام من المقبلي ﵀ مناقضٌ لما زعمه المالكي متابعاً المتكلِّمين أنَّه لا يُعوَّل من النصوص إلاَّ على ما كان قطعيَّ الثبوت والدلالة، فإنَّ المقبليَّ قرَّر بكلامه أنَّ أحاديث الآحاد حجَّةٌ في العقائد وغيرها، وأنَّ التفريقَ بينها إنَّما جاء من قبَل المتكلمين، وقوله في (ص: ١٦١) : "كما أنَّ المتكلِّمين خاطروا في النظر في ماهية الصفات في حقِّ الله تعالى، وتكلَّفوا ما لا يعنيهم من عدم الاقتصار على المدلول اللغوي العربي الذي يُحمل عليه كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، فإنَّهم قد اقتحموا أطمَّ من ذلك، وسلكوا أصعبَ المسالك، واقتصروا على إثبات قليل من الصفات، كقادر وعالم ونحوهما، ونفوا سائر الصفات وجعلوها مجازات كصفة الرِّضا والغضب والمحبَّة والرحمة والحلم، وغير ذلك مِمَّا وصف به تعالى نفسه، وكرَّر التمدُّح به، ومِمَّا صحَّ عن رسول الله ﵌".
ثم إنَّ المالكيَّ ومعه أحد الضُّلاَّل الذين ذكرهم في آخر كتابه يعيبون على أهل السنَّة ذكرهم الدجَّال والمهدي في كتب العقائد، وقد تقدَّم ذلك، والمقبلي قد ذكر الدجَّال والمهدي وغير ذلك من أشراط الساعة في كتابه هذا (ص: ٦٩ ـ ٧٠) .
وأمَّا الصنعاني، فقد نقل عنه كلاماً عاماًّ لا يدلُّ على ما أراده من الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه للبدع، فإنَّه ﵀ قد ألَّف كتاب ((تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، أوضح فيه توحيد الألوهية، وأنَّه الذي بعث الله من أجله الرسلَ، وبيَّن خطورة الشرك، وبطلان ما وقع فيه كثيرٌ من
стр. 211
المسلمين من الافتتان بالقبور والاستغاثة بأهلها، وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأنَّ هذا من الشرك بالله، وهذا ما لا يريده المالكي الذي شنَّع على الإمام ابن تيمية في عنايته واهتمامه بتوحيد الألوهية، وقد مرَّ الردُّ عليه في ذلك قريباً.
وبراعة الصنعاني ﵀ في استهلال كتابه واضحة جليَّة في الدلالة على المقصود؛ حيث قال في مطلع كتابه: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيَّته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّّ الإفراد، ومن اتِّخاذ الأنداد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يدعون معه أحداً، ولا يتَّكلون إلاَّ عليه، ولا يفزعون في كلِّ حال إلاَّ إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ".
وأنا أنقل من هذا الكتاب جُملاً تُبيِّن أنَّ الصنعانيَّ في واد والمالكي في واد آخر، فمن ذلك قوله (ص: ١٧ ـ ١٨) : "فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وجب عليَّ تأليفُه، وتعيَّن عليَّ ترصيفُه، لِمَا رأيته وعلمته من اتِّخاذ العباد الأنداد، في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن إلى الشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء مِمَّن يدَّعي العلم بالمغيَّبات والمكشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجداً، ولا يُرى لله راكعاً ولا ساجداً، ولا يعرف السنَّة ولا الكتاب، ولا يهاب البعثَ ولا الحساب، فواجبٌ عليَّ أن أُنكرَ ما أوجب اللهُ إنكارَه، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب اللهُ إظهارَه".
وقوله (ص: ٢٤) : "ثمَّ إنَّ رأسَ العبادة وأساسَها التوحيدُ لله، الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي قول لا إله إلاَّ الله، والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرَّد قولها باللسان، ومعناها إفراد الله
стр. 212
بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كلِّ معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنَّهم أهلُ اللسان العربي، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ".
وقوله (ص: ٢٥) : "وإذا تقرَّرت هذه الأمور، فاعلم أنَّ الله تعالى بعث الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام من أوَّلهم إلى آخرهم يدعون العبادَ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنَّه خلقهم ونحوه؛ إذ هم مُقرُّون بذلك كما قررناه وكرَّرناه، ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ ، أي: لنفردَه بالعبادة ونخصَّه بها من دون آلهتنا؟ فلم يُنكروا إلاَّ طلب الرُّسل منهم إفراد العبادة لله، ولم يُنكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنَّه لا يُعبد، بل أقرُّوا بأنَّه يُعبد، وأنكروا كونه يُفرَدُ بالعبادة، فعبدوا مع الله غيرَه، وأشركوا معه سواه، واتَّخذوا معه أنداداً، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: وأنتم تعلمون أنَّه لا ندَّ له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحجِّ: (لبَّيك لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك") .
وقوله (ص: ٣٩ ـ ٤٠) : "فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلاَّ في الله، وجعلوا لهم جزءاً من المال، وقصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم، وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، وتحروا تقرُّباً إليهم، وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم مَن يسجد لهم؟ لا أستبعد أنَّ فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني مَن أثق به أنَّه رأى مَن يسجد لهم على عتبة باب مشهد الوليِّ الذي يقصده، تعظيماً له وعبادة، ويُقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف مَن عليه حقٌّ باسم الله تعالى لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم وليٍّ
стр. 213
من أوليائهم قبلوه وصدَّقوه، وهكذا كان عبَّادُ الأصنام إذا ذكِر الله وحده اشمأزَّت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكِر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ...
فإن قلتَ: لا سواء؛ لأنَّ هؤلاء قد قالوا: لا إله إلاَّ الله، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلاَّ بحقِّها"، وقال لأسامة بن زيد: "قتلتَه بعد ما قال: لا إله إلاَّ الله؟! " وهؤلاء يُصلُّون ويصومون ويُزكُّون ويَحجُّون، بخلاف المشركين.
قلتُ: قد قال ﷺ : (إلاَّ بحقِّها) ، وحقُّها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريُّون لًم يُفردوا الإلهية والعبادة، فلَم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنَّها لا تنفع إلاَّ مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء، وكذلك من جعل غير مَن أرسله الله نبيًّا لم تنفعه كلمة الشهادة، ألا ترى أنَّ بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله ويُصلُّون، ولكنَّهم قالوا: إنَّ مسيلمةَ نبيٌّ، فقاتلهم الصحابة وسَبَوْهم، فكيف بمَن يجعل للوليِّ خاصَّة الإلهية ويُناديه للمهمَّات؟! وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حرَّق أصحابَ عبد الله بن سبأ، وكانوا يقولون: نشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، ولكن غلوا في عليٍّ ﵁، واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريُّون وأشباههم، فعاقبهم عقوبةً لم يُعاقب بها أحداً من العُصاة؛ فإنَّه حفر لهم الحفائر، وأجَّج لهم ناراً وألقاهم فيها، وقال:
إنِّي إذا رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً ... أججتُ ناري ودعوتُ قُنبرا
وقوله (ص: ٤٥ ـ ٤٦) : "فإن قلتَ: هذا أمرٌ عمَّ البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً ويَمَناً وجنوباً وعَدَناً؛
стр. 214
بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويُعظِّمونها، ويَنذرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها، ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذُكر أو بعض ما ذُكر، ولا يسع عقل عاقل أنَّ هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا.
قلت: إن أردتَ الإنصافَ، وتركتَ متابعةَ الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَ ما قام عليه الدليل، لا ما اتَّفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي نُدندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامُهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دنيٍّ ومثيل، ينشأ الواحدُ فيهم فيجدُ أهلَ قريته وأصحابَ بلدته يُلقِّنونه في الطفولية أن يهتف باسم مَن يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويُعظِّمونه، ويرحلون به إلى محلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفاً بقبره، فينشأ وقد قرَّ في قلبه ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَن يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير، بل ترى مَن يتَّسم بالعلم، ويدَّعي الفضلَ وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة، أو الإمارة والحكومة، معظِّماً لِمَا يُعظِّمونه، مُكرماً لِمَا يُكرمونه، قابضاً للنذور، آكلاً ما يُنحَرُ على القبور، فيظنُّ العامَّةُ أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدين والسَّنام، ولا يخفى على
стр. 215
أحد يتأهَّل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنَّة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالَم على وقوع منكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر".
ثمَّ ضرب لذلك أمثلةً، بيَّن فيها أنَّ الإنكارَ على ثلاث درجات، وأنَّ الإنكارَ بالقلب أقلُّها، وأقلُّ أحوال العالِم إذا لَم يُمكنه الإنكار بيده ولسانه أن يُنكرَ بقلبه.
وهذه النقول عن الإمام الصنعاني هي بمنزلة الصواعق على هذا المالكي الذي أراد أن يستشهدَ بشيء من كلامه على تأييد باطله، فلَم تقرَّ عينه بذلك.
وهذا الذي قرَّره الإمام الصنعاني في كتابه"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" هو الذي شنَّع به هذا الحاقد الضال على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه السيِّء الذي كتبه عنه، مع أنَّ الشيخ محمداً ﵀ نصَّ على إقامة الحجَّة على المفتونين بعبادة أصحاب القبور، وقد ردَّ عليه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه"دحر افتراءات أهل الزيغ والارتياب عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ أباطيل حسن المالكي".
وأمَّا القاسمي، فإنَّه وإن وُجد له كلامٌ فيه تساهل مع بعض أهل البدع، فإنَّه لا صلة البتَّة للمالكي به؛ لأنَّ المالكيَّ موغلٌ في البدع، ويحتفي بالمبتدعة على مختلف أصنافهم، ولا يُعادي إلاَّ أهل السنَّة والجماعة بدءاً من أصحاب رسول الله ﷺ ومَن سارَ على نهجهم حتى عصرنا، وهذا بخلاف القاسمي تماماً؛ فإنَّه قد ألَّف كتاباً نفيساً بعنوان"إصلاح المساجد من البدع والعوائد"، ذمَّ فيه البدع وحذَّر منها، قال في مقدِّمته (ص: ٧) : "أمَّا بعد، فلمَّا كان الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهمُّ الذي
следующие страницы →