← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7553

الانتصار لأهل السنة والحديث في رد أباطيل حسن المالكي

عبد المحسن العباد

Полный текст (236 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإمام مسلم في صحيحه، عند روايته لحديث جبريل، وهو أوَّلُ حديث عنده في كتاب الإيمان، فإنَّه قال لِمَن أخبره عن ظهور القدرية بالعراق: "فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآءُ منِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتَّى يؤمنَ بالقدر"، ثم ساق حديث جبريل الطويل بروايته عن أبيه؛ من أجل قول رسول الله ﷺ فيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه". وأمَّا الأحاديث في ذمِّ القدرية فقد رواها جماعةٌ من الصحابة، ولا تخلو أسانيد أكثرها من ضعف، ومن الأحاديث في ذمِّهم حديث أنس بن مالك مرفوعاً: "صنفان من أمَّتي لا يَردان عليَّ الحوض: القدرية والمرجئة"، أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٤٨) . ومن أعجب العجب أنَّ المالكيَّ شديد العطف على القدرية والتأييد لهم، ولا يُعجبه ما يُروى في ذمِّهم من أحاديث وآثار، وأمَّا أصحاب الرسول ﷺ فيزعم بوقاحة أنَّهم يُذادون عن الحوض ويُؤخذون إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النَّعم!! ولزعم المالكي الباطل أنَّ كتبَ العقائد تشتمل على قليل من الحقِّ، فإنِّي أورد نصَّ رسالة مختصرة في عقيدة أهل السنَّة، ومؤلِّفها من المالكية، وهو ابن أبي زيد القيرواني، ومن المعلوم أنَّ الأئمَّة الأربعة ومَن سار على نهجهم على عقيدة واحدة، وهي عقيدة السلف، وهذه العقيدة المختصرة، كلُّ ما فيها حقٌّ، وليس فيها شيء من الباطل، وقد أردتُ من إيرادها أن يقف مَن يطَّلع على هذا الردِّ على صفاء عقيدة السَّلف ووضوحها وسلامتها، وعلى سوء مَن يحيد عنها ويُبتلَى باعتقاد ما يُخالفها، كما حصل لهذا المالكي الضال.

стр. 37

((باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات: من ذلك الإيمانُ بالقلب والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبة له، ولا شريكَ له. ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ، لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ١ ذاتِه، ولا يُحيطون بشيءٍ من عِلمه إلاَّ بِما شاء وَسِعَ كرْسِيُّه السَّموات والأرض، ولا يِؤُودُه حفظُهما وهو العليُّ العَظيمُ. العالِمُ٢ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ، وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه. خَلَقَ الإنسانَ، ويَعلمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه، وهو أَقرَبُ إليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُها، ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَات الأرضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إلاَّ في كتاب مُبين. على العَرشِ اسْتَوى، وعَلى المُلْكِ احْتَوى، وله الأسماء الحُسنى والصِّفاتُ العُلَى، لَم يَزَل بِجَميعِ صفاتِه وأسمائِه، تَعالى أن تكونَ صفاتُه مَخلوقَةً، وأسماؤُه مُحْدَثَةً. كلَّم موسى بكلامِه الَّذي هو صفةُ ذاتِه، لا خَلْقٌ مِن خَلقِه، وَتَجَلَّى

стр. 38

للجَبَل فصار دَكًّا مِن جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلُوقٍ فيَبِيدُ، ولا صفة لمخلوقٍ فَيَنْفَدُ. والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه. عَلِمَ كلَّ شيْءٍ قَبل كَونِه، فجَرَى على قَدَرِه، لا يَكون مِن عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلاَّ وقدْ قَضَاهُ وسبق عِلْمُه به، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ. تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ، ألاَ هو١ رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم. الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم. ثُمَّ خَتَمَ الرِّسالةَ والنَّذَارَةَ والنُّبُوَةَ بمحمَّد نَبيِّه صلى الله عليه وسلم٢، فجَعَلَه آخرَ المرْسَلين، بَشِيراً ونَذِيراً، وداعياً إلى الله بإذنِه وسِرَاجاً منيراً، وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ، وهَدَى به الصِّرَاطَ المستَقيمَ. وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون. وأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعباده المؤمنين الحسَنات، وصَفَحَ لهم

стр. 39

بالتَّوبَة عن كبائرِ السيِّئات، وغَفَرَ لهم الصَّغائِرَ باجْتناب الكبائِر، وجَعَلَ مَن لَم يَتُبْ مِنَ الكبائر صَائراً إلى مَشيئَتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ومَن عاقَبَه اللهُ بنارِه أخرجه مِنها بإيمانِه، فأدخَلَه به جَنَّتَه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، ويُخرِجُ منها بشفاعَة النَّبيِّ ﷺ مَن شَفَعَ لَه مِن أهلِ الكبائِر مِن أمَّتِه. وأنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَقَ الجَنَّةَ فأَعَدَّها دارَ خُلُود لأوليائِه، وأكرَمهم فيها بالنَّظر إلَى وَجْهِه الكريم، وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه، بما١ سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه. وخَلَق النَّارَ فأعَدَّها دَارَ خُلُود لِمَن كَفَرَ به وألْحَدَ في آياتِه وكتُبه ورُسُلِه، وجَعَلَهم مَحجُوبِين عن رُؤيَتِه. وأنَّ اللهَ ﵎ يَجيءُ يَومَ القيامَةِ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا وعقُوبَتِها وثَوابِها، وتُوضَعُ الموازِينُ لَوَزْنِ أَعْمَالِ العِبَادِ، فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئك هم المُفلِحون، ويُؤْتَوْنَ صَحائِفهم بأعمَالِهم، فمَن أُوتِي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً، ومَن أُوتِي كتابَه ورَاء ظَهْرِه فأولئِك يَصْلَوْنَ سَعيراً. وأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقَدْرِ أعمالِهم، فناجُون مُتفاوِتُون في سُرعَة النَّجاةِ عليه مِن نار جَهَنَّم، وقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فيها أعمالُهم.

стр. 40

والإيمانُ بِحَوْض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُهُ أمَّتُهُ لاَ يَظْمَأُ مَن شَرب مِنه، ويُذَادُ عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ. وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها١، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل، ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة٢، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة. وأنَّه لا يكفرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة. وأنَّ الشُّهداءَ أحياءٌ عند ربِّهم يُرْزَقونَ، وأرْواحُ أهْل السَّعادَةِ باقِيةٌ ناعِمةٌ إلى يوم يُبْعَثون، وأرواحُ أهلِ الشَّقاوَةِ٣ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوم الدِّين. وأنَّ المؤمنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهم ويُسْأَلُون، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . وأنَّ على العباد حَفَظَةً يَكتُبون أعمالَهم، ولا يَسقُطُ شيْءٌ مِن ذلك عَن عِلمِ ربِّهِم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يَقْبِضُ الأرواحَ بإذن ربِّه. وأنَّ خيْرَ القرون القرنُ الَّذين رَأَوا رسولَ الله ﷺ وآمَنوا به، ثمَّ الَّذين يَلُونَهم ثمَّ الَّذين يَلونَهم. وَأفْضَلُ الصحابة٤ الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ

стр. 41

عُثمان ثمَّ عليٌّ ﵃ أجمعين. وأن لاَ يُذكَرَ أَحَدٌ مِن صحابَةِ الرَّسولِ ﷺ إلاَّ بأحْسَن ذِكْرٍ، والإمساك عمَّا شَجَرَ بَينهم، وأنَّهم أحَقُّ النَّاس، أن يُلْتَمَسَ لَهم أَحَسَن المخارج، ويُظَنَّ بهم أحْسن المذاهب. والطَّاعَةُ لأئمَّة المسلمين مِن وُلاَة أمورِهم١ وعُلمائهم، واتِّباعُ السَّلَفِ الصَّالِح واقتفاءُ آثارِهم، والاستغفارُ لهم، وتَركُ المراءِ والجِدَالِ في الدِّين، وتَركُ ما أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ [نبيِّه] ٢ وعلى آله وأزواجِه وذريته، وسلَّم تَسليماً كثيراً". وقد شرحت هذه الرسالة المختصرة التي هي مقدِّمة لرسالة ابن أبي زيد القيرواني بكتاب بعنوان: "قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني".

стр. 42

٨ ـ زعمه الاكتفاء بإسلام لا يتعرَّض فيه لجزئيات العقيدة؛ لأنَّ ذلك بزعمه يُفرِّق المسلمين، والردُّ عليه قال في (ص: ٢٧) : " ... وإنَّما بمبادرة منَّا نحن المسلمين، الذين رضينا أن نعيش في الصراعات المزمنة وننسى المهمَّة الكبرى التي يجب أن نقوم بها من الاعتصام بحبل الله والالتقاء على الأصول العامة الجامعة من الإيمان (الجملي) بالله واليوم الآخر والرسل والكتب والأنبياء والقضاء والقدر وفعل الواجبات الظاهرة من صلاة وصيام وحج وزكاة والأخلاق الواجبة من عدل وصدق وأمانة ووفاء وتعاون.. إلخ، وترك المحرمات المعروفة من ظلم وسرقة ونهب وغشٍّ وزنا وشرب للخمر وكذب وخيانة ... إلخ. فهذه الإيمانيات الكبرى والواجبات الكبرى والمنهيات الكبرى علامات بارزة لِمَن أراد الهداية والاستقامة، وكان له حظ من تدبُّر وتعقُّل، وهذه الإيمانيات والواجبات والمنهيات كلٌّ لا يتجزَّأ وهي التي يتفق عليها جميع المسلمين، فالاعتصام بهذه الأصول الكبرى مع الاتفاق بين المسلمين كانت خيراً للمسلمين من التركيز على الفرعيات والجزئيات التي لا يمكن الاتفاق فيها مع ما يسبِّبه هذا من التفرُّق والاختلاف بينهم، فما نكرهه في الاجتماع خير مِمَّا نحبه في الفرقة". وقال في (ص: ٢٨) : "ولم ينجُ من كثير من ذلك إلاَّ بعض كتب المجتهدين في الماضي أو الحاضر، وهي قلَّة نسبة إلى هذه الكثرة"، وعلَّق على قوله"أو الحاضر"، فقال: "كالإمام ابن الوزير في كتابه (إيثار الحق على الخلق) ، والإمام المقبلي في كتابه (العلم الشامخ في تفضيل الحقِّ على الآباء والمشايخ) ، وابن الأمير الصنعاني في كتاب (إيقاظ الفكرة) ، وجمال الدين

стр. 43

القاسمي في كتاب (تاريخ الجهمية والمعتزلة) و (الجرح والتعديل) ، وغيرهم من العلماء الذين حاولوا التخلُّص من المذهبية العقدية والفقهية، والعودة لأصول الإسلام الجامعة، والابتعاد عن الجزئيات المفرِّقة، مع إعذار مَن اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية! ". وأجيب عن كلامه هذا بما يلي: ١ ـ يريد المالكيُّ الاكتفاءَ بإسلام جملي دون التعرُّض للتفاصيل والجزئيات في الأمور الاعتقادية؛ لأنَّها ـ بزعمه ـ تفرِّق ولا يمكن الاتفاقُ عليها، مع الإتيان بواجبات ظاهرة وترك منهيات ظاهرة، فهو بذلك يريد إسلاماً لا مجال فيه للحبِّ في الله والبغض في الله، ويُجعل فيه الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويُجعل المتَّقون فيه كالفجَّار، يريد إسلاماً لا يُقال فيه: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، ولا يُقال فيه: "وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"، ولا يُقال فيه: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ"، ولا يُقال فيه: "وستفترق هذه الأمَّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة". ٢ ـ وأمَّا زعمه إعذار من اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية، فهو نظير زعمه في كتابه السيِّء عن الصحابة (ص: ٦١) من أنَّ الإجماع لا بدَّ فيه من اتِّفاق أمَّة الإجابة بفِرَقها المختلفة الفقهية والعقدية والسياسية، ومُقتضى كلامه هذا أنَّه لا يُنكَرُ على أحد في مخالفته في مسائل الاعتقاد، ويُعذَر في خطئه مهما كان كبيراً، وعلى هذا فيُعذَر مَن قال بأنَّ كلامَ الله مخلوق، ومَن قال إنَّ الله لا يُرى في الدار الآخرة، ومَن قال إنَّ مرتكبَ

стр. 44

الكبيرة كافرٌ خالدٌ مخلَّدٌ في النار، ومَن قال لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومن قال إنَّ العبادَ مجبورون على أفعالهم، ومَن قال بأنَّهم خالقون لها، وأيضاً فيُعذَر الكليني صاحب كتاب (الأصول من الكافي) فيما أورده فيه من أبواب، تحتها أحاديث من أحاديث الرافضة المشتملة على غلُوِّهم في الأئمَّة الاثني عشر، منها: "باب أنَّ الأئمَّة ﵈ خلفاء الله في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى" (١/١٩٣) ، و ((باب أنَّ الأئمَّة ﵈ عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ، وأنَّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها" (١/٢٢٧) ، و ((باب أنَّه لم يجمع القرآن كلَّه إلاَّ الأئمَّة ﵈، وأنَّهم يعلمون علمه كلَّه" (١/٢٢٨) ، و ((باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈" (١/٢٥٥) ، و ((باب أنَّ الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون، وأنَّهم لا يموتون إلاَّ باختيار منهم" (١/٢٥٨) ، و ((باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنَّه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم" (١/٢٦٠) ، و ((باب أنَّ الله لم يعلِّم نبيَّه علماً إلاَّ أمره أن يعلمه أمير المؤمنين ﵇، وأنَّه كان شريكه في العلم" (١/٢٦٣) ، و ((باب أنَّه ليس شيءٌ من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كلَّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل" (١/٣٩٩) . وأيضاً يُعذر الخميني في قوله في كتابه (الحكومة الإسلامية) (ص: ٥٢) : "فإنَّ للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرَّات هذا الكون، وإنَّ من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمَّتنا مقاماً لا يبلغه مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل!!! ".

стр. 45

٣ ـ وأمَّا ما ذكره عن بعض العلماء الذين زعم أنَّهم يقولون بمقالته الخاطئة من الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه لجزئيات العقيدة، فسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذا الكتاب.

стр. 46

٩ ـ ثناؤه على أهل البدع وقدحه في أهل السُّنَّة، والرَّدُُ عليه قال في (ص: ٢٦) : "وكان للمعتزلة قوَّة هائلة ثمَّ أضعفتها السلطات، لكن لا زال لها وجود قويٌّ إلى يومنا هذا، خاصة بعد طباعة كتب المعتزلة والعثور على مخطوطاتها في اليمن ومصر وأوربا وغيرها". وقال في (ص: ٤١) : "والخلاصةُ أنَّ الأصلَ في المجتمعات ألاَّ يخلو منها الاختلاف والتناقض، بل يصبح هذا الاختلاف صحياً إذا بقي في دائرة السلم والاجتهاد، أمَّا إذا كان الاختلاف طريقاً لتفرُّق المسلمين وتنازعهم وتكفير بعضهم بعضاً أو تبديع بعضهم بعضاً فإنَّه يُصبح مذموماً"، وقال تعليقاً على هذا: "وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الباطل عند حدوث القتال والتكفير موزَّع بالسويَّة على الطرفين جميعاً؛ فقد يكون الحق مع طرف ولكنَّه نادر خاصة في العقائد، والأصل أنَّ معظمَ الاختلافات بين المسلمين أن يكون كل طرف ممسكاً بطرف من الحقيقة!! ". وقال في (ص: ٩٠) : "ولذلك كان أكثر بل كلُّ التيارات التي نصمُها بالبدعة كالجهمية والقدرية والمعتزلة والشيعة والزيدية وغيرهم، كلُّ هؤلاء كانوا من الدعاة إلى تحكيم كتاب الله وتحقيق العدالة، وكانوا من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر!!! ".

стр. 47

وقال في (ص: ٩١) : "وحرارة هذا القول منِّي كان أسفاً منِّي على سنوات أضعتُها في بغض ولعن الجهمية والقدرية، ولم أنتبه لبراءتهما من أكثر ما نُسب إليهما وظلمي لهما إلاَّ بعد بحثي في الموضوع في فترة متأخرة!! ". وفي الصفحات (٨٩ ـ ٩١) تباكى على قتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي، وهم من رؤوس المبتدعة، وزعم أنَّ قتلهم سياسي ولم يكن لبدعهم!! وقال في (ص: ٩٥) : "لكن المعتزلة ـ مثل غيرهم من الفرق ـ أصابوا في أشياء وأخطأوا في أشياء، لكنَّهم في الجملة لا يُستغنى عنهم ولا عن تراثهم وعلومهم، وهم مسلمون متديِّنون بدين الإسلام باطناً وظاهراً، وهذا يوجب لهم حق الإسلام كما لا يخفى على عاقل!! ". وقال في (ص: ٨٦) : "وللقدرية نصوص شرعية يستشهدون بها مثلما للسنَّة والشيعة والمعتزلة نصوص شرعية يرون فيها الدليل الكافي على ما يذهبون إليه!! ". وأجيب على ذلك بما يلي: ١ ـ إنَّ كتابات المالكي التي زعمها بحوثاً، سواء ما اطَّلعتُ عليه منها أو وقفت على ذكر أسمائها، كلُّها تتعلَّق بذمِّ أهل السُّنَّة والنَّيل منهم، بدءاً بأصحاب رسول الله ﷺ ، إلى الموجودين منهم في هذا الزمان بالمملكة وغيرها، وكما لم يسلم أهل السنَّة من ذمِّه، فكذلك لم تسلم كتبهم من ذمِّه ونيله منها، وقد مرَّ ذلك قريباً، ولم أقف له على بحث أو اسم لبحث يتعلَّق بذمِّ أهل البدع على اختلافهم وتعدُّدهم والنَّيل منهم، وما أثبَتُّه من كلامه واضح في إشادته بأهل البدع، ومن ذلك ثناؤه على المأمون الذي نصر المعتزلة وآذى أهل السنَّة حيث قال في (ص: ١٣٥) : "وكان من أعدل ملوك

стр. 48

بني العباس وأكثرهم علماً!! "، وفي المقابل ذمُّه للمتوكّل الذي أنهى فتنة خلق القرآن ونصر أهل السنَّة، حيث وصفه بأنَّه مبتدعٌ ظالم!! ٢ ـ ما زعمه من أنَّ كلاًّ من المختلفين مُمسكٌ بطرف من الحقيقة، وأن كون الحقِّ في العقائد مع طرف واحد نادر هو من أبطل الباطل؛ لأنَّ فيه تسوية بين الحقِّ والباطل، وأنَّه لا يوجد فرقة ناجية تكون على الحقِّ، لا يضرُّها من خذلها ولا مَن خالفها، ويترتَّب عليه أنَّ مَن قال: (إنَّ القرآن مخلوق) على حقٍّ، ومَن قال: (إنَّ الله لا يُرى في الدار الآخرة) على حقٍّ، وأنَّ مَن قال بكفر مرتكب الكبيرة وتخليده في النار على حقٍّ، وأنَّ من قال: (وإنَّ من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمَّتنا مقاماً لا يبلغه مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل) على حقٍّ، وهكذا يكون سائر أنواع الباطل والزَّيغ والضلال يكون أهلها ـ بناء على زعمه ـ على حقٍّ. ٣ ـ وأمَّا تباكيه على قتل رؤوس المبتدعة كالجعد والجهم وغيلان، وزعمُه أنَّ قتلَهم سياسيٌّ وليس لبدعهم، فإنَّ حالَهم في زمانهم كحال المالكي في هذا الزمان، وما أشبه الليلة بالبارحة، ولو رُفع أمرُ المالكي إلى محكمة شرعية من أجل أباطيله الكثيرة، فحكمت بقتله لتلك الأباطيل، ومن أبرزها ما يلي: أوَّلاً: إنكاره صحبة أكثر الصحابة، وهم كلُّ مَن أسلم بعد الحديبية هاجر أو لم يُهاجر، وفيهم العباس عمُّ رسول الله ﷺ ، الذي هو أقرب الرِّجال إليه نسباً، وابنه عبد الله وخالد بن الوليد وغيرهم، زاعماً أنَّ صحبتَهم كصحبة المنافقين والكفار. ثانياً: زعمه أنَّ أصحابَ رسول الله ﷺ وهم عنده المهاجرون والأنصار قبل الحديبية فقط ـ يُذادون عن حوض رسول الله ﷺ ويُؤخذون

стр. 49

إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النعم، فهذا الزعم منه قدحٌ فيهم، وهم حملة الكتاب والسنَّة إلى الناس، والقدحُ فيهم قدحٌ في الكتاب والسنَة؛ لأنَّ القدحَ في النَّاقل قدحٌ في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي: ((إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقةٌ". الكفاية للخطيب البغدادي (ص: ٤٩) . ثالثاً: إنكارُه عدالة الصحابة. رابعاً: قدحه في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وزعمه أنَّ خلافةَ أبي بكر أشبهُ ما تكون بالقهر والغلبة، وأنَّ مبايعةَ مَن يرى أنَّ عليًّا أولَى منه إنَّما هو للرضى بالأمر الواقع. خامساً: تشكيكه في ثبوت السنَّة، وزعمه أنَّ المسلمين مختلفون في ثبوتها. والثلاثة الأولى موجودة في كتابه السيِّء عن الصحابة، والرابع موجود في هذا الكتاب ابتداءاً من (ص: ٤٥ وما بعدها) ، والخامس فيه في (ص: ١٦٤) . أقول: لو حكمت محكمة شرعيةٌ بقتله لأباطيله الكثيرة التي أشرتُ إلى بعضها فقُتل، لم يكن قتلُه سياسيًّا، بل لحفظ الدِّين من إلحاد المُلحدين وعبث العابثين، وعدوان المعتدين الذين يُفسدون في الأرض بعد إصلاحها، ومن المعلوم أنَّ حفظَ الدِّين هو أهمُّ الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها ومنع الاعتداء عليها، وهي الدّين والنَّفس والعقل والمال والنَّسب. ٤ ـ وأمَّا أسفه على ذمِّه الجهميَّة والقدرية الذي رجع عنه أخيراً، فهو رجوع من الحقِّ إلى الباطل، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ربَّنا لا تزغ

стр. 50

قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهَب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهَّاب. وأمَّا زعمه أنَّ المعتزلةَ متديِّنون بدين الإسلام باطناً، فهو يبيِّن مدى احتفائه بأهل البدع، وتزكيته لهم، مع أنَّ الباطنَ من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله.

стр. 51

١٠ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة وسَّعوا جانب العقيدة، فأدخلوا فيها مباحث الصحابة والدجَّال والمهدي وغير ذلك، والردُّ عليه قال في (ص: ٢٨) : "ووسَّعوا جانبَ العقيدة مع تشدُّد على المخالفين، فأدخلوا مباحثَ الصحابة والدَّجَّال والمهديَّ المنتظَر والمسحَ على الخفَّين والجهر بالبسملة وغير ذلك من الأخبار أو المواعظ أو الأحكام، فضلاً عن التكفير والتبديع ونشر الأكاذيب، أدخلوا كلَّ هذا وزيادة في العقيدة، وأصبح المخالف في شيء من ذلك مبتدعاً عندهم!! ". وقد أورد المالكيُّ في آخر قراءته (ص: ٢١٩) مقالاً لِمَن سَمَّاه سعود الصالح بعنوان: "مسلسل الإضافات على العقيدة فرَّق المسلمين جماعات" دندن فيه حول هذا المعنى. ويُجاب عن ذلك بما يلي: ١ ـ غالب المباحث التي تُذكر في كتب العقيدة عند أهل السنَّة من الغيب الذي لا يُعلمُ إلاَّ عن طريق الكتاب والسنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، وكلُّ خبر يأتي في الكتاب والسنَّة عن أمور غائبة سواء كانت ماضية أو

стр. 52

مستقبَلة أو موجودة غير مشاهدة ولا معايَنة يجب الإيمان به والتصديق، وأصول الإيمان الستَّة المبيَّنة في حديث جبريل، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، هي من جملة الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهلَه وأثنَى عليهم في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ . وما جاء من أخبار عن المهديِّ والدجَّال يجب التصديق بها كغيرها من أشراط الساعة التي أخبر عنها الرسول ﷺ ، وستقع طبقاً لِمَا أخبر به الرسول ﷺ ، ومن الأقوال التي فُسِّر بها الغيب في قول الله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ما ذكره القرطبي في تفسير هذه الآية، فقال: ((وقال آخرون: الغيب كلُّ ما أخبر به الرسول ﵇ مِمَّا لا تهتدي إليه العقول؛ من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنَّشر والصراط والميزان والجنَّة والنار". ٢ ـ قد يُذكر في بعض كتب العقيدة عند أهل السُّنَّة بعضُ الأحكام التي جاءت في القرآن أو ثبتت بها السنَّة؛ للتنبيه إلى مخالفة بعض فرق الضلال في تلك الأحكام، كغسل الرِّجلين المذكور في القرآن والمبيَّن في السنَّة من فعله ﷺ وقوله، وكالمسح على الخُفَّين الذي تواترت به السنَّة عن رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فإنَّ بعضَ فرق الضلال لا يغسلون أرجلَهم في الوضوء، بل يَمسحون على ظهورها، ولا يرون المسحَ على الخفَّين، وذِكرُ مثل هذا في بعض كتب العقيدة لا يسوِّغ التهويل والتشنيع على أهل السنَّة، من الحاقدين على أهل السنَّة، المؤيِّدين لفرق الضلال كالمالكي ومَن كان على شاكلته. ٣ ـ وأمَّا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ في كتب العقائد لبيان فضلهم وعلوِّ قدرهم؛ لأنَّهم خير القرون المفضَّلة، فليس بغريب على مباحث

стр. 53

العقيدة؛ لأنَّ الكتاب والسنَّة هما الينبوع الصافي الذي تُستَمَدُّ منه العقيدة، ويُستمَدُّ منه كلُّ خير وهدى، ولم يعرف الناسُ الكتابَ والسنَّةَ ولَم يصلاَ إليهم إلاَّ عن طريق الصحابة، فهم الواسطةُ بين غيرهم وبين رسول الله ﷺ ، ولا يَستنكرُ ذكرَ الصحابة في كتب العقائد إلاَّ مَن امتلأ قلبُه بأمراض الشبهات، وشوى قلبَه الحقدُ على خير هذه الأمَّة التي هي خير الأمَم.

стр. 54

١١ ـ قدحه في أفضليَّة أبي بكر وأحقيَّته بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، والردُّ عليه جاء في قراءته (ص: ٤٣) عنوان بلفظ: "الاختلاف يوم السقيفة وموقف المسلمين منها وآثارها الفكرية"، أورد تحته كلاماً ينتهي في (ص: ٥٠) اشتمل على قدح وتشكيك في أحقيَّة أبي بكر وأولويته بالخلافة، وأنا أورد هنا جُملاً من كلامه مشتملة على ذلك: ١ ـ ففي (ص: ٤٣ ـ ٤٤) قال: "فعند علم الأنصار بوفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم اجتمعوا في سقيفة بَنِي ساعدة يريدون تولية سعد بن عبادة ﵁ على المسلمين؛ بحجَّة أنَّ الأنصارَ هم أهلُ المدينة عاصمة الإسلام، وأنَّ قريشاً أخرجت النَّبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة، وأنَّ الأنصارَ هم الذين حَموا النَّبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودعوتَه، ولقوا في ذلك الشدائد، وأنَّ المهاجرين ليسوا إلاَّ ضيوفاً عليهم في المدينة، وعلى هذا فصاحب الدار أولَى بالتصرُّف في داره من الضيف".

стр. 55

٢ ـ وقال في (ص: ٤٥ ـ حاشية) : "بعضُهم يرى أنَّه ليس كلُّ من بايع أبا بكر الصديق يراه أَوْلَى مِن غيره! وإنَّما بايَعه لأنَّه يراه من الأكفاء للخلافة، ولخشيته من الفتنة ورضاه بالأمر الواقع!! ... ". ٣ ـ وقال في (ص: ٤٥ ـ ٤٨) : "وكان هناك قسمٌ آخر من كبار المهاجرين لَم يُبايعوا أبا بكر، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ ابن عمِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء، وكان معه بنو هاشم قاطبة، وعمه العباس بن عبد المطلب وأبنائه (كذا) عبد الله بن العباس والفضل بن العباس، وكوكبة من كبار المهاجرين الأوَّلين كعمار بن ياسر وسَلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن عمرو وغيرهم، كما كان معهم بعضُ الأنصار كأُبَيِّ ابن كعب والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله، وغيرهم من عموم الصحابة الذين كانوا يرون أنَّ عليَّ ابنَ أبي طالب كان أكفأَ الناس لتولِّي الأمر بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم! لكونه أوَّلَ مَن أسلم، ولكونه بمنزلة كبيرة من النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة) ، وكان من علماء الصحابة وشجعانهم وزهادهم، ومن العشرة المبشَّرين بالجنة، مع نسبه الشريف وقربه من النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسباً وصِهراً ونشأة وسكناً، فكان هذا القسم من المهاجرين ومعهم بعض الأنصار يرون أنَّ عليَّ بن أبي طالب هو أنسبُ الصحابة لتولِّي الخلافة بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم!! بل تبيَّن أنَّ معظمَ الأنصار كانوا يَميلون مع عليٍّ أكثرَ من ميلِهم مع (أبي بكر!!) ﵄، لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم عليًّا أنَّ عليًّا لَم يكن موجوداً في السقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربَّما لو كان موجوداً لَتَمَّ له الأمر!! لأنَّ بعضَ الأنصار لَمَّا رأوا أنَّ الأمر

стр. 56

سينصرفُ عن سعد بن عبادة هتفوا باسم عليٍّ في السقيفة!! والأنصار كانوا أغلبيةً في المدينة، لكن عليًّا كان مشغولاً بِجَهاز النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غسله وتكفينه والإقامة على إتمام ذلك، فهو إمَّا أنَّه لَم يعلم بهذا الاجتماع المفاجئ في السقيفة، أو أنَّه يرى أنَّه ليس من المناسب أن يترك الجسدَ الشريف ويذهب إلى السقيفة يتنازع مع الناس في أحقيته بخلافة النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم!! فآثر البقاءَ مع الجسد الشريف غسلاً وتكفيناً مع الصلاة عليه، ثمَّ دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا استغرق يومين من موته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكانت البيعة العامة لأبي بكر قد تَمَّت قبل دفن النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا كان له أثرٌ نفسي على علي بن أبي طالب ومن مَعه مِن أهل البيت، كفاطمة الزهراء، ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقد كان هؤلاء يَرون أنَّ أصحابَ السقيفة لَم يُراعوا مكانتهم، وقطعوا الأمور دون مشورتِهم، وكانوا يفضِّلون أن يتأنَّى الناس حتى يتِمَّ دفنُ النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمَّ يتشاور الناسُ ويوَلُّون مَن يرونه أهلاً للخلافة، أمَّا أن يتِمَّ الأمر في وسط النزاع المحتدم بين المهاجرين والأنصار، ثمَّ بين الأوس والخزرج من الأنصار، فهذا يُضعف عندهم شرعيَّة البيعة!! ويجعلها أشبه ما تكون بالقهر والغلبة التي تتنافى مع الشورى المأمور بها شرعاً ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ !! ". ٤ ـ وقال عن الاختلاف الذي جرى في السقيفة (ص: ٤٣ ـ حاشية) : "ويرى البعضُ أنَّ هناك أسباباً قبليَّة وتعصباً لفئات وأشخاص، وليس اختلافهم لمصلحة الإسلام!! ورغم عدم تسليمنا بل وإنكارنا لهذا القول من ناحية بحثية بحتة، إذ لم يثبت هذا من حيث الرواية، إلاَّ أنَّه ليس هناك دليلٌ

стр. 57

شرعي ولا عقلي يمنع من هذا!! فالصحابة يعتريهم ما يعتري سائرَ البشر! ". ٥ ـ وقال في (ص: ٤٦ ـ حاشية) : "سببُ ميل الأنصار لعليٍّ أكثر من ميلهم لأبي بكر وعمر أنَّ عليًّا كان أكثر فتكاً في مشركي قريش؛ إذ قتل من قريش في بدر وحدها نحو خمسة عشر رجلاً، وأوصلهم بعض المؤرِّخين ـ كالواقدي ـ إلى ثلاثة وعشرين رجلاً، فكان الأنصارُ يرون أنَّ عليًّا كان صارماً في موضوع قريش، وأنَّه سيكبحُ جِماحَ قريش (وخاصة الطُّلَقاء منهم، وكان الطُّلَقاء يُمثِّلون أغلب قريش) ، وأنَّه لن يصيب الأنصارَ من قريش أذى أو أثرة إذا كان علي هو الخليفة؛ لأنَّ قريشاً تُبغض عليًّا لكثرة نكايته في بيوتاتهم، بعكس أبي بكر وعمر وعثمان؛ إذ لَم يثبت أنَّهم قتلوا من قريش أحداً باستثناء رجل واحد قتله عمرُ بنُ الخطاب يوم بدر، أما علي فقتل منهم العشرات في بدر وأُحُد والخندق ويوم الفتح، وهي المعارك المشهورة مع قريش ... وقد كان بين علي والأنصار مَحبَّة عظيمة، وكان عليٌّ على علاقة كبيرة بهم، وولَّى جَمعاً من فضلائهم أيَّام خلافته"، فذكر سبعة منهم ثمَّ قال: "بينما لَم يجد الأنصارُ فرصتَهم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ إذ كانت الولايات في أيدي القرشيِّين في الغالب (وهذا أمرٌ يدعو للدراسة لمعرفة الأسباب!!) ... ومن الاتفاقات الجديرة بالذِّكر هنا أنَّه ورد في الأنصار حديثاً (كذا) : (لا يحب الأنصارَ إلاَّ مؤمن، ولا يُبغضهم إلاَّ منافق) ، وورد الحديث نفسه في علي: (لا يحب عليًّا إلاَّ مؤمن، ولا يُبغضه إلاَّ منافق) ، الحديثان في مسلم، وبوَّب مسلمٌ لهذا باباً بعنوان (باب حب علي والأنصار من الإيمان) ... ".

стр. 58

٦ ـ وقال في (ص: ٤٩ ـ حاشية) : "أسلم يوم مكة ألفان من قريش وسُمُّوا الطُّلَقاء، وكان المسلمون من قريش قبل فتح مكة نحو سبعمائة فقط، فأكثريَّة قريش من الطُّلقاء، فلعله لهذا السبب كان الأنصار يَخشون إذا ذهبت الخلافة لقريش أن تصل إلى هؤلاء الطُّلَقاء، وقد حصل هذا بعد ثلاثين سنة، إذ تولَّى الأمر معاوية بن أبي سفيان وهو من الطُّلَقاء، وقد وجد الأنصار في عهده الأثرة الشديدة التي أخبرهم بها النَّبيُّ ﵌!!! ". وأجيب عن ذلك بما يلي: ١ ـ اشتمل كلامه هذا على قدح وتشكيك في أحقيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وذلك في الجمل التالية: ـ"ليس كلُّ من بايع أبا بكر الصديق يراه أَوْلَى مِن غيره! وإنَّما بايَعه لأنَّه يراه من الأكفاء للخلافة، ولخشيته من الفتنة ورضاه بالأمر الواقع!! ". ـ زعمه أنَّ قسماً من المهاجرين وبعض الأنصار"يرون أنَّ عليَّ بن أبي طالب هو أنسبُ الصحابة لتولِّي الخلافة بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم!! بل تبيَّن أنَّ معظمَ الأنصار كانوا يَميلون مع عليٍّ أكثرَ من ميلِهم مع (أبي بكر!!) ﵄، لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم عليًّا أنَّ عليًّا لَم يكن موجوداً في السقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربَّما لو كان موجوداً لَتَمَّ له الأمر!! ". ـ زعمه أنَّ عليًّا لم يذهب إلى السقيفة"إمَّا أنَّه لَم يعلم بهذا الاجتماع المفاجئ في السقيفة، أو أنَّه يرى أنَّه ليس من المناسب أن يترك الجسدَ الشريف ويذهب إلى السقيفة يتنازع مع الناس في أحقيته بخلافة النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم!! ".

стр. 59

ـ زعمه أنَّ عليًّا ﵁ ومن معه من أهل البيت كانوا يفضِّلون أن يتأنَّى الناس حتى يتمَّ دفن النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يتشاور الناس ويولُّون مَن يرونه أهلاً للخلافة، أمَّا أن يتمَّ الأمرُ في وسط النزاع المحتدم بين المهاجرين والأنصار، ثم بين الأوس والخزرج من الأنصار، فهذا يضعف عندهم شرعيَّة البيعة، ويجعلها أشبهَ ما تكون بالقهر والغلبة التي تتنافى مع الشورى المأمور بها شرعاً ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ !!! ـ"سبب ميل الأنصار لعليٍّ أكثر من ميلهم لأبي بكر وعمر أنَّ عليًّا كان أكثرَ فتكاً في مشركي قريش!! ". ٢ ـ ما زعمه من كون الأنصار يرون أنَّ اختيار الخليفة إليهم لأنَّهم أصحاب الدار، وأنَّ المهاجرين ما هم إلاَّ ضيوف عليهم، هو من سوء ظنِّه في الأنصار ﵃، وكذا ما زعمه من أنَّ البعضَ يرى أنَّ الاختلافَ الذي جرى يوم السقيفة يرجع إلى تعصُّب قبلي، وليس لمصلحة الإسلام هو من سوء ظنِّه في المهاجرين والأنصار، وما ذكره من استنكار هذا الرأي، ثم القول بأنَّه ليس هناك ما يمنع منه؛ لأنَّ الصحابةَ يعتريهم ما يعتري البشر هو من تناقضه في كلام قليل لا يتجاوز ثلاثة أسطر، مع أنَّه يصف أهل السنَّة بأنَّهم متناقضون. ٣ ـ ما أشار إليه من أولوية علي ﵁ بالخلافة؛ لكونه بمنزلة كبيرة من النَّبيِّ ﷺ كمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة، فيُجاب بأنَّ بعضَ أهل الأهواء والبدع يتشبَّثون بأوْلوية علي بن أبي طالب بالخلافة بالحديث الوارد في ذلك، وهو حديث ثابتٌ في الصحيحين عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، ولفظه عند البخاري (٤٤١٦) : "أنَّ رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أَتُخلِّفنِي في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن

стр. 60

تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه ليس نبيٌّ بعدي؟! ". وهو لا يدلُّ لهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما قال ذلك تطييباً لنفس عليٍّ ﵁ لَمَّا قال له: أَتُخلِّفنِي في الصبيان والنساء؟ وهذا الاستخلاف إنَّما هو مدَّة سفره إلى تبوك، كما أنَّ استخلاف موسى لهارون كان مدَّة ذهابه لمناجاة الله، فهذا هو المراد بالتشبيه، فالمشبَّه استخلاف النَّبيّ ﷺ لعليٍّ مدَّة غيبته، والمشبَّه به استخلاف موسى لهارون مدَّة غيبته، إلاَّ أنَّ المشبَّه به نبِيٌّ استخلف نبيًّا لوجود الأنبياء في زمن واحد، وأمَّا نبيُّنا محمد ﷺ فإنَّه لا نبِيَّ بعده، لا في زمانه ولا بعد زمانه. وليس فيه دلالة على أحقِّيَّة علي بالخلافة بعد رسول الله ﷺ . ٤ ـ ما أشار إليه من أولوية علي ﵁ بالخلافة لكونه قد أكثر القتلَ في كفار قريش، أقول: إنَّ كثرةَ القتل لا تعتبر دليلاً على الأولوية، ومن المعلوم أنَّ بعضَ من تأخَّر إسلامُهم كانت نكايتهم بالعدوِّ أشدَّ مِمَّن هو أفضل منهم مِمَّن تقدَّم إسلامُهم، وإنَّما التفضيل والتقديم في الخلافة يُعوَّل فيه على الأدلَّة. ٥ ـ ما أشار إليه من ورود حديثين في صحيح مسلم، أحدهما في الأنصار، والثاني في عليٍّ، يدلاَّن على أنَّه لا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ ولا يبغضهم إلاَّ منافقٌ، أقول: إنَّ الحديثَ في الأنصار جاء في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ﵁، ولفظه: "الأنصار لا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ ولا يبغضهم إلاَّ منافقٌ، فمَن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" رواه البخاري (٣٧٨٣) ومسلم (١٢٩) ، وأيضاً من حديث أنس ﵁، ولفظه: "آيةُ الإيمان حبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاق بغضُ الأنصار" رواه البخاري (٣٧٨٤) ومسلم (١٢٨) .

стр. 61

وفي صحيح مسلم (١٣١) عن زرٍّ قال: قال عليّ: "والذي فَلَقَ الحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة إنَّه لعهدُ النَّبيِّ ﷺ إليَّ: ألاَّ يُحبَّني إلاَّ مؤمن، ولا يبغضني إلاَّ منافقٌ". وبغضُ المنافقين للأنصار إنَّما هو لنُصرتهم النَّبيَّ ﷺ لإظهار دينه، وهذا المعنى لا يختصُّ به الأنصار؛ فإنَّ المهاجرين هم أيضاً أنصارٌ، وقد جَمعوا بين الهجرة والنُّصرة، ولهذا كانوا أفضلَ من الأنصار، وقد وصفهم الله بهذين الوصفين في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، قال الحافظ في الفتح (١/٦٣) في شرح حديث حبّ الأنصار: " ... فلهذا جاء التحذيرُ من بغضهم والترغيب في حبهم حتَّى جعل ذلك آيةَ الإيمان والنفاق؛ تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركاً لهم في الفضل المذكور كلٌّ بقسطه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عليّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: (لا يُحبُّكَ إلاَّ مؤمن، ولا يبغضكَ إلاَّ منافقٌ) ، وهذا جارٍ باطّرادٍ في أعيان الصحابة؛ لتحقق مشترك الإكرام؛ لِمَا لهم مِن حسن الغناء في الدِّين، قال صاحب المفهم: وأمَّا الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغضٌ لبعضٍ فذاك من غير هذه الجهة (يعني النصرة) ، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لَم يحكم بعضهم على بعضٍ بالنفاق، وإنَّما كان حالُهم في ذاك حالَ المجتهدين في الأحكام، للمصيب أجران، وللمخطئ أجرٌ واحد، والله أعلم". وكتاب المفهم هو شرحٌ لصحيح مسلم، وصاحبُه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، وهو شيخ لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي المفسر.

стр. 62

وأمّا ما ذكره المالكي مِن أنَّ مسلماً بوَّب لهذا باباً بعنوان"باب حبُّ عليٍّ والأنصار من الإيمان"، فإنَّ مسلماً ﵀ لَم يضع في صحيحه أبواباً، وهو في حكم المبوَّب، وتراجم الأبواب إنَّما هي من عمل غيره، قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم (١/٢١) : "وقد ترجم جماعةٌ أبوابَه بتراجم بعضُها جيِّدٌ وبعضُها ليس بجيِّد، إمَّا لقصور في عبارة الترجمة، وإمَّا لركاكةِ لفظها، وإمَّا لغير ذلك، وأنا إن شاء الله أحرصُ على التعبير عنها بعبارات تليقُ بها في مواطنها، والله أعلم". وبعد إيراد جمل من كلام المالكي في التشكيك والقدح في أحقيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله ﷺ والردِّ عليه أُورِد هنا بعضَ ما وقفت عليه من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع في بيان أحقيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وهي منقولة من كتابي الانتصار للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي، من (ص: ٧٢) إلى (ص: ٨٢) . أوَّلاً: الأحاديث والآثار: ١ ـ روى البخاري (٥٦٦٦) ، ومسلم (٢٣٨٧) في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، عن عائشة ﵂ قالت: "قال لي رسول الله ﷺ في مرضِه: ادْعِي لي أبا بكر وأخاكِ حتى أكتب كتاباً، فإنِّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى اللهُ والمؤمنون إلاَّ أبا بكر". ٢ ـ روى البخاري (٧٢٢٠) ، ومسلم (٢٣٨٦) في صحيحيهما، واللفظ للبخاري عن جُبير بن مُطْعم قال: "أتت النَّبيَّ ﷺ امرأةٌ فكلَّمتْه في شيءٍ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله! أرأيتَ إن جئتُ ولَم أجدْك، كأنَّها تريد الموت؟ قال: إن لَم تجديني فأتِي أبا بكر".

стр. 63

٣ ـ روى البخاري في صحيحه (٦٧٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "مرض النَّبيُّ ﷺ فاشتدَّ مرضُه، فقال: مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس" الحديث، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٤٢٠) . وجاء أمره ﷺ أبا بكر ليصلي بالناس من حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٦٧٩) ومسلم (٤١٨) . وقد فهم الصحابةُ ﵃ من تقديم أبي بكر ﵁ في الإمامة في الصلاة أنَّه الأحقُّ بالخلافة، فروى ابن سعد في الطبقات (٣/١٧٨ ـ ١٧٩) قال: أخبرنا حُسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله (يعني ابن مسعود) ﵁ قال: "لَمَّا قُبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس؟ قالوا: بلى! قال: فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر! ". وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه رجالُ الجماعة، وعاصم هو ابن أبي النجود، وحديثُه في الصحيحين مقرونٌ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٦٧) ، وقال: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وفي صحيح البخاري (٣٦٦٨) أنَّ عمر ﵁ قال لأبي بكر يوم السقيفة: "بل نبايعُك أنت؛ فأنت سيِّدنا وخيرُنا وأحبُّنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده، فبايعه وبايعه الناس". ٤ ـ روى مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البجلي أنَّه قال: "سمعتُ النَّبيَّ ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: إنِّي أبرأُ إلى الله أن

стр. 64

يكون لي منكم خليلٌ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قد اتَّخذني خليلاً، كما اتَّخذ إبراهيمَ خليلاً، ولو كنتُ متَّخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً" الحديث. وهذا التنويهُ بهذه الفضيلة العظيمة للصِّدِّيق في مرض موته ﷺ وقبل وفاته بخمس ليالٍ، فيه إشارةٌ قويّةٌ إلى أنَّه الأحقُّ بالخلافة من غيره. ٥ ـ روى البخاري (٣٦٦٤) ومسلم (٢٣٩٢) في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قليبٍ عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثمَّ أخذها ابنُ أبي قُحافة فنزع بها ذَنُوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضَعفٌ، والله يغفر له ضعفَه، ثمَّ استحالت غرباً فأخذها ابنُ الخطاب، فلَم أَرَ عَبْقرياًّ من الناس ينزع نزعَ عمر، حتى ضرب الناسُ بعَطَن". ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهذه الرؤيا فيها إشارةٌ إلى خلافة أبي بكر وقِصَرها، وإلى خلافة عمر مِن بعده، وطولها وكثرة نفعها. ٦ ـ روى ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧/٤٣٤ رقم: ٧٠٥٣) فقال: حدثنا ابن نُمير، عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال: سمعتُ علياًّ يقول: "قُبض رسول الله ﷺ على خير ما عليه نَبِيٌّ من الأنبياء، قال: ثمَّ استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله ﷺ وبسنته، ثمَّ قُبض أبو بكر على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها، ثمَّ استُخلف عمر فعمل بعملهما وسنتهما، ثمَّ قُبض على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها وبعد أبي بكر". ورجالُ هذا الإسناد محتجٌّ بهم، فعبد خير وعبد الله بن نمير ثقتان، وعبد الملك بن سلع صدوق.

стр. 65

ثانياً: حكايةُ الإجماع والاتّفاق على خلافة أبي بكر ﵁: لَم يأت نصٌّ عن رسول الله ﷺ صريحٌ على خلافة أبي بكر أو غيره، لكنَّه قد جاء أحاديث صحيحة تدلُّ دلالة قويَّة على أنَّه أولَى من غيره بالخلافة، وقد مرَّ جملةٌ منها، وقد حصل اتِّفاق الصحابة ﵃ على بيعته، وتحقَّق ما أخبر به الرسول ﷺ في قوله في الحديث المتقدِّم قريباً: "يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر"، ويدلُّ على حصول اتِّفاقهم على بيعته ما يلي: ١ ـ روى الحاكم في المستدرك (٣/٧٨ ـ ٧٩) قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثني أبي وأحمد بن منيع، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زِر، عن عبد الله (يعنِي ابنَ مسعود) قال: "ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئاً فهو عند الله سيِّء، وقد رأى الصحابةُ جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁". ورجاله مُحتجٌّ بهم، والقطيعي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٢١٠) ، وقال عنه: "الشيخ العالم المحدِّث مسند الوقت". ٢ ـ روى البخاري في صحيحه (٧٢١٩) بإسناده إلى الزهري أنَّه قال: ((أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنَّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي النَّبيُّ ﷺ ، فتشهَّد وأبو بكر صامت لا يتكلَّم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يَدْبَرَنا، يريد بذلك أن يكون آخرَهم، فإن يكُ محمدٌ ﷺ قد مات، فإنَّ الله تعالى قد جعل بين أظهرِكم نوراً تهتدون به بما هدى اللهُ به محمداً ﷺ ، وإنَّ أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنَّه أولَى الناسِ بأمورِكم، فقوموا فبايِعوه، وكانت طائفةٌ

стр. 66

منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بَنِي ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر، قال الزهري (أي بالإسناد المتقدِّم) عن أنس بن مالك: سمعتُ عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناسُ عامَّة". ٣ ـ روى أبو داود في سننه (٤٦٣٠) قال: حدَّثنا محمد بن مسكين، حدَّثنا محمد ـ يعني الفريابي ـ قال: سمعتُ سفيان (يعني الثوري) يقول: "مَن زعم أنَّ عليًّا ﵇ كان أحقَّ بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء". إسناده صحيح، ومحمد بن يوسف الفريابي ثقة أخرج له الجماعة، ومحمد ابن مسكين ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. ٤ ـ روى البيهقي في كتابه مناقب الشافعي (١/٤٣٤) بإسناده إلى الشافعي قال: "أجمع الناسُ على خلافة أبي بكر، واستخلَف أبو بكر عمر، ثمَّ جعل عمرُ الشورى إلى ستة، على أن يُوَلُّوها واحداً، فوَلَوْها عثمان ﵃ أجمعين". ٥ ـ قال الإمام أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة (ص: ١٨٥ ـ ١٨٦) : "وأثنى الله على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق الكتاب بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية. قد أجمع هؤلاء الذين أثنى عليهم ومدَحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁، وسَمَّوه خليفة رسول الله ﷺ ، وبايعوه وانقادوا له، وأقَرُّوا له بالفضل، وكان أفضلَ الجماعة في جميع الخصال التي يستحقُّ بها الإمامةَ من

стр. 67

العلم والزهد وقوَّة الرأي وسياسة الأمَّة وغير ذلك". ٦ ـ قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ المعروف بابن السَّقاء: "وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، قالوا له: يا خليفة رسول الله! ولَم يُسَمَّ أحدٌ بعده خليفة، وقيل: إنَّه قُبض النَّبيُّ ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم، كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله! ورَضوا به مِن بعده، ﵃، وإلى حيث انتهينا قيل لهم: أمير المؤمنين". من تاريخ بغداد للخطيب (١٠/١٣١) . والمراد أنَّ أبا بكر كان يُقال له: يا خليفة رسول الله! وأمَّا غيره فيُقال له: يا أمير المؤمنين. ٧ ـ قال أبو عثمان الصابوني إسماعيل بن عبد الرحمن في كتابه عقيدة السَّلف أصحاب الحديث (ص: ٨٧) : "ويُثبت أصحابُ الحديث خلافةَ أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتِّفاقهم عليه وقولهم قاطبة: رَضِيَه رسولُ الله ﷺ لدِيننا فرضيناه لدُنيانا، يعني أنَّه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيَّام مرضه وهي الدِّين، فرضيناه خليفةً للرسول ﷺ علينا في أمور دُنيانا. وقولهم: قدَّمك رسول الله ﷺ فمَن ذا الذي يُؤَخِّرك؟ وأرادوا أنَّه ﷺ قدَّمَك في الصلاة بنا أيَّام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمَن ذا الذي يُؤخِّرك بعد تقديمه إيَّاك؟! وكان رسول الله ﷺ يتكلَّم في شأن أبي بكر في حال حياته بِما يُبيِّن للصحابة أنَّه أحقُّ الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتَّفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه ـ والله ـ وارتفعوا به وعَزُّوا وعَلَوْا بسببه".

стр. 68

٨ ـ قال الإمام البيهقي في كتابه الاعتقاد (ص: ١٧٩ ـ ١٨٠) : "وقد صحَّ بما ذكرنا اجتماعُهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطنُ عليٍّ أو غيرِه بخلاف ظاهرِه، فكان عليٌّ أكبرَ محلاًّ وأجلَّ قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حقٍّ أو يُظهِرَ للناس خلافَ ما في ضميره، ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لَم يصحَّ إجماعٌ قطُّ، والإجماعُ أَحَدُ حُجَج الشريعة، ولا يجوز تعطيلُه بالتوهُّم". ٩ ـ قال ابن قدامة في لُمعة الاعتقاد (ص: ٣٥) : "وهو (أي أبو بكر الصديق) أحقُّ خلق الله بالخلافة بعد النَّبيِّ ﷺ ؛ لفضله وسابقته وتقديم النَّبيِّ ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة". ١٠ ـ قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١/٢٦٤) : ((وأجمعت الصحابةُ على تقديم الصدِّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بَنِي ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منَّا أميرٌ ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إنَّ العربَ لا تدين إلاَّ لِهذا الحيِّ من قريش، ورَوَوا لهم الخبرَ في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش". ١١ ـ قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٥/١٥٤ ـ ١٥٥) عند شرحه لأثر عائشة ﵂ لَمَّا سُئلت: "مَن كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثمَّ مَن بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثمَّ قيل لها: مَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثمَّ انتهت إلى هذا"، قال: "هذا دليلٌ لأهل السُّنَّة في تقديم أبي بكر ثمَّ عمر في الخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه دلالة لأهل السُّنَّة أنَّ خلافةَ أبي بكر ليست

стр. 69

بنصٍّ من النَّبيِّ ﷺ على خلافته صريحاً، بل أجمعت الصحابةُ على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نصٌّ عليه أو على غيره لَم تقع المنازعةُ من الأنصار وغيرهم أولاً، ولَذَكر حافظ النصِّ ما معه، ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أوَّلاً، ولم يكن هناك نصٌّ، ثمَّ اتَّفقوا على أبي بكر واستقرَّ الأمر". ١٢ ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٦/٤٥٥) : " ... فبايعه الذين بايعوا الرَّسولَ تحت الشجرة، والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُهاجرون إليه، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرِهم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنِّي أحقُّ بهذا مِن أبي بكر، ولا قاله أحدٌ في أحدٍ بعينه: إنَّ فلاناً أحقُّ بهذا الأمر من أبي بكر". ١٣ ـ عقد ابن القيم في كتابه"الفوائد" فصلاً في فضائل أبي بكر، ومِمَّا جاء فيه قوله في (ص: ٩٥) : "نطقتْ بفضله الآياتُ والأخبارُ، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار". ١٤ ـ قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (٩/٤١٥ ـ ٤١٨) : "وقد اتَّفق الصحابةُ ﵃ على بيعة الصِّديق في ذلك الوقت، حتى عليّ ابن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ وأرضاهما، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفراييني، ثنا أبو علي الحُسين بن علي الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب، قالا: نا بُندار بن بشار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وُهيب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نَضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "قُبض رسول الله ﷺ ، واجتمع الناسُ في دار سعد بن عُبادة، وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيبُ الأنصار فقال: أتَعلمون أنَّ رسول الله

стр. 70

صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وخليفتَه من المهاجرين، ونحن كنَّا أنصارَ رسولِ الله ﷺ ، فنحن أنصارُ خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمرُ بنُ الخطاب، فقال: صدق قائلُكم، ولو قُلتُم غيرَ هذا لَم نُتابِعكم، فأخذ بيد أبي بكر، وقال: هذا صاحبُكم فبايِعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصارُ، قال: فصعد أبو بكر المنبرَ، فنظر في وجوه القوم، فلَم يرَ الزبيرَ، فدعا بالزبير فجاء، قال: قلتَ: ابنُ عمَّةِ رسول الله ﷺ وحواريُّه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فقام فبايعه، ثمَّ نظر في وجوه القوم فلَم يرَ عليًّا، فدعا بعليِّ بن أبي طالب، فجاء فقال: قلتَ: ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ وختَنُه على ابنتِه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فبايعه) ، هذا أو معناه". وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله رجال مسلم، وابن خزيمة هو إمام الأئمة صاحب الصحيح. وإبراهيم بن أبي طالب هو محمد بن نوح، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/٤٥٧) وقال: "الإمام الحافظ المجوِّد الزاهد، شيخ نيسابور، وإمام المحدِّثين في زمانه"، ونقل عن الحاكم أنَّه قال فيه: "إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرِّجال، جمع الشيوخ والعلل". وأبو علي الحسين بن علي الحافظ، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٥١) وقال: "الحافظ الإمام العلاَّمة الثبت أبو علي الحسين بن علي ابن يزيد بن داود النيسابوري، أحد النُّقَّاد". وشيخ البيهقي، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/٣٠٥) وقال: "الإمام الحافظ النَّاقد القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حسين ابن شاذان بن السَّقا الإسفراييني، من أولاد أئمَّة الحديث، سمع الكتب

стр. 71

الكبار وأملى وصنَّف". وقد أورد ابن كثير حديث البيهقي هذا في البداية (٨/٩٢) بإسناده ومتنه، وفيه أنَّ كنية شيخه أبو الحسن، ثمَّ قال: "وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سِنان الخدري"، وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٤٣) هذا الإسناد وأحال في متنه على متن إسناد قبله، وقال: "بنحوه"، وفيه أنَّ كنية شيخه: أبو الحسن. وقال ابن كثير أيضاً (٩/٤١٧) : "وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم، حدَّثني أبي: (أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأنَّ محمد بن مسلمة كسَر سيفَ الزبير، ثمَّ خطب أبو بكر، واعتذر إلى الناس، وقال: والله! ما كنتُ حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة، ولا سألتُها اللهَ في سرٍّ ولا علانية، فقبِل المهاجرون مقالتَه، وقال عليٌّ والزبير: ما غضِبْنا، إلاَّ لأنَّنا أُخِّرنا عن المشورة، وإنَّا نرى أبا بكر أحقَّ الناس بها بعد رسول الله ﷺ ؛ إنَّه لصاحبُ الغار، وإنَّا لنعرِف شرَفَه وخَيْرَه، ولقد أمره رسولُ الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) . وهذا اللاَّئق بعليٍّ ﵁، والذي تدلُّ عليه الآثار من شهودِه معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القَصَّة بعد موت رسول الله ﷺ ، كما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورةَ بين يديه، وأمَّا ما يأتي من مبايعته إيَّاه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵊ بستَّة أشهر، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانية أزالت ما كان قد وقع من وَحشةٍ بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إيَّاهم ذلك بالنصِّ عن رسول الله ﷺ في قوله: "لا نورَث ما تركنا فهو صدقة".

стр. 72

وإسناد موسى بن عقبة صحيح؛ سعد بن إبراهيم وأبوه من رجال الصحيحين، وسعدٌ ثقة، وأبوه له رؤية. ١٥ ـ قال يحيى بن أبي بكر العامري في كتابه الرياض المستطابة (ص: ١٤٣) : "وقد كانت بيعتُه إجماعاً من الصحابة الذين هم أعرفُ بالحال، وأدرى بصحَّة الدليل في المقال، والإجماعُ حُجَّة قطعية من غيرهم، فما ظنُّك بهم؟! ". ومِمَّا تقدَّم من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع يتبيَّن أنَّ خلافةَ أبي بكر ﵁ حقٌّ، وأنَّه أوْلَى بالخلافة من غيره، وأنَّ القولَ بخلاف ذلك ضلالٌ عن الحقِّ وخروجٌ عن الجادَّة واتِّباعٌ لغير سبيل المؤمنين التي بيَّنها الرسول ﷺ في قوله: "يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر"، فالله يأبى إلاَّ أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلاَّ أبا بكر، ويأبى بعضُ الذين اتَّبعوا غيرَ سبيل المؤمنين مِن أهل الأهواء والبدعِ إلاَّ غير أبي بكر، نعوذ بالله من الخذلان. ثمَّ أقول: إنَّ غُلوَّ المالكي في عليٍّ ﵁ لا يُفيد عليًّا شيئاً، وإنَّ جفاءَه في حقِّ الكثيرين من الصحابة لا يضُرُّهم شيئاً، وإنَّما مضرَّة الغلوِّ والجفاء تعود على الغالي الجافي، نسأل الله السلامةَ والعافية. وكما اشتملت عباراته التي أشرتُ إليها على تشكيكه وقدحه في أحقيَّة أبي بكر بالخلافة، فإنَّها مشتملةٌ على تشكيكه في أفضليته على غيره من الصحابة، بل قد صرَّح بذلك في كتابه السيِّء في الصحابة؛ إذ أورد فيه أثر إبراهيم النخعي: "من فضلَّ عليًّا على أبي بكر وعمر فقد أزرى على أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار ... " مستدلاًّ به على رأيه الباطل، وهو قَصْر الصحبة الشرعية على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، فقال: "مع التحفُّظ على تشنيعه على مَن فضَّل عليًّا عليهما؛ فإنَّ هذا قد

стр. 73

فعله بعضُ السابقين من المهاجرين والأنصار، كما ذكر ذلك ابنُ عبد البر في ترجمة الإمام عليٍّ في الاستيعاب، ودلَّت عليه بعضُ الروايات!!! ". وقد رددتُ عليه تحفظه الباطل في كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار" (ص: ٥٩ ـ ٦٥) ، وأنا أسوقه هنا، فقد قلت فيه: وأمَّا تحفُّظه على ما جاء في الأثر من تفضيل الشيخين على عليٍّ رضي الله عن الجميع، فهو مخالِف لِما عليه سلفُ هذه الأمَّة، ودلَّت عليه الأحاديثُ الصحيحةُ والآثار عن بعض الصحابة وغيرِهم، ومنهم علي ﵁، وأذكر فيما يلي بعضَ الأدلَّة الدَّالَّة على ذلك مِمَّا وقفتُ عليه من الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة، وحكاية الإجماع عن عدد من العلماء: أوَّلاً: الأحاديث المرفوعة: ١ ـ ما رواه مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البَجلي ﵁ أنَّه قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ قبل أن يَموت بخمس وهو يقول: "إنِّي أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإنَّ اللهَ تعالى قد اتَّخذني خليلاً كما اتَّخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متَّخذاً مِن أمَّتِي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً" الحديث. فقد أخبر النَّبيُّ ﷺ عن أمرٍ لا يكون أن لو كان كيف يكون، وهو دالٌّ على تفضيل أبي بكر ﵁ على الصحابة جميعاً. ٢ ـ ما رواه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) في صحيحيهما عن عَمرو بن العاص ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيتُه، فقلت: أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرِّجال؟ قال: أبوها، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: عمر بن الخطَّاب، فعدَّ رجالاً".

стр. 74

٣ ـ روى الترمذي في جامعه (٣٨٩٠) قال: حدَّثنا أحمد بن عَبْدة الضبِّي، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: "قيل: يا رسول الله! مَن أحبُّ الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: مِن الرِّجال؟ قال: أبوها"، وهو حديث صحيح، رجاله رجال الشيخين إلاَّ أحمد بن عبدة الضبِّي فهو من رجال مسلم. ثانياً: الآثار الموقوفة على الصحابة، ومنهم علي ﵁: ١ ـ روى البخاري في صحيحه (٣٦٧١) بإسناده عن محمد بن الحنفية ـ وهو محمد بن علي بن أبي طالب ـ قال: "قلتُ لأبي: أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمر، وخشيتُ أن يقول: عثمان، قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلاَّ رجلٌ من المسلمين". ٢ ـ روى الإمام أحمد في مسنده (٨٣٥ ـ تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد) قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن يعنِي الغُداني الأشل، عن الشعبي، حدَّثني أبو جُحيفة الذي كان عليٌّ يُسمِّيه: وهْب الخير، قال: قال لي عليٌّ: "يا أبا جُحيفة! ألا أُخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيِّها؟ قال: قلت: بلى، قال: ولم أكن أرى أنَّ أحداً أفضل منه، قال: أفضلُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث، ولم يُسمِّه"، وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين إلاَّ منصور بن عبد الرحمن فهو من رجال مسلم، وأثر علي هذا عن أبي جُحيفة جاء في مسند الإمام أحمد وزوائده لابنه عبد الله من طرق صحيحة أو حسنة، وأرقامها من (٨٣٣) إلى (٨٣٧) و (٨٧١) . ٣ ـ روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٤٨٤) : قَثَنَا الهيثم بن خارجة والحكم بن موسى قالا: نا شهاب بن خراش، قال: حدَّثني الحجاج ابن

стр. 75

دينار، عن أبي مَعشر، عن إبراهيم النخعي، قال: "ضرب علقمة بنُ قيس هذا المنبر، فقال: خطبنا عليٌّ على هذا المنبر، فحمِد اللهَ وذكره ما شاء الله أن يذكرَه، ثمَّ قال: ألا إنَّه بلغنِي أنَّ أناساً يفضِّلونِي على أبي بكر وعمر، ولو كنتُ تقدَّمت في ذلك لعاقبتُ، ولكنِّي أكرَه العقوبةَ قبل التقدُّم، فمَن قال شيئاً من ذلك فهو مفْتَرٍ، عليه ما على المفتري، إنَّ خيرَ الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثمَّ عمر ... ". وهذا إسنادٌ حسن، وأبو مَعشر هو زياد بن كُليب، وهو ثقة. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٩٩٣) ، وقال الألباني: "إسناده حسن". في زوائد فضائل الصحابة (٤٩) عن عبد الله بن أحمد بإسنادٍ فيه ضعف إلى الحَكَم بن جَحْل قال: سمعتُ عليًّا يقول: "لا يفضلني أحدٌ على أبي بكر وعمر إلاَّ جلدته حدَّ المفتري". وهو أيضاً كذلك في السنة لابن أبي عاصم (١٢١٩) ، وهو قريبٌ في المعنى من الذي قبله عن علقمة. وقد أشار إبراهيم النَّخعي إلى هذه العقوبة من عليٍّ لِمَن يفضِّله على الشيخين بقوله لرجلٍ قال له: "عليٌّ أحبُّ إليَّ من أبي بكرٍ وعمر، فقال له إبراهيم: أما إنَّ علياًّ لو سَمع كلامَك لأَوْجَع ظَهْرَك، إذا تجالسوننا بهذا فلا تجالسونا" رواه عنه ابن سعد في الطبقات (٦/٢٧٥) بإسناده إليه عن أحمد ابن يونس عن أبي الأحوص ومُفضَّل بن مُهَلْهَل عن مغيرة عنه، ورجالُه ثقاتٌ محتجٌّ بهم، وهم من رجال الصحيحين، إلاَّ المفضل بن مهلهل فهو من رجال مسلم، وفيه عنعنة المغيرة عن إبراهيم، وهو مدلِّس.
следующие страницы →