مقدمة
...
الانتصار لأهل السنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي
تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد البدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل في محكم التنزيل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ، أحمدُه ولا أحصي ثناءً عليه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده، لا شريك له في ربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، ربُّ العالَمين، وإله الأوَّلين والآخرين، وقيُّوم السموات والأرضين، ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، الذي بلَّغ البلاغ المبين، فدلَّ أمَّته على كلِّ خير، وحذَّرها من كلِّ شرٍّ، وقال: "تركتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك"، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى أزواجه وذريَّته وسائر أهل بيته المطهَّرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين أهل العلم والإيمان والصدق والإحسان، وعلى كلِّ مَن جاء بعدهم قائلاً: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للَّذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم.
أمَّا بعد، فقد نبت في هذا الزمان في أقصى جنوب هذه البلاد نابتةٌ تسلَّق أسوارَ العلم، وأتى بيوتَه من غير أبوابها، فقفى ما ليس له به علم، وخَبَط في العلم خَبْطَ عَشواء، وحَمَلَ على أهل السُّنَّة والحديث منذ عهد الصحابة وحتى زماننا حَمْلة شعواء، وهذا النابتةُ حسن بن فرحان المالكي، نسبة إلى بني مالك في أقصى جنوب المملكة، وإنَّما قلت: "نسبة إلى بني مالك"؛ لئلاَّ يظنَّ ظانٌّ نسبتَه إلى مذهب الإمام مالك، أحد أئمَّة أهل السُّنَّة، فإنَّه ليس من أهل السُّنَّة، بل هو من الموغلين في البدع، المحاربين لأهل السنَّة، وقلت: "في أقصى جنوب المملكة"؛ لئلاَّ يُتوهَّم نسبته إلى بني مالك الذين ذُكِر أنَّ نسبَهم يرجع
стр. 2
إلى بَجيلة، ومنازلهم قريبةٌ من الطائف؛ لأنَّ ظنَّ نسبته إليهم مع خبثه وسوء معتقده لا شكَّ أنَّه يسوؤهم، وأمَّا الذين في الجنوب فهو وإن كان منهم فإنَّ نسبتَه إليهم لا تضرُّهم؛ لأنَّه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وقد ذكر هذا النابتة في آخر أحد كتبه السيِّئة أنَّ ولادَتَه سنة (١٣٩٠هـ) ، وهذه السنة هي التي تلي سنة وفاة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، مفتي البلاد ورئيس قضاتها (قبل إنشاء وزارة العدل) ، ورئيس الكليَّات والمعاهد العلمية (التي أُطلق عليها فيما بعد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ، ورئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة، وقد أرَّختُ سنة وفاته ﵀ بكلمات على صيغة دعاء بحِساب الحروف، وذلك بقولي: "جُد جوادُ واغفر لي وله"، وذلك فيما كتبته عنه وعن الملك فيصل بعنوان: "عالِم جِهبذ ومَلِك فذ"، وكان ﵀ سدًّا منيعاً في وجه أهل الباطل؛ وذلك لهيبته العظيمة وهمَّته العالية وقوَّته في الحقِّ وصرامته فيه وحراسته الدِّين في هذه البلاد، وهذا النابتة من الدجَّالين الذين ظهروا بعد زمانه.
وهذا الرَّجل العظيم من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأسرةُ الشيخ الإمام من قبيلة بني تَميم، الذين أخبر الرسول ﷺ أنَّهم أشدُّ أمَّته على الدجَّال، أخرجه البخاري (٢٥٤٣) ، وكما كانت هذه القبيلة في آخر الزمان أشدَّ الناس على الدجَّال الأعظم، فإنَّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأبناءَه وأحفادَه وتلاميذه وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم مِن أشدِّ الناس على الدجَّالين، الذين يأتون في أزمانهم، مثل هذا المالكي ومَن كان على شاكلته من أهل الزيغ والضلال.
وقد كَرَع هذا النابتةُ في مستنقعات أهل البدع، وعبَّ منها ما شاء الله أن
стр. 3
يَعُب، واطَّلع على ما أمكنه الاطِّلاعُ عليه من كتب أهل السُّنَّة لالتقاط الأخطاء وتصيُّد المثالب، ثم تقيَّأ ذلك كلَّه في أوراق سَمَّاها بحوثاً.
ومن أقبح ما تقيَّأه بحثه المزعوم الذي سَمَّاه"قراءة في كتب العقائد ـ المذهب الحنبلي نموذجاً"، وقد شحنه بالهذيان والأباطيل في ذمِّ أهل السُّنَّة والثناء على المبتدعة، وسأشير هنا إلى جملة من تلك الأباطيل، ذاكراً بعدها رقم المبحث الذي وردت فيه من هذا الرد.
فمِن ذلك زعمه أنَّ مصطلحَ العقيدة مبتدَع (٦) ، وقدحه في كتب أهل السُّنَّة في العقيدة (٧) ، وزعمه الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه لجزئيات العقيدة؛ لأنَّ ذلك بزعمه يُفرِّق المسلمين (٨) ، وثناؤه على أهل البدع وقدحه في أهل السُّنَّة (٩) ، وقدحه في أفضليَّة أبي بكر ﵁ وأحقيَّته بالخلافة (١١) ، وقدحه في خلافة عمر وعثمان ﵄ (١٢) ، وقدحه في أحاديث صحيحة بعضها في الصحيحين (١٤) ، وزعمه أنَّ المعوَّل عليه في النصوص ما كان قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة فقط (١٥) ، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة مجسِّمة ومشبِّهة (١٦) ، وثناؤه على المأمون الذي نصر المبتدعة وآذى أهلَ السُّنَّة وذمُّه للمتوكِّل الذي نصر السنَّة وأنهى المحنة (١٨) ، وتشكيكه في ثبوت السنَّة والإجماع، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يُزَهِّدون في التحاكم إلى القرآن مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرِّجال (٢٤) ، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب والموبقات (٢٥) ، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يتساهلون مع اليهود والنصارى مع التشدُّد مع المسلمين (٢٦) ، وزعمه أنَّ قاعدةَ (اتِّباع الكتاب والسنَّة بفهم سلف الأمَّة) باطلةٌ وأنَّها بدعة (٢٧) ، وزعمه أنَّ تقسيم التوحيد إلى ربوبيَّة وألوهيَّة تقسيمٌ مبتدَع (٢٨) ، وتشنيعه على الإمام أحمد في
стр. 4
مسألة التكفير (٢٩) ، ورميه أهل السُّنَّة بالنَّصب وزعمه أنَّ ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير نواصب (٣٠) .
والله يعلم أنِّي كارهٌ لإيراد كلامه في هذه الأباطيل، لكن دعت الضرورة إلى ذلك، وأقول فيها كما قال السيوطي في كتابه"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنَّة" (ص: ٥) : "اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أنَّ من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تُذكر إلاَّ عند داعية الضرورة، وأنَّ مِمَّا فاح ريحُه في هذا الزمان، وكان دارساً بحمد الله تعالى منذ أزمان، وهو أنَّ قائلاً رافضيًّا زنديقاً أكثر في كلامه أنَّ السنَّةَ النبويَّة والأحاديث المرويَّة ـ زادها الله علوًّا وشرَفاً ـ لا يُحتجُّ بها، وأنَّ الحجَّةَ في القرآن خاصَّة ...
فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ مَن أنكر كون حديث النَّبيِّ ﷺ قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول ـ حجَّةً كفرَ وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشر مع اليهود والنصارى، أو مع مَن شاء الله من فرق الكفرَة ...
وهذه آراء ما كنتُ أستحلُّ حكايتَها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار".
وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فإنَّ التشابهَ بين المالكي وهذا الرافضي الذي ذكره السيوطي واضحٌ؛ لأنَّ المالكيَّ شكَّك في ثبوت السنَّة وزعم أنَّ ثبوتَها مختلفٌ فيه، وقال في (ص: ١٦٤) من قراءته المزعومة: "فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة وفي الإجماع وفي القياس وفي قول الصحابي وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية"!!
ويرى بعضُ الناس أنَّ في الردِّ على هذا المالكيِّ إشهاراً له، وأقول: نعم! هو إشهارٌ له، لكن بالخزي والفضيحة، واشتهارُه نظيرُ اشتهار صاحب
стр. 5
الحكاية الذي قال: سأعملُ عملاً أُذكَر به في التاريخ، فما كان منه في جمع حاشد إلاَّ أن خلَع ثيابَه وتعرَّى أمامهم، فتحقَّق له ذلك الذي أراده، وأيضاً فمِن المعلوم أنَّ الباطلَ إذا ظهر تعيَّن كشفُه وتزييفُه وإيضاحُ بطلانه.
وإذا لَم يهتد المالكي قبل بلوغه أجلَه فسيموتُ بغيظه، وسيبقى إن شاء الله ذكرُه السيِّء كما بقي ذكرُ أسلافه، كالجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وغيرهما من المبتدعة أهل الزيغ والضلال، وستبقى إن شاء الله الردودُ عليه، كما بقيت الردودُ من علماء السلف، كالإمام أحمد والدارمي وابن منده الذين ردُّوا على الجهمية.
وقد قلت في مقدِّمة كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي": "وسأُفرِدُ بحول الله الردَّ عليه فيه ـ أعني قراءته المزعومة في كتب العقائد ـ بكتاب بعنوان: الانتصار لأهل السُّنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وبإنجاز هذا الردّ أكون قد وفَّيتُ بهذا الوعد، والحمد لله ربِّ العالَمين.
ولكون الجهاد المتيسِّر في هذا الزمان جهاد أهل النفاق والإلحاد والزيغ والضلال، ولأنَّني عند قراءتي بحثيْه المزعومين الذين رددتُ عليهما مع كتابه السيِّء عن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وجدتُه ذكرَ أسماءَ بحوث زعم أنَّه بصدد كتابتها، فإنِّي أعِدُ الآنَ بأنِّي على استعداد للردِّ عليه، إمَّا بنفسي، أو بالطلب من غيري، ولذا آملُ مِمَّن يقف على شيء من بحوثه المزعومة تزويدي بنسخة من ذلك.
وأسأل الله أن يُريَنا الحقَّ حقًّا ويُوفِّقنا لاتِّباعه، والباطلَ باطلاً ويُوفِّقنا لاجتنابه، وأن ينصرَ دينَه ويُعلي كلمتَه، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 6
١ ـ إهداؤه كتابه نموذج من هدايا الضلال والإضلال
صدَّر المالكي قراءته في كتب العقائد بالإهداء إلى عموم المسلمين من علماء وباحثين ومفكِّرين وساسة، وقال: "وهو في الوقت نفسه إهداء إلى كلِّ المختلفين من أصحاب المذاهب، سواء كانوا سنَّةً أو شيعة أو إباضية ... سلفية أو أشاعرة ... وهو إهداء أيضاً إلى أصحاب التيارات الأخرى من المنتمين إلى علمانية أو اشتراكية أو حداثة فكرية أو ليبيرالية؛ لعلَّهم يجدون تصحيحاً لِمَا ألصقه المتمذهبون بدين الإسلام!! ".
وتعليقاً على هذا الإهداء أقول:
١ ـ إهداءُ العلم النافع له أصل عند سلف هذه الأمَّة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري (٣٣٧٠) ، ومسلم (٤٠٦) ، واللفظ للبخاري بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "لقينِي كعب بن عُجرة فقال: ألاَ أُهدي لك هديَّة سمعتُها من النَّبيِّ ﷺ ؟ فقلت: بلى! فأهدِهَا لي، فقال: سألْنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنَّ الله قد علَّمنا كيف نسلِّم؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، اللَّهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ إلى إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد".
٢ ـ من الناس مَن تكون هديَّتُه دعوةً إلى الحقِّ والهُدى، ولا حدَّ لنفع هذه الهديَّة، ومنهم مَن تكون هديَّتُه دعوةً إلى الضلال، ولا حدَّ لضرر هذه الهديَّة؛ فقد روى مسلمٌ في صحيحه (٢٦٧٤) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا
стр. 7
ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".
ومن الناس من يُهدي السَّمنَ والعسل، ومنهم مَن يُهدي السُّمَّ والحنظلَ والحيَّات والعقارب، وهديَّة المالكي هذه من نوع هدايا الضلال والسُّمِّ والحنظل والحيَّات والعقارب، كما سيتَّضح ذلك في دحض أباطيله التي اشتمل عليها هذا الكتاب المُهدَى.
٣ ـ هذا الكتاب المُهدَى مشتملٌ على الذمِّ والثَّلب لأهل السُّنة والجماعة، والتَّأييد لفرق الضلال المختلفة، وهو في الحقيقة هديَّة ثمينةٌ لفرق الضلال.
٤ ـ من العجيب شموله في هديته للعلمانيِّين ومَن ذكر معهم لعلَّهم يَجدون تصحيحاً لِما ألصقه المتمذهبون بدين الإسلام، وهم لن يُحصِّلوا التصحيح المزعوم، وإنَّما سيجدون ما يَسرُّهم من الذَّمِّ والنَّيل لأهل السنَّة.
стр. 8
٢ ـ كاتب هذا البحث المزعوم وناشره وصاحب الأَحَدية متعاونون على الإثم والعدوان
قال في (ص: ٩ ـ الحاشية) : "أصل هذا الكتاب محاضرة ألقيتُها في أَحَدية الدكتور راشد المبارك (٦/٨/١٤٢٠هـ ـ ١٤/١١/١٩٩٩م") ، وذكر في مطلع كتابه المشين في الصحابة الذي سبق أن رددتُ عليه في كتابي: "الانتصار للصحابة الأخيار"، ذكر أنَّ أصلَ ذلك الكتاب محاضرةٌ ألقاها في أحدية الدكتور راشد المبارك يوم الأحد ٢٦ ذي القعدة ١٤١٩هـ.
стр. 9
أقول معلِّقاً على ذلك:
ما كان يليق بصاحب الأحدية المذكورة أن يُمكِّنَ من إلقاء هذا الباطل في أَحديَّته؛ لأنَّ مثلَ هذا التمكين من التعاون على الإثم والعدوان؛ فقد روى مسلمٌ في صحيحه (٦٧١) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"، وإنَّما كانت الأسواقُ أبغضَ البلاد إلى الله لِمَا يكون فيها من الصَّخَب واللَّغو والكلام الذي لا ينبغي، ولا شكَّ أنَّ الأماكنَ التي يكون فيها منابرُ لإعلان الباطل ونشره أَسْوأُ من الأسواق، فقد قال الله عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ، قال ابن كثير في تفسيره: "أي تُحدِّث بما عمل العاملون على ظهرها"، ثم ذكر حديثاً في ذلك ضعيف الإسناد.
وفي صحيح البخاري (٩٨٦) عن جابر ﵁ قال: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريقَ"، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه عدَّةَ أقوال في حكمة ذلك، أوَّلها: أنَّه فعل ذلك ليشهدَ له الطريقان.
وأسوأُ حالاً من صاحب الأَحَدية مَن قام بطباعة هذا الكتاب ونشره؛ فإنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطة، فهذه القراءة المزعومة في كتب العقائد تلقَّفها ونشرها مركز للدراسات التاريخية في دولة عربية، وهو عملٌ من أعظم التعاون على الإثم والعدوان؛ لِمَا فيه من تعميم نشر الباطل على نطاق واسع، وقد مرَّ قريباً قول الرسول ﷺ : "مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".
стр. 10
قال المنذريُّ في الترغيب والترهيب (١/٦٥) تعليقاً على حديث "إذا مات ابن آدم انقطع عملُه إلاَّ من إحدى ثلاث ... " الحديث، قال: "وناسخُ العلم النافعِ له أجره وأجر من قَرأَه أو نسخه أو عمل به من بعده، ما بقي خطُّه والعمل به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير النافع مِمَّا يوجبُ الإثم، عليه وزرُه ووزرُ من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده، ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لِمَا تقدَّم من الأحاديث (مَن سنَّ سُنَّة حسنة أو سيِّئة) ، والله أعلم".
стр. 11
٣ ـ زعمه أنَّه سلفيٌّ سُنِيٌّ، وذِكرُ نماذج من كلامه تُبطل دعواه
وقال في (ص: ٩) : "قد يكون من فضول القول التأكيد بأنَّني ـ والحمد لله ـ من طلبة الحق والعلم، ومن أهل السُّنَّة والجماعة، ولا أرفع من الشعارات إلاَّ قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، متحريًّا الحقَّ والصواب بحسب قُدراتي واجتهادي!! ".
وقال في (ص: ١٧) : "وأخيراً فيجب أن أُؤكِّدَ أنَّنِي مسلمٌ سُنِيٌّ سلفيٌّ حنبليٌّ، ومَن زعم أنَّني أنتَمي لمذهب آخر باهَلتُه!! ".
وقال في (ص: ١٩٦) : "بل لا أعتبر نفسي إلاَّ حنبليًّا بحكم النشأة والتعليم والبيت والتلقِّي والطريقة في الاستدلال".
وأجيب عن هذه الدعاوى بما يلي:
١ ـ نعم! إنَّ قولَ المالكي إنَّه من أهل السُّنَّة والجماعة هو من فضول القول وليس من حقائقه!
стр. 12
٢ ـ أنَّ زعمَه أنَّه سُنِيٌّ سلفي حنبليٌّ مُجرَّدُ دعوى، تُبيِّنُ كلماتُه التي أنقلها من قراءته المزعومة من كتب العقائد بطلان هذه الدعوى.
فليس سُنيًّا مَن يُشكِّك في أحقيَّة أبي بكر بالخلافة، ويقول في (ص: ٤٨) : "لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم عليًّا أنَّ عليًّا لم يكن موجوداً في السَّقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربَّما لو كان موجوداً لَتَمَّ له الأمر!! ".
ويقول أيضاً في نفس الصفحة: "أمَّا أن يتمَّ الأمر في وسط النزاع المحتدم بين المهاجرين والأنصار، ثم بين الأوس والخزرج من الأنصار، فهذا يُضعف عندهم ـ يعني عليًّا ومن معه بزعمه ـ شرعيَّة البيعة، ويجعلها أشبه ما تكون بالقهر والغلبة، التي تتنافى مع الشورى المأمور بها شرعاً ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ !!! ".
وليس سُنيًّا مَن يظنُّ بمعظم الأنصار ظنَّ السوء، فيزعم أنَّهم يرون أنَّ عليًّا أولَى بالخلافة من أبي بكر ﵄، فيقول في (ص: ٤٦) : "بل تبيَّن أنَّ معظمَ الأنصار كانوا يَميلون مع عليٍّ أكثر من ميلهم مع أبي بكر ﵄!! ".
وهذا الظنُّ السيِّء من المالكيِّ مبايِنٌ تَماماً لِمَا ثبت في صحيح البخاري (٥٦٦٦) وصحيح مسلم (٢٣٨٧) واللفظ لمسلم عن عائشة ﵂ قالت: "قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادْعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتبَ كتاباً؛ فإنِّي أخاف أن يتَمنَّى مُتمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر".
فلا يجوز أن يُظنَّ ببعض الأنصار ـ فضلاً عن معظمهم ـ أنَّهم يأبون إلاَّ
стр. 13
غير أبي بكر، مخالفين لِمَا جاء في هذا الحديث، فالله يأبَى إلاَّ أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلاَّ أبا بكر، ويأبى بعضُ الذين اتَّبعوا غير سبيل المؤمنين من أهل الأهواء والبدع إلاَّ غير أبي بكر، نعوذ بالله من الخذلان.
وليس سُنيًّا مَن يزعم في (ص: ١٦٤) : أنَّ السُّنَّةَ مختلفٌ في ثبوتها، وليس سُنيًّا مَن يَقدحُ في ثبوت حديث: "تركت فيكم كتاب الله وسُنَّتي"، ويصف في (ص: ٧١) الذين أثبتوه زاعماً أنَّهم عارضوا به حديث العِترة بأنَّهم جهلةُ أهل السُّنَّة، وهو حديثٌ ثابتٌ كما سيأتي بيانُ ذلك.
وليس سُنيًّا ولا حنبليًّا مَن يصف الخليفة المأمون بأنَّه من أعدل ملوك بني العباس وأعلمهم، وهو الذي نصر المعتزلة، وآذى أهلَ السنَّة، وفي مقدِّمتهم الإمام أحمد بن حنبل، الذي يزعم المالكي أنَّه حنبليٌّ نسبة إليه، ويَصف الخليفةَ المتوكِّل الذي نصر أهلَ السُّنَّة وأنهى المحنةَ بخلق القرآن بأنَّه مبتدعٌ ظالم (ص: ١٣٥) .
وفي كتابه السيِّء في الصحابة كلماتٌ له تبيِّن بوضوح أنَّه ليس من أهل السُّنَّة والجماعة، وإنَّما هو من الموغلين في البدع، منها زعمه قَصْر الهجرة على المهاجرين قبل الحُديبية، وقصْر الصحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، فلا يُمكن بأيِّ حال من الأحوال أن يكون سُنيًّا مَن يزعم أنَّ المهاجرين هم مَن هاجر قبل الحُديبية فقط دون غيرهم مِمَّن هاجرَ بعدها، ولا أن يكون سُنيًّا مَن يزعم أنَّ الصحابةَ هم الذين صحبوا الرسول ﷺ قبل الحُديبية من المهاجرين والأنصار دون غيرهم مِمَّن صحبه بعد الحُديبية، ويزعم أيضاً أنَّ صُحبةَ هؤلاء كصحبة المنافقين والكفار، ولا شكَّ أنَّ هذا القولَ من محدثات القرن الخامس عشر، ولا وجود له قبل إحداث هذا
стр. 14
المبتدع إيَّاه في هذا القرن، وقد أوضحتُ الردَّ عليه في ذلك في كتابي: ((الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي" في (ص: ٩) وما بعدها، وهو مطبوع متداوَل.
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ بأنَّ العباسَ بنَ عبد المطلب ـ عمّ النَّبيِّ ﷺ ﵁ وابنَه عبد الله ﵁ لَم يظفرَا بشرف صُحبة الرسول ﷺ ، وهذا بلا شكٍّ من الجفاء في بعض أهل البيت، بل هو جفاءٌ في أقرب رجل من أهل البيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو عمُّه العباس ﵁، الذي يستحقُّ ميراث الرسول ﷺ لو كان يُورَث عنه المال، وقد أوضحتُ بطلانَ كلامه هذا في كتاب ((الانتصار" (ص: ٨٣) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ خالد بنَ الوليد ﵁ ليس بصحابيٍّ، وقد وصفه رسول الله ﷺ بأنَّه سيفٌ من سيوف الله، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (٣٧٥٧) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ المغيرةَ بنَ شعبة ﵁ ليس بصحابيٍّ، وهو الذي كان واقفاً على رأس الرسول ﷺ يوم صلح الحُديبية وبيده السيف يَحرسُه، كما في صحيح البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
وقد ذكرتُ بطلانَ ما زعمه من عدم صحبة خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ﵃ في كتابي: "الانتصار" (ص: ٨٧ ـ ١٠٥) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ أكثرَ أصحاب رسول الله ﷺ يُذادون عن الحوض ويُؤمَر بهم إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، وقد أوضحتُ بطلانَ كلامه هذا في"الانتصار" (ص: ١٢٨ ـ ١٣٠) .
стр. 15
وليس سُنيًّا مَن يُنكرُ القولَ بعدالة الصحابة، وقد أجمع على ذلك أهل السُّنَّة والجماعة، وقد نقلتُ عن بعض العلماء حكاية الإجماع في ذلك، مع بيان بطلان ما زعمه المالكيُّ من عدم عدالتهم فِي"الانتصار" (ص: ١٢٤ ـ ١٢٦) .
٣ ـ أمَّا ما زعمه من استعداده لِمُباهلة من يقول: إنَّه ليس من أهل السُّنَّة، فهذا من التهويل وإيهامه مَن لا بصيرة له بأنَّه على الحقِّ، مع أنَّه موغلٌ في الضلال، ولا أدري على أيِّ شيء سيُباهل؟
فهل سيُباهلُ على غلُوِّه في عليٍّ ﵁ وبعض أولاده، وجفائه في العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وغيرهما من أهل البيت؟!
أم سيُباهل على زعمه بأنَّ أكثرَ أصحاب الرسول ﷺ يُذادون عن الحوض، وأنَّه يُؤمَر بهم إلى النَّار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم؟!
أم سيُباهل على تشكيكه في خلافة أبي بكر، وأنَّها أشبهُ بالقهر والغلبة؟!
أم سيُباهل على سوء ظنِّه في الصحابة وإنكاره القول بعدالتهم؟!
أم سيُباهل على أباطيله الأخرى التي أوضحتُها في هذا الكتاب وفي كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار"؟!
وصدق الله في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ، وفي قوله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، ربَّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهَب لنا من لدنك رحمةً إنَّك أنت الوهَّاب.
стр. 16
ولا شك أنَّ أيَّ إنسان يُباهل هذا المالكيَّ على بطلان أباطيله التي أشرتُ إلى جملة منها هو الرابح، وأنَّ صاحب هذه الأباطيل هو الخاسر.
стр. 17
٤ ـ زعمه أنَّه حنبليٌّ وأنَّ نقدَه للحنابلة في العقيدة من النَّقد الذاتي، والردُّ عليه
قال في (ص: ١٠) : "ليس هناك أيّ خطأ أو تناقض أن يقوم مسلمٌ بنقد أخطاء المسلمين؛ لأنَّ الإسلامَ غيرُ المسلمين، ومن ذلك أن يقوم سُنِّيٌّ بنقد أخطاء أهل السُّنَّة؛ لأنَّ السنَّةَ غيرُ أهل السنَّة، ومن ذلك أيضاً أن يقوم حنبليُّ النَّشأة والتعليم والالتزام العام الواعي بنقد أخطاء الحنابلة؛ لأنَّ الحنابلةَ غيرُ أحمد بن حنبل، مع أنَّ أحمد بن حنبل نفسه بشرٌ يخطئُ ويُصيب!! ".
وقال فيها أيضاً: "وعلى هذا الأساس ليسمح لي الإخوة الكرام أن أبيِّن أنَّ ما نفعله أنا وبعضُ الباحثين من نقد ذاتيٍّ لبعض جوانب الغلو أو المنكر داخل كتب أو فكر الحنابلة هو من هذا الباب!! ".
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
١ ـ ما زعمه من أنَّه سُنيٌّ حنبليٌّ ينتقد أهل السُّنَّة والحنابلة نقداً ذاتيًّا هو من قبيل المكر والتلبيس والإيهام بالإنصاف، وهو في الحقيقة من قبيل الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وتقويض البنيان وتهديد الحصون من الداخل.
стр. 18
٢ ـ في الوقت الذي يكون نصيب أهل السُّنَّة والحنابلة منه النَّقد والثلب وتصيُّد الأخطاء للعيب فيها، يكون نصيبُ فرق الضلال منه السلامة، بل المدح والثناء، كما سيأتي بيانُ ذلك من كلامه، ولو كان صادقاً فيما يقول لبدأ بنقد فرق الضلال، فيُبيِّن ما عندهم من الباطل ويحذِّر منه، أمَّا أن يعمدَ إلى نقد أهل السُّنَّة الذين يزعم أنَّه منهم وهم بُرآء منه فذلك من أوضح الأدلَّة على حقده على أهل السُّنَّة وموافقته لغيرهم من فرق الضلال.
٣ ـ ليس بغريب على المالكي أن ينالَ من أهل السُّنَّة ويشغلَ نفسه بعيبهم، وهو الذي حصل منه القدح في الصحابة والنَّيل منهم، وزعم أنَّ أكثرهم يُذادون عن حوض الرسول ﷺ ويُؤخذون إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النَّعم، كما مرَّت الإشارةُ إلى ذلك قريباً.
٤ ـ ليس حنبليًّا مَن يغمز الإمامَ أحمد بأنَّه تسبَّب في تفريق المسلمين أحزاباً، حيث قال في (ص: ١٥٤) معلِّقاً على ما ذُكر من حزن اليهود والنصارى والمجوس عند موته، فقال: "ولن يحزن هؤلاء لموته إلاَّ إذا كان منهجه مفيداً لهم، كأن يفرحوا بتشنيعه على المخالفين له من المعتزلة والشيعة، حتَّى تسبَّب في تفريق المسلمين أحزاباً!! ".
ومَن لَم يسلم منه الإمام أحمد فمِن باب أولَى ألاَّ يسلمَ منه الحنابلة، بل مَن لَم يسلم منه أصحاب رسول الله ﷺ فمِن باب أولَى ألاَّ يسلمَ منه أهل السُّنَّة، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
٥ ـ أمَّا ما ذكره من أنَّه حنبليُّ النَّشأة والتعليم والالتزام العام الواعي، فإن كان الواقع أنَّه نُشِّئ على ذلك فإنَّه بكتاباته المختلفة يكون قد انحرف عمَّا نُشِّئَ عليه، ويصدق على انحرافه عمَّا تعلَّمه وعقوقه لِمَن علَّمه
٥ ـ بخله بالصلاة على الصحابة الكرام بعد الصلاة على النَّبيِّ ﷺ وآله .
قال في (ص: ٢٠) : "الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وسلم".
أقول: لم يذكر الصلاةَ على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو مِمَّا يوضِّح كونه ليس من أهل السُّنَّة؛ لأنَّ طريقةَ أهل السُّنَّة والجماعة في خُطبهم على المنابر وغيرها وفي افتتاح الكتب واختتامها أنَّهم بعد الصلاة على النَّبيِّ ﷺ يُصلُّون على الآل والأصحاب؛ وذلك لمحبَّتهم للجميع، وسلامة قلوبهم وألسنتهم للصَّحب والآل، ولا يبعد أن يكون لزعمه الخاطئ أنَّ أصحابَ رسول الله ﷺ يُذادون عن الحوض ويُؤخَذون إلى النار، وأنَّه لا ينجُو منهم إلاَّ مثل هَمل النَّعم، لا يبعد أن يكون لذلك أثرٌ في تركه الصلاةَ عليهم، ﵃ وأرضاهم.
стр. 21
٦ ـ زعمه أنَّ مصطلحَ العقيدة مُبتَدعٌ، والردُّ عليه
قال في (ص: ٢٤) : "ولأبدَأ مساهماً في نقد ما أحجم عنه الآخرون طلباً للدنيا، وإمَّا حُبًّا للثناء بصلابة العقيدة وحسن السيرة، وإمَّا إيثاراً للسلامة، وإمَّا جهلاً بأهميَّة أصول وقواطع الإسلام، وستكون البداية ببيان مصطلح العقيدة، وكيف استحدَث المتخاصمون هذا المصطلح ليتَّسع لتكفير وتبديع المخالفين لهم من المسلمين!! ".
وقال في (ص: ٣٠) تحت عنوان: مصطلح العقيدة بين السُّنَّة والبدعة: "مع أنَّني أستخدم مصطلح العقيدة بشروط سيأتي ذكرُها، إلاَّ أنَّه عند تعريفي لعنوان المحاضرة (قراءة في كتب العقائد) لفت نظري عدم وجود كلمة (عقيدة) في النصوص المتقدِّمة، لا في القرآن ولا كتب السُّنَّة، ولا المؤلفات المشهورة في القرون الثلاثة الأولى، فكانت هذه أوَّل فائدة، وفي الوقت نفسه كانت أكبرَ مصيبة؛ إذ لا يَتمُّ التنبيه على ذلك، مع حرصنا ـ فيما نزعم ـ على هجران المصطلحات البدعية المستحدثة التي لا أصل لها في الكتاب والسنَّة!! ".
وفي (ص: ٣٤ ـ ٣٥) قال تحت عنوان: الخلاصة في مصطلح العقيدة: "إذاً لَم ترِد العقيدة لا لفظاً ولا معنى في القرآن الكريم، ولا في الأحاديث النبوية، ولا الآثار السلفية المأثورة عن السَّلف من الصحابة وكبار التابعين، وأقصدُ باللَّفظ والمعنى هنا: أي أنَّها لَم ترِد بهذا اللفظ للمعنى الذي وُضع له هذا اللفظ في الأزمنة المتأخرة، مثل قولهم: (فلان حسن المعتقد، فلان كان صلباً في العقيدة، كان ضالاًّ في العقيدة، كان سيِّئ المعتقد ... ) ونحو هذا، فهذا المعنى لَم يرِد تحت لفظ العقيدة مع توفر الدواعي لوجود المنافقين وأهل
стр. 22
الضلالة، سواء في عصر النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عصر الصحابة أو عصر التابعين، فلفظة (العقيدة) في تلك العصور بين أن تأتي معانيها في ألفاظ أخرى شرعية كالإيمان مثلاً أو تأتي لفظة (عقد) في معان أخرى ليس من بينها الإيمانيات أو العلميات، فهي تشمل عقد اللواء، وعقد الأصابع لبيان العدد، وعقد الإزار، والتعاهد على الشيء، والعهد نفسه، وعقد القلب على أمر ما ديني أو دنيوي، ولعل من هذا المعنى الأخير أخذ بعضُهم لفظَ العقيدة، وخصَّها ببعض المعاني العلمية، وهذا تخصيص مبتدع أيضاً، فالألفاظ الشرعية الموجودة في القرآن الكريم أولَى بالاستعمال وأدقّ في الدلالة وأجمع للمسلمين، وفيها غنية عن هذا اللفظ غير المنضبط الذي استحدثه المتخاصمون في عصور لاحقة، وعلى هذا فليس لكلمة (العقيدة) أصل شرعي، لا في الكتاب، ولا في السنَّة، ولا عند السَّلف الصالح من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، ولا عند التابعين، بل ولا علماء الأمة الكبار في القرون الثلاثة الأولى!!! ".
وقال في (ص: ٣٣) : "والعقيدة عند غلاة السلفية أهمُّ شيء في حياة المسلم، فهل يُعقل أن يخلو القرآن الكريم الذي أنزله الله ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أخطر وأهمِّ شيء في حياة المسلم؟!
أم أنَّنا هجرنا مسمّى ذلك الأهَم والأخطر، ألا وهو الإيمان أو الإسلام في عمومه، إلى هذه المصطلحات المستحدثة التي أصبحت في أيدي الغلاة كالسيوف في أيدي المجانين!! ".
وقال في (ص: ٣٣) : "أيضاً لَم تَرِد (العقيدة) في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع!! ".
стр. 23
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
١ ـ ما زعمه من أنَّ مصطلحَ (العقيدة) مُستحدَثٌ وأنَّه بدعةٌ هو من اكتشافات القرن الخامس عشر التي ظفر بها المالكي، ومن أوضحِ البدع ـ وهو لا يُسمِّيه بدعة ـ زعمُه أنَّ الصُّحبةَ الشرعية مقصورةٌ على المهاجرين والأنصار قبل صُلح الحُديبية، وأنَّ مَن صحب الرسول ﷺ بعد الحُديبية فصحبتُه غير شرعية، بل هي شبيهةٌ بصُحبة المنافقين والكفَّار، فهذه البدعة التي أحدثها في القرن الخامس عشر ولَم يُسبَق إليها طيلة تلك القرون لا يُسمِّيها بدعة، ويُطلق على مصطلح (العقيدة) أنَّه بدعة، وهذا شبيهٌ بمعنى ما رواه البخاري في صحيحه (٥٩٩٤) عن ابن أبي نُعم قال: "كنتُ شاهداً لابن عمر، وسأله رجلٌ عن دم البعوض، فقال: مِمَّن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألنِي عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النَّبيِّ ﷺ ، وسمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: هما رَيْحانتاي من الدنيا".
والمراد بالرَّيحانَتَين الحسن والحسين ﵄.
فإنَّ ما زعمه من بدعية مصطلح (العقيدة) شبيهٌ بدم البعوض، وما زعمه من قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية ـ وهو عنده حقٌّ لا بدعة ـ شبيهٌ بقتل الحسين ﵁.
٢ ـ ما زعمه من أنَّه"لَم ترِد (العقيدة) في حديث صحيح ولا حسن ولا موضوع" يُجاب عنه بورودها في حديث حسن رواه الدارمي في سننه (٢٣٥) عن زيد بن ثابت، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "نضَّر الله امرءاً سمع منَّا حديثاً ... " إلى أن قال: "لا يعتقدُ قلبُ مسلم على ثلاث خصال إلاَّ دخل الجنَّة" الحديث.
стр. 24
وإسناده عند الدارمي قال: أخبرنا عصمة بن الفضل، ثنا حَرَمي بن عمارة، عن شعبة، عن عمرو بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، وكلُّهم ثقات إلاَّ حرمي بن عمارة فهو صدوق، وقد خرَّج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٣ ـ ما زعمه من عدم وجود أصل شرعيٍّ لكلمة (العقيدة) "لا في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولا عند السَّلف الصالح من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، ولا عند التابعين، بل ولا علماء الأمة الكبار في القرون الثلاثة الأولى"، يُجاب عنه بالنِّسبة للصحابة بما أورده ابنُ كثير في تفسيره لقول الله في سورة البقرة: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عروة، عن عائشة قالت: "هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا: لا والله! وبلى والله! وكلاَّ والله! يتدارؤون في الأمر، لا تعقد عليه قلوبهم".
وبالنِّسبة للتَّابعين، فقد أورد ابن جرير في تفسيره للآية في سورة البقرة بإسناده إلى مجاهد: " ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ما عقدت عليه".
وقال البخاري في صحيحه (٩/٣٨٨ ـ مع الفتح) في"باب الطلاق في الإغلاق والكره..": "وقال الزهري فيمَن قال: إن لَم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالقٌ ثلاثاً، يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبَه حين حلف بتلك اليمين، فإن سمَّى أجلاً أراده وعقد عليه قلبه حين حلف جُعل ذلك في دَينِه وأمانته".
٤ ـ وأمَّا ما زعمه من عدم وجود أصل شرعيٍّ لكلمة (العقيدة) في كلام العلماء الكبار في القرون الثلاثة الأولى، وقوله: "لفت نظري عدم وجود كلمة (عقيدة) في النصوص المتقدِّمة، لا في القرآن ولا كتب السُّنَّة، ولا
стр. 25
المؤلفات المشهورة في القرون الثلاثة الأولى"، فيُجاب عنه بوجود ذلك عن جماعة من العلماء في القرون الثلاثة، ومن ذلك ما هو في بعض المؤلفات المؤلَّفة في تلك القرون.
ومن هؤلاء العلماء أبو عبيد القاسم بن سلاَّم المتوفى سنة (٢٢٤هـ) ، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: "الإمام المشهور، ثقة فاضل مصنِّف"، قال في كتاب الإيمان له (ص: ٧٦) : "فعمل القلب الاعتقاد".
ومنهم إبراهيم بن خالد أبو ثور المتوفى سنة (٢٤٠هـ) قال عنه الحافظ في التقريب: "الفقيه، صاحب الشافعي، ثقة"، فقد روى اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة (١٥٩٠) بإسناده إليه أنَّه قال في جواب له عن سؤال في الإيمان: "اعلم ـ يرحمنا الله وإيَّاك ـ أنَّ الإيمانَ تصديقٌ بالقلب والقولُ باللسان وعملٌ بالجوارح، وذلك أنَّه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أنَّ الله واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأَقَرَّ بجميع الشرائع ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام قال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنَّه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن ... ".
ومنهم الإمام محمد بن نصر المروزي المتوفى سنة (٢٩٤هـ) قال عنه الحافظ في التقريب: "الفقيه أبو عبد الله، ثقة حافظ إمام جبل"، فقد ذكر (الاعتقاد) في مواضع من كتابه تعظيم قدر الصلاة، منها (٢/٧٣٣) : " ... إذا اعتقد أنَّ الله ليس بكريم ولا يستحق المدح الحسن فقد اعتقد الكفر ولم يعرف، وكذلك إن اعتقد أنَّه قد ظلمه وجار عليه فهو كافر لم يعرف الله ... ".
ومنهم الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي المولود سنة
стр. 26
(٢٣٩هـ) ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في لسان الميزان: "قال أبو سعيد ابن يونس: كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً، لم يخلف مثله"، وهو صاحب العقيدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية، قال في مطلعها: "هذا ذكر بيان عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة على مذهب فقهاء الملَّة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدِّين، ويَدينون به ربَّ العالَمين، نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره"، ثم سرَد موضوعات العقيدة إلى آخرها.
٥ ـ ثم إنَّ هذا المالكيَّ المكتشف لبدعية مصطلح (العقيدة) في (القرن الخامس عشر!) ذكر في (ص: ٣٤) عدَّة معان في مادة (عَقَد) ، آخرها: "وعقد القلب على أمر ما ديني أو دنيوي"، ثم قال: "ولعلَّ من هذا المعنى الأخير أخذ بعضُهم لفظة العقيدة، وخصَّها ببعض المعاني العلمية الدينية، وهذا تخصيصٌ مبتَدَع أيضاً!! ".
أقول: ما دام أنَّ لمصطلح لفظ (العقيدة) أصلاً كما ذكر هو، فلا وجه للتَّهويل والتبديع الذي ذكره لإطلاق اسم (العقيدة) على مباحث أصول الدِّين، وأيضاً فإنَّ لفظ (الإيمان) أو (الإيمانيات) الذي زعم أنَّه مهجور قد ألَّف كثير من علماء أهل السُّنَّة والجماعة مؤلَّفات باسم"الإيمان"، وهي مشتملة على ما اشتملت عليه الكتب المؤلَّفة باسم"العقيدة"، أو"السنة"، وهذا ما لا يُعجب المالكي؛ لأنَّه يريد كتباً في الإيمان لا يُتعرَّض فيها للبدع والمبتدعة، ولا ذكر لشيء مِمَّا فيه اختلاف بين أهل السُّنَّة والجماعة وفرق
стр. 27
الضلال المختلفة، وقد تبيَّن قريباً وجود هذا اللَّفظ في السُّنَّة وأقوال الصحابة والتابعين وكبار العلماء في القرون الثلاثة الأولى، وأيضاً فإنَّه كما يُقال في الإنسان: عقيدته حسنة أو حسن المعتقد فيما يتعلَّق بلفظ (العقيدة) ، فكذلك يُقال في لفظ (الإيمان) : قويُّ الإيمان ضعيف الإيمان، ويُقال للعاصي والمبتدع بدعة غير مكفِّرة: مؤمن ناقص الإيمان.
стр. 28
٧ ـ قدحه في كتب أهل السنَّة في العقيدة والردُّ عليه
قال في (ص: ٢٤) : "فقد كانت معظم العقائد المدوَّنة في كتب العقائد تعبِّر عن مراحل تاريخية من مراحل الصراع السياسي والمذهبي فحسب!! ".
وقال في (ص: ٢٥) : "ولو رجعنا لسبب هذا التبادل في التكفير والتبديع لوجدنا كتب العقائد في الانتظار؛ إذ كانت الكتب المؤلَّفة في العقائد هي ذاكرة هذا الفساد كلّه، ومحور شرعيته، ومحطات انطلاق لكلِّ خصومة بين المسلمين؛ إذ أصبح لكلِّ فرقة من المسلمين كُتبها التي يوصي بها أتباعها ويتدارسونها ويخطبون بمضامينها، مع ما فيها من تَجنٍّ ومظالم ضد بقية المسلمين مِمَّن لم يكونوا معهم في الرأي أو الجزئيات، فأصبحت الدعوة لمضامين هذه الكتب لا إلى الحقِّ، وظهر نبزُ الآخرين بالألقاب السيِّئة والتحلِّي بالألقاب الحسنة، وأصبح للإسلام أكثر من اسم، وأصبح الانتساب للإسلام غير كافٍ عند هذه الفرق".
وقال في (ص: ٢٨) : "وكُتب العقائد رغم ما فيها من حقٍّ قليل إلاَّ أنَّ
стр. 29
فيها الكثير من الباطل، بل هو الغالب عليها؛ لِما فيها من الأحاديث المكذوبة على النَّبيِّ ﵌ والإسرائيليات المشككة للمسلم، والتكفير للمسلمين، وزرع بذور الشقاق والتباغض والتنازع بين المسلمين، وغير ذلك من الهوى والظلم والجهل، سواء كان ذلك في كتب العقائد عند الشيعة أو السنَّة أو الإباضية أو الصوفية أو غيرهم!!! ".
وقال في (ص: ١٧٩) : "ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السَّلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان!!! ".
وقال في (ص: ١٠٠ ـ ١٠١) : "ثم لم تزل الطوائف في خصومات كلامية، وألَّفوا في ذلك الكتب والمصنفات التي صُبغت بصبغة الخصومة من الغضب والكراهية والحقد وإلغاء الطرف الآخر، سواء بتكفيره أو تبديعه مع التحريض على التصفية الجسدية للخصوم.
ونظراً لضعفنا العلمي وتقديسنا لكلِّ ماضٍ، فلَم ننظر لتلك الكتب على أنَّها تعبر عن مرحلة تاريخية، وإنَّما اعتبرناها شرعاً مقدَّساً وعقيدة راسخة، لا تقبل النَّقد أو التشكيك، وهذا مِمَّا ألفينا عليه آباءنا، فلذلك لا غرابة إذا استمرَّ أثرُ هذه الكتب في تمزيق المسلمين، وتقرير شرعية تنازعهم إلى يومنا هذا.
أعود فأقول: إنَّ الحنابلة فرقة من هذه الفرق المتخاصمة التي ظُلمت وظَلمت، والظلم جماع المساوئ، فأصبحنا نقرأ الخصومات على أنَّها حقٌّ مطلق وهنا تكمن الخطورة، وسيأتي ذكر أمثلة على ذلك.
ولعل من أبرز الكتب التي عوَّل عليها الحنابلة ـ سواء كانت من تأليفهم أو من تأليف غيرهم ـ الكتب التالية:
стр. 30
الحيدة للكناني (٢٤٠هـ) ، والسنة لعبد الله بن أحمد (٢٩١هـ) ، كتاب النقض على بشر المريسي للدارمي عثمان بن سعيد (٢٨١هـ) ، والسنة للخلال (٣١١هـ) ، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (٣١١هـ) ، وشرح السنة للبربهاري (٣٢٩هـ) ، وكتاب الإيمان وكتاب التوحيد لابن منده (٣٩٥هـ) ، وكتاب الشريعة للآجري (٣٦٠هـ) ، والإبانة لابن بطة الحنبلي (٣٨٧هـ) ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم اللالكائي (٤١٨هـ) ، ومجموعة من الرسائل المنسوبة لأحمد بن حنبل (٢٤١هـ) ، والعظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (٣٦٩هـ) ، وكتب أبي يعلى الحنبلي (٥٤٨هـ) ، وعدي بن مسافر المرواني (٥٥٨هـ) ـ وكان هذا مِمَّن يغلو في مدح يزيد بن معاوية فتأمَّل التوافق!! ـ وكتب عبد الغني المقدسي (٥٩٥هـ) (كذا، ووفاته سنة ٦٠٠هـ كما في العبر للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير) ، ثم كتب ابن تيمية أحمد ابن عبد الحليم (٧٢٨هـ) ، وابن القيم (٧٥١هـ) ﵏ وغفر لهم".
وقال في (ص: ١٠٤) : "وقد احتوت كتب العقائد ـ ومن أبرزها كتب عقائد الحنابلة ـ على كثير من العيوب الكبيرة التي لا تزال تفتك بالأمة، ولعل من أبرزها: التكفير والظلم والغلو في المشايخ ... ".
وقال في (ص: ٩٠) : "والظلم من السمات التي لا تستغني عنها كتب العقائد، ولولا الظلم والغباء لما أصبح لكتب العقائد ـ مع ما فيها من جهل وظلم ـ قيمة تستحق الإشادة، فكلُّ قيمتها وجمهورها يدور مع الظلم والغباء وضعف التحليل السياسي، والله الموعد بين سائر المتخاصمين".
وقال في (ص: ٨٨) : "وقد استعان الأمويون ببعض علماء من أهل السنَّة الموالين لهم ضدَّ القدرية، فرووا ذمَّ القدرية على ألسنة الصحابة، بل
стр. 31
رووا أحاديث موضوعة في ذمِّ القدرية ... " إلى أن قال: "وللأسف أنَّ بعض هذه الأحاديث قد تسرب داخل كتب عقائد أهل السُّنَّة، بل صحَّحها بعضهم!! ".
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
١ ـ وكما أطلق المالكي لسانَه وسخَّر قلَمَه للنَّيل من أهل السنَّة، ابتداءاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم مَن سار على نهجهم في مختلف العصور، حتى زماننا، كذلك أطلق لسانَه وسخَّر قلمَه للنَّيل من كتب العقائد عند أهل السُّنَّة، فوصفها بأنَّها تعبِّر عن مراحل تاريخية من مراحل الصراع السياسي والمذهبي فحسب، وذكر أنَّ ما يحصل من تكفير وتبديع أساسه كتب العقائد، فقال: "إذ كانت الكتب المؤلَّفة في العقائد هي ذاكرة هذا الفساد كلّه، ومحور شرعيته، ومحطات انطلاق لكلِّ خصومة بين المسلمين!! "، وقال: "فأصبحت الدعوة لمضامين هذه الكتب لا إلى الحقِّ"، وقال: "وكُتب العقائد رغم ما فيها من حقٍّ قليل إلاَّ أنَّ فيها الكثير من الباطل، بل هو الغالب عليها!! "، وقال: "ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السَّلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان!!! "، وقال: "ونظراً لضعفنا العلمي وتقديسنا لكلِّ ماضٍ، فلَم ننظر لتلك الكتب على أنَّها تعبر عن مرحلة تاريخية، وإنَّما اعتبرناها شرعاً مقدَّساً وعقيدة راسخة، لا تقبل النَّقد أو التشكيك، وهذا مِمَّا ألفينا عليه آباءنا، فلذلك لا غرابة إذا استمرَّ أثرُ هذه الكتب في تمزيق المسلمين، وتقرير شرعية تنازعهم إلى يومنا هذا!!! ".
٢ ـ زعم أنَّ معظم العقائد المدوَّنة في كتب العقائد تعبر عن مراحل تاريخية من مراحل الصراع السياسي والمذهبي فحسب، وزعم أنَّه بسبب
стр. 32
الضعف العلمي والتقديس لكلِّ ماضٍ، لم يحصل النظر إلى هذه الكتب على أنَّها تمثِّل مرحلة تاريخية، وإنَّما اعتُبرت شرعاً مقدَّساً وعقيدة راسخة لا تقبل النَّقد أو التشكيك، وأنَّ هذا مِمَّا أُلفي عليه الآباء، وأنَّه لذلك لا غرابة في استمرار أثر هذه الكتب في تمزيق المسلمين وتقرير شرعية تنازعهم حتى الوقت الحاضر!
أقول: إنَّ تدوينَ كتب أهل السُّنَّة في العقائد لم يكن خاضعاً لصراع سياسي، ولم يكن يعبر عن مرحلة تاريخية، بل كان التأليف في العقائد كالتأليف في غيرها من الأمور الأخرى، الباعث عليه حفظ سنَّة الرسول ﷺ إسناداً ومتناً؛ حتى تكون مرجعاً لأهل السنَّة في مختلف عصورهم، وكذلك رد علماء أهل السنَّة على أباطيل أهل البدع التي أحدثوها وعوَّلوا عليها، مُعرضين عن الأخذ بالسنن، ومن المعلوم أنَّ علماء أهل السُّنَّة في مختلف العصور مشتغلون بالعلم الشرعي، وأهل السياسة مشغولون بسياستهم، ومِمَّا يوضح ذلك في الواقع المشاهد أنَّ هذا المالكيَّ لَمَّا أظهر أباطيله تصدَّى المشتغلون بالعلم لكشفها وتزييفها؛ إظهاراً للحقِّ وإبطالاً للباطل وغيرة على السنَّة وأهلها، فردُّوا عبث هذا العابث ودحروا أباطيله، ولا دخل للسياسة في تصدِّي المشتغلين بالعلم لردِّ عدوان هذا المعتدي على السنَّة وأهلها.
وأما ما زعمه من استمرار أثر كتب العقائد في تمزيق المسلمين وتقرير شرعية تنازعهم، فذلك من أوضح الباطل؛ لأنَّ هذا الاختلافَ الذي وقع في هذه الأمَّة قد أخبر النَّبيُّ ﷺ عن حصُوله قبل تأليف تلك الكتب، وأرشد إلى اتِّباع السنَّة وترك البدع عند وجود ذلك الاختلاف، فقال ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁: "فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً،
стр. 33
فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧) ، والترمذي (٢٦٧٦) ، وغيرهما، وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وقال ﷺ : "إنَّ أهل الكتابَين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإنَّ هذه الأمَّة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة، يعني الأهواء، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة ". رواه أحمد (١٦٩٣٧) ، وأبو داود (٤٥٩٧) ، وغيرهما.
والسبب الحقيقي لذلك الاختلاف اتِّباع الأهواء، والأخذ بعلم الكلام المذموم، والتعويل على العقول، واتِّهام النقول وعدم التعويل عليها في أمور العقيدة، وقد ثبت عن الرسول ﷺ من حديث أنس بن مالك في حديث طويل أنَّه قال: "فمَن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي" رواه البخاري (٥٠٦٣) ، ومسلم (١٤٠١) .
٣ ـ وأمَّا ما زعمه من أنَّ كتب العقائد مشتملة على حقٍّ قليل، وعلى الكثير من الباطل، بل هو الغالب عليها، فإنَّ هذا يصدق على كتب فرق الضلال المبنية على علم الكلام وآراء الرِّجال، وأمَّا كتب أهل السُّنَّة فهي مشتملة على الحقِّ؛ لأنَّها مستمدَّةٌ من نصوص الكتاب والسنَّة وما كان عليه سلف الأمَّة، والقول بأنَّها مشتملةٌ على الباطل من أبطل الباطل، وهو جناية على عقيدة الفرقة الناجية من بين فرق الضلال الكثيرة.
وأمَّا زعمه اشتمال كتب العقائد على أحاديث مكذوبة فهو حقٌّ بالنسبة لكتب فرق الضلال، التي ديدنها الكذب والهوى، وأمَّا كتب أهل السُّنَّة
стр. 34
المسندة فهي مشتملةٌ على الحقِّ، وإن وُجد فيها شيءٌ يسير لَم يصحَّ إسناده ولم يثبت متنه، فذلك يعرفه أهل العلم بالكتاب والسنَّة، ومرادُ مَن ذكَرَه بإسناده أن يُعلم ورودُه كذلك، وأنَّه لكذبه أو ضعف إسناده لا يُعوَّل عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنَّة (٤/١٥) أنَّ عادةَ المحدِّثين أنَّهم يروون جميعَ ما في الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتج من ذلك إلاَّ ببعضه، وذكر أيضاً أنَّ المحدِّث يروي ما سمعه كما سمعه والدَّرك على غيره لا عليه، وأهلُ العلم ينظرون في ذلك، وفي رجاله وإسناده، وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/٧٥) : "أكثرُ المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرّا إذا ساقوا الحديثَ بإسناده اعتقدوا أنَّهم برئوا من عهدته، والله أعلم".
٤ ـ وأمَّا زَعْمه أنَّ معظمَ ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السَّلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، فجوابه أنَّ منهجَ أهل السُّنَّة والجماعة في العقيدة اتِّباعُ الكتاب والسنَّة وفقاً لفهم السَّلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسان، كما سيأتي توضيحه عند الردِّ عليه في زعمه أنَّ قاعدة اتِّباع الكتاب والسنَّة بفهم سلف الأمَّة باطلة، بل إنَّ المالكيَّ نفسه يُنكر على أهل السُّنَّة تعويلهم على فهم السَّلف الصالح، ويزعم أنَّ ذلك بدعةٌ، وهذا من تناقضه!
٥ ـ وقد سرد المالكي جملة من كتب أهل السنَّة التي زعم أنَّها سببٌ في تمزيق المسلمين، وهو زعم باطلٌ؛ لأنَّ أهل السُّنَّة يُعوِّلون على الكتاب وعلى ما صحَّ من السنَّة في هذه الكتب وغيرها، وأمَّّا انحراف أهل البدع والأهواء عن الكتاب والسنَّة، فهو السبب الحقيقي لتفرُّقهم وتمزُّقهم، كما قال الله عزَّ
стр. 35
وجلَّ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
ومع حرص المالكي على النَّيل من أهل السنَّة وكتبهم كما هو واضحٌ من كلامه، نجده يُشيد بأهل البدع وكتبهم، كالمعتزلة، فيقول (ص: ٢٦) : "وكان للمعتزلة قوَّة هائلة ثم أضعفتها السلطات، لكن لا زال لها وجود قويٌّ إلى يومنا هذا، خاصة بعد طباعة كتب المعتزلة والعثور على مخطوطاتها في اليمن ومصر وأوربا وغيرها".
ويقول (ص: ٢٠١) : "أنا لا أرى معنى لمنع كتب الأشاعرة والشيعة والإباضية وغيرهم من المسلمين من دخول المملكة في ضوء هذا التفجُّر المعرفي!!! ".
وهذا يبيِّن لنا مدى وفاق المالكي الضال مع أهل البدع والأهواء، وحقده على أهل السُّنَّة ومحاربته لهم.
٦ ـ وأمَّا زعمه استعانة الأمويين ببعض علماء السنَّة الموالين لهم ضدَّ القدرية، فرووا ذمَّ القدرية على ألسنة الصحابة، ورووا أحاديث موضوعة، وأنَّ بعضَ هذه الأحاديث تسرَّب داخل كتب عقائد أهل السنَّة، بل صحَّحها بعضُهم، فهذا فيه اتِّهام علماء السنَّة برواية أحاديث وآثار إشباعاً لرغبة الحكَّام، وهو لا يصحُّ بالنسبة للراغب والمرغوب منه، والحامل على هذا الاتِّهام النَّيل من أهل السنَّة والانتصار بالباطل للمبتدعة، ولَم يُسمِّ هؤلاء الراغبين والمرغوب منهم، وما حقَّقوا به هذه الرغبة بزعمه، والمصدر الذي رأى فيه ذلك، وقد اشتملت كتب أهل السنَّة على أحاديث وآثار في ذمِّ القدرية، فمِن الآثار أثر عبد الله بن عمر ﵄ الذي ذكره عنه
стр. 36
الإمام مسلم في صحيحه، عند روايته لحديث جبريل، وهو أوَّلُ حديث عنده في كتاب الإيمان، فإنَّه قال لِمَن أخبره عن ظهور القدرية بالعراق: "فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآءُ منِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتَّى يؤمنَ بالقدر"، ثم ساق حديث جبريل الطويل بروايته عن أبيه؛ من أجل قول رسول الله ﷺ فيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه".
وأمَّا الأحاديث في ذمِّ القدرية فقد رواها جماعةٌ من الصحابة، ولا تخلو أسانيد أكثرها من ضعف، ومن الأحاديث في ذمِّهم حديث أنس بن مالك مرفوعاً: "صنفان من أمَّتي لا يَردان عليَّ الحوض: القدرية والمرجئة"، أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٤٨) .
ومن أعجب العجب أنَّ المالكيَّ شديد العطف على القدرية والتأييد لهم، ولا يُعجبه ما يُروى في ذمِّهم من أحاديث وآثار، وأمَّا أصحاب الرسول ﷺ فيزعم بوقاحة أنَّهم يُذادون عن الحوض ويُؤخذون إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النَّعم!!
ولزعم المالكي الباطل أنَّ كتبَ العقائد تشتمل على قليل من الحقِّ، فإنِّي أورد نصَّ رسالة مختصرة في عقيدة أهل السنَّة، ومؤلِّفها من المالكية، وهو ابن أبي زيد القيرواني، ومن المعلوم أنَّ الأئمَّة الأربعة ومَن سار على نهجهم على عقيدة واحدة، وهي عقيدة السلف، وهذه العقيدة المختصرة، كلُّ ما فيها حقٌّ، وليس فيها شيء من الباطل، وقد أردتُ من إيرادها أن يقف مَن يطَّلع على هذا الردِّ على صفاء عقيدة السَّلف ووضوحها وسلامتها، وعلى سوء مَن يحيد عنها ويُبتلَى باعتقاد ما يُخالفها، كما حصل لهذا المالكي الضال.
стр. 37
((باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات:
من ذلك الإيمانُ بالقلب والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبة له، ولا شريكَ له.
ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ، لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ١ ذاتِه، ولا يُحيطون بشيءٍ من عِلمه إلاَّ بِما شاء وَسِعَ كرْسِيُّه السَّموات والأرض، ولا يِؤُودُه حفظُهما وهو العليُّ العَظيمُ.
العالِمُ٢ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ، وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه.
خَلَقَ الإنسانَ، ويَعلمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه، وهو أَقرَبُ إليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُها، ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَات الأرضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إلاَّ في كتاب مُبين.
على العَرشِ اسْتَوى، وعَلى المُلْكِ احْتَوى، وله الأسماء الحُسنى والصِّفاتُ العُلَى، لَم يَزَل بِجَميعِ صفاتِه وأسمائِه، تَعالى أن تكونَ صفاتُه مَخلوقَةً، وأسماؤُه مُحْدَثَةً.
كلَّم موسى بكلامِه الَّذي هو صفةُ ذاتِه، لا خَلْقٌ مِن خَلقِه، وَتَجَلَّى
стр. 38
للجَبَل فصار دَكًّا مِن جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلُوقٍ فيَبِيدُ، ولا صفة لمخلوقٍ فَيَنْفَدُ.
والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه.
عَلِمَ كلَّ شيْءٍ قَبل كَونِه، فجَرَى على قَدَرِه، لا يَكون مِن عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلاَّ وقدْ قَضَاهُ وسبق عِلْمُه به، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ.
تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ، ألاَ هو١ رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم.
الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم.
ثُمَّ خَتَمَ الرِّسالةَ والنَّذَارَةَ والنُّبُوَةَ بمحمَّد نَبيِّه صلى الله عليه وسلم٢، فجَعَلَه آخرَ المرْسَلين، بَشِيراً ونَذِيراً، وداعياً إلى الله بإذنِه وسِرَاجاً منيراً، وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ، وهَدَى به الصِّرَاطَ المستَقيمَ.
وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون.
وأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعباده المؤمنين الحسَنات، وصَفَحَ لهم
стр. 39
بالتَّوبَة عن كبائرِ السيِّئات، وغَفَرَ لهم الصَّغائِرَ باجْتناب الكبائِر، وجَعَلَ مَن لَم يَتُبْ مِنَ الكبائر صَائراً إلى مَشيئَتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
ومَن عاقَبَه اللهُ بنارِه أخرجه مِنها بإيمانِه، فأدخَلَه به جَنَّتَه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، ويُخرِجُ منها بشفاعَة النَّبيِّ ﷺ مَن شَفَعَ لَه مِن أهلِ الكبائِر مِن أمَّتِه.
وأنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَقَ الجَنَّةَ فأَعَدَّها دارَ خُلُود لأوليائِه، وأكرَمهم فيها بالنَّظر إلَى وَجْهِه الكريم، وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه، بما١ سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه.
وخَلَق النَّارَ فأعَدَّها دَارَ خُلُود لِمَن كَفَرَ به وألْحَدَ في آياتِه وكتُبه ورُسُلِه، وجَعَلَهم مَحجُوبِين عن رُؤيَتِه.
وأنَّ اللهَ ﵎ يَجيءُ يَومَ القيامَةِ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا وعقُوبَتِها وثَوابِها، وتُوضَعُ الموازِينُ لَوَزْنِ أَعْمَالِ العِبَادِ، فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئك هم المُفلِحون، ويُؤْتَوْنَ صَحائِفهم بأعمَالِهم، فمَن أُوتِي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً، ومَن أُوتِي كتابَه ورَاء ظَهْرِه فأولئِك يَصْلَوْنَ سَعيراً.
وأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقَدْرِ أعمالِهم، فناجُون مُتفاوِتُون في سُرعَة النَّجاةِ عليه مِن نار جَهَنَّم، وقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فيها أعمالُهم.
стр. 40
والإيمانُ بِحَوْض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُهُ أمَّتُهُ لاَ يَظْمَأُ مَن شَرب مِنه، ويُذَادُ عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ.
وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها١، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل، ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة٢، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة.
وأنَّه لا يكفرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة.
وأنَّ الشُّهداءَ أحياءٌ عند ربِّهم يُرْزَقونَ، وأرْواحُ أهْل السَّعادَةِ باقِيةٌ ناعِمةٌ إلى يوم يُبْعَثون، وأرواحُ أهلِ الشَّقاوَةِ٣ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوم الدِّين.
وأنَّ المؤمنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهم ويُسْأَلُون، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ .
وأنَّ على العباد حَفَظَةً يَكتُبون أعمالَهم، ولا يَسقُطُ شيْءٌ مِن ذلك عَن عِلمِ ربِّهِم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يَقْبِضُ الأرواحَ بإذن ربِّه.
وأنَّ خيْرَ القرون القرنُ الَّذين رَأَوا رسولَ الله ﷺ وآمَنوا به، ثمَّ الَّذين يَلُونَهم ثمَّ الَّذين يَلونَهم.
وَأفْضَلُ الصحابة٤ الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ