← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7556

الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف

الصنعاني

Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف تأليف: محمد بن إسماعيل الصنعاني تحقيق: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنَّ من أصول أهل السنة والجماعة الإيمانَ بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ بها واعتقادَ أنَّها حق، وذلك "باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة والجماعة، وقد دلَّ عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم"١ ولذا أودع أهل السنة والجماعة ﵏ هذا الأصل العظيم في كتب المعتقد؛ ليُدرس ويُتعلم في ضمن أصول أهل السنة، بل إنَّ من الأئمة من أفرده بالتصنيف كأبي بكر الخلال وابن الأعرابي وابن أبي الدنيا واللالكائي وغيرهم. وقد انقسم الناس في هذا الأصل إلى أقسام ثلاثة طرفين ووسط٢:

стр. 2

١- فقسم غلوا في شأن الكرامة وأفرطوا وتجاوزوا فيها الحد وهم المتصوفة حيث ادَّعوا باسم الكرامة للأولياء ما هو من خصائص الله وحده؛ كقول بعضهم: إنَّ لله عباداً لو شاءوا من الله ألا يقيم القيامة لما أقامها، وقول بعضهم: إنَّه يعطى في أيّ شيء أراده قول كن فيكون، وقول بعضهم: لا يعزب عن قدرته ممكن كما لا يعزب عن قدرة ربه محال إلى غير ذلك من الضلالات الواضحة والكفريات الظاهرة، التي يدَّعيها هؤلاء باسم الكرامة. ٢- قسم جفوا في شأنها وفرَّطوا، فقالوا بإنكار الكرامة، ونفوا وقوعها وهم المعتزلة ومن تأثر بهم وزعموا أنَّ الخوارق لو جاز ظهورها من الأولياء لالتبس النبي بغيره إذ فرق ما بينهما عندهم إنَّما هو المعجزة، وبنوا على ذلك أنَّه لا يجوز ظهور خارق إلا لنبيّ. ٣- قسم أهل وسط واعتدال، وهم الخيار العدول؛ لتوسطهم بين الطرفين المذمومين، حيث ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وهم أهل السنة والجماعة، فأثبتوا الكرامات للأولياء على ضوء النصوص ووَفْقِ الأدلةِ دون غلو أو جفاء أو إفراط أو تفريط. وفي هذا الموضوع المهمّ كتب الإمام الصنعاني ﵀ هذه الرسالة التي بين أيدينا والتي أسماها (الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف) صنفها ﵀ ردّاً على عصري له غلا في شأن الأولياء وكرامتهم، وادَّعى أنَّ لهم ما يريدون، وأنهم يقولون للشيء كن فيكون، وأنَّهم يخرجون من القبور لقضاء الحاجات، وأنَّهم في قبورهم يأكلون ويشربون وينكحون، إلى أمور أخرى عجيبة تمجُّها الأسماع، وتقذفها الأفهام، وينكرها من لديه بالشرع أدنى اطلاعة أو إلمام.

стр. 3

وقد بيَّن الصنعاني ﵀ في ردّه هذا ما في كلام هذا المبطل من تناقض، وأوضح ما فيه من غلو في الأولياء المزعومين [من أوتاد وأنجاب وأقطاب وأغواث] وما خالف فيه بهذه البدعة من أدلة الكتاب والسنة. وإن كان ﵀ قد جنح في كتابه هذا إلى قول أبي إسحاق الإسفرايني ومن قبله المعتزلة من أنَّ الكرامة إنما تكون في غير الأمر الخارق للعادة، وهو قول مخالف للحق والصواب، وسيأتي الكلام عليه ومناقشته وبيان بطلانه في الدراسة الآتية عن موضوع الكتاب١. ولم يكن هذا مانعاً - فيما أرى - من الإفادة من مادة الكتاب العلمية الجيدة في الرد على المتصوفة وأضرابهم ممن غلوا في الأولياء، مع التنبيه في هامشه إلى ما يحتاج إلى تنبيه. وقد كنت بادئ الأمر متردّداً في تحقيق ونشر هذا الكتاب نظراً لما فيه من أخطاء ومخالفات ليست باليسيرة غير أنَّه دفعني لذلك أمران: الأول: اشتماله على ردود جيدة ومناقشات مفيدة مع المتصوفة الذين غلوا في الأولياء وكراماتهم غلوّاً شديداً. الثاني: خشية أن تقوم بعض دور النشر بطبعه على علاته وأخطائه دون تنبيهٍ على ما فيه أو كشفٍ لخوافيه، اعتماداً على مكانة مؤلفه. هذا وقد جعلت بين يدي الكتاب دراسة موجزة للمؤلف وأخرى للكتاب نبَّهت فيها على جوانب مهمة في الموضوع، راجياً من الله الكريم

стр. 4

القبول والتوفيق، كما أرجوه سبحانه أن يغفر لمؤلفه ومحققه وقارئه ووالدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنَّه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5

دراسة موجزة عن المؤلف ١- نسبه: هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي بن حفظ الدين ابن شرف الدين بن صلاح بن الحسن بن المهدي بن محمد بن إدريس ابن علي بن محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن الحسن ابن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁.الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالأمير، ويكنَّى بأبي إبراهيم. ٢- مولده: ولد ليلة الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة ١٠٩٩? بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء سنة ١١٠٧?، وأخذ عن علمائها. ٣- شيوخه: أخذ الصنعاني العلم عن شيوخ كثيرين منهم: ١- زيد بن محمد بن الحسن. ٢- صلاح بن الحسين الأخفش. ٣- عبد الله بن علي الوزير. ٤- علي بن محمد العنسي.

стр. 6

٤- رحلاته: رحل إلى مكة والمدينة وقرأ الحديث على العلماء فيهما. ٥- مؤلفاته: له ﵀ من التصانيف ما يربو على المائتين، منها: ١- سبل السلام شرح بلوغ المرام. ٢- منحة الغفار على ضوء النهار. ٣- العدة شرح العمدة. ٤- التنوير شرح الجامع الصغير. ٥- قصب السكر نظم نخبة الفكر. ٦- تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد. ٧- إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة. وقد اعتنى غير واحد بجمع مؤلفات الصنعاني ﵀، منهم الدكتور عبد الله شاكر الجنيدي في تحقيقه لكتاب "إيقاظ الفكرة ... " وبلغ عدة ما ذكر (٢٢٩) مؤلفاً. ٦- تلاميذه: تلقى العلم على الصنعاني ﵀ جمعٌ غفيرٌ من طلاب العلم منهم: ١- عبد القادر بن أحمد. ٢- أحمد بن محمد قاطن. ٣- أحمد بن صالح بن أبي الرجال.

стр. 7

النص المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي له الملك والملكوت، الحي الجبار الذي لا يموت، الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١، فليس للعبد تصرفٌ مع مولاه، ولا له تقدمٌ بين يديه، ولا شفاعةٌ، ولا غيرها إلا بإذنه ورضاه، والصلاة والسلام على من تركنا على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها، وأشرقت شمس نبوته فامتلأت الأرض بأنوارها. أخرج ابن ماجه عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: "خرج علينا رسول الله ﵌ ونحن نتذاكر الفقر ونتخوَّفُه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتُصبنَّ عليكم الدنيا صبّاً، حتى قال: لقد تركتكم على البيضاء ليلها ونهارها سواء" ٢، [قال أبو

стр. 8

الدرداء: صدق والله رسول الله، لقد تركنا على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء] ١. وعلى آله الذين بهديه يهدون، وبه يقتدون. واعلم أنَّه ﵌ قد حذر أمته من الابتداع لما أعلمه الله من أنَّ أمته تأتي من الابتداع٢ بأجناس وأنواع، فقال ﵌: "شر الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة" ٣، وقال: "خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة" ٤، وقال: "لا يقبلُ الله لصاحب بدعة صوماً، ولا صلاةً ولا صدقة ولا حجاً ولا عمرةً، ولا جهاداً، ولا صرفاً، ولا عدلاً، يخرج من الإسلام كما تخرج الشَّعرةُ من العجين" ٥، أخرج هذه الأحاديث ابن ماجه وغيُره. قلت: ووجه عظمة الابتداع في الدين أنَّه كالرد على قول الله ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

стр. 9

الإِسْلامَ دِيناً﴾ ١ فالابتداع بزيادة٢ في الدين أو نقصان منه، فلهذا عظم شأن البدعة في الدين، وخرج٣ بها صاحبها من الدين كما تخرج الشعرة من العجين. وبعد: فإنَّي وقفتُ على رسالة جواب سؤال عن شأن الأولياء الأحياء منهم والأموات، وما هو لهم من الأحوال والكرامات، فقضى الجواب فيها أنَّ للأولياء ما يريدون، وأنَّهم ممن يقول لأيِّ شيء أرادوه كن فيكون، وأنَّهم من القبور لقضاء الحوائج يخرجون، وأنَّهم لمواقف جهاد الكفار يحضرون، وأنَّ العلماء منهم بعد الموت للعلوم يدرسون، وأنَّ الخضر أخذ عن أبي حنيفة علوم الشريعة بعد أنْ ضمه الرُّخام، ولازم قبره خمسة عشر من الأعوام٤، وأنَّهم ينكحون في القبور، ويأكلون، ويشربون، ويطعمون، ولهم ما يشتهون، ومن هذا الكلام الذي تمجه الأسماعُ، وتقذفه الأفهامُ. فتعين إيقاظُ أهل الغفلة [٥٩٧] والمنام من القاصرين والعوام ببيان حقيقة الولي، وما ورد في صفته من الآثار، وبيانه من الكتاب والسنة والأخبار، ثم بيان رد ما أورده المجيب من الهذيان، وأنَّه جعل الأولياء من جملة الأصنام والأوثان، ووصفهم بأنَّهم كالإله تقدس وتعالى يقولون للشيء كن فكان.

стр. 10

فرأيته يتعين إبانةُ الصواب، وبيان حقيقة ما افتراه من الأوتاد والأنجاب والأقطاب، وما خالف فيه بهذه البدعة من أدلة السنة والكتاب، أرجو ببيان ذلك الإثابةَ من الرب الوهاب، والهداية لمن هو من أولي الألباب، وأمَّا من غلب عليه الابتداع، وخالف طريقة من هم للكتاب والسنة أتباع، فإنَّه يسد عمَّا نلقيه الأسماع، والواجب علينا١ هو البلاغ المبين، وأمَّا الهداية والتوفيق فمن رب العالمين. فنقول: قوله: "نعم أولياء الله، وهم العارفون به حسبما يمكن، المواظبون على الطاعات، والمعرضون عن الانهماك في اللذات والشهوات". أقول: هذا رسم٢ لحقيقة٣ الأولياء، وهذا اللفظ نقله من شرح المحلي على جمع الجوامع٤، إلا أنَّه فاته٥ قوله: "المجتنبون للمعاصي" وهو قيد لا بد منه اتفاقاً، فكأنَّه وقع من سقط القلم. والانهماك يقال: همكه في الأمر فانهمك لَجَّجَهُ فلج، كما في القاموس٦، وفسر اللجاجة بالخصومة٧. ولا يظهر مناسبتها لما هنا، وهي عبارة المحلي.

стр. 11

ثم هذا التفسير للولي هو الذي يفسرون به العدل، فإنَّه قال ابن حجر في شرح النخبة إنَّ العدل: "من له مَلَكَةٌ تحمِلُهُ على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة"١ انتهى بلفظه، وقد فاته أيضاً فيه قيد لا بد منه في تفسير التقوى، وهو الإتيان بالواجبات، فإنَّه لا يكفيه فيه اجتناب السيئة٢، ولكنَّه كأنَّه لما قال: "من شرك أو فسق أو بدعة" علم أنَّه لو لم يأت بالواجبات ما صدق عليه اجتناب السيئات، وأيُّ: سيئة أعظم من ترك الواجبات. وإذا عرفت هذا علمت أنَّ الولي عند العلماء هو العدل؛ لتلاقي التفسيرين، بل تعريف العدل أضيق؛ لأنَّه أخذ فيه الملكة، وأخذ فيه عدم التلبس ببدعة، وقد أوضحنا ما في تفسيرهم العدالة بما ذكر في مؤلفاتنا٣ كثمرات النظر في علم الأثر٤ وغيرها.

стр. 12

وأقول: اعلم أنَّ الله تعالى قد عرفنا بأوليائه في كتابه العزيز فقال: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١ ثم فسرهم٢ تعالى بقوله: ﴿الذِينَءَامَنُوا ... ﴾ الآية، فإنَّها مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنَّه قيل: من هم؟ فقال: ﴿الذِينَءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . يدل على ذلك٣ ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد: "في قوله ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قيل: من هم يارب؟ قال: ﴿الذِينَءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ "٤، وفسر النبي ﵌ الإيمان في حديث جبريل الذي أخرجه مسلم من حديث عمر حين جاء يسأله عن الإيمان، فقال ﵌: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٥ والحديث مأخوذ من قوله تعالى ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّءَامَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُّسُلِهِ﴾ ٦ ولم يذكر في الآية إلا أربعة أركان

стр. 13

والحديث ستة١؛ لأنَّ من آمن بكتب الله ورسله [٥٩٨] فقد آمن باليوم الآخر، وبالقدر؛ أي: سَبْقُ تقدير كلِّ كائن، وإنَّما الحديثُ فَصَّلَ والآيةُ أَجملتْ بعض الإجمال، لأنَّه تعالى قال لرسوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ فبين بزيادة التفصيل لأركان الإيمان، وقد ذكر تعالى المؤمنون حقاً بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ٣ ففسرهم بأنَّهم مَنِ اتصف بهذه الست الصفات، وأما المتقون فإنَّ الله تعالى بين مَنْ هم وفسرهم في صدر سورة البقرة حيث قال: ﴿هُدَى لِلْمُتَّقِينَ﴾ كأنَّه قيل من هم؟ قال: ﴿الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلَواةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٤ فوصفهم بأنَّهم من اتصف بهذه الصفات الست، وهي صفاتٌ مركبة من أجزاء الإسلام ومن أجزاء الإيمان، كما أنَّ آية الأنفال حيث ذكر الله تعالى صفات المؤمنين حقاً مركبة من أجزاء النوعين، وذلك أنَّه ﵌ قال في

стр. 14

حديث جبريل الذي تقدمت الإشارةُ إليه١، وقد قال له: ما الإسلام يا محمد؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" الحديث. فجعل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أجزاء الإسلام. فالآيتان أشارتا بذكر بعض أجزاء الإسلام وهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلى اعتبار الإسلام بجميع أفراده، إلا أنَّهما خصتا أعظم أجزائهما البدنية والمالية، وتعلم الصوم والحج بالسنة التي وردت بياناً للقرآن، فإنَّ بيانه بتفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وتفسير مبهمه وغير ذلك، وأشارتا بالإيمان وزيادته إلى اعتبار الإيمان بأجزائه، فأفادتا أنَّه لايكون العبد مؤمناً إلا باستكماله لخصال الإسلام والإيمان، وأشارت آيةُ البقرة إلى أنَّ المتقين هم الجامعون بين الإسلام بقوله: ﴿الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَواةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٢ والإيمان بقوله: ﴿وَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. وإذا عرفت هذا فقد بين القرآن أولياء الله بياناً شافياً أنَّهم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى، ثم بين تعالى الإيمان وأجزاءه، والتقوى وأجزاءها.

стр. 15

ثم بعد تقرير هذا فلا ريب أن رتبة الإيمان تتفاوت١ إلى زيادة ونقصان حتى ينتهي الإيمان إلى مقدار مثقال الخردلة، كما وردت به الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة٢، وقد قرر في مجاله، كما أنَّ رتبة٣ التقوى تتفاوت. فقد أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال: "قال الحواريون يا عيسى بن مريم من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى ﵇: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا فيها ما يخشون أن يميتهم، وتركوا ما علموا أنَّه سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالاً، وذكرهم إياها فواتاً٤، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا، وما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلِقَت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها [٥٩٩] وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها ويشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها الفرحين، وباعوها فكانوا ببيعها المربحين، ونظروا إلى أهلها صرعى، وقد خلت منهم المثلات، فأحيوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله تعالى، ويستضيئون بنوره، ويضيئون به، لهم خبر

стр. 16

عجيب، وعندهم خبر عجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أماني دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون"١ انتهى. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [قال: "هم:] الذين إذا رؤوا يذكر الله لرؤيتهم"٢. وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح أنَّه سمع النبي ﵌ يقول: "لا يستحق العبد صريح حق الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله، وإنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم" ٣.

стр. 17

وهذا المعنى كثيرٌ١ في الأحاديث كثرة واسعة. والمراد من قوله: "يحب لله" أي: يحب الطاعة؛ لأنَّ الله يحبها، ويبغض المعصية؛ لأنَّ الله يبغضها. قال تعالى: ﴿وَلكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ٢، وفي الحديث: "المؤمن من سرته حسنته، وساءته سيئته" ٣، وكذلك يبغض العاصي لعصيانه ويحب التقي لتقواه، فهذا هو الحب لله والبغض له. وقوله: "الذين يذكرون بذكري" يحتمل المراد الذين يذكرون٤ بسبب ذكرهم إياي، أي: أنَّ ذكرهم [لله] ٥ تعالى كان سبباً لذكره تعالى لهم، من باب قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ٦، وقوله ﵌ حاكياً عن الله: "إنَّ العبد إذا ذكره في ملأ

стр. 18

ذكره الله تعالى في ملأ خير من ملئه، وإن ذكره في نفسه ذكره تعالى في نفسه"١. ويحتمل أن يراد الذين يذكرون بسبب ذكري إياهم، أي أنَّه تعالى إذا ذكرهم في الملأ الأعلى ذكروا الله فبسبب ذكر الله لهم ذكروا، وأذكرهم؛ أي: بسبب ذكرهم إياي إذا ذكروني٢، فهم يذكِّرون العباد بالله وبنعمه ونقمه، فيذكرون الله عند ذلك. ويحتمل أن المراد يذكرون الله بالأذكار الشريفة من التسبيح والتقديس والتهليل فيذكر الله العباد بذلك بسبب تذكرهم إياي٣. إذا عرفت هذا عرفت أولياء الله، وأنَّ صفاتهم الخوف من الله، والإقبال على ما يرضاه، والإعراض عن كلِّ ما سواه، ويعرف بطلان ما يأتي من تفسير القوم للأقطاب والأوتاد والأنجاب بأنَّهم الذين لهم التصرف في الأكوان، وأنَّهم الذين يقولون للشئ كن فكان، وغير ذلك من الافتراء والبهتان والهذيان مما لا يقبله من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ممن جعل إمامه القرآن وكلام سيد ولد عدنان ﵌ ما اختلف الملوان.

стр. 19

قوله: "موجودون [٦٠٠] إلى يوم القيامة؛ لعموم قوله ﵌: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". أقول: هو خبر قوله: أولياء الله؛ أي: أولياؤه تعالى١ موجودون إلى يوم القيامة واستدل بحديث: "لا تزال طائفة ... " الحديث، أخرجه أئمة الحديث. فأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن المغيرة أنَّه ﵌ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ٢. وأخرج مسلم والترمذي وابن ماجه عن ثوبان عنه ﵌ أنَّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٣. وأخرج مسلم عن عقبة٤ بن عامر أنَّه ﵌ قال: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم كذلك" ٥. وأخرج أحمد وأبوداود وابن ماجه والحاكم عن عمران بن حصين أنَّه ﵌ قال: "لا تزال طائفة من

стр. 20

أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال" ١. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة عنه ﵌ أنَّه قال: "لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عنه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" ٢. وأخرج أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد عن زيد بن أرقم عنه ﵌ أنَّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله" ٣. وأخرج أبو داود أيضاً والحاكم عن عمر مرفوعاً أنَّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين حتى يأتي أمر الله" ٤. وأخرج الطبراني في الكبير عن جابر بن سمرة عنه ﵌: "لا يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه ٥ عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" ٦. وأخرج مسلم وأحمد عن جابر عنه ﵌ أنَّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة

стр. 21

فينزل عيسى فيقول أميرهم: صل بنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمير تكرمة [الله] ١ لهذه الأمة" ٢ والأحاديث في هذا كثيرةٌ شهيرةٌ. وقد اختلف العلماء في هذه الطائفة من هم؟ فذهب طائفة من العلماء إلى أنَّهم أئمة الحديث٣، وذهبت طائفة أخرى إلى أنَّ المراد بهم أهل الإجماع وهم العلماء المجتهدون، وعليه بنى الحسين بن الإمام في شرح الغاية٤ في بحث الإجماع وفي بحث الاجتهاد. والحق ما قاله جماعة من العلماء أنَّ المراد بهم المجاهدون في سبيل الله لتصريح الأحاديث بقوله: "يقاتلون" و"ينصرون" ونحوه٥، وما

стр. 22

أطلق فهو محمول على ما قيد. كيف وقد صرح بأنَّه ينزل عيسى ﵇، وهؤلاء الذين ينزل فيهم هم الذين يقاتلون الدجال، وهو واضح من لفظ الأحاديث في غير موضع. نعم الأولياء وهم المؤمنون العدول باقون حتى تقوم الساعة على القول بأنَّه لا تخلو الأرض من١ مؤمن، وإلا فقد ثبت في الأحاديث أنَّها: "لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض، ولا يقال الله" ٢. قوله: "كالأبدال". أقول: في القاموس: "الأبدال: قوم بهم يقيم اللهُ عزوجل الأرض، وهم سبعون: أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم٣ إلا قام مقامه واحدٌ من سائر الناس"٤ انتهى. وفي النهاية من حديث علي: "الأبدال بالشام وهم الأولياء والعُبَّاد. الواحد منهم بدل كجمل. سموا بذلك لأنَّه كلَّما مات منهم واحد بُدل بآخر" ٥. وفي التعريف للمناوي: "أنَّ الأبدال سبعةٌ٦ لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة فكلُّ بدل له إقليم٧ فيه ولايته، منهم واحد على قدم الخليل وله الإقليم الأول، والثاني على قدم الكليم،

стр. 23

والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع [٦٠١] على قدم آدم. على ترتيب الأقاليم، وهم عارفون بما أودع الله في الكواكب السيارة من الأسرار والحركات والمنازل وغيرها، ولهم من الأسماء أسماء الصفات، وكلُّ واحد بحسب ما يعطيه حقيقة ذلك الإسم الإلهي من الشمول والإحاطة". انتهى١. قلت: وهذا افتراء على الله فإنَّه لم يأت عنه تعالى ولا عن رسله حرفٌ واحدٌ من هذه الأقوال في هؤلاء السبعة، ولم يأت في الأبدال٢ إلا ما سنذكره لك قريباً من الأحاديث، وفي كلٍّ منها مقال. ومن عجائب ما في التعريفات أنَّ "الأوتاد أربعة في كلِّ زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، أحدهم٣ يحفظ الله به المشرق وولايته فيه، والآخر المغرب، والآخر الجنوب، والآخر الشمال، ويعبر عنهم بالجبال لحكمهم في العالم حكم الجبال في الأرض، وألقابهم في كلِّ زمن: عبد الحي، وعبد العظيم٤، وعبد القادر وعبد المريد"٥. وفي التعريفات أيضاً القطب، وقد يسمى غوثاً باعتبار التجاء الواحد٦ إليه، عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في زمانه٧،

стр. 24

أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الملكوت١ وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض٢ الأعم، وزنه يتبع علمه، وعلمه يتبع علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات الغير المجعولة، [فهو] يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو [على] قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الكاملة٣ مادة الحياة [والإحساس، لا] من حيث الإنسانية٤، وحكم جبريل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية، وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة٥ فيها، وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الواقعة فيها٦٧. وقال في التعريفات: "النجباء ثمانية في كلِّ زمان لا يزيدون ولا ينقصون عليهم أعلام القبول في أحوالهم، ويغلب عليهم الحال بغير اختيارهم، هم أهل علم الصفات الثمانية، ومقامهم الكرسي لا يتعدونه ماداموا نجباء، ولهم القدم الراسخ في علم تسيير الكواكب كيفاً٨ واطلاعاً لا من جهة طريقة علماء هذا الشأن، والنقباء٩ هم الذين حازوا علم الفلك التاسع"١٠ انتهى كلامه.

стр. 25

وإنَّما نقلناه بألفاظه ليعلم من يقف عليه ممن له بقية نظر لدينه ولإيمانه بالله ورسله وما جاءت به الرسل أنَّ هذه النقولات كلَّها مجانبةٌ لما جاءت به الرسل ولما وردت به كتب الله تعالى المنزلة، وأنَّ هذه كلَّها نقطةٌ من نقطات١ المعطلين لله ولرسله، وأنَّها من كلمات العُبَّاد للعباد، وأنَّ هذا عائدٌ إلى قول من يقول بإلهية الأفلاك والكواكب، وانظر تلعّبه بملائكة الله، بل إنكارهم وهزوّهم٢ نعوذ بوجه الله من الخذلان. فهؤلاء أولياء الله عند هؤلاء المبتدعة؛ بل المعطلة. وانظر بالله عليك إن كان فيك بقيةٌ من عقلٍ كم بين وصف عيسى ﵇ لأولياء الله الذي سقت حديثه في أول هذه الرسالة من الخشوع والعبادة والزهادة وبين وصف هؤلاء لمن وصفوه لمشاركة الله في التصرف في العالم، بل إنَّ العالم قد استغنى بهم عن الله، وانظر في كلام رسل الله فإنَّ نوحاً يقول لقومه: ﴿وَلاَأَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٣ ومحمد ﵌ يقول له الله: ﴿قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٤ وهؤلاء الضلال جعلوا الملائكة الأربعة أبعاضاً لهؤلاء الأقطاب.

стр. 26

وكلُّ هذه الألفاظ من الأقطاب وغيرها مبتدعةٌ اصطلاحيةٌ لم تأت سنةٌ بها ولا كتابٌ ولا لغةٌ، إلا الأبدال١ كما أفاده القاموس والنهاية؛ لأنَّه قد روى في ذلك أحاديث٢ [٦٠٢] . فأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت مرفوعاً: "الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلاً، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن، كلَّما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلاً"٣. وأخرج الطبراني عن عبادة أيضاً مرفوعاً: "الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض، وبهم يمطرون، وبهم ينصرون" ٤. وأخرج الطبراني عن عوف بن مالك مرفوعاً: "الأبدال في أهل الشام وهم أربعون رجلاً، كلَّما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقى

стр. 27

بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب"١. وأخرج الخلال في كرامات الأولياء والديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً: "الأبدال أربعون رجلاً وأربعون امرأة، كلَّما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، وكلَّما ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة"٢. فهذه الأحاديث في الأبدال وفي صحتها عند أئمة الحديث٣ مقالٌ، وإن سلمنا صحة الأحاديث في ذلك فإنَّه لم يجعل الله لهم علامةً يعرفون بها بأعيانهم اتفاقاً، فلا يعرف أنَّ الشخص من الأبدال حتى يعتقد أنَّه وليُّ الله الولاية الخاصة التي يزعمون، وإلا فالمؤمنون المتقون أولياء الله قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ ٤ على أحد الوجهين في الآية كما

стр. 28

في البيضاوي١، فهذا مثل آية يونس التي قدمناها، وإنَّما هذه حصرت أولياءه على المتقين، فالمتقي هو الولي، وغير المتقي لا يكون ولياً، والمتقي هو المؤمن الآتي بالواجبات والمجتنب للمقبحات، والذي يصدق عليه كلامُ المجيب في حده للولي، ولكنَّ المجيبَ وأشباهه يريدون بالولي غير هذا. ولقد كبرت كلمةٌ قالها شيخ شيخنا إبراهيم الكردي٢ في كتابه "قصد السبيل" فإنَّه قال في خطبته: "إنَّ معرفة الله التي وراء طور العقول مما لا تستقل العقول بإدراكها بطريق الفكر وترتيب المقدمات وإنَّما يدرك بنور النبوة والولاية"٣ ولم يزل هكذا يجعل الولاية قسيماً للنبوة كأنَّه يريد أنَّ الولي غيرُ داخلٍ تحت الدعوة النبوية، ولا من الأمة المحمدية، بل هو قسيمٌ له، وهذا من الجهل أولاً بدعوى أنَّ الولي غيرُ المؤمن التقي، بل له رتبةٌ غير هذه الرتبة، ثم دعوى أنَّه يستمد من غير واسطة الرسول، وهم كذا يصرحون بذلك. واعلم أنَّ البيضاوي وغيره يقسمون التقوى٤ ثلاث مراتب: "التقيّ صفة مشبهة من قولهم وقاه الله فاتقى، والوقاية فرط الصيانة،

стр. 29

وهي في عرف الشرع اسم لمن صان نفسه عما يضره في الآخرة، ولها ثلاثُ مراتب: الأولى: التقوى عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك، وعليه قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ١. والثانية: التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قومٍ، وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ [أَهْلَ] الْقُرَىءَامَنُوا وَاتَّقَوا﴾ ٢. والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويقبل لله بشراشره٣، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: ﴿اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ "٤ انتهى. والشراشر بالشين المعجمة والراء المهملة مكررتين بينهما ألف هي النفس هنا٥. وهذا التقسيم اصطلاحيٌّ ليس عليه دليلٌ من لغةٍ ولا شرعٍ، وكلمة التقوى هي لا إله إلا الله كما في التفاسير الأثرية، والضمير في ﴿أَلْزَمَهُمْ﴾ له ﵌ وأصحابِهِ، وهذه هي كلمة التقوى لكلِّ مؤمن. قال ابن عباس: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي: "شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأسُ كلِّ تقوى"٦ حتى رأس الثلاثة الأقسام وغيرها.

стр. 30

وقد قدمنا لك أن التقوى تزيد وتنقص كالإيمان، وأمَّا حصره في ثلاث أو أقل أو أكثر فلا دليل عليه [٦٠٣] . وقد فسر السلف قوله ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بقول بعضهم: "وهو استفراغ الوسع بالقيام بالواجب والاجتناب عن المحارم"١ كقوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢. وعن ابن مسعود "وهو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"٣ انتهى. قوله: "وكراماتهم ثابتةٌ، وتصرفهم باقٍ إلى يوم القيامة، ولا تنقطع بالموت؛ لأنَّ مرجع الكرامة – كالمعجزة - إلى قدرة الله تعالى التامة العامة المحيطة المتعلقة بجميع الممكنات بأسرها إيجاداً وإعداماً، على وَفْقِ الإرادة الأزلية التي يترجح بها حصول الممكن على مقابله، ولا يمتنع شيءٌ منها على قدرته وإرادته". أقول: في "جمع الجوامع" لابن السبكي وشرحه للمحلي ما لفظه: "وكرامات الأولياء حقٌّ؛ أي: جائزةٌ وواقعةٌ. قال القشيري: "ولا ينتهون إلى نحو ولد بلا والد، وقلب جماد بهيمة"٤. قال المصنف وهذا حق يخصص قول غيره: ما جاز أن يكون معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، لا فارق بينهما إلا التحدي. قال: ومنع أكثر المعتزلة الخوارق

стр. 31

من الأولياء وكذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني١ قال: "كلَّما جاز تقديره معجزة للنبي لا يجوز أن يكون ظهور مثله كرامة لولي، وإنَّما مبالغ الكرامات إجابة دعوته أو موافاة ماء في بادية في غير موقع المياه، أو نحو ذلك مما ينحط عن خرق العادات" انتهى٢.

стр. 32

واعلم أنَّ إعطاء الله المؤمن الكرامات بإجابة الدعوات وتيسير الطلبات [وتسهيل المتعسرات وتخفيف المشقات] أمر [حق] لا شك فيه، [ولا يخالف فيه مؤمن، إذ كلُّ مؤمن قد جرب من إجابة الدعوات وتيسير الطلبات أمر لاشك فيه] ١ ولكن هذا لا يختص به طائفةٌ معينةٌ، بل هو حاصلٌ للمؤمنين إذا أخلصوا النيات، وأقبلوا على الله تعالى إقبال صدقٍ وثباتٍ ووثوقٍ بتيسير المطلوبات، ومراعاةً لمواقع الإجابات٢، فإنَّه تعالى خاطب جميع المؤمنين بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣، وبقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... ﴾ ٤ الآية، لكن إعطاؤه تعالى للمطلوب وتفريجه عن المكروب يتوقف على مشيئته وحكمته، فقد لا يُعَجِّل للعبد ما أراده، إذ قد يكون فيه هلاكه في دينه أو في دنياه قال تعالى: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ ٥ وثبت في الأحاديث أنَّ للدعوة ثلاثَ حالاتٍ: إما أنْ يعجلها الرب، أو يدخرها لعبده ليوم القيامة، أو يعطيه خيراً مما سأل. وفي رواية: أو يكفر عنه بها٦.

стр. 33

فإن أريد بالكرامات ما ذكره أبو إسحاق الإسفرايني فهو حق لا ريب فيها، ولا يخالف فيها إلا جاهل. أعني نفي الكرامة بهذا المعنى، فمن أنكرها بهذا المعنى قد فرط، كما أنَّ من ادعى إثبات الخوارق قد أفرط، والحق التوسط بين الطرفين، كما يقوله أبو إسحاق وغيره١. وأما قولهم: "إنَّ كلَّ معجزة لنبي تصح أن تكون كرامةً لولي" فهذه دعوى لا دليل عليها، وقد نقل أقوامٌ عوامٌ كذباتٍ لقومٍ من الصالحين تجاوزوا حد الإعجاز٢ كما في حلية أبي نعيم أنَّه قال قائل لأبي يزيد البسطامي بلغني أنَّك تمر في الهواء. قال: وأي أعجوبة في هذا! الطير يأكل الميتة ويمر في الهواء، والمؤمن أشرف من طير"٣. انتهى. ولا يقول هذا عارفٌ؛ فإنَّ الله تعالى جعل من آياته مرور الطير في جو السماء ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ ٥ ونحوها من الآيات، ولا يعاب الطير بأنَّه يأكل من الميتة، بل هي رزقه، ولم تحرم عليه كما أنَّها حرمت الزكاة على الغني وأحلت للفقير، والله سبحانه لما أسرى برسوله ﵌ لم يطر في السماء، بل أرسل إليه البراق ثم صعد إليها على المعراج٦. فما هذا

стр. 34

الكلام الفارغ الذي ينقلونه عن أبي يزيد، إن صح فهو من شطحات هؤلاء المتهوكة. ولقد راجت هذه الدعاوى الفارغة [٦٠٤] على جماعة من علماء الإسلام صاروا كالعامة في قبول المحالات، فلقد ألف الحافظ السيوطي رسالة سماها: "المنجلي في تطورات الولي"١، وأتى فيها بحكايات باطلة، وأقوال عن الأدلة عاطلة، حتى كأنَّه ما عرف السنة والكتاب، ولا ملأ الدنيا بمؤلفاته التي أتى فيها بكلِّ عجاب، فلا يغتر الناظر بنقل ما يخالف السنة والكتاب، وإن حكاه من العلماء بحرُ علمٍ عبابٍ، وما أحسن ما قاله ابنُ الجوزي في كتابه صيد الخاطر قال: "واعلم أنَّ المحقق لا يهوله اسمٌ معظمٌ، كما قال رجل لعلي ﵁: أتظن أنَّا نظن أنَّ طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له عليٌّ "﵇"٢: "إن الحق لا

стр. 35

يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله" ولعمري إنَّه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيءٌ فسمعه الجاهلُ بالشرع قبله لتعظيمهم في نفسه، كما ينقل عن أبي يزيد أنَّه قال: "تراعنت عليَّ نفسي فحلفت أنْ لا أشرب الماء سنة"١، وهذا إذا صح عنه كان خطأً قبيحاً، وزلةً فاحشةً؛ لأنَّ الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء، وإذا لم يشرب فقد سعى في أذية بدنه، وقد كان يُستعذب الماءُ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم٢، أفترى هذا فعل من يعلم أنَّ نفسه ليست له، وأنَّه لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن من مالكها، وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية أنَّه قال: "سرت إلى مكة على طريق التوكل حافياً فكانت الشوكة تدخل في رجلي فأحكها بالأرض ولا أرفعها، وكان علي مسحٌ، فكانت عيني إذا آلمتني أدلكها بالمسح، فذهبت إحدى عيني". وأمثال هذا كثيرٌ، وربما حملها القُصَّاص على الكرامات

стр. 36

وعظموها عند العوام فتخايل لهم أنَّ فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد. ولعمري إنَّ هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلاَتَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ١، وقال ﵌: "إنَّ لنفسك عليك حقاً" ٢، "وقد طلب أبو بكر للنبي ﵌ في طريق الهجرة ظلاً حتى رأى صخرة ففرش له في ظلها"٣. قلت: وفي هذا الحديث أيضاً أنَّه حلب له ﵌ أبو بكر كُثبة من لبنٍ ثمَّ صبَّ عليها الماء لتبرد، ثم أسقاها رسول الله ﵌. وكم ينقلون عن ذي النون أنَّه لقي امرأة في السياحة فكلمها وكلمته٤، وينسون ما في الأحاديث الصحاح: "لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً وليلة إلا بمحرم"٥. وكم ينقلون أنَّ أقواماً مشوا على الماء٦ وقد قال إبراهيم الحربي: "لا يصح أنَّ أحداً يمشي على الماء قط". فإذا سمعوا هذا قالوا تنكرون كرامات الأولياء فنقول: لا ننكرها؛ بل نتبع ما صح، والصالحون هم

стр. 37

الذين يتبعون الشرع ولا يتعبدون بآرائهم. قال: "واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجنَّ عليَّ بأسماء الرجال، وتقول قد قال إبراهيم بن أدهم، قد قال بشر الحافي من احتج برسول الله ﵌ وبأصحابه ﵃ أقوى حجة". إلى أن قال "ومن تأمل هذه الأشياء علم أنَّ فقيهاً واحداً وإن قلَّ أتباعه وخفت إذا مات أشياعه أفضلُ من ألوفٍ يتمسح العوام بهم تبركاً، ويشيع جنائزهم مالا يحصى. وهل الناس إلا صاحبُ أثر يتبعه أو فقيهٌ يفهم مراد الشرع ويفتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليداً لهم بغير دليل فإنَّ من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة، والمحنة العظمى مدائح العوام١، فكم غرت كما قال علي ﵁: "ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئاً"٢ انتهى من فصل طويل أردت بنقله إعلاماً للناظرين أنَّ أكثر الكرامات التي شاعت بين العوام وحازت على عقول الخواص كذب من العوام الذين هم فتنة دين الإسلام أتباع كلِّ ناعق لم يستضيئوا بنور العلم وهم الهمج الرعاع كما قال أمير المؤمنين علي ﵁ [٦٠٥] في كلامه لكميل بن زياد٣ ولكنه نفذ

стр. 38

سهام العوام فصار العلماء لهم أتباعاً ولأقوالهم أشياعاً يؤلفون ترويجاً لما يروونه من الكذبات وينحلون١ لهم في التصانيف بوارد الدلالات كما قدمناه عن "تطورات الولي"٢ وكهذه الرسالة التي نحن الآن بصدد الرد على ما فيها وكم وكم ولا إله إلا الله ما أشدَّ ضرر العالم المعروف بين الأنام إذا روج لهم الأباطيل وزخرف لهم باطل الأقاويل ويحاول إجراءها على سنن السنة وتنزيلها التنزيل٣ فيصدق الكذب المحال عقلاً وشرعاً ويؤلف في صحتها ليكون لمن يأتي بعده أصلاً متبعاً، فإذا أراد العالم بالكتاب والسنة أن يبين بطلان تلك الأساطير صدمه الجاهل ورد عليه بقوله: قد قال بصحة هذا السيوطي وابن حجر الهيتمي وفلان الرملي٤ وفلان وفلان. فأين يقع من هؤلاء الأعيان وقد يسخر٥ به العوام ويقولون أنكر كرامات الصالحين الأعلام ولله الكلمةُ العَلَوِيَّة "اعرف الحق تعرف أهله" لكن أين مَنْ يتأهل للخطاب ويسمع ويعقل٦، إن هم إلا كالدواب. قوله: "ولا ينقطع" أي: تصرفهم وكراماتهم بالموت. لم يعلل هذه الدعوى إلابأن مرجع الكرامة إلى قدرة الله تعالى، وأنَّه لا يمتنع شيء على قدرته وإرادته".

стр. 39

أقول: علل وقوع الكرامة للأولياء بعد موتهم بعموم قدرة الله تعالى المتعلقة بجميع الممكنات، وقدرة الله على جميع الممكنات مما لا نزاع فيه بين المسلمين، فإنَّه قد علم من ضرورة الدين أنَّ الله على كلِّ شيء قدير، ولكن ما كلُّ مقدورٍ واقعٌ اتفاقاً وقطعاً عقلاً وسمعاً، قال الله تعالى: ﴿إِن يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١ قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٢ ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ٣ وفي بعضها بين الله تعالى الحكمة التي اقتضت عدم إيجاده المقدور، كقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَّكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَّكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ ... ﴾ ٤ الآية، وجميع ما تمدَّح به تعالى من هذه الأمور المقدورة لم يقع، والبحث عن وقوع المقدور لا في إمكانه٥. وما قوله٦: إنَّ الكرامات للأموات واقعة؛ لأنَّه تعالى قادر على كلِّ الممكنات إلاَّ نظير قولك لجبل من الجبال هذا ذهب؛ لأنَّ الله تعالى قادر على أن يجعله ذهباً. فيقال: صدق نصف هذا الكلام وكذب نصفه، فإنَّ قولك إنَّه ذهب كاذب وقولك إنَّ الله قادر على أن يجعله ذهباً صادق، لكن لا ينفع صدقه في مدعاك٧.

стр. 40

قوله: "وهذا أمرٌ قطعي لا مرية فيه البتة عند أهل السنة والجماعة". أقول: إن أراد كونه تعالى على كلِّ شيء قدير، وأنَّه لا يمتنع شيءٌ عن قدرته فهذا يقوله جميع فرق المسلمين؛ بل وأهل الكتابين بلا نزاع فيه لمن أثبت الرب تعالى، وإن أراد بالإشارة ثبوت الكرامات للأموات وتصرفهم كما قاله، فهذا أبو إسحاق الإسفرايني من أئمة أهل السنة بلا نزاع١ وقد ثبت نزاعه معهم٢ في الكرامات للأحياء فضلاً عن الأموات. وهب أنَّه يقول أهل السنة والجماعة٣ بذلك فلا دليل في ذلك إذ ليسوا بأهل الإجماع حتى يكون قولهم دليلاً وقد أطلنا الكلام على تسميتهم أنفسهم بأهل السنة والجماعة في مؤلفنا "الأنفاس الرحمانية في الأبحاث على الإفاضة المدنية"٤. قوله: "قال شيخ الإسلام ... إلى آخره".
следующие страницы →