← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7556

الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف

الصنعاني

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعظموها عند العوام فتخايل لهم أنَّ فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد. ولعمري إنَّ هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلاَتَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ١، وقال ﵌: "إنَّ لنفسك عليك حقاً" ٢، "وقد طلب أبو بكر للنبي ﵌ في طريق الهجرة ظلاً حتى رأى صخرة ففرش له في ظلها"٣. قلت: وفي هذا الحديث أيضاً أنَّه حلب له ﵌ أبو بكر كُثبة من لبنٍ ثمَّ صبَّ عليها الماء لتبرد، ثم أسقاها رسول الله ﵌. وكم ينقلون عن ذي النون أنَّه لقي امرأة في السياحة فكلمها وكلمته٤، وينسون ما في الأحاديث الصحاح: "لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً وليلة إلا بمحرم"٥. وكم ينقلون أنَّ أقواماً مشوا على الماء٦ وقد قال إبراهيم الحربي: "لا يصح أنَّ أحداً يمشي على الماء قط". فإذا سمعوا هذا قالوا تنكرون كرامات الأولياء فنقول: لا ننكرها؛ بل نتبع ما صح، والصالحون هم

стр. 37

الذين يتبعون الشرع ولا يتعبدون بآرائهم. قال: "واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجنَّ عليَّ بأسماء الرجال، وتقول قد قال إبراهيم بن أدهم، قد قال بشر الحافي من احتج برسول الله ﵌ وبأصحابه ﵃ أقوى حجة". إلى أن قال "ومن تأمل هذه الأشياء علم أنَّ فقيهاً واحداً وإن قلَّ أتباعه وخفت إذا مات أشياعه أفضلُ من ألوفٍ يتمسح العوام بهم تبركاً، ويشيع جنائزهم مالا يحصى. وهل الناس إلا صاحبُ أثر يتبعه أو فقيهٌ يفهم مراد الشرع ويفتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليداً لهم بغير دليل فإنَّ من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة، والمحنة العظمى مدائح العوام١، فكم غرت كما قال علي ﵁: "ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئاً"٢ انتهى من فصل طويل أردت بنقله إعلاماً للناظرين أنَّ أكثر الكرامات التي شاعت بين العوام وحازت على عقول الخواص كذب من العوام الذين هم فتنة دين الإسلام أتباع كلِّ ناعق لم يستضيئوا بنور العلم وهم الهمج الرعاع كما قال أمير المؤمنين علي ﵁ [٦٠٥] في كلامه لكميل بن زياد٣ ولكنه نفذ

стр. 38

سهام العوام فصار العلماء لهم أتباعاً ولأقوالهم أشياعاً يؤلفون ترويجاً لما يروونه من الكذبات وينحلون١ لهم في التصانيف بوارد الدلالات كما قدمناه عن "تطورات الولي"٢ وكهذه الرسالة التي نحن الآن بصدد الرد على ما فيها وكم وكم ولا إله إلا الله ما أشدَّ ضرر العالم المعروف بين الأنام إذا روج لهم الأباطيل وزخرف لهم باطل الأقاويل ويحاول إجراءها على سنن السنة وتنزيلها التنزيل٣ فيصدق الكذب المحال عقلاً وشرعاً ويؤلف في صحتها ليكون لمن يأتي بعده أصلاً متبعاً، فإذا أراد العالم بالكتاب والسنة أن يبين بطلان تلك الأساطير صدمه الجاهل ورد عليه بقوله: قد قال بصحة هذا السيوطي وابن حجر الهيتمي وفلان الرملي٤ وفلان وفلان. فأين يقع من هؤلاء الأعيان وقد يسخر٥ به العوام ويقولون أنكر كرامات الصالحين الأعلام ولله الكلمةُ العَلَوِيَّة "اعرف الحق تعرف أهله" لكن أين مَنْ يتأهل للخطاب ويسمع ويعقل٦، إن هم إلا كالدواب. قوله: "ولا ينقطع" أي: تصرفهم وكراماتهم بالموت. لم يعلل هذه الدعوى إلابأن مرجع الكرامة إلى قدرة الله تعالى، وأنَّه لا يمتنع شيء على قدرته وإرادته".

стр. 39

أقول: علل وقوع الكرامة للأولياء بعد موتهم بعموم قدرة الله تعالى المتعلقة بجميع الممكنات، وقدرة الله على جميع الممكنات مما لا نزاع فيه بين المسلمين، فإنَّه قد علم من ضرورة الدين أنَّ الله على كلِّ شيء قدير، ولكن ما كلُّ مقدورٍ واقعٌ اتفاقاً وقطعاً عقلاً وسمعاً، قال الله تعالى: ﴿إِن يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١ قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٢ ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ٣ وفي بعضها بين الله تعالى الحكمة التي اقتضت عدم إيجاده المقدور، كقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَّكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَّكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ ... ﴾ ٤ الآية، وجميع ما تمدَّح به تعالى من هذه الأمور المقدورة لم يقع، والبحث عن وقوع المقدور لا في إمكانه٥. وما قوله٦: إنَّ الكرامات للأموات واقعة؛ لأنَّه تعالى قادر على كلِّ الممكنات إلاَّ نظير قولك لجبل من الجبال هذا ذهب؛ لأنَّ الله تعالى قادر على أن يجعله ذهباً. فيقال: صدق نصف هذا الكلام وكذب نصفه، فإنَّ قولك إنَّه ذهب كاذب وقولك إنَّ الله قادر على أن يجعله ذهباً صادق، لكن لا ينفع صدقه في مدعاك٧.

стр. 40

قوله: "وهذا أمرٌ قطعي لا مرية فيه البتة عند أهل السنة والجماعة". أقول: إن أراد كونه تعالى على كلِّ شيء قدير، وأنَّه لا يمتنع شيءٌ عن قدرته فهذا يقوله جميع فرق المسلمين؛ بل وأهل الكتابين بلا نزاع فيه لمن أثبت الرب تعالى، وإن أراد بالإشارة ثبوت الكرامات للأموات وتصرفهم كما قاله، فهذا أبو إسحاق الإسفرايني من أئمة أهل السنة بلا نزاع١ وقد ثبت نزاعه معهم٢ في الكرامات للأحياء فضلاً عن الأموات. وهب أنَّه يقول أهل السنة والجماعة٣ بذلك فلا دليل في ذلك إذ ليسوا بأهل الإجماع حتى يكون قولهم دليلاً وقد أطلنا الكلام على تسميتهم أنفسهم بأهل السنة والجماعة في مؤلفنا "الأنفاس الرحمانية في الأبحاث على الإفاضة المدنية"٤. قوله: "قال شيخ الإسلام ... إلى آخره".

стр. 41

أقول: دليل شيخ الإسلام هو الدليل الأول وهو كونه تعالى على كلِّ شيء قدير ولا نزاع في الدليل لكنَّه لا يدل١ على مدعاه، وليس له إلى إثباته سبيل. قوله "تارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم". أقول: هذا يتم في الأحياء دون الأموات. قوله: "وتارة بغير قصدٍ ولا شعورٍ ولا اختيارٍ منهم" أقول: فما وجه نسبتها إليهم فإنَّه إنَّما ينسب إلى الإنسان ماله فيه اختيار وإلا فهو وغيره فيه سواء. قوله: "فقد أثبت علماء الإسلام قاطبة". أقول: في القاموس "قاطبة: جميعاً. لا تستعمل إلا حالاً"٢. انتهى، ولا يخفى ما في هذه الدعوى، فإنَّ المعتزلة من علماء الإسلام عند العلماء جميعاً [٦٠٦] ، منهم أهل السنة والجماعة لأنَّهم لا يخرجون أحداً من أهل الإسلام ولا يكفرونه، فعلماء المعتزلةِ غيرُ داخلين فيما ذكره، وكذلك الأستاذ أبو إسحق من علماء الإسلام بلا مرية وقد خالف هو والمعتزلة في وقوع الخوارق من الأولياء٣ فكيف يجازف المجيب هذه المجازفة ويذكر

стр. 42

الاتفاق عن علماء الإسلام قاطبة، والواجب على من يريد أن يتكلم أن يتحرى الصدق في مقاله، سيما في مسائل العلم والنسبة إلى العلماء. ثم تعليله لهذه الدعوى بأنَّ معجزات نبينا محمد ﵌ لا تنحصر، ومنها كرامات الأولياء. فجعل الكرامات بعضها من المعجزات، وهذا جهل أو تجاهل بحقيقة المعجزة، فإنَّ للمعجزة شروطاً خمسة١: ثالثها أن تكون عقيب دعوى المدعي للنبوة٢ وهذا معلوم قطعاً أن لايكون شرطاً في الكرامة، إذن لكان الولي نبياً٣، والغرض أنَّه ولي، وكأنَّه يريد أن الكرامة كالمعجزة من حيث إنَّها دلت على صدق الرسول حيث وقعت على يد بعض من اتبعه فدلت على صدقه كما قال: الدال على صحة نبوته. وهذه الدلالة لا أدري لمن تكون، إن كانت للولي الذي حصلت له الكرامة فالغرض أنَّه قد آمن بالرسول صلى الله عليه وآله سلم وصارت نبوته عنده قطعية وصحتها لديه ضرورية وإلا فما قد كمل

стр. 43

الإيمان فضلاً عن الولاية، وإن أراد أنَّها تكون دالة لمن لم يدخل في الإسلام ويصدق نبوَّة سيد الأنام فهذا أعجب١، فإنَّ الكافر لم يصدق بالمعجزة الحقيقية، فكيف بالكرامة وهذا القرآن باقٍ ببقاء الأزمان وسائر المعجزات الواقعة في عصره ﵌ قد تواترت لمن له أذنان٢. ولا يقول قائل: إنَّ هذا منَّا إنكارٌ للكرامات. فإنَّا قد قدمنا أنَّه لا ينكرها بإجابة الدعوات وتيسر المطلوبات ودفع المحذورات إلا جاهلٌ بالحقائق٣، لكنَّا لا نخصها بفريق معين مثل هؤلاء الذين ينصون عليهم من الشيخ أحمد البدوي٤ وغيره٥، بل نقول عطاء ربنا غير محصور، فإنَّه أَمَرَ بالدعاء جميع عباده ووعد بالإجابة، فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٦ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٧ ولا نعرف من الكرامات إلا إجابة الدعوات بعافية المريض والسلامة من المخاوف

стр. 44

والتيسير للمطالب ونحو ذلك، وهذا عامٌ للمؤمنين، لا يمنع الإجابة إلا ما عُرف من أكل الحرام أو الدعاءِ بالقطيعة والآثام؛ بل قد أخبر الله تعالى أنَّه يجيب دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ بل قال تعالى في خطاب المشركين: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً﴾ ١ وهذه للمشركين كما قال ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِمًاً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢ إنَّما وسع القاصرون نطاق الكرامة قالوا: كلَّما كان معجزة للنبي ﵌ جاز أن يكون كرامة لولي، وأنَّه يقلب العصا حية ويخرج الناقة العشراء من الصخرة الصمَّاء٣، فهذا لا نقوله ولا كرامة، ولا دليل عليه ولا يقول الإمام أبو إسحاق الإسفرايني، وقد قال ابن السبكي إنَّه يستثنى مثل هذا ويقيد به الإطلاق٤.

стр. 45

قوله: "قال شيخ مشايخنا أحمد الرملي" إلى آخره. أقول: ليس في نقل كلامه فائدة فإنَّه ليس إلا أنَّه أخبر عن اعتقاده ونحن نطالبه في دليل هذه العقيدة. قوله: "أما الأنبياء فلأنَّهم أحياءٌ في قبورهم يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون؛ بل وينكحون كما وردت بذلك الأخبار". أقول: الذي وردت به الأخبار: حياة الأنبياء ﵈ في قبورهم وقد ألف فيما ورد [٦٠٧] في ذلك الحافظُ السيوطي رسالة سماها "إنباه الأذكياء بحياة الأنبياء"١ وسبقه إلى ذلك البيهقي فجمع كتاباً لطيفاً في حياة الأنبياء عليهم السلام٢ ذكره ابن حجر في فتح الباري وسرد أحاديث لا تقوى على هذا الأصل وذهب أنَّهم أحياء في القبور٣، والكلام في الأولياء، وأصل السؤال فيهم مع أنَّه لا يمكن دعوى معجزة للنبي تحصل بعد موته لما عرفت من حقيقتها ولأنَّه قد ثبت أنَّه "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الصحيح وأبو داود والترمذي والنسائي٤ ووردت أحاديث فيها خصال أخرى انتهت إلى عشر وقد سردناها منظومة في "جمع الشتيت شرح أبيات

стр. 46

التثبيت"١ وهذا لفظٌ يعم كلَّ إنسان، وسلمنا أنَّه يخص الأنبياء ﵈ بالصلاة في قبورهم، فالأولياء أين الدليلُ على حياتهم فيها؟ ثم لا يعزب عنك أن في ذكره حياة الأنبياء ﵈ في القبور ما يشعر أن الكرامات لا تثبت عنده إلا للأحياء وإلا فمالنا وللخوض في حياة الأنبياء ﵈ في القبور على أنَّه قد أخرج أبو داود والبيهقي عن أوس بن أوس عن النبي ﵌ أنَّه قال: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم تعرض علي. فقالوا يا رسول الله: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني: بليت؟ قال: إنَّ الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ٢، وهذا ظاهر في أنَّه ﵌ كغيره من الأموات إلا أنَّ جسده لا تأكله الأرض ولو كان ﵌ حياً في قبره لقال إنِّي حيٌّ في قبري، وقد بين هذا الغرض وإدراكه ﵌ لما يعرض ما أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﵌ قال: "ما من أحد يسلم عليَّ إلاَّ رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇" ٣ ولا

стр. 47

ريب أنَّ هذا دالٌ على أنَّه ﵌ تفارقه روحه، وقد تكلف السيوطي من القائلين بحياة الأنبياء ﵈ إلى تأويل هذا الرد وهو قوله: "إلا رد الله علي روحي" بما هو مردودٌ١، وقد حقق ابنُ القيم أنَّ للأرواح بعد مفارقتها الأبدان اتصالٌ٢ بالأبدان بسببه يعرف الميت زائره كما ثبتت به الأحاديث في كلِّ مؤمن، وبسببه يرد السلام على من يسلم عليه وهو مع ذلك ميت مفارق لروحه٣ وقد نقلنا كلامه في "جمع الشتيت"٤ وبسطناه في "أوائل التنوير شرح الجامع الصغير" في حديث الإسراء. وأما قوله: "يأكلون، ويشربون، ويصلون، ويحجون، بل وينكحون" فلم يأت خبر بهذه من الأخبار التي ادعاها٥، ولا رأينا ما يدل عليها إلا ماورد عن ابن عباس أنَّ النبي ﵌ مر بقبر موسى ﵇ وهو قائم يصلي فيه٦. وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أنَّ النبي ﵌ قال: "الأنبياء أحياءٌ في قبورهم

стр. 48

يصلون"١. أخرجه أبو نعيم في الحلية٢. فهذا الذي ورد في موسى ﵇ وفي عموم الأنبياء أنَّهم يصلون في قبورهم على أنَّ طرق هذه الأحاديث مظلمة٣، إذ ليس رجالها لنا بمعروفين ولئن قلنا بصحتها فأين

стр. 49

أدلةُ أنَّهم يأكلون ويشربون ويحجون وينكحون، فإنَّ هذا الحافظ السيوطي ألف كتاباً في حياتهم ولم يأت بحرف واحد في أنَّهم يفعلون شيئاً غير الصلاة وهو أكثر الآخرين اطلاعاً [٦٠٨] وأوسعهم تأليفاً. نعم ثبت نص القرآن أنَّ الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله؛ بل نهى الله عن تسميتهم أمواتاً فقال: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتٌ١ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ ٢ وثبت في الأحاديث أنَّ أرواح الشهداء في [جوف] ٣ طير خضر ترعى في رياض الجنة ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش٤، وأرواحهم في قباب بيض من قباب الجنة٥، وورد أنَّهم يرزقون من ثمار الجنة ويجدون ريحها ولا يدخلونها٦، والأحاديث في هذا كثيرة٧. وكأنَّهم أنواعٌ وكلٌّ منهم له رزقٌ ونعيمٌ، فالثابت بلا شك حياتهم، وأنَّهم يرزقون.

стр. 50

وقد كان ﵌ من الشهداء كما قاله ابنُ مسعود ﵁: "لأن أحلف تسعاً أنَّ رسول الله ﵌ قتل قتلاً أحب إلي من أن أحلف يميناً واحدة أنَّه لم يقتل"١، وذلك أنَّ الله اتخذه نبياً واتخذه شهيداً، أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة. وأخرج البخاري والبيهقي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵌ يقول في مرضه الذي توفي فيه: لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم" ٢ وحينئذ فيكون ﵌ شهيداً، وبهذا استدل السيوطي على حياته ﵌ في قبره٣، إلا أنَّ هذه الشهادة سماها العلماء شهادة الأخرى؛ كالمبطون والمطعون فلهم حكم الشهداء في الآخرة؛ ولهذا غسل ﵌ وصلي عليه صلاة الجنازة، ثم لا يخفى بعد هذا كلِّه أنَّ هذا الخوض في الأنبياء ﵈ خوض أجنبي لا يتعلق به سؤال السائل٤؛ بل سؤاله عن الأولياء

стр. 51

وكراماتهم، لا عن الأنبياء ومعجزاتهم، ولكنَّه تدرج بذكرهم إلى إلحاق الأولياء بهم في حياتهم بعد الموت وكراماته وهو استدلالٌ باطلٌ وقياسٌ فاسدٌ، فإنَّ النبوة رتبةٌ عاليةٌ، والمعجزات منهم مطلوبةٌ عند التحدي، فلا يلحق أحد بالأنبياء ﵈ في لوازم النبوة بالاتفاق، إذ من شرط القياس مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم١، والحكم هنا ثبوت المعجزات، والعلة النبوة والتحدي، والولي ليس له نبوةٌ اتفاقاً فلا معجزة، والكرامةٌ بإجابة الأدعية ونحوها ثابتة بأدلة القرآن والسنة، وغيرُها من الخوارق ممنوعٌ صدوره عن الأولياء كما تقدم نقله عن ابن السبكي والقشيري والأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني الذي قال الأسنوي في وصفه: "أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني صاحب العلوم الشرعية والعقلية واللغوية والاجتهاد في العبادة والورع"٢ وأثنى عليه ثناء كثيراً. ذكره في طبقات الشافعية. إذا عرفت هذا فإنَّه لم يثبت دليلٌ على ما ادعاه من أنَّ الأنبياء٣ ﵈ يأكلون ويشربون وينكحون. غاية ما في ذلك أنَّه ثبت للشهيد منهم الرزق الذي ذكره الله تعالى ولا ينفعه هذا جميعه في جواب السؤال.

стр. 52

قوله: "والشهداء أيضاً أحياءٌ عند ربهم شوهدوا نهاراً وجهاراً يجاهدون الكفار". أقول: يكذب هذه الدعوى ما أخرجه الحاكم وصححه عن جابر ﵁ أنَّه قال له رسول الله ﵌: "يا جابر إنَّ الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً، قال: ألا تمنى؟ قال: أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان وترجعني إلى نبيك فأقاتل، فأقتل في سبيل الله مرة أخرى، قال إنِّي قضيت أنَّهم إليها لا يرجعون" ١. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وهنَّاد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجه [٦٠٩] وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن مسروق قال: "سألنا عبد الله ابن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ... ﴾ ٢ الآية. وفيه: أنَّه تعالى اطلع على الشهداء اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أيُّ شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء،

стр. 53

ففعل بهم ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنَّهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا: يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تركوا"١. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: " يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له الله يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أيْ ربِّ خيرُ منزل. فيقول له: سل وتمنه. فيقول: ما أسألك وأتمنى: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات. لما رأى من فضل الشهادة" ٢. وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﵌: "مامن نفس تموت ولها عند الله خيرٌ تحب أن ترجع إليكم إلا القتيل في سبيل الله فإنَّه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى" ٣. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس عن النبي ﵌ قال: "ما من أحد من أهل الجنة أحدٌ

стр. 54

يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا وله عشرة أمثالها إلا الشهيد فإنَّه ودَّ لو رُدَّ إلى الدنيا عشر مرات فاستشهد لما يرى من فضل الشهادة" ١. والأحاديث كثيرةٌ بأنَّ الشهداء لا يرجعون إلى الدنيا ولا يقاتلون ولا يقتلون؛ بل يحبون ذلك وأجاب الله بأنَّهم إليها لا يرجعون. فاعجب لدعوى المجيب، ثم أيُّ حاجة له إلى إثبات عود الشهداء إلى الدنيا يقاتلون فيها مع أنَّ الكرامة عنده ثابتةٌ للموجود والميت المفقود. قوله: "وأما الأولياء.. إلىقوله: والدليل على جوازها أنَّها أمورٌ ممكنةٌ". أقول: قدمنا لك أنَّ إمكان الشيء ودخوله تحت القدرة الإلهية لا يستدل أحدٌ به بوقوع الممكن فما كلُّ ممكن واقع، وقدمنا لك الأدلة على هذا فلا نعيدها. قوله: "وعلى الوقوع". أقول: أي: والدليل على وقوع الكرامة للأولياء قصة مريم، وأنَّ الله كان يأتيها بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وهذا قد نطق به التنزيل فكذلك ما ذكره من القصص الواقعة للصحابة٢.

стр. 55

والجواب: أنَّ هذا أولاً في حق الأحياء، وكلامه في الأحياء والأموات، ثم إنَّه قال القرطبي: "الصحيح أنَّ مريم نبية"١، وبهذا فليست قصتها من محل النزاع، ثم إن أراد أنَّا نثبت الكرامات لمن ادعاها؛ لأجل أنَّها قد وقعت لمن ذكر فهذا غير صحيح؛ لأنَّه إثبات لها بالقياس، وإثبات الكرامات بالقياس ما يقوله أحدٌ من أهل الإسلام لا من العلماء ولا العوام؛ لأنَّ الكرامة إنَّما هي فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء لا من نشاء نحن، والقياس لا يُحكم به على الرب ؛ فيقال كما أحدث كرامة لمريم يحدثها لفلان هذا هذيان وتحكم على جناب الله الرحمن، وإن كان المراد أنَّها وقعت لا ننكرها فقد قدمنا لك عدم إنكار غير الخارق وأما الخارق فهو محل النزاع، ولا يتم الاستدلال بقصة مريم فإنَّ الله اختصها بخوارق لم تكن لغيرها؛ مثل الإتيان بولد من غير أب، ونطق ولدها في المهد فدل أنَّ لها رتبةً ومزيةً ليست لغيرها، وأما قصة أبي بكر٢ فهي من إحداث البركة في الطعام، ولا يُنكر فقد أخبر رسول الله ﵌ أنَّ صلة الأرحام سبب لزيادة الأرزاق

стр. 56

والأعمار١ وكذلك كثير من أنواع الخير أسبابٌ لحصول كثيرٍ من أنواع الخيرات٢ أمرٌ لا يُنكر٣. فعله الله من باب الأسباب والمسببات لا يختص به الولي؛ بل أخبر أنَّ طعام الواحد يكفي الاثنين لحصول البركة٤، وأما قصة سارية مع عمر فلم يسندها ولم نجدها مسندة٥ ومثلها لو كان لشاع وكان متواتراً، وهذا مما يقول أهل الأصول أنَّه إذا انفرد [٦١٠] الواحد بخبر توفر الدواعي على نقله فإنَّه يرد خبره ومثلوه بقتل خطيب على المنبر، وهذه نقلها لا بد من تواترها٦. قوله: "فأجاب بأنَّه ما قاله صحيح".

стр. 57

أقول: أيْ من أنَّ الولي هو يقول للشيء كن فيكون. قلت: سبحانك هذا بهتان عظيم، بينما المجيب يخوض في إثبات الكرامة لولي صار الكلام في إثبات خواص الإلهية له١، والحال أنَّ الرسل الذين هم الهداة للأمم وباتباع شعاع أنوارهم صار الولي ولياً إذا قالت لهم الأمم يأتون بآية يقولون: إنَّما الآيات عند الله، ويأمر أفضل رسله ﵌ أن يقول: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ﴾ ٢ ونهاه أن يقول لشيء إنِّي فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الل?. وهؤلاء يقولون أمر الولي بين الكاف والنون، وهذا غلو كغلو النصارى في المسيح أو نوع من الجنون، وقد اختلفت أئمة الأصول هل يجوز أن يفوض الله إلى رسوله ﵌ حكماً من الأحكام الشرعية٣ فكيف إطلاق التصرف في الأكوان إيجاداً أو إعداماً في الأمور الكونية، وبالجملة فرد هذا الهذيان لا يحتاج إلى دليل من سنة ولا قرآن، إنَّما يحتاج إلى عقل يفرق بين خالق الأكوان وبين الإنسان.

стр. 58

قوله: "قال شيخ الإسلام أحمد بن علي: ما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان.. إلى قوله: فأجاب بأنَّ الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة وعلله بأنَّ معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع بموتهم"١. أقول: هذا الكلام كما يقال: لحم جمل غث على جبل وعر لا سمينٌ فينتقى ولا سهلٌ فيرتقى. أما قوله: "المعجزات لا تنقطع بالموت بمعنى أنَّ الله يحدثها للنبي ﵇ بعد موته فقد عرفت أنَّ المعجزة من شرطها مقارنة التحدي عند دعوى النبوة٢ والميت لا يدعي النبوة ولا يتحدى باتفاق العقلاء وكتبِ الله ورسله، قال عيسى ﵇ ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٤ فأيُّ دعوى للنبوة بعد الموت، وأيُّ تحدي، وأيُّ معجزة، ثمَّ هذه الاستغاثة معلوم يقيناً أنَّها بدعة٥، فلم يعلم أنَّه ﵌ استغاث برسول من أولي العزم ولا غيرهم عند الشدائد التي لاقاها؛ بل كان أعظم ما لاقاه منها يوم الطائف فكان دعاؤه

стр. 59

الدعاء المعروف واللجأ إلى الله تعالى١، وكذلك أصحابه من بعده لا يعلم عن أحد منهم أنَّه استغاث به ﵌ بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنَّه قال: يا رسول الله ويا محمد مستغيثاً به عند شدة نزلت به؛ بل كلٌّ يرجع عند الشدائد إلى الله تعالى٢، حتى عُباد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه٣، وهذا خليل الله إبراهيم لما أرمي به إلى النار لاقاه جبريل في الهواء فقال له: هل من حاجة؟ قال: أما إليك فلا٤. وهذه الأدعية النبوية المأثورة قد ملأت كتب الحديث ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثةٌ بمخلوق وسؤالٌ بحقه. وقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين أنَّه ورد في أثرٍ إسرائيلي أنَّ داود ﵇ قال:"يارب أسألك بحق آبائي عليك،

стр. 60

فأوحى الله إلى داود، ياداود أيُّ حقٍ لآبائك عليَّ، ألستُ أنا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم فلي الحق عليهم"١. فهذه البدعة وهي الاستغاثة بالأموات وإنزال الحاجات بهم والتوسل إنَّما هو بقية من عبادة الأصنام؛ فإنَّ الجاهلية كانوا يستغيثون بهم ويطلبون الحاجات منهم، وكلُّ بدعة ضلالة، كما ثبت في الأحاديث٢، وأيُّ ضلالةٍ أعظم من عبدٍ يُنزل حاجاته بالأموات [٦١١] ويعرض عن باري البريات. وقد ثبت أنَّه ﵌ بايعه جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم إذا سقط سوطه وهو على راحلته لم يسأل من يناوله، بل ينزل بنفسه٣، كلُّ هذا لتفرد الله بالسؤال وطلب الحاجات. وإن قال: لم أُعرض عن الله، إنَّما تقربت بهم إليه. فيقال: هذا بعينه هو الذي قاله من قال إنَّه لا يعبد الأصنام إلا لتقربه إلى الله زلفى، غاية الفرق أنَّ صنمه من حجارة أو خشب وصنمك من سلالة من طين، وأماَّ التوسل وطلب الحاجات فهو العبادة بل هو مخ العبادة كما ثبت في الأحاديث٤ ولو كان التوسل بالأموات جائزاً أو مندوباً لعلَّم رسولُ الله

стр. 61

صلى الله عليه وآله وسلم أمته ذلك فإنَّه قد علمهم كلَّ خير ونهاهم عن كلِّ شر، فإنَّه علمهم صلاة الاستخارة، وأذكار الصباح والمساء والدعوات عند العوارض من الهم والغم والأخواف١؛ بل قال لهم: "من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي" ٢ الحديث، فعلمهم التأسية عند المصايب، ولم يأت عنه حرفٌ أنَّه قال: من نزل به أمر فليستغث بي. وقد نهى العلماء عن هذه البدعة والضلالة وبينوا أنَّها حرامٌ. قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، فلا يقول أسألك بفلان وفلان وبملائكتك أو بأنبيائك أو نحو ذلك لأنَّه لاحق للمخلوق على خالقه"٣. قال ابن عبد السلام: إنَّه لا يجوز سؤال الله بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم إلا أنَّه توقف في نبينا صلى الله

стр. 62

عليه وسلم لاعتقاده أنَّه جاء فيه حديثٌ، ولا يعرف صحته١. قال ابن القيم: "قال شيخنا - يريد ابن تيمية-: هذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتبُ أبعدها عن الشرع أن يسأل الميتَ حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام؛ ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعُبَّاد الأصنام، وكذلك السجود للقبر والتمسحُ به وتقبيلُه. الثانية: أن يسأل الله به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة باتفاق المسلمين. الثالثة: أن يسأله بعينه. الرابعة: أن يظن أنَّ الدعاء عند القبر مجاب، أو أنَّه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته والدعاء عنده؛ لأجل طلب حوائجه، وهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمةٌ وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين، وإن كان كثيرٌ من المتأخرين يفعل ذلك"٢ انتهى.

стр. 63

فإن قلتَ: قد قال النبي ﵌ لمعاذ بن جبل ﵁: "أتدري ما حق الله على العباد. قال: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار"١. قلتُ: هذا الحق الذي أثبته لعباده على نفسه هو الإثابة لهم بإفراده بالعبادة، ولا دليل أنا نسأله بحقهم، وكذلك كما قيل: ما للعباد عليه حقٌّ واجب كلا ولا سعيٌ لديه ضايع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع٢ وورد في دعاء الصلاة٣: "وبحق السائلين عليك"٤. أي: بما وعدت به إجابة السائلين، فهو توسل إلى الله بإجابة السائلين الذي جعله٥ على نفسه حقاً لهم بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٦ فهو نظير قول زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ٧ أو المراد: بحقك الواجب على المسلمين٨ من الاخبات وإنزالهم الحاجات بك

стр. 64

ورفع الأكف إليك فهذا حق لله على السائلين أن يفعلوه لقوله ادعوني، فقد [١١٢] أمر بالدعاء فصار حقاً له، فالإضافة في حق السائلين إضافة إلى المفعول؛ أي: بحقك على السائلين، ثم حذف حرف الجر بعد حذف فاعل المصدر وأضيف إلى مفعوله وهذا الأخير أقوى. فإن قلتَ: قد أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي [كلاهما] ١ في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعتُ رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوبٌ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أن ليس أحدٌ أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله: يا آدم إنَّه آخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك" ٢. قلتُ: بعد صحة الحديث فيختص هذا بمحمد ﵌ وحده، ولكني لا أدري كيف صحته، ولعله الذي توقف فيه ابن

стр. 65

عبد السلام لعدم معرفته بصحته، ويحتمل أنَّ الذي توقف فيه حديث صلاة الحاجة فإنَّ فيه يا محمد أتشفَّعُ بك إلى الله الحديث وفيه مقال١، كما في الحديث الذي أخرجه ابن النجار من حديث ابن عباس، قال: سألت رسول الله ﵌ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه؟ سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين٢ انتهى. والحاصل أنَّ سؤال الله بحق غيره عليه أمرٌ عظيمٌ لا يؤخذ فيه إلا بأحاديث صحيحة؛ لأنَّه خطابٌ للرب وإثباتٌ لحق المخلوقين عليه وكيف يجزم به القائل والله تعالى أمر عباده أن يدعوه بأسمائه الحسنى، فقال ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٣ وقد ثبتت الأحاديث وصحت أنَّه لا يجوز الحلف إلا بالله، وأنَّ من حلف بغيره فقد أشرك٤، وذلك لما فيه من تعظيم المخلوق به، فالاستغاثة والإقسام على الله بحقه إذا لم يكن أعظم من الحلف به كان مثله في أنَّه شرك، وقد وسعنا الكلام في هذا في رسالتنا "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد".

стр. 66

قوله: "في جواب ابن الشِّحنة١ وينبغي الدعاء عندها". أقول: هذا بدعة قطعاً فالزيارة النبوية التي كان يفعلها ﵌ عند زيارة الصالحين كعمه حمزة وسائر الشهداء وغيرهم أن يقولوا "السلام عليكم دار قوم مؤمنين ورحمة الله وبركاته" وفي بعضها "نسأل الله لنا ولكم العافية"٢، فالدعاء بطلب الحاجات عند قبر الميت كلام في غير محل السؤال، فإنَّ محله التوسل وهذا شيء آخر هو أن محل قبره٣ مما يستجاب فيه الدعاء. والحاصل أنَّ زيارة الأموات التي شرعها الله لعباده تكون بثلاثة أمور: الأول: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ كما أفاده قوله ﵌: "زوروا القبور فإنَّها تذكر بالآخرة" ٤. والثاني: الإحسان إلى الميت كما يحسن إلى الحي بزيارته فإنَّه إذا زاره وأهدى إليه هدية من صدقة أو دعاء واستغفار سر به وفرح، ولذا كان ﵌ يسلم عليهم ويدعو لهم بالعافية والرحمة كما يسر الحي ويفرح به إذا زاره وأهدى إليه هدية.

стр. 67

الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والمتابعة له ﵌ فيما فعله واقتداؤه به فيما قاله فهذه الزيارة النبوية بلا زيادة. وأما طواف الزائر بقبر الميت وتقبيلُه الأركان وسؤالُ الحاجات منه وعنده فهي عبادة المشركين لأصنامهم كما قررناه في تلك الرسالة. قوله: "وقد اشتهر عند أهل بغداد: إجابة الدعاء عند قبر الشيخ معروف الكرخي"١. أقول: قال بعض المحققين: إنَّ العبد إذا وقف [٦١٣] على قبر من يستعظمه حصل له رقةٌ وخشوعٌ وإقبالُ قلبٍ وإخلاصٌ في الدعاء فقد يجاب فيظن أنَّه ببركة صاحب القبر٢، والمعلوم أنَّ صاحب القبر طالبٌ من الزائر أن يدعو له ويستغفر له فهو في برزخٍ قد انقطع عن الأعمال. يفرح بما يهدى إليه من الأحياء، لا أنَّه بصدد قضاء حاجات الأحياء. وعلى الجملة هب أنَّ الدعاء عند قبور الأولياء مندوبٌ كما قال: "ينبغي"، فالندب حكمٌ لا بدَّ له من دليل ثم هذا غيرُ محل السؤال قطعاً٣. قوله: "وقد توسل عمر بالعباس". أقول: هذا غير محل السؤال فإنَّ عمر إنَّما جعل العباس إماماً يدعو لهم ويستسقي ويسأل الله٤؛ لاعتقاد عمر أنَّه مجاب الدعوة لقرابته من

стр. 68

رسول الله ﵌، لا أنَّه توسل به كما يتوسل القبوريون بالأموات، ولا قال عمر: أسألك بحق العباس؛ بل هو مثل طلب الصحابة النبي ﵌ أن يستسقي لهم، فهذا غير محل النزاع. قوله: "لأنَّ الطلب إنَّما هو من الله". أقول: هذا هو الحق لكن التوسل إليه بالمخلوقين شيء لم يأذن الله لعباده به فهو بدعة، وهو تهجم على الجناب العلي بمالم يأت به شرع؛ بل هو طريقة عُبَّاد الأوثان القائلين إنَّهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، والذي أمر الله به عباده في كتابه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نخصك بالاستعانة فلا نستعين إلا بك كما عرف في علم البيان أن تقديم المفعول هنا أفاد الاختصاص١ سيما وقد قدم قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: نخصك بالعبادة فكما أنَّه مختصٌ بالعبادة لا يُعْبَدُ سواه بالاتفاق، فهو مختصٌ بأنْ لا يستعان بغيره، والتوسل بالمخلوقين استعانةٌ بهم، ثم إنَّه تعالى يقول ﴿مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢ ويقول: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ فمن أين للمتوسل بالمخلوقين أنَّ الله تعالى قد أذن لهم بالشفاعة للسائل في قضاء حاجاته؟ ثم قد قرر آنفاً هذا المجيبُ أنَّ لهؤلاء الأولياء أن يقول للشيء كن فيكون. فأيُّ حاجةٍ إلى التوسل بهم؟ بل منهم تُطلب الحاجات وتسأل الحياة والممات، وقد صيرهم آلهة يفعلون ما

стр. 69

يريدون وتنقاد لهم الأكوان وما فيها كما يشاؤن، وربنا ﷻ يقول لأشرف مخلوقاته: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَاشَآءَ اللهُ﴾ ١ ويقول له أنْ يقول: ﴿قُلْ لاَأَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَأَقُولُ لَكُمْ ٢ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٣، وهؤلاء الجهلة قالوا: الولي يقول للشيء كن فيكون فزاد على رتبة الملائكة ورتبة الأنبياء وصاروا أرباباً؛ بل جعلوا الملائكة الأربعة أبعاضاً للقطب كما أسلفنا الإشارة إليه٤. واعلم أنَّ التوسل بالمخلوقين إلى رب العالمين هي طريقة الصابئة أحد الفرق الست التي عدهم الله في سورة الحج حيث قال: ﴿إِنَّ الذِينَءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ٥ وذكرهم الله في آيات تضمهم إلى أهل الكتاب كما حققه الأئمة من أهل الملل والنحل كعبد الكريم الشهرستاني٦ وغيره.

стр. 70

والمعروف كتاباً وسنة أن نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وهذا هو أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ مثل الدعاء المأثور الصحيح أنَّه قال: "ما أصاب عبداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وشفاء صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله تعالى همه وغمه، وأبدل مكانه فرحاً" ٢ وهذا أحد ثلاثة أنواع شرعت في [٦١٤] الدعاء. الثاني: أن تدعوه متوسلاً بفقرك وحاجتك نحو أن تقول: أنا العبد الفقير الخائف المستجير، ومنه قول أبي البشر ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَّنَ مِنَ الْخَاسِرينَ﴾ ٣ فتوسل بظلمه٤ أن جعله عنوان سؤاله، ومثله الدعاء الذي علمه ﵌ أبا بكر

стр. 71

وقد سأله أن يعلمه دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ... " ١ الحديث صحيح. والثالث: أن تدعو الله طالباً لحاجتك غير متوسل باسم من أسمائه٢، ولا بحاجتك وفقرك، وأما التوسل بالمخلوقين في الأدعية فهو بدعة وكلُّ بدعة ضلالة ولا يقبل لصاحب بدعة صرفاً ولا عدلاً. قوله: "أوعمارة مشهده". أقول: هذا هو مسئلة النذر على القبور وقد أشبعنا الكلام عليه في رسالتنا "تطهير الاعتقاد" وَأَبَنَّا أن الواجب هدم مايعمرونه في القبور ويسمونه مشهداً عملاً بأمره ﵌ لأمير المؤمنين علي "﵇" حين بعثه إلى اليمن أن لايدع قبراً مشرفاً إلا هدمه وسواه بالأرض والحديث أخرجه مسلم٣. قوله: "وقال العلامة ابن حجر: الحق أنَّ أهل السنة والجماعة من الفقهاء والمحدثين والأصوليين.. إلى آخر كلامه". أقول: فيه أولاً أبحاث: الأول: أنَّ أهل السنة هم الذين كانوا على طريقة المصطفى وأصحابه الذين لم يبتدعوا بدعة في الدين ولا خالفوا طريق سيد المرسلين وهؤلاء الذين أرادهم ابن حجر من أهل الابتداع لمسائل الكلام وغيرها وأعظمها بدعة عبادة القبور والتسريج عليها والنذور، فإن قلنا إنَّ البدعة

стр. 72

لا تضرهم في تسميتهم أهل السنة فإنَّها لا تضر المعتزلة وأشباههم؛ بل والخوارج لأنَّ لكلٍّ نسبةً في الجملة إلى السنة. الثاني: اشترط في الأولياء السلامة من الهفوات والزلل، فإنَّه شرط لم يأت به المجيب في أول كلامه ولا يقوله أحدٌ فإنَّ بني آدم كلَّهم خطاؤن كما في الحديث: "وخيرُ الخطائين التوابون" ١. الثالث: ذكر أنَّه يخرج الولي من قبره ويقضي حوائج الناس، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمعلوم من الضرورة الدينية أنَّ من واراه القبر لا يخرج منه إلا في المحشر. قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَّةً أُخْرَى﴾ ٢ ولم يقل تارات أخر. وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ ٣ قال الله تعالى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قبَلْهُم مِن الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ ٤ وأما الأحاديث النبوية فإنَّها متواترة أن من أدخل قبره لا يخرج منه إلا عند النفخة الثانية في الصور وقد سردها السيوطي في شفاء الصدور في أحوال الموتى والقبور٥، وقد ذكرنا من ذلك عدة أحاديث صحيحة في كتابنا "جمع الشتيت"٦

стр. 73

وبالجملة فالقول بخروج الميت من قبره وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء قول مخالف للعقل والنقل، وهو غير محل النزاع، فإنَّ النزاع إنَّما هو في حصول الكرامة للميت لا في خروجه من قبره. الرابع: قوله: "إنَّ الخضر كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة يتعلم علم الشريعة". أقول: أولاً إنَّ أئمة العلم من المحققين قائلون بعدم حياة الخضر ولم يأت حديثٌ صحيحٌ أنَّه حيٌ، ولا أتى حديث صحيح١ أنَّه لقي نبينا محمداً ﵌. قال الحافظ ابن حجر: الذي جزم به البخاري وإبراهيم الحربي وابن العربي وطائفةٌ عدَّهم من الأئمة أنَّه قد مات، وذكر أدلة القائلين بحياته والقائلين بوفاته وأطال في ذلك وقوى وفاته٢، والجواب لا يتسع لها. هذا الجواب، ثم سلمنا أنَّه حي٣، أما كان له في التعلم للشريعة المحمدية من الآتي بها محمد بن عبد الله في حياته كفايةٌ يأخذ عنه كما أخذ عنه الصحابة، ثم هلا أخذها عن الصحابة من بعده [٦١٥] ﵌، ولم تأخر أخذه لها إلى عصر أبي حنيفة وصبر على الجهل بها هذه المدة الطويلة، ثم ماذا كان يأخذ منه؟ هل علم درايته وفروعه التي قاسها، أم علم روايته؟

стр. 74

الأول لا يحتاج إليه إلا من يقلد أبا حنيفة، وللفرض١ أنَّ الخضر نبي لا يجوز له التقليد، وإن كان الثاني فأبو حنيفة ليس من المكثرين في علم الرواية. والعجب من هزوّهم بالأنبياء ونيلهم من قصور همة الخضر كيف لم يأخذ عن رسول الله ﵌ علم الشريعة ولا عن علي٢ ولا عن أحد من الصحابة، وكأنَّه أخذ عن أبي حنيفة فروعه الفقهية طمعاً في أن يتولى القضاء في بلاد الحنفية ولعله أدرك فتاوى القاضي خان٣ وغيره من حنفية الزمان فإن لم يكن هذا القول من أقوال أهل الجنون وإلا فلا جنون في الأكوان، وأعجب من هذا قول السيوطي: "أنَّ من كرامة الولي أن يرى النبي ﵌ ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما قسم من مذاهب ومعارف". قال: "وممن نص على ذلك من أئمة الشافعية الغزالي والسبكي واليافعي، ومن المالكية القرطبي وابن أبي حمزة وابن الحاج في المدخل". قال: "وحكي عن بعض الأولياء أنَّه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً، فقال له الولي: هذا الحديث باطل. فقال له الفقيه: من أين لك هذا؟ قال: هذا النبي واقفٌ على رأسك يقول: إنِّي لم أقل هذا الحديث. وكُشف للفقيه فرآه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: لو

стр. 75

حجب عني النبي ﵌ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين"١. وهذا استدل به السيوطي على أنَّ عيسى بن مريم إذا نزل من السماء آخر الزمان فإنَّه يأخذ علم شريعة النبي محمد عنه ﵌ وهو في قبره٢. وأما الخضر فقالوا: أخذ عن أبي حنيفة خمسة عشر سنة بعد موته، وفيه دلالة على بلادة الخضر عندهم وقلة فهمه حيث بقي هذه المدة يأخذ العلم. والحاصل: أنَّ هذا كلام لا تجري به أقلام من لهم عقول فضلاً عمن يعرف أثارة٣ من علم معقول أو منقول، وقد ثبت أنَّ أبا بكر الصديق وعمر الفاروق كانا يتمنيان لو سألا رسول الله ﵌ عن مسائل من علم الدين، وهذا أبو بكر يقول للجدة لما جاءت تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن بنتها. ما أجد لك في الكتاب شيئاً ولا سمعت من رسول الله ﵌ شيئاً وسأسأل الناس العشية، فلما صلى الظهر أقبل على الناس فقال: إنَّ الجدة أتتني تسألني ميراثها. إلى أن
следующие страницы →