← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويكون أيضًا بمعنى: «ثبّتنا على الهدى» (١). وببيان معنى ﴿اهْدِنَا﴾ يتبين أن المقصود هنا سؤال الهدايتين جميعًا كما مرَّ بنا في بداية هذا المبحث، هداية العلم النافع، وهي هداية الدلالة والإرشاد، وهداية العمل الصالح، وهي هداية التوفيق والإلهام، ولا تتم الهداية إلى الصراط المستقيم إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا، فمن لمن لم يعرف الصراط ولم يستدل عليه فكيف يهتدي إليه، وهذا يقتضي الجمع بين الهدايتين، ليجمع السالك لهذا الصراط بين العلم النافع والعمل الصالح، وبذلك يتحقق له كمال الهدايتين جميعًا. ولقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد تقديم حمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده سبحانه، وهي متضمنة لمعنى الدعاء والمسألة والتوسّل إليه بتوحيده -عبادة واستعانة-وحصرهما لله وحده، وهذا الحصر يفيد نبذ عبادة كل ما سواه سبحانه وإخلاص العبادة له والاستعانة به جل في علاه، وتلك الاستعانة متضمنة لإظهار الذل والافتقار لله والبراءة من حول العبد وقوته. وكان ذلك كله مقدمة بين يدي أعظم المطالب وأجل الرواغب ألا وهو: مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وقد ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:

стр. 247

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١)، ومن هذا كله أيضًا يتضح اشتمال مطلب الهداية على تقرير ألوهيته ﵎. و ﴿الصِّرَاطَ﴾ هو: «الطريق، المنهاج الواضح» (٢)، (٣)، «وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله . وقال آخرون: هو الإسلام» (٤). والصراط المستقيم، قيل: هو «كتاب الله» (٥). قال ابن عطية الأندلسي ﵀: «والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة» (٦). قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «والمستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]؛ فالرسول ﷺ بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (٧)، وما ذكره الإمام ابن باز فيه بيان شاف كاف في تأكيد تقرير الألوهية كذلك. ويؤكد كذلك ابن سعدي ما سبق بيانه من تقرير الألوهية ببيان معنى الهداية وسعة ودلالة مفهومها فيقول رحمه الله تعالى: «أي: دُلَّنا وأرشدنا، ووفِّقنا للصراط

стр. 248

المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا؛ فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يدعوَ الله به في كل ركعة من صلاته؛ لضرورته إلى ذلك» (١)، وبيان ابن سعدي مع ما حواه من تقرير الآية للألوهية، ففيه مع ذلك بيان جامع لأقوال المفسرين في المعاني الواردة في تفسير معنى الصراط. والاستقامة: «كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات» (٢). ما هو الصراط المستقيم ؟ الصراط المستقيم هو: دين الله، هو توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه، هذا هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الله، وهو الإسلام والإيمان والهدى، وهو الصراط المستقيم، وهو العبادة التي أنت مخلوق لها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، هذه العبادة هي الصراط المستقيم إن الدين عند الله الإسلام. والإسلام هو الصراط المستقيم، وهو الإيمان بالله ورسوله، وتوحيد الله، وطاعته وترك معصيته، هذا هو الصراط المستقيم: أن تعبد الله وحده دون كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣) وطلب الهداية هنا بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾، من الدعاء، والدعاء إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، ومطلب الهداية هنا من دعاء المسألة، التي هي من أعمال العباد المستلزم توحيد الألوهية، ومن هنا يتبين ويتضح تقرير الآية الكريمة لتوحيد الألوهية.

стр. 249

وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. قال ابن كثير ﵀: «﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]» (١). ويختصر مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ القول في بيان المنعم عليهم فيقول (٢): المنعم عليهم هم: «النبيون ومن أسلم معهم» (٣)، ولا شك أن هذا قول جامع أُخِذَ مفهومهُ وفحواه من آيات سورة النساء: [٦٩، ٧٠] و ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: «طريق من أنعمت عليهم» (٤). وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. «و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود، والضالون النصارى» (٥)، وعليه جمهور المفسرين. وقد أخرج الترمذي في سننه وروى بسنده قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَبُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ (٦).

стр. 250

وأقوال أئمة السلف متضافرة على: أنَّ سبب غضب الله على اليهود أنَّهم لم يعملوا بعلمهم، ذلك لأنهم خير من عرف الحق وخالفه وكتمه وأنكره وجحده، وكذلك لأنهم قوم بهتان ووزر وكذب وغدر وخيانة وكبر وحقد وحسد وشقاق وعناد ونفاق، وهم قتلة الأنبياء وأهل معادات الأولياء، وهم أسباب إثارة الفتن والقلاقل والحروب بين الشعوب، وهم أكلة الربا وأكلة أمْوال النَّاس بالباطل؛ وأنَّهم لا يتناهَون عن منكر فعلوه، وهم أهل الحيل والمكر والخديعة والغش، وهم نقضة العُهُود والمواثيق؛ وهم خير من يحرف الكلم عن مواضعه، وهم قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد منزوعو الرحمة، وهم أجبن الخلق وأخسهم وأرذلهم وأحرصهم على حياة، والمتأمل في واقع البشرية الآن يرى أن كل شر وفساد وبلية وراءها اليهود، من بث الشر ونشر الفساد بكل صوره؛ ومخططاتهم العالمية في تفشي المنكرات ونشر الإباحية وإشاعة الفاحشة وتجارة الرَّذيلة، ومحاربة الشعوب بالمخدرات والمسكرات لا تخفى، ولذا يسيطرون على وسائل الإعلام المختلفة لنشر الفساد بكل صوره وأشكاله، ولحبهم الدنيا ولحبهم البقاء فيها يسيطرون على منابع المال ومصادره ومصارفه ويتحكمون في الاقتصاد العالمي، وكذلك رسالتهم العالمية في نشر الكفر والإلحاد وتحريف الأديان كما حرفوا دينهم، ومحاولاتهم البائسة اليائسة تشويه الصورة الناصعة للإسلام والمسلِمين ومجدهم التليد وتاريخهم المجيد لا تخفى، ونشر الشبهات حول دينهم ليفسدوا عقائدهم، وتشكيكهم في ثوابت دينهم وأصوله، والطعن في الدين بكل خديعة ودسيسة يستطيعونها فهم أهل للإفساد في الأرْض كما وصفهم ربنا في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة] فلذلك استحقوا الغضب والوصف به. وأما النصارى: فقد أضلهم الله لأنّهم عبدوا الله على جهالة، واتبعوا أهواءهم

стр. 251

وتركوا شرع ربهم وابتدعوا في دينهم، وأضاعوا العلم الذي آتاهم الله ولم يرفعوا به رأسًا، ونصبوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا وآلهة من دون الله يتبعونهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، وذلك هو اتّخاذهم إياهم أربابًا من دون الله؛ وقد غلوا بذلك في دينهم غلوًّا عظيمًا، وضلّوا بذلك ضلالًا مبينًا، ونسبوا لله الولد، وقالوا بالتثليث، وحرفوا ما أنزل الله إليهم، ولذلك وغيره استحقوا الوصف بالضلال، والجزاء لليهود والنصارى من جنس العمل، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. وخلاصة «القول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء، أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضبًا، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضبًا خاصًا بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كلَ كافرٍ وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر» (١). وختامًا فهذه درة من درر ابن القيم، تُساقُ ليُختم بها هذا المبحثُ الهام لتكون كالطابع عليه، يقول ﵀: «على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس في النار» (٢). وإن دعاء العبد بالهداية لطريق وسبيل المنعم عليهم يتضمن محبتهم ومحبة الطريق الذي سلكوه، وهذه المحبة مبنية على موالاتهم، وإن دعاءه ربه أن يجنبه طريق المغضوب عليهم والضالين يتضمن بغضهم وكراهيتهم وبغض وكراهية سبيلهم، وهذا البغض وتلك الكراهية مبنيان على البراءة منهم ومن سبيلهم، والولاء والبراء أوثق

стр. 252

عرى الإيمان وهي أعمال قلبية تظهر مقتضياتها على جوارح العبد وعلى أعماله الظاهرة، والولاء والبراء من لوازم التوحيد ومقتضياته، ولا يتم للعبد توحيد وإيمان إلا بتحقيقه، لذا يجب وجوبًا حتميًّا لازمًا على كل مسلم أن يتعلمه ويعمل به لينال حقيقة الإيمان ويتحقق له التوحيد الكامل التام الخالص الذي ينجو به من سخط الله وغضبه وأليم عقابه، وهو من أعظم وأهم الواجبات الدينية واللوازم الشرعية، وهو من أعظم وأجل مطالب التوحيد ومقتضياته ولوازمه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال. وفي موالاة المنعم عليهم يقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]. ويقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة] وفي النهي عن موالاة المغضوب عليه والضالين ووجوب البراءة منهم يقول ربنا ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما في السنة المطهرة فقد جُمِعَ الولاءُ والبراءُ جميعًا في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عند أحمد في المسند عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ» (١). والولاء والبراء من أعمال العبد المتضمنة لتوحيد الألوهية، وبذلك يظهر جليًّا تقرير الآية الخاتمة لسورة الفاتحة للتوحيد. وبذكر كل ما سلف يتضح ويتبين مدى التلازم بين آيات السورة الكريمة وبين التوحيد، وأن السورة كلها في التوحيد، وأن آياتها الكريمة سيقت للدلالة على تقرير التوحيد بأقسامه الثلاثة: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات. ولعل فيما مضى كفاية ومعتبر لأهل البحث والنظر. والحمد لله رب العالمين.

стр. 253

المبحث الرابع أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد

стр. 254

المبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد ويشتمل على: ١ - الحمد مفهومه ومكانته ودلالته على التوحيد أولًا: مفهوم الحمد: أ- الحمد في اللغة: الثناء، يقال: حمد الشيء، إذا أثنى عليه. ب- الحمد في الاصطلاح: هو الثناء باللسان والقلب على الجميل الاختياري (١) (٢). والجميل الاختياري: هو الثناء على المُنعم، بسبب كونه مُنعِمًا على الحامد أو غيره. والحمد لله: هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل. فله الحمد الكامل بجميع الوجوه (٣). قال الطبري ﵀: «ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .... » (٤).

стр. 255

يقول الشيخ خليل هراس (١) نقلًا عن ابن القيم: «إن الحمد إخبار عن محاسن المحمود، مع محبته وتعظيمه، فلابد فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح، فإنه إخبار مجرد عن المحبة والتعظيم ولذلك يكون المدح أوسع تناولًا؛ لأنه يكون للحى والميت وللجمادات أيضا» ا. هـ. (٢) ويقول ابن سعدي ﵀: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو: الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ الرب: هو المربي جميع العالمين -وهم مَن سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم النعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى» (٣). قال القرطبيُّ ﵀: «فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم … ، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة» (٤). اهـ. وجملة القول: أن الحمد يعني: الثناء ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا باللسان وباطنًا بالقلب، وحمد الله

стр. 256

تعالى هو: الثناء عليه سبحانه بجميع أوصاف الكمال والجمال والجلال، وحمده على جميع نعمه الظاهرة والباطنة، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها فهو المتفضل بالنعم كلها، فله الحمد على ربوبيته إذ خلقنا ورزقنا وكفانا وأوانا وأطعمنا وسقانا، وله الحمد على ألوهيته هدانا فرضينا به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، فلولا هدايته لنا سبحانه ما اهتدينا ولا صلينا ولا زكينا، قال ربنا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ … صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات] والمعنى: «بل الله يمن عليكم أيها القوم، أن وفقكم للإيمان به وبرسوله إن كنتم صادقين في قولكم، فإن الله هو الذي منَّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا على بإسلامكم» (١). وهو سبحانه الذي أنزل علينا خير كتبه وأرسل إلينا خير رسله، وهدانا لخير الملل وجعلنا من خير الأمم، وما من نعمة حلت بنا إلا من خيره وفضله، وما من بلاء دُفِعَ عنا إلا برحمته، وهو الذي فتح أبواب رحمته لعباده ليسألوه فيجيبهم ويعطيهم، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ظاهرًا وباطنًا، حمدَا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل]. ثانيًا: مكانته ودلالته على التوحيد . ١ - لعظم شأن الحمد افتتح الله كتابه بأفضل سورة فيه، وسماها بسورة الحمد، وافتتحها أيضًا بالحمد، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، والحمد يدلل على توحيد الله، والسورة الكريمة كلها في التوحيد وقد مرَّ بيان ذلك في كل ثنايا البحث. ٢ - ولعظم شأن الحمد ودلالته على التوحيد كذلك، فقد حمد الله نفسه العلية في غير ما موضع من كتابه ليحمده عباده، فقد جاءَت كلمة الحمد مقترنة بلفظ الجلالة في مُفتتح خمس سور من القرآن الكريم، وهي سور: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، كما وردت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في مواضع ستة في ثنايا سور القرآن

стр. 257

الكريم وآياته على النحو التالي: ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]. ٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام]. ٣ - ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس]. ٤ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات]. ٥ - ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]. كما وردت كلمة الحمد مقرونة بلفظ الجلالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في مواضع شتى من كتاب الله أكثر من أن تحصى. ٣ - ولعظم مكانة الحمد ودلالته على التوحيد أيضًا فإن الله يحب من عباده أن يحمدوه. فقد ثبت عند النسائي، وأحمد وغيرهما من حديث الأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي ﵎، قَالَ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ» (١). ٤ - ولعظم ذلك أيضًا افتتح الله خلقه بالحمد، فقال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ … وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام]. ٥ - ولعظم شأنه كذلك ألهمه أبا البشر أول ما خلقه. فقد ثبت عند الترمذي وغيره وحسنه الألباني من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ، إِلَى مَلإٍ مِنْهُمْ

стр. 258

جُلُوسٍ، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ» (١)، الحديث. ٦ - ولعظمه كذلك أيضًا ألهمه صفوته من خلقه وأكرمهم عليه وتعبدهم به وهم رسله وأنبياءه. فهذا أول رسل الله إلى خلقه نوح ﵇ بعد أن أتم الله عليه نعمة صناعة الفلك لينجو فيها هو ومن آمن معه من قومه، أمره الله بحمده فقال له: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾ [المؤمنون]. وهذا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ بعد أن أتم الله عليه نعمه يلهمه الله حَمدَهُ فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم]. وها هو نبي الله داود وولده سليمان ﵉ يخبر الله عن حمدهما له على آلائه ونعمه فيقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل]. وها هو أكرم خلق الله وأحبهم إليه يأمره ربه بحمده والثناء عليه فيقول له: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، والحمد هنا في آية الإسراء مقترن بالتوحيد، والأنبياء هم أعبد الخلق للخالق وأعظمهم تحقيقًا للتوحيد. وألهمه كذلك ملائكته الكرام وتعبدهم به فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر].

стр. 259

ومعنى ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: «يصلّون لربّهم بحمده وشكره» (١). وألهمه كذلك سمواته وأرضه وكل مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء] فقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: «وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (٢)، (٣) وألهمه كذلك الرعد فكما قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. أي: «ملتبسًا بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك» (٤). وافتتح يوم القيامة بالحمد وختمه به كذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء] ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: «باستحقاقه الحمد على الإحياء» (٥). «فيقومون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به» (٦).

стр. 260

ذلك: لأنه سبحانه المحمود على كل حال، ولأنه -سُبحانه- هو المُستحق للمحامد كلها والثناء الكامل والمدح التام، لما يتصِّف به من صفات الكمال والجمال والجلال، فألهم ملائكته كذلك تسبيحه وحمده وهم حول العرش، وكذلك ألهمه خلقه أجمعين لما فصل في القضاء بينهم يم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]. وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: «يصلون حول عرش الله شكرًا له» (١)، وهذا في حق الملائكة. «وخُتمت خاتمةُ القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية، وملك جميع ما في السماوات والأرض من الخلق، من ملك وجن وإنس، وغير ذلك من أصناف الخلق» (٢). وذكر الإمام ابن كثير كلامًا بديعًا جمع فيه القول الفصل في تأويل آية الزمر، حيث يقول ﵀: «لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور - أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل؛ ولهذا قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر] أي: بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾. ثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر] أي: ونطق الكون أجمعه -ناطقه وبهيمه- لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله؛ ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.

стр. 261

قال قتادة: «افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] واختتم بالحمد في قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾» (١). وفي ضوء بيان أئمة التفسير ﵏ أجمعين يتبين تقرير مكانة حمد الله تعالى ودلالته على توحيد الخلائق قاطبة لبارئها جل في علاه. قال ابن المبرد الحنبلي ﵀: «كلُّ أمرٍ لا يُبدأ فيه باسم الله ويُختمُ بحمد الله، فهو فاسدُ الوضع، رديءُ الصُّنع، لا خير فيه ولا فائدة، ولا بركة فيه ولا عائدة، فمن تأمَّل الأحاديثَ النبويَّة والكتاب والسُّنَّة، وجد ذلك في كلِّ أمر من الأُمور الدنيويَّة؛ من الأكل والشُّرب والوطء واللُّبس وغير ذلك، وكذلك الأمور الأُخرويَّة، قال الله : ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس]، وقال : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، فأهلُ الجنَّة طُبعُوا على ذِكر الله في ابتداء كُلِّ فعلٍ في الجنَّة، وحَمْدِ الله على تمامه، وقلتُ: احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصِّعاب يحُلُّها واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها وإذا الشَّدائدُ أقبلَت فانزل بِهِ … واعلم يقينًا ما سواه يفُلُّها». اهـ (٢) أما ما ورد في السنة المطهرة عن مكانة حمد الله تعالى وفضائله ودلالته على توحيد الله تعالى، فيعجز المقام عن حصره وذكره، ولأن البحث متعلق بالتفسير فيُكتفى بالإشارة دون العبارة عن بعض فضائله، لئلا يطول المقام، وكذلك لأن البحث موضوعي، تم الإشارة لبعض فضائله فحسب في السنة المطهرة.

стр. 262

١ - فالحمد لله أحب الكلام إلى الله تعالى (١). ٢ - والحمد لله خير مما طلعت عليه الشمس أي: خير من الدنيا وما فيها (٢). ٣ - وحمد الله خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن (٣). ٤ - وكلمة الحمد لله لعظم شأنها تملأ الميزان، وتملأ ما بين السماء والأرض (٤). ٥ - والحمد من أسباب مغفرة الذنوب (٥). ٦ - والملائكة يبتدرون رفع كلمة الحمد لله إلى الرحمن لعظم شأنها وجليل قدرها. (٦) ٧ - والحمادون من عباد الله يباهي بهم ربهم ملائكته في الملأ الأعلى (٧). ويُختمُ الكلامُ بنفيسة للإمام ابن القيم ﵀ حيث يقول: «فالعبد لو استنفدَ أنفاسَه كلَّها في حمد ربِّه على نِعمةٍ من نِعَمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فوق ذلك وأضعافَ أضعافِه». ويقول ﵀ أيضًا: «وبالجملة، فكلُّ صفة عليا واسم حسَن وثناء جميل، وكلُّ حمد ومدح، وتسبيح وتنزيه، وتقديس وجلال وإكرام -فهو لله على أكمل الوجوه وأتمِّها وأدومها، وجميع ما يُوصف به ويُذكر به ويُخبَر عنه به فهو حمدٌ له وثَناء وتسبيح وتَقديس، فسبحانه وبحمده لا يُحصِي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه؛ بل هو

стр. 263

كما أَثنى على نفسه، وفوق ما يُثني به عليه خَلقُه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يَنبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، ورفيعِ مجده وعلوّ جدّه» اهـ (١). وختامًا: فقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه إقرار لله بالألوهية، وإقرار العبد استحقاق الرب للحمد، إقرار عبودية وتأله، ونسبة الحمد ﴿لِلَّهِ﴾ كذلك أيضًا. وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ متضمن لإقرار العبد بتوحيد الربوبية؛ ربنا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف]. ولأن الآية تضمنت إثبات ربوبية الله لجميع العالمين-وهم كل ما سوى الله، كما مرّ معنا في طيات البحث مرارًا. «والرب: السيد والمالك والثابت والمعبود والمصلح، وزاد بعضهم بمعنى الصاحب» (٢). قال ابن عباس ﵁: «الحمد لله: «هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. .» (٣). وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ «روي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذي لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين» (٤). و ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ «إله الخلق كله: السماوات كلهن ومن فيهن: والأرضون كلهن ومَن فيهن ومَن بينهن مما يُعلم ومما لا يُعلم» (٥). «فدل قوله رب العالمين على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه،

стр. 264

وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار» (١). و «الرب يكون بمعنى المالك، فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفًا، إنما يقال: رب كذا مضافًا؛ لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل» (٢). فدل ذلك كله على الإقرار بالربوبية لخالق الخلق أجمعين، وهو المحمود على كل حال، فله الحمد على ربوبيته وتدبيره لشؤون خلقه، فكل أوقات العبد تستوجب لله حمدًا منذ انتباهه من نومه وحتى منامه، وهو متقلب بين ذلك كله في نعم ربه وآلائه التي لا تُعد ولا تُحصى، أمده ربُهُ بمطعمه ومشربه ومأواه، وأعانه على شؤون حياته كلها من الحركة والنشاط والسعي في مصالح معاشه، وهذه النعم يشترك فيها خلق الله أجمعين، وكذلك هداه لدينه ويسر له عبادته وأعانه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهذه النعمة الكبرى والمنة العظمى نعمة التربية الربانية الخاصة بعباد الله المؤمنين. وفيما مضى بيان شاف كاف لمكانة حمد الله تعالى ودلالته على التوحيد. ولعل في ذلك كفاية والحمد لله رب العالمين.

стр. 265

٢ - صفات الله تعالى كما وردت في السورة الكريمة (الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين) ودلالتها على التوحيد الرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على اتصافه سبحانه بالرحمة، واسم الرحمن يدل على سعة رحمته ﵎ الواصلة لعموم خلقه-مؤمنهم وكافرهم -برِّهم وفاجرهم-، واسم الرحيم يدل على رحمته الخاصة بعباده المؤمنين وعلى هذا جماهير من أهل العلم. وفي هذه الدلالة يقول ابن القيم: الرحمن «فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم؛ فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَبّ؛ فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك» (١). هذا ومع كونهما متعلقان بتوحيد الأسماء والصفات إلا أنهما متضمنان لربوبية الله وإيصال رحمته العامة لعموم خلقه ورحمته الخاصة لعباده المؤمنين، وعلى هذا ففيهما الدلالة الكاملة التامة لتوحيدي الأسماء والصفات والربوبية جميعًا، ومن هذه الدلالة كان تقسم بعض أهل العلم ومنهم ابن القيم ﵀ إلى تقسيم التوحيد إلى قسمين اثنين فقط، وجعلوا توحيد الربوبية والأسماء والصفات قسمًا واحدًا، لدلالة الأسماء والصفات على ربوبية الله تعالى.

стр. 266

وفي هذه الدلالة أيضًا يقول ابن سعدي: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ «اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حيّ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومَن عداهم لهم نصيب منها» (١). ويؤكد الشنقيطي ﵀ هذه الدلالة أيضًا فيقول: «هما وصفان لله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم؛ لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء»؛ اهـ (٢). واسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ علم على الذات الإلهية لا يُتسمَّى به غيره سبحانه، وهو «اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تَسمَّى به ﵎» (٣). وكذلك اسم الـ (رب) فإنه دال على الربوبية العامة لعموم الخلق، والربوبية الخاصة لعباد الله المؤمنين يربيهم ربهم بالإيمان والعمل الصالح، وفي هذا أيضًا الدلالة على توحيد الربوبية كما لا يخفى، هذا مع كون اسم الرب علم على الذات الإلهية وهو اسم من أسمائه الحسنى. وكذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فإنه دال على وصف الله بالملك التام يوم القيامة الذي يعنى أنه ملكَ الحكمَ وفصلَ القضاءِ بين الخلائق يوم الحساب، متفرِّدًا بذلك . ومما يدلل على ذلك كله جملة: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: «حَمِدَنِي عَبْدِي» وَإِذَا

стр. 267

قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» وَقَالَ مَرَّةً: «فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي» فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١). والحمد لله رب العالمين.

стр. 268

٣ - مفهوم الإيمان باليوم الآخر (يوم الدين) ودلالته على التوحيد أولًا: التعريف باليوم الآخر: «اليوم الآخر: هو يوم القيامة وسُمِّي ذلك اليوم باليوم الآخر لأنه اليوم الذي لا يوم بعده» (١) «والقيامة: أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعة. وقيل: أصله مصدر قام الخلق من قبورهم قيامة» (٢). ومما قيل في تعريفه بصورة إجمالية: «هو الإيمان بكل ما أخبر به الله -في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان، والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعًا» (٣). وسُمِّي يوم القيامة باليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، وكذلك لأنه متأخر عن دار الدنيا؛ وكذلك لأنه آخر الأزمنة الموقوتة؛ فلا يوم بعده ولا زمان. ولا يتحقَّق الإيمان باليوم الآخر إلا بالتصديق الجازم والاعتقاد الصادق بوقوعه ومَجِيئه والعمل بما يقتضيه الإيمان به جملة وتفصيلًا. ثانيًا: مفهوم الإيمان باليوم الآخر ومعناه وأدلة وجوبه . الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، والتي لا يكمل إيمان العبد ولا يصح إلا به، وقد ورد الإيمانُ باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في مواضع شتى

стр. 269

من كتاب الله تعالى، لأنه مَن لا يؤمن باليوم الأخر إيمانًا جازمًا لا يكون مؤمنًا بالله تعالى؛ لأن من مقتضيات الإيمان بالله الانقياد والتصديق والإذعان والتسليم له سبحانه في جميع ما أمر به سبحانه وأمر به رسوله ﷺ وأخبر به عن ربه ﵎. وقد تواردت النصوص الخاصة بذكره بكثرة في الوحيين -في آي التنزيل وفي سنة سيد المرسلين ﷺ ، تعظيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة]. ومن الدلائل الواضحات أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه من أركان الإيمان وكفر من جحده: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء]. وكذلك ورد الإيمان باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في السنة المطهرة في مواضع شتى منها على سبيل المثال لا الحصر ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ» (١)، وكذلك ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢). وإن الكفار المنكرين للبعث بعد الموت الجاحدين لثبوته كيف يعملون لهذا اليوم

стр. 270

وهم جاحدون منكرون لثبوته أصلًا؟!، فلا يعمل لهذا اليوم ويعدّ له عدته إلا مَن آمن به واستقر في قلبه ثبوته ووقوعه. وفي مثل هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية]. والمعنى: «وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات» (١). و «هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء» (٢). كما قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام]. وقد أخبر الله عن اليوم الآخر وأقام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على وقوعه، ورد على المعاندين والجاحدين والمنكرين له في عموم سور القرآن الكريم ولا سميا في السور المكية التي تقرر عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. وانكار الآخرة والبعث بعد الموت كفر بواح محبط للعمل مخرج من الملة موجب للخلود في النار أبد الآبدين. لأنه أمر قد عُلِمَ من دين الله بالضرورة، وقد أجمعت الأمة على أن من جحده وأنكره كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا … بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف]، ومعنى ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: «كذبوا بالبعث وما يعقبه، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما نحن بمبعوثين، وحسبوا أن الإنسان يترك سدى، ونزلوا به عن مكانته التي خلقه الله تعالى عليها» (٣).

стр. 271

والآخرة: «هي الكَرة الثانية، سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا،) حبطت أعمالهم) أي: بطلت، فلم تعقب نفعًا، والمراد جزاء أعمالهم» (١)، وقد سَألت عائشةُ ﵂ النبيَ ﷺ ، قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (٢). وكما قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام]. يبين ابن كثير ﵀ معنى الآية فيقول: «يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَسَارَةِ مَنْ كَذَّبَ بِلِقَاءِ اللَّهِ وَعَنْ خَيْبَتِهِ إِذَا جَاءَتْهُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، وَعَنْ نَدَامَتِهِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَا أَسْلَفَ مِنْ قَبِيحِ» (٣). ويضيف القرطبي ﵀ موضحًا معنى الآية ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ فيقول: «قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء» (٤). ثالثًا: ومما يُستدل به أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر إضافة لما سبق ذكره . ١ - أنه تقرر ثبوت وقوع يوم القيامة بعموم أدلة الكتاب والسنة ولا شك في ذلك أبدًا، وقد مرّ معنا آنفًا سياق بعض الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه أحد أركان الإيمان الستة وتبين حكم منكره وجاحده والعياذ بالله. وإن العقل السوي لا يتصور انتهاء الحياة الدنيا بموت الخلائق دون إثابة للطائعين ومحاسبة ومعاقبة المتمردين العاتين عن أمر رب العالمين، ودون القصاص فيما وقع بين العباد من مظالم في دار الفناء ورد المظالم لأهلها، وإلا لكان خلق

стр. 272

الخلق عبثًا وحاشا لله ذلك وتعالى ربنا العلي العظيم عما يقول ويعتقد الظالمون علوًّا كبيرًا. كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ «أي: بغير حكمة، حتى أنكرتم البعث، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ أي: للجزاء: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ أي: تعاظم عما تصفون؛ لأنه: ﴿اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ أي: المتصرف وحده، الذي قصد بالخلق معرفته وعبادته، والذي لا يترك الجزاء بل يحق الحق» (١) ويبطل الباطل، قال سبحانه: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال]. ولقد أقسم الله على وقوعه ردًّا على المعاندين المنكرين لوقوعه والجاحدين لثبوته، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]. ٢ - ومن حكمته البالغة أن جعل دار الدنيا دار عمل لا دار جزاء، وجعل الآخرة دار حساب ومجازاة على الأعمال، يحاسب فيها الخلائق، فيجازي كل مخلوق بما قدمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم]، أي: «ليجزي الله كل نفس مجرمة، ما كسبت، أو كل نفس من مجرمة ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم عُلِمَ أنه يثيب المطيعين لطاعتهم» (٢). وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم].

стр. 273

أي: «ليجزي الذين عصوه من خلقه، فأساؤوا بمعصيتهم إياه، فيثيبهم بها النار، ﴿بِالْحُسْنَى﴾ يقول: وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة فيثيبهم بها» (١). ٣ - وقد ثبت عيانًا للخلق قاطبة قدرة الله العظيم على خلقهم جميعًا من نفس واحدة، ثم مراحل وأطوار، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج]، فالذي خلق أول مرة ليس بعاجز عن إعادته كما أنشأه أول مرة على غير مثال سابق، بل الإعادة أهون عليه، وهو سبحانه لا يعجزه شيء، قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] والمعنى: «يا أيها الناس، إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم ﷺ من تراب ثم إنشائنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا أحوالًا حالًا بعد حال من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرًا ومتعظًا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء» (٢). وهذا «كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به» (٣).

стр. 274

«وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها كما كانت» (١). ٤ - وقد دلل على الإقرار والإيمان بالله واليوم الآخر العقل السليم والفطر السوية، وقد أودع الله في تلك الفطرة السوية القدرة على الإيمان بالغيب الذي أخبر به سبحانه في كتابه وأخبره به رسوله ﷺ في سنته الصحيحة الثابتة عنه. كما صرحت به جميع الكتب السماوية المنزلة، وأخبر به جميع النبيين والمرسلين. وخلاصة الأمر: أن الإيمان باليوم الآخر هو اعتقاد انتهاء هذه الدار -دار الدنيا-، وانتهاء ما فيها، ويدخل في ذلك ضمنًا: الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها الصغرى والكبرى التي تكون قبل وقوعها، والتصديق بالموت وما بعده من نعيم القبر وعذابه، والإيمان بالبعث والنشور بعد الموت، والحساب والصراط والميزان، وأخذ صحائف الأعمال، والحوض والشفاعة، والثواب والعقاب وما في موقف القيامة من الأهوال والشدائد والأفزاع العظيمة والجنة والنار، وبكل ما تضمنه الإيمان باليوم الآخر ووُصِفَ لنا جملة وتفصيلًا. والتصديق الجازم بأن الله سبحانه يبعث الخلائق يوم القيامة من قبورهم، لمحاسبتهم ومجازتهم على أعمالهم، إلى أن يدخل المؤمنون الأبرار الجنة ويستقرون في منازلهم ودرجاتهم التي أعد الله تكريمًا لهم، ويدخل الفجار أهل النار دار البوار ويستقرون في دركاتها التي أعدها الله لهم جزاءً على أعمالهم. والإيمان باليوم الآخر، إيمان بالغيب؛ لأنه غيب لم يره أحد، وإنما عُلِمَ بالوحي، فسبيله التصديق الجازم بكل ما ورد في الكتاب والسنة عن اليوم الآخر جملة وتفصيلًا.

стр. 275

كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة]. ولقد أخفى الله علم وُقُوعِها عن الخلق، فلا يعلم أحد من الخلق وقت وقوعها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف]. وختامًا: فإن دلالة الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وما ورد فيه جملة وتفصيلًا أكثر من تحصى لكثرة ما ورد في تقرير وجوب الإيمان به، وقد كثُرت نصوص الوحيين في ذكر اليوم الآخر وأطواره ومراحله، كما تضافرت تلك الأدلة في الرد على منكري البعث ووقوع الجزاء والحساب بأدلة قامعة لكل معاند، رادعة لكل جاحد، زاجرة لكل مكابر، كما بيّنت أدلة الوحيين زيف وافتراء حججهم الواهية وردتها بأدلة لا تدع مجالًا للشك أبدًا، كما مرّ بيانه تكرارًا ومرارًا. «والفطرة السليمة تدل عليه وتهدي إليه، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه، والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول، ولذلك قال علماؤنا: الشرائع تأتي بمحارات العقول، لا بمحالات العقول» (١). رابعًا-بعض أسماء يوم القيامة: إن الأسماء إذا كثرت وتعددت فإنما يدل ذلك على شرف المُسمَّى، ولليوم الآخر أسماء كثيرة جدًّا. ولقد «سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه

стр. 276

الأسماء، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسمًا كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني» (١). وقد أورد القرطبي أسماء القيامة في (التذكرة) واستقى بيان معانيها من ابن العربي المالكي من كتاب له أسماه (سراج المريدين)، والقرطبي أضاف إليها بعض البيان والتوضيح والتفسير. «وقد عدَّها بعضهم من غير تفسير، منهم ابن نجاح في كتابه (سبيل الخيرات)، وأبو حامد الغزالي في (الإحياء)، وابن قتيبة في (عيون الأخبار)» (٢). وفيما يلي أشهر تلك الأسماء مع تعريف مختصر بكل اسم: ١ - الطَّامَّةُ: كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات]. قال الطبري ﵀: «وقوله ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات]، يقول تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تطم على كلّ هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها، وقيل: إنها اسم من أسماء يوم القيامة» (٣). قال البغوي ﵀: «وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ طَامَّةً لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَتَعْلُو فَوْقَهَا وَتَغْمُرُ مَا سِوَاهَا، وَ «الطَّامَّةُ» عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ» (٤). وقال الشوكاني ﵀: «أي: الداهية العظمى التي تطمّ على سائر الطامات» (٥). ٢ - الساعة: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه]. قال القرطبي ﵀: «والساعة كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير

стр. 277

محدود، وفي العُرْف على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة اللذَيْن هما أصل الأزمنة وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المُسمَّى بالآن، وسُمّيت به يوم القيامة إما لقربها فإن كل آتٍ قريب، وإما أن تكون سُمّيت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود، وقيل: إنما سُمّيت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة» (١). ٣ - يوم البعث: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. قال ابن منظور ﵀: «البعث: الإحياء من الله تعالى للموتى، وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث» (٢). والمعنى المقصود: «إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه «(٣) ٤ - يوم الدين: كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، ويوم الدين هو يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] يقومون للجزاء والحساب ليدانوا بأعمالهم. ٥ - القارعة: قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [القارعة: ١ - ٣]، وكما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ [الحاقة]. قال القرطبي ﵀: «سُمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده» (٤). ٦ - يوم الخروج: كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾

стр. 278

[ق]، وكما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج]. «سُمِّي بذلك لأن العباد يخرجون فيه من قبورهم عندما ينفخ في الصور» (١). ٧ - يوم الفصل: كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [المرسلات]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ]. «سُمِّي بذلك لأن الله يفصل فيه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وفيما كانوا فيه يختصمون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾ [السجدة]» (٢). ٨ - الصاخة: كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس]. قال القرطبي ﵀: «قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى، والطامة الثانية؛ قال الطبري: أحسبه من صخّ فلانٌ فلانًا إذا أصمه، قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها المسمعة، وهذا من بديع الفصاحة» (٣). خامسًا: دلالة الإيمان باليوم الآخر على التوحيد . إن دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد كثيرة ومتعددة الجوانب، ذلك لأنه منبثق من العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص لله تعالى. ومن أهم تلك الدلالات ما يلي: ١ - أن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح ولا يكمل الإيمان إلا بها مجتمعة. ٢ - وأنه قرين الإيمان بالله تعالى، وقد مرّ معنا في طيات البحث نصوص الوحيين الدالة على اقترانهما.

стр. 279

٣ - ومن أوضح تلك الدلالات أيضًا: أن من جحده وأنكره فقد كفر وخرج من الملة، والكفر والخروج من الملة نقيض التوحيد والإيمان. ٤ - ومنها أن الإيمان باليوم الآخر قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه، كما ثبت ذلك في النصوص الكثيرة، والعمل الصالح هو توحيد الله بأفعال العباد، وهذه الدلالة هي من أهم وأوثق الدلالات على التوحيد. ومن جملة ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. أي: «المصدق بوحدانية الله، المخلص له العبادة، الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة» (١). وآية براءة شبيهة الدلالة على التوحيد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة]، فقُرِنَ هنا بين العمل الصالح الذي هو عمارة البيت الحرام ورفع قواعده، وبين الإسلام الذي هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام: ٩٢]، والأمثلة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى ومُثيلاتُها في السنة المطهرة كذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وقد مرّ معنا آنفًا ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢)، فالخصال الحميدة والأعمال الصالحة التي ورد الحث عليها والترغيب فيها في الحديث، إنما جاء الترغيب فيها مقترنًا بالإيمان باليوم الآخر لأنه قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه كما أسلفنا.

стр. 280

وإنما تتحقق الرغبة والطمع في فعل تلك الخصال الحميدة وغيرها من الطاعات إذا تحقق الإيمان باليوم الآخر، ليصبح هو الدافع والمحرك على الإقبال على تلك الطاعات، كما يكون الدافع أيضًا على عدم اقتراف الذنوب والسيئات الخوف والرهبة من فعل المحرمات والموبقات، هو الوعيد المترتب على من فعلها من عذاب ونكال وجحيم في الدار الآخرة، قال ربنا في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة]. فيورث ذلك كله صلاح قلوب العباد وصلاح أحوالهم والفوز بسعادة الدارين، ولما في الغفلة ونسيان ذلك اليوم العظيم ونسيان ثوابه وعقابه والغفلة عما أعده الله من كرامات للطائعين، وما أعده من عقوبات جزاءً للعصاة وسائر المتمردين عن طاعة رب العالمين. فالعاقل الناصح لنفسه الحريص على فكاك رقبته من النار لا يغفل عن هذا المشهد والموقف العظيم بين يدي جبار السماوات والأرض، فإنه من أشد ما يمنعه من المعاصي ويجافي بينه وبينها، ويباعد بينه وبينها كما يباعد بين المشرق والمغرب، فمن أعظم ما يمنعه من ذلك كله خوفه من ربه ، وخوفه من وقوفه بين يديه، وتيقنه بوقوع ذلك اليوم وأنه كائن لا محال ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ﴾ [المعارج: ٤]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: «هذا يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة» (١). ويجلي هذا الأمر الإمام ابن القيم ﵀ فيقول: «فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيًا غافلًا! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولايأخذ له أهبته؟!» (٢).

стр. 281

٥ - ومن تلك الدلالات أيضًا: تصديق العبد باليوم الآخر وما يقع فيه من أهوال عظام وجزاء على الأعمال دليل على تصديقه بالوعد والوعيد وتصديق الرسل وما أخبروا به عن ربهم من وقوع اليوم الآخر، والإيمان بالرسالات السماوية كلها، وإثبات صفات الرب جل في علاه، وكل هذا من دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد. ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 282

٤ - أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية-والاستعانة) قد سبق في المبحث الأول من هذا الفصل-أعني: (الفصلَ الرابع) بيان: - ١ - التعريف بالعبودية ومفهومها في اللغة والاصطلاح. ٢ - ثم بيان قسميها بشيء من الإيجاز. ٣ - ثم التعريج على بيان حقيقتها. ٤ - ثم بيان تقرير العبودية لله في السورة الكريمة. والمقصود من بيانه في هذا المبحث أن أصل الدين مبنى على (العبودية-والاستعانة). أولًا: العبودية ، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبيان أن تحقيق العبودية هي الغاية من خلق القلق. والله تعالى قد خلق المكلفين من الثقلين لمهمة عظيمة وغاية جليلة، ألا وهي عبادته جل في علاه، خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون». وقال الربيع بن أنس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: «إلا للعبادة» (١).

стр. 283

وقال القرطبي ﵀: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (١). «قال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]. وقال مجاهد: «إلا ليعرفوني». وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و «قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه. وقيل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢). قال القرطبي: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (٣). قال النووي: «وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور» (٤). وأهل العبودية الحقة موقنون بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» (٥).

стр. 284

وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وبنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]». (١) و في ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير ﵏ حول آية الذاريات يتبين: ١ - أن الحكمة والغاية المحمودة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها هي العبادة. قال ابن سعدي ﵀: «هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم» (٢). ٢ - وأن الله خلقهم وهو غني عنهم مع فقرهم إلى خالقهم. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ … الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر]. يقول الفخر الرازي ﵀: «فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، وإنما هو لإشفاقه عليكم» (٣). ٣ - وأن العبادة هي: الخضوع والذل والانقياد. ٤ - وأن عبودية القهر والغلبة تشمل كل الخلق مؤمنهم وكافر. قال القرطبي ﵀: «قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا﴾ [المائدة: ٧٢] أمر بالعبادة له، والعبادة هنا

стр. 285

عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام … والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك» (١). ٥ - وأن العبادة التي هي التوحيد، هي عبودية الاختيار، التي لا يُوفق لها إلا من اصطفاه الله تعالى من عباده المؤمنين. ٦ - وأن التكليف بالعبودية لا ينفك عن العبد أبدًا حتى الممات. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، واليقين هو الموت. قال الإمام ابن القيم ﵀: «قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، وقال أهل النار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر]، وفي الصحيح في قصة عثمان بن مظعون ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (٢) أي: الموت وما فيه، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل لمقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه، بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته» (٣). وكلام ابن القيم حول معنى اليقين يبين حقيقة العبودية التي لا تنفك عن العبد أبدًا، ومن يسموا أنفسهم بأهل الوجد من المتصوفة ونحوهم، يدّعي رؤوسهم أنهم من شدة عبادتهم قد رُفِعَ عنهم التكليفُ.
следующие страницы →