المبحث الثالث:
تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة
ومن الأهمية بمكان بيان تلك الأقسام الثلاثة بشيء من البيان لتتبين العلاقة بين أنواع التوحيد وبين السورة من جهة، وليتضح تقرير التوحيد بأنواعه في ثنايا آيات السورة الكريمة كلها من جهة أخرى.
أولًا بيان أقسام التوحيد:
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: وهي:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وإن لم يكن منصوصًا عليه بذلك، إلا أن نصوصه في الكتاب والسنة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وأولوا العلم إنما علموا ذلك وفهموه بالتتبع والاستقراء والنظر في نصوص الوحيين.
«وقد جاء هذا التقسيم في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا» (١).
стр. 212
وإليك نبذة من أقوال أهل العلم: في بيان تقسيمهم التوحيد، إلى ثلاثة أقسام:
١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: «والله يُدعى من الأعلى لا من الأسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء» (١).
فقوله: «يدعى من الأعلى لا من الأسفل» فيه إثبات صفة العلو، وهو من توحيد الأسماء والصفات …
وقوله: «من وصف الربوبية» فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: «والألوهية» فيه إثبات توحيد الألوهية (٢).
٢ - قال الطحاوي الحنفي ﵀: «نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (٣). فقوله: «إن الله واحد لا شريك له» شامل لأقسام التوحيد الثلاثة.
وقوله: «ولا شيء مثله» توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: «ولا شيء يعجزه» هذا من توحيد الربوبية.
وقوله: «ولا إله غيره» إشارة إلى توحيد الألوهية والعبادة» (٤).
٣ - قال ابن بطة العُكْبُري (٥) ﵀: «أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته (٦)، ليكون بذلك مباينًا من أهل التعطيل الذين لا
стр. 213
يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك من أهل الشرك الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه» (١).
٤ - قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: «التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
الثاني توحيد الربوبية: وهو بيان أن الله خالق كل شيء.
الثالث توحيد الإلهية: وهو استحقاق أن يُعبد وحده لا يُشرك له» (٢).
٥ - قال الجرجاني الحنفي ﵀: التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة» (٣).
فهذه جملة من أقوال العلماء حيث قسموا التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وذلك باعتبار تعلقه بالرب ، وذلك بالاستقراء في أدلة الشرع» (٤)، ولذا كان هذا البيان ردًا على من زعم أن هذا التقسيم تقسيم محدث لم يكن عليه عمل المسلمين من قبل.
القسم الأول: توحيد الربوبية .
وهو توحيد الله بأفعاله ، ومعناه: إفراد الله تعالى بأفعاله من الخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وجلب النفع ودفع الضر وغير ذلك، فيعتقد المؤمن أن الله تعالى لا شريك له في ربوبيته.
وهذا يعني الإقرار بأنَّ الله هو ربّ كل شيءٍ وخالقه ومليكه، وأنّه
стр. 214
سبحانه وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وأنّه سبحانه له الخلق والأمر، وأن أمر عباده كلّه له تبارك اسمه، وأنّ الخير كلّه بيديه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ليس له في ربوبيته ندّ ولا شريك ولا شبيه ولا نظير.
أنواع ربوبية الله على خلقه:
ربوبية الله على خلقه على نوعين:
«الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خلقه للمخلوقين، ورزقُهم، وهدايتهم، لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
الربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة» (١).
من دلائل ومشاهد الربوبية:
١ - دلالة الفطرة: فإن الله جبل المخلوق على الإقرار بخالقه وفاطره، والاعتراف بربوبيته بدافع الفطرة، ذلك بأن الله تحبب إلى خلقه بنعمه، فهو خالقهم وموجدتهم من العدم وممتعهم بالنعم ودافع عنهم البلاء والنقم، والنفس جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومن هنا كان الإقرار بالربوبية جبلي فطري إلا عند من انطمست فطرهم كالدهرين والملحدين من الشيوعيين والبوذيين وسائر المعاندين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما كان الإقرار بالصانع فطريًّا كَمَا قَالَ ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» (٢)؛ فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يُعْرَفُ ويُعْبَدُ» (٣).
стр. 215
٢ - دلالة التفكر في الأنفس: إن من أعظم وأجل الدلالات على ربوبية الله تعالى: تلك النفس المخلوقة التي بين حنبي الإنسان، وصاحب الفطرة السوية والعقل السليم حينما يعملهما في التأمل في خلقته وإيجاده من عدم، ويتأمل مراحل خلقه وتكوينه يستدل بهما على ربوبية الخالق البارئ المصور ، قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
يقول الطاهر ابن عاشور ﵀: «وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة.
فالمقصود منه إبطال الشرك، لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية» (١).
ويقول العلَّامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «بيَّن -جل وعلا -في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا» (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس] أي: «عدل خلقها وسوى أعضاءها» (٣).
و «أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالها؛ وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة» (٤).
стр. 216
٣ - دلالة التأمل والتفكر في الآفاق والمخلوقات:
قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت].
«والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه وعجائبه في نواحي سماواته وأرضه» (١).
«فلو تأمل الإنسان الآفاق وما أودع الله فيها من الغرائب والعجائب لأدرك أن هناك خالقًا لهذه الأكوان، وأنه عليم حكيم» (٢).
ومن جملة معاني قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣].
«الآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين، حتى يتبين لهم من تلك الآيات بيانًا لا يقبل الشك أنه الحق وما اشتمل عليه حق.
وقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من الآيات، ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء» (٣).
ومن جملة دلائل خلقه سبحان في الأفاق ما يراه الإنسان بصفة مستديمة ومستمرة كتلك الآيات الباهرة والمخلوقات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى، ومنها آياته في الخلق بعض مخلوقاته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم]، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ
стр. 217
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم]، وذلك «لما بيّن دلائل الأنفس، ذكر دلائل الآفاق، وأظهرها خلق السماوات والأرض» (١) ومنها أيضًا: الآيات الكونية الباهرة والمعجزات الخارقة للعادة في بعض مخلوقات الله المخلوقة على غير عموم خلقه سبحانه، والدالة على ربوبية الله وقدرته وعظمته وتفرده بالخلق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران].
ومنها: خلق زوجه حواء من ضلعه الأيسر قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].
ثم تكاثر هذه البشرية من نسلهما، وبثّ منهما البشرية جمعاء، : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا … وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍، خلقت من ضِلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه، وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال: خُلقَت المرأة من الرجل» (٢). انتهى.
ودلالة ذلك من السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي
стр. 218
الضِّلعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (١).
وهذا من كمال قدرته وعظمته سبحانه ومطلق مشيئته؛ ليعلم الإنسان أصل خلقته، ومبدأ منشئه، فيعلم عظمة ربه وقدرته على خلقه، وأيضًا ليعلم فقره التام لربه مع غناه عنه سبحانه ويعلم ضعفه وانعدام حيلته، فيستسلم لعظمته ويخضع لجبروته وسلطانه وينقاد لأمره ولا يتمرد على خالقه وسيده ومولاه.
وقال ابن القيم ﵀: « … ليرى عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء، فمنها المتشابه الخلقة المتناسب الأعضاء، ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة، كما يرى عباده قدرته التامة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدالة على أنه مخلوق بقدرته ومشيئته، تابع لها، فمنه ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني، ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى، وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنه ما خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني، فيرى عباده آياته ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «خلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإنَّ حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء» (٣) انتهى.
وقد قال الله تعالى في خبر عيسى وأمه قولًا مختصرًا فصلًا: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ [المؤمنون].
стр. 219
وقال العلَّامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «مِن حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس، أي: علامة دالة على كمال قدرته وأنه يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء، كما نص على ذلك بقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، أي: خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى، كما فعل بسائربني آدم» (١) انتهى.
ومن تلك الدلائل العظيمة أيضًا الدالة على ربوبيته سبحانه: خبر العزير وموته مائة عام ثم بعثه، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة].
وخبر بقرة بني إسرائيل وإحياء القاتل بضربه ببعضها، وقصة أصحاب الكهف ومكثهم ولبثهم في الكهف نائمين ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعًا، لم يتغيروا ولم تتآكل أجسادهم، ومثل هذا في القرآن كثير، ولعل في الإشارة ما يغني عن العبارة.
ومن دلائل ومشاهد ربوبية الله تعالى في القرآن:
١ - أن له الخلق والأمر: قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] فهذه «الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها» (٢) وقال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].
٢ - ومن تلك الدلائل أيضًا: أنه سبحانه المتفرد بالخلق والرزق والملك وتدبير
стр. 220
وتصريف شؤون الخلق، ولا شريك له في شيء من ذلك أبدًا، فهو الذي تفرّد في ربوبيته خلقًا، وإيجادًا، ورزقًا وتصريفًا وتدبيرًا، وهذه الأفعال كلها من لوازم ربوبيته جل في علاه، قال سبحانه في شأن الخلق: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف]، والله هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة فهو: «يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام» (١) وهو «سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، وهو المعبود الذي له العبادة من كل شيء» (٢) وهو: «المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد» (٣) فالله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو الذي خلق الشمس والقمر والنجوم، وكل هذه المخلوقات مسخرات بأمره سبحانه، وهو خالقها وباريها، فالآية الكريمة تدل على أفعال الله تعالى، حيث خلق السماوات والأرض، وله وحده الخلق والأمر، وهذه الصفات كلها تدل على الربوبية، وهذه الأفعال أيضًا من لوازم ربوبية الله على خلقه.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس] وكل هذه الأفعال دالة على تفرده سبحانه بالربوبية، وتفرده بتدبير وتصريف شؤون خلقه جميعًا.
ودلائل الربوبية وشواهدها أكثر من أن تحصى في كتاب الله تعالى.
стр. 221
و «توحيد الربوبية حق، وأمره عظيم، ولا يصح إيمان العبد إذا لم يؤمن به، ولكن هذا النوع من أنواع التوحيد ليس هو الغايةَ التي جاءت بها الرسل، وأنزلت من أجلها الكتب، وليس الغايةَ التي من جاء بها فقد جاء بالتوحيد وكماله؛ ذلك أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها، ولم يقتصد على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية» (١).
ولقد أقر الكفار بربوبية الله تعالى على زمن النبي ﷺ ، ومع إقرارهم هذا قاتلهم ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ولم يدخلهم في الإسلام، وهذا الإقرار أيضًا لن ينجيهم من عذاب الله في الآخرة، لأنهم صرفوا العبادة لغيره سبحانه ولم يقروا بألوهيته جل في علاه، فمن أقر بالربوبية دون تحقيق توحيد الألوهية لم يكن مسلمًا موحدًا، ولا يَحْرم دمه ولا ماله حتى يقرَّ لله بالألوهية، ويصرف له العبادة وحده دون سواه.
إذًا فلابد مع الإقرار بالربوبية تحقيق التوحيد الكامل بالإقرار بالألوهية، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
وفي ذكر الله تعالى لإقرار الكفار بربوبيته سبحانه حكم عظيمة من أجلها وأعظمها إقامة الحجة ووضوح المحجة على نصب ربوبيته، وأنه سبحانه خالقهم ورازقهم، فلا يستحق العبادة سواه جل في علاه، إذًا كيف يقرون له بالربوبية، ولا يقرون له بالألوهية والعبودية؟ فإن الخالق المدبر لهذا الكون المتصرف في كل شؤون خلقه وملكوته ألا يستحق العبادة؟، فكيف يقرون لله بالربوبية، ثم يعبدون سواه؟!.
стр. 222
ويتلخص مما سلف ذكره في توحيد الربوبية ما يلي:
١ - توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله سبحانه.
٢ - توحيد الربوبية توحيد فطري مجبول في النفوس ومركوز فيها بدافع الخلقة والفطرة والجبلة.
٣ - أكثر الخلق مقرون لله بالربوبية.
٤ - الإقرار لله بالربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر به إبليس، وأقر به المشركون فلم ينفعهم لأنهم لم يقروا بتوحيد العبادة للهِ وحده لا شريك له.
٥ - الخصومة بين الرسل وأممهم كانت في الألوهية.
٦ - للربوبية دلائل في خلق الله شاهدة على عظمته في خلقه يُستدل بها على ربوبيته لا يُنكرها إلا كل مكابر معاند جاحد.
وأهم ما يثمره تحقيق توحيد الربوبية ما يلي:
١ - الاستدلال بالمخلوقات على خالقها يبعث في النفس اليقين بوجود خالق للكون، بخلاف منكر الربوبية فهو في حيرة وشك وتردد دائمًا، هل للكون إله خالق أم لا؟
٢ - الإيمان بالربوبية يبعث في النفس اطمئنانًا وسكينة.
٣ - الإيمان بالربوبية يبعث الثقة في خالق الكون ومدبر شؤونه، وهذه الثقة تثبت عجز المخلوق وافتقاره التام لخالقه سبحانه.
٤ - الإيمان بالربوبية يؤدي إلى تعظيم الخالق جل في علاه.
٥ - الإيمان بالربوبية يؤدي إلى الإقرار بالألوهية.
وختامًا فإنَّ «للإيمان بالربوبية آثارًا عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن العبد أن له ربًّا خالقًا هو الله ﵎ وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكه، مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات
стр. 223
والأرض-أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائمًا خائفًا من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني» (١).
ولهذا قال ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا» (٢).
القسم الثاني: توحيد الألوهية .
تعريفه: يقول حافظ الحكمي ﵀: «هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل مَن سوى الله تعالى كائنًا من كان».
ويقول في سلَّم الوصول أيضًا:
هذا وثاني نوعي التوحيد … إفرادُ ربِّ العرش عن نَدِيدٍ
أن تعبد الله إلهًا واحدًا … معترفًا بحقه لا جاحد (٣)
ويتضح من ذلك: أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة التي شرعها لعباده وأمرهم بها، من صلاة وزكاة وصيام وحج ودعاء ونذر ونحر ورغبة ورهبة وخوف ورجاء وخشية وتذلل وخشوع وخضوع واستعانة واستغاثة وتوكل، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، وهو توحيد الله تعالى بأفعال عباده التي أمرهم بها، فتصرف جميع أنواع تلك العبادة وغيرها لله وحده لا شريك له.
ولقد أرسل الله جميع الرسل لتحقيقه، وهو أكثر ما يعالجونه مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهذا النوع من أنواع التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم لإنكارهم
стр. 224
له، كما بيّن الله ذلك في كتابه فقال : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص].
فتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة كلها فلا يعبد غيره، ولا يُدعى ولا يُسأل سواه، ولا يُستغاث ولا يُستعان إلا به سبحانه، ولا يُنذر ولا يُذبح ولا يُنحر إلا له، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يُخشى إلا إياه، ولا يُصرف أيّ شيء من أنواع العبادة إلا له، قال ربنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر] وإنما يقع الشرك في الألوهية بأن يُتخذ مع الله إله آخر يُعبد من دونه ويُتقرب إليه بالعبادة كما يُعبد اللهُ تعالى ويُتقرب إليه كذلك بالعبادة.
ويُستفاد مما سبق بيانه عن توحيد الألوهية ما يلي:
١ - أنه الغاية الكبرى التي خلق الله من أجلها الخلق.
٢ - أنه النعمة العظمى والمنة الكبرى التي امتن الله بهداية عباده إليها.
٣ - أنه الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
٤ - أن من أجل حماية جنابه؛ شرع الجهاد في سبيل الله تعالى.
٥ - أنَّ تحقيقه سبب حصول كمال الاهتداء وتمام الأمن في الدارين، قال ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].
٦ - أن تحقيقه من أعظم أسباب دفع النقم والعقوبات، ومن أسباب تفريج الكروبات، وحلول الخيرات، وسبب رغد العيش وحلول البركات وتنزل الرحمات.
٧ - تحقيق التوحيد سبب حصول العزة والكرامة للمؤمن، فمن حقق كمال التوحيد تولاه الله وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وشغله بما خُلق له وكفاه شر التزلف للخلق والتعلق بهم ورزقه حقيقة التوكل عليه والإنابة إليه.
٨ - أن تحقيقه سبب الفوز برحمة الله وحلول رضوانه على العبد، وسبب نيل شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة.
стр. 225
٩ - أنَّ تحقيق التوحيد من أعظم أسباب الاستخلاف في الأرض والتمكين للدين وتحقيق النصر على الأعداء.
١٠ - أنَّ تحقيق كمال التوحيد في قلب المؤمن من أعظم أسباب نجاته من النار وعدم دخولها أصلًا، لما ثبت الصحيحين من حديث عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١).
١١ - أنه سبب خروج عصاة الموحدين من النار وعدم خلودهم فيها؛ لأنهم مع ذنوبهم معهم أصل التوحيد، وإنما الخلود في النار لأهل الكفر والشرك الأكبر.
وكل ما سبق ذكره له شواهد متعددة من الكتاب والسنة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الفضائل والمكرمات والمنح والأعطيات والهبات الإلهية كلها، والعكس بالعكس لمن فرط في تحقيق التوحيد.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات .
أولًا: تعريفه:
يقول ابن سعدي ﵀: «توحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه.
وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله.» (٢)
وهو: «الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، أو وَصَفَه به رسوله من الأسماء
стр. 226
الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت على الوجه اللائق به » (١).
ثانيًا: منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات .
من الأهمية بمكان التعريف بأهل السنة والجماعة:
١ - التعريف بأهل السنة والجماعة:
أهل السنة هم الذين اتبعوا سنة النبي محمد ﷺ وهديه- في كل ما جاء به وأمر، وصدقوه في كل ما أخبر، واجتنبوا ما عنه نهى وزجر، وعبدوا الله بما شرع، كل ذلك، سواء كان في أمور العقائد، أو أمور الشرائع، أو في العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها.
وهم سلف هذه الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان، وهؤلاء هم الذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع، وكل من سلك سبيلهم واتبع طريقهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين في أيّ مكان وزمان، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، هم أهل السنة والجماعة، وهم الذين اجتمعوا على الدين الحق الصحيح، والدليل الواضح الصريح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ . (٢)
يقول شيخنا العلَّامة ابن عثيمين ﵀: «أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلمية العقدية، ولا في الأمور العملية الحُكمية؛ ولهذا سموا أهل السنة؛ لأنهم متمسكون بها، وسموا أهل الجماعة؛ لأنهم مجتمعون عليها.
وإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج
стр. 227
العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة» (١).
٢ - أهل السنة والجماعة وسبب تسميتهم بذلك .
سُمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي ﷺ واجتماعهم على الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، في القول والعمل والاعتقاد، فهم اجتمعوا على الحق الثابت بالكتاب والسنة، ولم يتفرقوا في الدين، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكون التسمية بأهل السنة والجماعة حادثة، لا يعني أن مذهب أهل السنة والجماعة حادث، بل مذهب أهل السنة هو ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته من بعده» (٣).
وقال العلَّامة يحيى العمراني اليماني ﵀ (٤): «قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، أما الذين ابيضت وجوههم قال: أهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم قال: هم أهل البدع والضلالة» (٥).
стр. 228
٣ - منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات:
يعتمد هذا النوع من أنواع التوحيد عند أهل السنة والجماعة على أربعة قواعد لا يتحقق كماله وتمامه إلا بها.
القاعدة الأول: تعظيم وتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوق، وعن جميع النقائص كلها.
ونفي تلك النقائص التي نفاها الله عن نفسه في كتابه، ونفاها عنه رسوله ﷺ فيما ثبت من سنته الصحيحة، مع إثبات كمال ضد هذه النقائص تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا لله تعالى.
القاعدة الثانية: الإيمان بكل ما ورد وثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وإثباتها لله تعالى على الحقيقة على وجه يليق بذات الله تعالى، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، قال ربنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].
وهذا نفي، متضمن إثباتَ الكمالات كلها لله تعالى، فأهل السنة والجماعة ينفون مماثلة الخالق للمخلوق، مع إثبات الكمال المطلق لله تعالى.
القاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الرب جل في علاه.
القاعدة الرابعة: التوقف فيما لم يرد فيه إثبات أو نفي:
فمنهج أهل السنة والجماعة فيه: «التوقف: وذلك فيما لم يرد إثباته أو نفيه مما تنازع الناس فيه كالجسم -مثلًا-، والحيّز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم ورود النص بذلك.
أما معناه فيستفصلون عنه، فإن أُريد به معنى باطل يُنَزَّهُ الله عنه رَدَّوه، وإن أُريد به معنىً حقٌّ لا يمتنع على الله قبلوه، مثل الجهة: إن كانوا يقصدون بها أن اللهَ في السماء، فهذا صحيح، وإن كانوا يقصدون أن الله تحويه السماءُ، فهذا باطلٌ» (١).
стр. 229
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وتلك القواعد: هي التي تبيّن وتبرز وتميِّز عقيدةَ أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، عن عقيدة أهل التأويل والتعطيل والتشبية والتمثيل والتكيف وعن سائر عقائد كل الفرق المبتدعة التي ضلت وزلت في هذا الباب العظيم، ألا وهو توحيد أسماء وصفات الرب جل في علاه.
وإن في سلوك منهج أهل السنة والجماعة واعتقاد طريقتهم والإيمان بها في باب الأسماء والصفات السلامة من الوعيد، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].
يقول الطبري ﵀: «وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها «اللات» اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو «الله»، وسموا بعضها «العزى» اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو العزيز» (١).
وقال البغوي ﵀: «هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من «الله» والعزى من «العزيز»، ومناة من «المنان»، هذا قول ابن عباس ومجاهد.
وروي عن ابن عباس ﵁: يلحدون في أسمائه أي يكذبون، وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يسم به، ولم ينطق به كتاب الله (٢) ولا سنة رسول الله ﷺ » (٣).
стр. 230
بيان معنى الإلحاد:
و «الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال: لحد الرجل في الدين وألحد: إذا مال، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه في ناحية، وقرئ «يلحدون» وهما لغتان، والإلحاد في أسمائه -سبحانه يكون على ثلاثة أوجه: إما بالتغيير كما فعله المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض ومعنى» (١).
الأدلة على صحة مذهب السلف (٢):
طريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة هي الطريقة الواجبة في أسماء الله وصفاته، وهي الأسلم والأعلم والأحكم، وليس هناك طريقة أخرى صحيحة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات إلا طريقتهم في إثباتها وإمرارها كما جاءت، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:
١ - أن طريقة السلف دل عليها الكتاب والسنة: فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل؛ لأنهما من الإلحاد في أسمائه .
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل، والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي الكيفية، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه.
стр. 231
أما من السنة فالأدلة كثيرة منها: قوله ﷺ : «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (١).
٢ - العقل: فالعقل يدل على صحة مذهب السلف، ووجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله لا يُدْرَك إلا بالسمع -الكتاب والسنة -فوجب اتباع السمع في ذلك، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
٣ - الفطرة: أما دلالة الفطرة على صحة مذهب السلف فلأنَّ النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص؟
٤ - مطابقتها للكتاب والسنة: فمن تتبع طريقة السلف بعلم وعدل وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا؛ ذلك لأن الله أنزل الكتاب ليدّبر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكامًا، ويصدقوا بها إن كانت أخبارًا.
٥ - أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم ورثة الأنبياء والمرسلين: فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية؛ فالقرآن نزل بلغة الصحابة ﵃، وفي عصرهم، وهم أقرب الناس إلى معين النبوة الصافي، وهم أصفاهم قريحةً، وأقلهم تكلفًا، كيف وقد زكاهم الله في محكم تنزيله، وأثنى عليهم، وعلى التابعين لهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ … خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة].
وقد تهدد رب العزة الذين يتبعون غير سبيلهم بالعذاب الأليم فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].
стр. 232
ولا ريب أن سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان.
فإذا كان الأمر كذلك فمن المحال أن يكون خير الناس، وأفضل القرون قد قصروا في هذا الباب بزيادة أو نقصان.
٦ - أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم لسان صدق من سلف الأمة وخلفها هم على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد. (١)
٧ - تناقض علماء الكلام وحيرتهم واضطرابهم: فهذا مما يدل على صحة مذهب السلف؛ فلو كان مذهب الخلف حقًّا لما تناقضوا، ولما اضطربوا، ولما تحيروا وحيروا.
٨ - رجوع كثير من أئمة الكلام إلى الحق وإلى مذهب السلف: فهناك من أرباب علم الكلام الذين بلغوا الغاية فيه رجعوا إلى مذهب السلف، وتبرؤا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أئمة أكابر علم الكلام ينوح على نفسه، ويبكي عليها، ويقول:
نهايةُ إقدامِ العقولِ عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا … وغاية دنيانا أذًى ووبال
ولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالُوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علا شرفاتِها … رجالٌ فزالوا والجبال جبال
وقال ابن الصلاح: «أخبرني القطب الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى».
стр. 233
وقد اعترف أكثر المتكلمين بالوقوع بالحيرة، والأمور المشكلة المتعارضة فقال ابن أبي الحديد وهو من كبراء المعتزلة بعد عظيم توغله في علم الكلام:
فإذا الذي استكثرت منه هو الـ. . . … . . . . . ـجاني على عظائم المحن
فظللت في تيه بلا عَلَم … وغرقت في بحر بلا سفن
ومن الذين خاضوا في علم الكلام ورجعوا إلى منهج السلف أبو المعالي الجويني، والخسرو شاهي، وأبو حامد الغزالي (١)(٢).
стр. 234
ومن المتأخرين الذين خاضوا في علم الكلام ولم يرجعوا منه بفائدة، بل وقعوا في الحيرة الإمام الشوكاني فإنه حدَّث عن نفسه فقال: «ها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه أمس؛ فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سمّوه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمْت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبّبت إليَّ مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفًا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:
وغاية ما حصّلته من مباحثي … ومن نظري من بعد طول التأمل
هو الوقف ما بين الطريقين … حيرة فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بغير التبحر (١)
وبهذا يتبين لنا صحة مذهب السلف في باب الأسماء والصفات.
ثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات: (٢)
стр. 235
العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها،
كما مرَّ؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.
ولقد اعتنى علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في بيان أسماء الله وصفاته ، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:
١ - العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله .
فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذه هي الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك خُلق له العبد، وإهماله وتركه وتضيعه والتفريط فيه يترتب عليه من الخسارة بقدر تفريطه وإهماله وتضيعه لتك الأمانة العظيمة، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلًا بربه، معرضًا عن معرفته.
وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.
٢ - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.
٣ - تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم بإذن الله من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه
стр. 236
وصفاته، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.
٤ - الانزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.
٥ - أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين ، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه-الحكيم-، والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.
٦ - أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت ، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله-الرحيم-، والتواب، والغفور، فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا
٧ - ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره ، فيلجأ إلى الله، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.
٨ - ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار ، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهرًا وباطنًا.
٩ - وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها ، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبرًا وثباتًا ويقينًا هو عند العبد أفضل من الشفاء.
١٠ - أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها: حتى إن العارف به حقيقة المعرفة
стр. 237
يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.
١١ - أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص ، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.
١٢ - زيادة الإيمان: فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد].
١٣ - أنَّ مَن أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله دخل الجنة ، قال ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (١).
كان هذا البيان لأقسام التوحيد من الأهمية بمكان لكون البحث متعلق بتك القضية الأم-قضية التوحيد-، وليكون البحث كامل الأركان تام البنيان، وكذلك زُيِلت آياتهُ بأقول أئمة التفسير لكون البحث متعلق بسورة من سورة القرآن الكريم، فلا يخرج عن كونه بحثًا في التفسير.
ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.
ثالثًا: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة .
١ - تقرير التوحيد في السورة جملة .
إن المتأمل في ثنايا آيات السورة الكريمة يتضح له عيانًا موضوعها الرئيس ألا وهو تقرير التوحيد بأنواعه وأقسامه الثلاثة، وهو الهدف من سياق تلك السورة الكريمة، التي يتبين فيها استحقاق الله تعالى للمحامد كلها، ووصفه تعالى بصفات الجلال والكمال التي تقرر توحيد الأسماء والصفات، والإقرار له بعموم الربوبية، والاعتراف بعظمته وسعة ملكه، إقرار ذل وخضوع واعتراف له سبحانه بالملك التام، بملكه
стр. 238
الأعظم ليوم الدين -يوم الجزاء والحساب-، ثم تقرير العبودية-عبادة واستعانة-وحصرها وقصرها على مستحقها وحده دون ما سواه وهو الله جل في علاه، ثم بيان افتقار آخر ألا وهو طلب الهداية للصراط، هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام ورشاد، ثم طلب مرافقة وصحبة المنعم عليهم ممن امتن الله عليهم بكمال الهداية للصراط، وتجنب طريق كل من تنكب الصراط ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به كاليهود ومن شابههم، وممن عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى ومن شابههم، وهذا كله إقرار لله تعالى بالألوهية.
وتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي المهمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، «أي: بأن اعبدوا الله ووحدوه ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال» (١).
وتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي الغاية العظمى من خلق الخلق، قال ربنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، أي: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة، ومع ذلك فهو سبحانه في غنى تام عنهم، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، أي: ما أريد ممن خلقت من الجن والإنس من رزق يرزقونه خلقي، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾، أي: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم، ومن طعام أن يطعموهم» (٢).
يقول ابن سعدي ﵀ في تفسيره: «فهذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وتوحيد الإلهية: وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ
стр. 239
من لفظ: ﴿اللَّهُ﴾، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ: ﴿الْحَمْدُ﴾ كما تقدم» (١).
ويقرر ذلك الشيخ حماد الأنصاري ﵀ فيقول: «وهذه السورة -سورة الفاتحة- هي من جملة السور الّتي أفردت للتوحيد، والسور الّتي أفردت للتوحيد أربعة في القرآن الكريم، سورة الفاتحة، وسورة الكافرون، وسورة قل هو الله أحد، وسورة الفلق (٢)، كلّ واحدة منها انتظمت التوحيد الّذي يخصّها، مثلًا سورة الفاتحة انتظمت التوحيد كلّه، وسورة الكافرون اشتملت على توحيد الألوهيّة أي: العبادة، وسورة قل هو الله أحد اشتملت على توحيد الأسماء والصفات، وسورة الفلق اشتملت على توحيد الربوبيّة.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أهمّيّة التوحيد، لأنّ الله أنزل في هذا التوحيد في كلّ نوع منه سورة كاملة، وهذا لم يكن في الأحكام أبدًا ولا في الفروع الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] قوله: ليعبدون: هو التوحيد، وأوّل أمر في كتاب الله هو الأمر بالعبادة كما في سورة البقرة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ومن ثمّ عرفنا أنّ إنزال اللهِ لنا سورًا أربعة كلّ واحدة اشتملت على التوحيد، هذا فيه إشارة إلى أهمّيّة التوحيد، وأنّه السرّ في خلق الجنّ والإنس.
وجاءت في مقدّمة هذه السور -سورة الفاتحة- الّتي افتتح بها القرآن العظيم لماذا؟
стр. 240
لأنّ هذه السورة اشتملت على القرآن كلّه، لا توجد آية في القرآن إلّا ومضمونها موجود في هذه السورة، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، وذلك لأنّ هذه السورة اشتملت على ثلاثة أشياء هي القرآن كلّه:
الأوّل: التوحيد الّذي هو الأساس.
الثاني: الترغيب أو الوعد.
والثالث: الترهيب أو الوعيد اللذان هما فرع من الأساس.
تضمّنت هذه الأمور الثلاثة مع ما سيذكر بعد من تصنيف الناس بحسب هذه الأمور.
وجرت سنّة الله في كتابه الحكيم الجمع بين الترغيب والترهيب بعدما يشرح لنا هذا التوحيد.
ولمّا ذكر الله أقسام التوحيد بجميع أنواعها أتبع ذلك بالترغيب في هذا التوحيد والترهيب من مخالفة هذا التوحيد، ثمّ صنّف الناس بحسب عملهم، أو بحسب اتّصالهم بهذا التوحيد.
هذه الأمور الثلاثة إذا قرأنا القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس لا نجد آية واحدة خرجت عنها» (١)(٢).
٢ - تقرير التوحيد في السورة تفصيلًا .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، يتضمن الأصل الأول، وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
стр. 241
والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم الله والرب والرحمن.
فاسم الله متضمن لصفات الألوهية، واسم الرب متضمن الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسمائه تدور على هذا.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته.
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته، فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته.
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل.
فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة.
وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته.
والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فـ (الرب) لا يكون إلا رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيته فهو الإله الحق، وإن جحده الجاحدون، وعدل به المشركون.
فمن تحقق بمعاني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين. والله المستعان .. » (١).
وفي ضوء بيان ابن القيم -رحمه الله تعالى- لأقسام التوحيد في كتاب الفوائد يتضح ذلك
стр. 242
الترابط بين أقسام التوحيد وبين آيات السورة الكريمة المتضمنة لتك الأقسام الثلاثة جميعًا، ومن هنا يتبين أن الفاتحة أمّ الكتاب هي عين التوحيد.
فقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فإقرار العبد باستحقاق الله تعالى للمحامد كلها عبادة يتقرب العبد بها لربه جل في علاه، وهذا الإقرار متضمن للألوهية، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاسم الـ ﴿رَبِّ﴾ فيه إقرار لله بالربوبية.
«والعالَمون جمع عالَم، والعالم: جمع لا واحد له من لفظه» (١)، وهو كل مخلوق سوى الله تعالى، ونحن عالم: (أي: خلق) من تلك العوالم، وكل واحد منا مخلوق من تلك المخلوقات، والمخلوقات لابد لها من خالق، فدل ذلك ضمنًا على الإقرار بتفرده تعالى بالخلق ووصفه سبحانه بالخالق، والإقرار له سبحانه باسم الخالق جل في علاه متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، لأن الأسماء تشتق منها الصفات.
وهذا كله يدل على «أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل» (٢).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ فيه وصف لله تعالى بالرحمة العامة والرحمة الخاصة، وهما اسمان دالان على أن الله تعالى موصوف بالرحمة العامة الواسعة التي شملت كل مخلوق، وعمت كل حي، وخص منها أولياءه المتقين وعباده المؤمنين، فعموم الخلق تشمله رحمته العامة سبحانه، وخواص الخلق تشمله رحمته الخاصة.
والآية فيها اثبات اسمي: الرحمن، والرحيم، لله ﵎، وهما متضمنان لتوحيد الأسماء والصفات ودالان عليه.
وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، أي: مالك يوم البعث والجزاء وتقريره أنه لا بد من
стр. 243
الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء» (١)، فهو: «مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين» (٢)، وهو سبحانه «دانهم كما دانوا» (٣)، وهذا إقرار لله بالملك التام يوم الدين، و ﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ «من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد» (٤)، وهو اليوم الذي: «يدين الله العباد بأعمالهم» (٥)، ومن تلك المعاني السابقة لمعنى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يتضح ويتبين إقرار العبادة بالإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة، وهذا الإقرار متضمن لتوحيد الألوهية. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، «قدم المفعول وهو إياك، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين» (٦).
و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، «إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك» (٧)، أي: «نوحدك ونطيعك خاضعين. والعبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده، يقال: طريق معبد، أي: مذلل.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا» (٨).
والعبادة: هي التي تجمع معنى الطاعة والخضوع والتذلل والخوف، والاستعانة
стр. 244
المطلقة: هي التي تجمع معاني الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة وإظهار الضعف، وحصر ذلك كله في ذات الله تعالى بتقديم المعمول المفيد للحصر والقصر كما تقدم، وهما أي: (العبادة والاستعانة) من أفعال العباد، الذي هو الإقرار لله تعالى بالألوهية.
يقول الشنقيطي ﵀: والمعنى أن: «لا نطلب العون إلا منك وحدك، لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة.
وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة لأن غيره ليس بيده الأمر» (١)، وكلام الشنقيطي يؤكد أيضًا تقرير الألوهية.
ويقول ابن رجب الحنبلي ﵀ (٢): «وهذه الكلمة قد قيل: إنها تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها؛ لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده.
والإعانة من الله فضل من الله على عبده» (٣).
وقال الشوكاني ﵀: «والمعنى: نخصُّك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، لا نعبد
стр. 245
غيرك، ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل.
ثم قال: وقدِّمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم» (١).
«فالأول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك، والثاني: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله » (٢)، وهذا هو عينه توحيد الألوهية.
وختامًا:
فإن «هذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وتوحيد الالهية وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ من لفظ: «الله»، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾، كما تقدم» (٣).
وبهذا يتبين ويتأكد ويتضح تقرير السورة الكريمة لتوحيد الألوهية.
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، و ﴿اهْدِنَا﴾ فعل أمر جاء في صيغت الطلب والدعاء، ويقع هكذا إذا كان من الأدنى إلى الأعلى.
و ﴿اهْدِنَا﴾، «رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر» (٤) ومعنى ﴿اهْدِنَا﴾ أي: دُلَّنا وأرشدنا إليه، ويكون بمعنى عرفنا» (٥).
стр. 246
ويكون أيضًا بمعنى: «ثبّتنا على الهدى» (١).
وببيان معنى ﴿اهْدِنَا﴾ يتبين أن المقصود هنا سؤال الهدايتين جميعًا كما مرَّ بنا في بداية هذا المبحث، هداية العلم النافع، وهي هداية الدلالة والإرشاد، وهداية العمل الصالح، وهي هداية التوفيق والإلهام، ولا تتم الهداية إلى الصراط المستقيم إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا، فمن لمن لم يعرف الصراط ولم يستدل عليه فكيف يهتدي إليه، وهذا يقتضي الجمع بين الهدايتين، ليجمع السالك لهذا الصراط بين العلم النافع والعمل الصالح، وبذلك يتحقق له كمال الهدايتين جميعًا.
ولقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد تقديم حمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده سبحانه، وهي متضمنة لمعنى الدعاء والمسألة والتوسّل إليه بتوحيده -عبادة واستعانة-وحصرهما لله وحده، وهذا الحصر يفيد نبذ عبادة كل ما سواه سبحانه وإخلاص العبادة له والاستعانة به جل في علاه، وتلك الاستعانة متضمنة لإظهار الذل والافتقار لله والبراءة من حول العبد وقوته.
وكان ذلك كله مقدمة بين يدي أعظم المطالب وأجل الرواغب ألا وهو: مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وقد ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:
стр. 247
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١)، ومن هذا كله أيضًا يتضح اشتمال مطلب الهداية على تقرير ألوهيته ﵎.
و ﴿الصِّرَاطَ﴾ هو: «الطريق، المنهاج الواضح» (٢)، (٣)، «وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله . وقال آخرون: هو الإسلام» (٤).
والصراط المستقيم، قيل: هو «كتاب الله» (٥).
قال ابن عطية الأندلسي ﵀: «والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة» (٦).
قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «والمستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]؛ فالرسول ﷺ بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (٧)، وما ذكره الإمام ابن باز فيه بيان شاف كاف في تأكيد تقرير الألوهية كذلك.
ويؤكد كذلك ابن سعدي ما سبق بيانه من تقرير الألوهية ببيان معنى الهداية وسعة ودلالة مفهومها فيقول رحمه الله تعالى: «أي: دُلَّنا وأرشدنا، ووفِّقنا للصراط
стр. 248
المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا؛ فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يدعوَ الله به في كل ركعة من صلاته؛ لضرورته إلى ذلك» (١)، وبيان ابن سعدي مع ما حواه من تقرير الآية للألوهية، ففيه مع ذلك بيان جامع لأقوال المفسرين في المعاني الواردة في تفسير معنى الصراط.
والاستقامة: «كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات» (٢).
ما هو الصراط المستقيم ؟
الصراط المستقيم هو: دين الله، هو توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه، هذا هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الله، وهو الإسلام والإيمان والهدى، وهو الصراط المستقيم، وهو العبادة التي أنت مخلوق لها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، هذه العبادة هي الصراط المستقيم إن الدين عند الله الإسلام.
والإسلام هو الصراط المستقيم، وهو الإيمان بالله ورسوله، وتوحيد الله، وطاعته وترك معصيته، هذا هو الصراط المستقيم: أن تعبد الله وحده دون كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣) وطلب الهداية هنا بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾، من الدعاء، والدعاء إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، ومطلب الهداية هنا من دعاء المسألة، التي هي من أعمال العباد المستلزم توحيد الألوهية، ومن هنا يتبين ويتضح تقرير الآية الكريمة لتوحيد الألوهية.
стр. 249
وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
قال ابن كثير ﵀: «﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]» (١).
ويختصر مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ القول في بيان المنعم عليهم فيقول (٢): المنعم عليهم هم: «النبيون ومن أسلم معهم» (٣)، ولا شك أن هذا قول جامع أُخِذَ مفهومهُ وفحواه من آيات سورة النساء: [٦٩، ٧٠] و ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: «طريق من أنعمت عليهم» (٤).
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
«و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود، والضالون النصارى» (٥)، وعليه جمهور المفسرين.
وقد أخرج الترمذي في سننه وروى بسنده قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَبُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ (٦).
стр. 250
وأقوال أئمة السلف متضافرة على: أنَّ سبب غضب الله على اليهود أنَّهم لم يعملوا بعلمهم، ذلك لأنهم خير من عرف الحق وخالفه وكتمه وأنكره وجحده، وكذلك لأنهم قوم بهتان ووزر وكذب وغدر وخيانة وكبر وحقد وحسد وشقاق وعناد ونفاق، وهم قتلة الأنبياء وأهل معادات الأولياء، وهم أسباب إثارة الفتن والقلاقل والحروب بين الشعوب، وهم أكلة الربا وأكلة أمْوال النَّاس بالباطل؛ وأنَّهم لا يتناهَون عن منكر فعلوه، وهم أهل الحيل والمكر والخديعة والغش، وهم نقضة العُهُود والمواثيق؛ وهم خير من يحرف الكلم عن مواضعه، وهم قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد منزوعو الرحمة، وهم أجبن الخلق وأخسهم وأرذلهم وأحرصهم على حياة، والمتأمل في واقع البشرية الآن يرى أن كل شر وفساد وبلية وراءها اليهود، من بث الشر ونشر الفساد بكل صوره؛ ومخططاتهم العالمية في تفشي المنكرات ونشر الإباحية وإشاعة الفاحشة وتجارة الرَّذيلة، ومحاربة الشعوب بالمخدرات والمسكرات لا تخفى، ولذا يسيطرون على وسائل الإعلام المختلفة لنشر الفساد بكل صوره وأشكاله، ولحبهم الدنيا ولحبهم البقاء فيها يسيطرون على منابع المال ومصادره ومصارفه ويتحكمون في الاقتصاد العالمي، وكذلك رسالتهم العالمية في نشر الكفر والإلحاد وتحريف الأديان كما حرفوا دينهم، ومحاولاتهم البائسة اليائسة تشويه الصورة الناصعة للإسلام والمسلِمين ومجدهم التليد وتاريخهم المجيد لا تخفى، ونشر الشبهات حول دينهم ليفسدوا عقائدهم، وتشكيكهم في ثوابت دينهم وأصوله، والطعن في الدين بكل خديعة ودسيسة يستطيعونها فهم أهل للإفساد في الأرْض كما وصفهم ربنا في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة] فلذلك استحقوا الغضب والوصف به.
وأما النصارى: فقد أضلهم الله لأنّهم عبدوا الله على جهالة، واتبعوا أهواءهم