ويقول ﵀: «ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض» (١).
والسجود من أعظم مشاهد كمال خضوع وذل هذه المخلوقات وانقيادها لخالقها وبارئها سبحانه وذلها لربوبيته وعظيم سلطانه.
ويوضح البقاعي معنى السجود أيضًا فيقول ﵀: «يسجد له أي: يخضع منقادًا لأمره مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها» (٢).
والحقيقة الثابتة كما قرر أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن الكائنات تسجد سجودًا حقيقيًّا علمها ربها إياه وهو يعلمه منها على وجه يليق بها ويناسبها، والبقاعي أول السجود هنا إلى الخضوع نافيًا سجودها مؤولًا له ببعض معانيه وهو الخضوع، والبقاعي مع جلالة قدره له تأويلات لصفات الرب جل في علاه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نفيه للحرف والصوت في كلام الرب جل في علاه وقد أجمع السلف على أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت.
فقال في نظم الدرر: «والذي سمعه موسى ﵇ عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد في رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا جوهر، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]» (٣).
стр. 317
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: «وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى» (١).
وسجود الكائنات كلها سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
حتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
ثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ قال: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال: «يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ»، قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: «فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨)﴾» (٢).
وثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ أيضًا قَالَ: سأَلتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قال: «مُستقَرُّها تحت العرش» (٣).
«وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَنْ يسْجد لَهُ» (٤).
فالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء
стр. 318
ظلالها ذات اليمين والشمال ولا يتبادر للذهن إلى أنه يلزم أن يكون سجودها مثل سجود البشر على سبعة أعظم، وإذا كان الله قد أثبت لها السجود وجب الأخذ به وعدم الحيد عنه وتأويله عن ظاهره، إذا أن الكائنات لها السجود اللائق بها على الوجه الذي جبلها الله عليه وأراده منها.
تسبيح الكائنات:
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور].
يقول الإمام ابن كثير ﵀: «يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي: بكرًة وعشيًّا فإنه ساجد لله تعالى.
قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله » (١).
والكون كله يوحد الله ويسبحه ويمجده قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء]، «وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ» (٢).
وتسبيحها تسبيح حقيقي فطرها وجبلها عليها خالقها لا يعلمُ كيفيته وصفته إلا هو سبحانه، : ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء].
ومما ورد في هذا الصدد ما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال رسول ﷺ : «ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فيبقَى شيئٌ من خلق الله إِلَّا سَبَّح الله بحمدِه، إلَّا مَا كان من الشياطين،
стр. 319
وأغبياء بني آدم» (١).
ومما يُروى أن ما يصيب بعض المخلوقات من العجماوات والأشجار وغيرها بسبب ما ضيعت من تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وذكره جل في علاه، وفي ذلك إشارة إلى أن الله قد جعل لها إدراكًا خاصًّا علمها إياه بارؤها .
فعن ميمون بن مهران ﵀ قال: «أُتي أبو بكر الصديق ﵁ بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح» (٢).
و «لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرًا ذاتيًّا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات» (٣).
تسبيح الرعد:
والرعد يُسبِّح بحمده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
أي: «ويعظم الله الرعد ويمجد، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس» (٤).
стр. 320
عبودية وتسبيح بعض الكائنات:
والنباتُ يُسبِّح الله ويوحده جلَّ في علاه، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن].
فالنجم مَا لا سَاق له من النَّبَات، وَالشَّجر مَا كان له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ على وجه يليق بها، وهي خاضعة لأمره .
وكذلك كل ما في السماوات والأرض: كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨].
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده» (١).
وكما قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ [ص: ١٨ - ١٩].
يقول الشنقيطي: «وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ الْمَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَجْعَلُ لَهَا إِدْرَاكَاتٍ تُسَبِّحُ بِهَا، يَعْلَمُهَا هُوَ -جَلَّ وَعَلَا -وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا.
وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
وَالتَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ» (٢).
стр. 321
من مشاهد عبودية الطير في القرآن:
ومن مشاهد عبودية الطير لله وتنزيهه عن الند والشريك ما ذُكِرَ الله لنا من خبر هدهد سليمان من تعظيمه لله وتهويله لأمر الشرك في الألوهية من ملكة سبأ وقومها وإنكاره ونفوره وأنفته من عبادتهم وسجودهم للشمس من دون الله تعالى.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٦].
ولا ريب أن هذا شرك واضح بين، ولذا ساء الهدهد وهاله ما رأى من سجودهم للشمس فأنف بفطرته وجبلته من عبادتهم تلك، فتمعر وجهه في ذات الله، وقد تسبب بذلك في هداية أمة بأسرها للإسلام ونجاتهم من الشرك الموجب الخلود في النيران.
مشاهد من عبودية وتسبيح النمل:
النمل أمة من الأمم الخاضعة لسلطان بارئها الخاضعة لكبريائه وعظمته المسبحة بحمده المنزهة والمقدسة لذاته، ومن مشاهد عبوديتها وتسبيحها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فقد ثبت عند البخاري من حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ» (١).
وفي لفظ مسلم منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتيْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟» (٢).
стр. 322
والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله:
ومن دلائل عبودية النمل لله تعالى الدعاء لمعلم الناس الخير الذي يدل المخلوق على الخالق جل في علاه.
فقد ثبت عند الطبراني والترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (١).
أي: «يستغفرون لهم، وذكر النَّملة والحوت بعد ذكر الثَّقلين والملائكة تتميمٌ لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرَّحمان الرَّحيم، وخصَّ النَّملة والحوت بالذِّكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال: بهم تنصرون وبهم ترزقون، حتَّى أن الحوت الَّذي لا يفتقر إلى العلماء اِفْتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدًا ببركتهم، وأمَّا إلهام الحيوانات الاسْتغفار له، فقيل: لأنَّها خُلقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعُلماء هم المبيِّنون ما يحلُّ منها وما يحرم، ويُوصون بالإحسان إليها، ودفع الضُّر عنها، حتَّى بإحسان القِتلة، والنَّهي عَنِ المُثلة، فاسْتغفارهم لهُ شكرٌ لذلك النّعمة (٢)، وذلك في حقِّ البشر آكد لأنَّ اِحتياجهم إلى العلم أشدٌّ وعود فوائده عليهم أتمٌّ.» (٣) اهـ.
ومن مشاهد عبودية الجمادات كذلك، عبودية الحجارة والجبال:
والحجارة تهبِطُ من علوِّها خشيةً لله وتعظيمًا، خضوعًا له وإجلالًا، مقترنًا ذلك كله بالتسبيح والتقديس لخالقها مع ذل وانكسار لله يعتريها قال : ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا
стр. 323
يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].
«ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية، قال جلَّ ذكره: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨] الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به ويكل علمه إلى الله » (١).
تصدع الجبال إجلالًا لكلام الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري ﵀: «يقول -جل ثناؤه-: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ -وهو حجر- لرأيته يا محمد خاشعًا يقول: متذللًا متصدعًا من خشية الله على قساوته، حذرًا من ألا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف، وعنه عما فيه من العبر والذكر معرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا».
ثم يقول ﵀: أي: «لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع.
يعذر الله الجبل الأصم، ولم يعذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدعت جوانحه من خشية الله» (٢).
«فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق» (٣).
стр. 324
والشركُ بالله ظلم عظيم وجرم كبير، فهذه المخلوقات الكبار وتلك الكائنات العظام تكاد تتشقق وتنفطر وتخر هدًا لعظم الشرك وهوله وفظاعته وجرمه، إجلالًا لله وغيرة على توحيده وألوهيته جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم].
أي: «من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات أن يكون منها ما ذكر» (١).
«وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك» (٢).
و «يَكَادُ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِهِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ، إِعْظَامًا لِلرَّبِّ وَإِجْلَالًا؛ لِأَنَّهُنَّ مَخْلُوقَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ» (٣).
وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ … حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر].
«فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم ها هنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همّت بما همّت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة» (٤).
فـ «في الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته» (٥).
«أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ليس لنا إرادة تخالف إرادتك» (١).
ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر أيضًا ذكر الله تعالى، فالحجر والشجر يذكران الله تعالى ويجيبان دعوته بالتلبية مع مَن يلبي من عباد الله حاجًّا كان أو معتمرًا ويدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وصححه الألباني منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (٢).
ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر كذلك موالاة المجاهدين من عباد الله المؤمنين وحثهم على قتل اليهود.
ويدل على ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (٣).
ومن مشاهد عبودية الطعام وتسبيحه:
الطعام يقدس الله تعالى ويسبحه، فقد ثبت عند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ». فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»، فَلَقَدْ
стр. 327
رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ» (١).
وبعد هذا البيان يتضح للمتأمل عبودية المخلوقات كلها لربها جل في علاه، العوالم كلها علويها وسفليها، الجن والإنس والملائكة، والسموات العلا وما فيها وما حوته من كواكب وأجرام وشمس وقمر ونجوم وأفلاك وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وقفار وجنات ونبات وحيوان ووحش وطير ودواب وهوام وجمادات وغيرها من مخلوقات الله ما علمنا منها وما لم نعلم، الكل أقر بعبوديته لله وسبح بحمده وأقر بربوبيته وألوهيته فوحده وقدسه وخضع لكبريائه وعظمته وسجد له وخشع وعبده سبحانه خوفًا وطمعًا رغبًا ورهبًا.
وحقيقٌ ببني آدم أن يكونوا في طليعة هذه الكائنات التي خضعت لعبودية الله، فالإنسان من أفقر المخلوقات لبارئها وهو مع ذلك من أكثرها تمردًا وعصيانًا وجحودًا وإنكارًا لربه ولنعمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات].
«أَيْ: طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: ﴿لَكَنُودٌ﴾: لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَن، وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ» (٢).
فـ «مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ. فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ» (٣).
ثالثا [*]: عبودية الاستعانة ، في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
لايزال الحديث متصلًا عن أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة، والكلام لا يزال متصلًا عن الموضع الرابع ألا وهو: أن أصل الدين مبنيٌّ على أصلين
стр. 328
عظيمين ألا وهما: (العبودية-والاستعانة)، وقد انتهى الكلام عن العبودية بالتفصيل، والآن يُشَرعُ الكلامُ عن الاستعانة وبيان مفهومها وحقيقتها وأقسامها وأقسام الناس فيها، وبيان منزلتها من الدين، وبيان ثمرتها بشيء من التفصيل كذلك.
أولًا: بيان مفهوم الاستعانة في اللغة والاصطلاح:
١ - الاستعانة لغة: مصدر استعان وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشّيء، يقال: فلان عوني أي: معيني وقد أعنته، والاستعانة طلب العون، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، والعون الظّهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنّث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السّنةُ جاء معها أعوانُها، يعنون بالسّنة: الجدب، وبالأعوان: الجراد والذّئاب والأمراض.
وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا عليّ واعتونوا: أعان بعضهم بعضًا، وتعاونًّا: أعان بعضنا بعضًا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للنّاس وكلّ شيء أعانك فهو عون لك كالصّوم عون على العبادة» (١).
٢ - واصطلاحًا:
قال ابن تيميّة ﵀: «الاستعانة: طلب العون من اللّه، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» (٢).
ويقول ابن سعدي ﵀: «والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك» (٣).
стр. 329
وهي: «عِبَادَةٌ، بَلْ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ، وَهِي تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةَ بِاللهِ. وَالاعْتِمَادَ عَلَيهِ» (١).
ثانيًا: بيان أقسام الاستعانة
والاستعانة على ضربين.
استعانة إيمانية واستعانة شركية.
قال ابن تيميّة ﵀: «إنّ العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، وهذا المستعان به على قسمين وهما:
القسم الأوّل: ما يستعان به لنفسه فيكون هو الغاية الّذي يعتمد عليه العبد ويتوكّل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة.
والقسم الثاّني: ما يكون تبعًا لغيره بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصّانع.
والنّاظر في أحوال الخلق يجد أنّ النّفس لا بدّ لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها سواء أكان ذلك هو اللّه أم غيره وإذا كان المستعان غير اللّه فقد يكون عامًّا، وهو الكفر كمن عبد غير اللّه مطلقًا، أو سأل غير اللّه مطلقًا.
وقد يكون خاصًّا في المسلمين ممّن غلب عليهم حبّ المال أو حبّ شخص أو حبّ الرّياسة أو غير ذلك بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، وصلاح العبد في عبادة اللّه واستعانته به، ومضرّته وهلاكه وفساده في عبادة غير اللّه والاستعانة بما سِواه، وتوحيد اللّه وإخلاص الدّين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأوّل الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العامّ الّذي بُعِثَ به جميعُ الرّسلِ، فلا يصرف لغير اللّه شيءٌ من أنواع العبادة والاستعانة، إذ إنّ أنواع العبادة متعلّقة كلّها بألوهيّته، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، واللّه ربّ العالمين لا إله إلّا هو، ولا ربّ لنا غيره، لا ملك ولا نبيّ ولا غيره» (٢).
تَحْتَ رِقِّهَا سَبَبًا لِنَيْلِ الْإِعَانَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَتَمَّ عُبُودِيَّةً كَانَتِ الْإِعَانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أَعْظَمَ» (١).
«وقُدِّمت العبادةُ على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم» (٢).
والعبودية حق الرب جل في علاه، والاستعانة حظ العبد الفقير إلى خالقه وسيده ومولاه، وحق السيد مقدم على حظوظ عبيده.
رابعًا: بيان أقسام الناس في العبادة والاستعانة:
إن الخلق في هذا الباب متفاوتون ومتباينون، والمتأمل في ذلك يرى بينهم بونًا شاسعًا.
القسم الأول:
فأعلاهم منزلة وأعظمهم عبودية واستعانة أهل التقوى والإيمان، الذين قد جمع لهم الله خيري تحقيق العبودية وكمال الذل والافتقار إليه والبراءة من الحول والقوة بلزوم الاستعانة به سبحانه، وهؤلاء هم المقسطون الذين وحدوا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وهم المُنعَمُ عليهم من عباد الله الموصوفون في سورة النساء في قوله سيحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].
والقسم الثاني:
وأدناهم وأخسهم وأحطهم منزلة خلق لا عبودية لهم ولا استعانة، وهؤلاء إنما كانوا كذلك لأنهم قد فات عليهم تحقيق جانبي العبودية والاستعانة وهما أصلا الشرع وقوام الدين، فقد استغنوا عن خالقهم بأنفسهم، وقد تُلجؤهم الشدائدُ لسؤال
стр. 332
خالِقِهم ودعائه مخلصين له الدين في ذلك الله عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت].
قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، يقول: فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلّمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابًا» (١).
القسم الثالث:
وخلق لهم عبودية ولكنهم نقص حظهم وقسطهم ونصيبهم من الاستعانة، وفات عليهم تحقيق كمال الإيمان بالقدر فضعف لديهم جانب الاستعانة والصبر على الأوامر والنواهي على الأقدار كونًا وشرعًا، فلم يسعفهم ضعفُ الاستعانةِ على كمال الاستجابة لله ولشرعه، وقد تكون لهم معافاة وقوة بقدر تحقيقهم الصبر على الطاعة وعلى لزوم السنة ومجانبة الهوى.
القسم الرابع:
وخلق لهم حظ من العبودية والاستعانة، ولكن منشأ ذلك حظوظ النفس ومشتهياتها، وهم كمن يعبد الله على حرف تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج].
قال ابن سعدي ﵀: «أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفًا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند
стр. 333
المحن، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أي: إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه».
فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ من حصول مكروه، أو زوال محبوب انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ أي: ارتد عن دينه، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسًا لماله، وعوضًا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حُرِمَ الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج] أي: الواضح البين» (١).
وللإمام ابن القيم في مدارج السالكين تقسيمٌ بديعٌ للناس في العبادة والاستعانة، نتعرض له بشيء من الإشارة والإيجاز والتصرف اليسير، حيث يبين ﵀:
أن الناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام -أيضًا-:
القسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة:
وسيأتي بيانه بإذن الله لأن موضوع البحث العبادة والاستعانة.
القسم الثاني: خلق لا عبادة لهم ولا استعانة:
وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة لهم ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه.
القسم الثالث: خلق لهم عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فُعِلَ بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل.
وثانيهما: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر.
стр. 334
القسم الرابع: خلقٌ لهم استعانة بلا عبادة.
كمن شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه.
والمعني معنا هنا في بحثنا هو القسم الأول، لذا سيُذكرُ بشيء من التفصيل اليسير عن الإمام الهمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما أسلفنا، وكما هو في المدارج.
القسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة
أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب ﵎ الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁، فقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١).
فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: «تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾» (٢).
و «الدِّينُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى هاذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ وَالثَّوابِ وَالْعقابِ يَرْجِعُ إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيهِمَا مَدَارَ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ» (٣).
خامسًا: بيان منزلة الاستعانة من الدين:
قال ابن القيم ﵀: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن
стр. 335
العبد قد يثق بالواحد من الناس وهو مع ذلك لا يعتمد عليه لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به، ومثل الاستعانة التوكل إذ هو أيضًا يلتئم من هذين الأصلين (الثقة والاعتماد) وهذان الأصلان وهما: التوكل (الاستعانة) من ناحية والعبادة من ناحية أخرى قد اقترنا في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها:
١ - قوله سبحانه في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ … فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
٣ - وقول الله تعالى عن شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود].
٤ - وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد].
٥ - وقوله -عز من قائل- في وصف دعاء المؤمنين ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة].
٦ - وقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٨ - ٩].
فهذه ستة مواضع جمع فيها القرآن الكريم بين الأصلين وهما:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: بين العبادة والاستعانة أو ما في معناها وهو التوكل» (١).
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى-: «وأما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول
стр. 336
للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١).
«ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا.
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه.
ومن كلام بعض السلف: يا رب، عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟! وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟!» (٢).
ويُستفاد من كلام ابن رجب ﵀: أن افتقار العبد وذله لربه واستعانته به استعانة مضطر، إذ لا غنى للعبد عن ربه في جلب النفع ودفع الضر، وهذا الافتقار والذل والاضطرار هو عين العبودية وأسها المتين وهو توحيد الله الذي لا يقبل من خلقه دينًا سواه.
ومما يُعين على تحقيق الاستعانة بالله تعالى أن يعلم العبد مكانة الاستعانة من الدين فهي بمثابة نصف الدين، فنصفه عبودية ونصفه الآخر استعانة، وهذا مصداق قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وأمثلة هذا كثير في كتاب الله كما ساق ابن القيم ﵀ ستة مواضع من القرآن الكريم.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: التَّوَكُّلُ نِصْفُ الدِّينِ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي الْإِنَابَةُ، فَإِنَّ
стр. 337
الدِّينَ اسْتِعَانَةٌ وَعِبَادَةٌ، فَالتَّوَكُّلُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ، وَالْإِنَابَةُ هِيَ الْعِبَادَةُ.
ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العاملين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السماوات والأرض -المكلفون وغيرهم- في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم.
فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه، وتنفيذ أوامره.
ودون هؤلاء مَن يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس.
ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق، أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد ونحو ذلك.
ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله، وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات، ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم، ويظفرهم بمطالبهم.
فأفضل التوكل: التوكل في الواجب؛ أعني: واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس.
وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.
ثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم؛ فمن متوكل على الله في حصول الْمُلك، ومن متوكل في حصول رغيف.
ومن صَدَقَ توكلُهُ على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت
стр. 338
له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته، والله أعلم.
وكثير من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل، وهو مغبون؛ كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويُمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرًا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، ومصالح المسلمين، والله أعلم» (١).
سادسًا: ثمرات الاستعانة بالله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإذا حصل الاستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور]» (٢).
وبتحقيق الاستعانة يحصل كمال الاهتداء
كما بين ذلك شيخ الإسلام في قوله: «وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدلّه كما قال: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (٣).
وكما كان النبي ﷺ يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات
стр. 339
والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١)(٢).
وقال ابن القيم ﵀: «وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم فارحل بهمتك من بين الأموات وعليك بمعلِّم إبراهيم» (٣).
وبقدر تحقيق العبودية والاستعانة يتحقق للعبد السلامة من الآفات المهلكات.
قال ابن القيم ﵀: «كثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تدفع الكبر» (٤).
«فلا نجاة من مصايد الشيطان ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته» (٥).
وقد «رُوِيَ عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ماذا تصنع إذا سول لك الشيطان الخطايا؟ قال أجاهده، قال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك، لكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك، إذا أردت التخلص من الشيطان ووسوسته، فاستعن بخالقه يكفه عنك ويحميك» (٦).
هذا مثل ضربه ابن الجوزي لتقريب المعنى وتصويره في الذهن، والله تعالى له الْكَمَال الْمُطْلَق الكامل التام مِنْ كُلّ الوَجْوه، قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل].
وعلى قدر استعانة العبد بربه وصدقه في توكله عليه واضطراره والانقياد لأمره
стр. 340
والرضا بمقدوره يتحقق له المطلوب، وينال من ربه كل محبوب ومرغوب.
ولقد تم البسط في مبحث العبودية والاستعانة لأسباب من أهمها وأبينها ما يلي:
أولًا: لعظم ومكانة وقدر العبودية والاستعانة من الدين.
ثانيًا: لأن مدار البحث حول التوحيد ومعالمه في السورة الكريمة، فهو بمثابة المبحث الأم والرئيس الذي تدور في فلكه مباحث تلك الرسالة جمعاء.
ثالثًا: كون العبودية والاستعانة هما أصلا التوحيد وعماده وأساسه المتين، فكان لابد في ذلك من بيان شاف كاف يحسن للناظر فيه أن يقف على معنى تامٍّ شافٍ يقضي فيه وطره الصالح، وقد ارتوى من معينه وارتشف من رحيقه المختوم وكان ختامه مسكًا، ليتحقق له بعد ذلك التنافس الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون في تحقيق العبودية الكاملة التامة، عبادة واستعانة، ذلًّا وافتقارًا، خضوعًا وإنابة وانكسارًا.
رابعًا: كَثُرَ النقلُ في هذا المبحث الهام عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الهمام ابن القيم الإمام -رحمهما الله تعالى-، لكونهما طبيبي هذا الباب، وقد عنيا بقضية التوحيد وأولاها الاهتمام الأكبر والحظ الأوفر فيما صنفاه وكتباه وورثاه الأمةَ، فجاءت كلماتهما كالبلسم الشافي والعلاج الناجع للأدواء المستعصية والأمراض المزمنة، وقد حوى كلامهما بيانًا لكل جوابٍ كافٍ لأي مسترشد عن دواء شاف، فقد بينا عضال الداء وأرشدا لصالح الدواء، فمن تعاطى الدواء عُوفي من الداء، وسلك درب المتقين وارتقى في مدارج السالكين وحقق العبودية والإيمان وتقلب في نعيم منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
هذا ولعل المتأمل فيما مضى أن يبصر القولَ الواضحَ المبين، الداعي إلى سلوك السبيل المستبين، ليحط بعده رحاله في مدارج السالكين، ويرتقي في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 341
٥ - اشتمال السورة على أعظم المطالب.
(طلب الهداية للصراط المستقيم ودلاته على التوحيد)
كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
أولًا: مفهوم الهداية .
١ - الهداية لغة:
قال الراغب ﵀ في المفردات: «الهداية: دلالة بلطف» (١).
فإن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات]؟ قيل: استعمال اللّفظ في ذلك على سبيل التّهكّم مبالغة في المعنى كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].
وقال الجوهريّ ﵀: الهدى: الرّشاد والدّلالة؛ يؤنّث ويذكّر، يقال: هداه اللّه للدّين هدًى، والهدى في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: لم يبيّن لهم، والهداء مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها هداء وقد هديت إليه، ويقال: هدى هدي فلان أي: سار سيرته، وفي الحديث: «وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ» (٢)، أي: سيروا سيرته.
والتّهادي أن يهدي بعضهم إلى بعض، وفي الحديث: «تهادوا تحابّوا» (٣).
وقال ابن منظور ﵀: «هو من هداه يهديه هدًى وهديًا وهداية وهدية. والهدى: ضدّ
стр. 342
الضّلال وهو الرّشاد والبيان، لازم ومتعدّ، يقال: هداه اللّه الطّريق وهي لغة الحجاز. ولغة غيرهم يتعدّى بالحرف فيقال: هداه إلى الطّريق وللطّريق أي: بيّنه له وعرّفه به.
وهداه اللّه إلى الإيمان وللإيمان أي: أرشده إليه.
وهُدِيَ هَدْيَ فلانٍ سار سيرته، وهدى فلانًا تقدّمه. وهدى الشّيء تهدية وهو لا يهدّي إلّا أن يُهدى: أي: لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلّا أن ينقلوه.
ومعنى لا يهدّي: لا يهتدي. والهدى: مؤنّث ويذكّر، يقال: هو على الهدى، وسل اللّه الهدى: أي: الدّلالة على الرّشاد. والهدى: النّهار أيضًا» (١).
وقال الجرجانيّ: «الهداية الدّلالة على ما يوصّل إلى المطلوب» (٢).
وقيل: «هي سلوك طريق يوصّل إلى المطلوب. والملاحظ هنا أنّه أضاف قيد «التّوصيل إلى المطلوب» وحذف قيد «كونها بلطف» وقد جمع المناويّ بين كلّ من الرّاغب والجرجانيّ فقال: الهداية: دلالة بلطف إلى ما يوصّل إلى المطلوب». (٣)
ولا شك أن في شمولية تعريف المناوي لتعريفي الراغب والجرجاني جميعًا أوضح في دلالة معنى الهداية لغة وأبين في الوصف، و «الدلالة بلطف» تدل على هداية الدلالة والإرشاد، و «الوصول إلى المطلوب» فيها إشارة إلى الهدف المنشود من معرفة الصراط، وهذا متضمن لهداية الإرشاد أيضًا، ومن ثم السير عليه والثبات عليه، وهو متضمن لدلالة التوفيق والإلهام.
٢ - الهداية اصطلاحًا:
قال أبو البقاء الكفويّ ﵀: «الهداية هي الدّلالة على طريق من شأنه الإيصال (إلى المطلوب) سواء حصل الوصول بالفعل في وقت الاهتداء أو لم يحصل» (٤).
стр. 343
وتعريف أبي البقاء الكفوي، هو للتعريف اللغوي أقرب منه للتعريف الاصطلاحي، وقد يشملهما جميعًا.
وقال البغويّ ﵀: «اهدنا: أرشدنا، وقال عليّ وأبيّ بن كعب ﵄: ثبّتنا» (١).
وتعريف البغوي شمل الهدايتين جميعًا.
وقال ابن كثير ﵀: «الهداية: الإرشاد والتّوفيق، وقد تعدّى الهداية بنفسها كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، فتضمّن معنى ألهمنا أو وفّقنا أو ارزقنا أو أعطنا. و ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بيّنّا له الخير والشّرّ. وقد تعدّى بـ (إلى) كما في قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل]، وذلك بمعنى الإرشاد والدّلالة. وقد تعدّى باللّام كقول أهل الجنّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفّقنا وجعلنا له أهلًا» (٢).
وقال ابن القيّم ﵀: «الهداية: هي البيان والدّلالة، ثمّ التّوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدّلالة.
ولا سبيل إلى البيان والدّلالة إلّا من جهة الرّسل، فإذا حصل البيان والدّلالة والتّعريف، ترتّب عليه هداية التّوفيق» (٣).
وتعريف كلٍّ من ابن كثير، وابن القيم -رحمهما الله تعالى- قد بينا فيه نوعي الهداية، هداية الدّلالة والإرشاد، وهداية التّوفيق والإلهام، وقد تم بيان الهدايتين ومعنيهما في أكثر من موضوع في ثنايا البحث، وكذلك سبق التعريف بالصراط: لغة وشرعًا (٤).
стр. 344
ثانيًا: بيان أنواع الهداية .
ولا بأس هنا بذكر بعض معاني الهداية وتقسيمها بمعنى أشمل وأوسع وأكمل وأدل كما ذكر ذلك صاحب بصائر ذوي التميز.
يقول الفيروز آبادي ﵀: «وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب.
الأوّل: الهداية الّتي عمّ بها كلّ مكلّف من العقل والفطنة والمعارف الضّروريّة، بل عمّ بها كلّ شيء حسب احتماله، قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه].
الثّاني: الهداية الّتي جعلت للنّاس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
الثّالث: التّوفيق الّذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].
وهذه الهدايات الأربع مترتّبة. فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية، بل لا يصحّ تكليفه. ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة.
والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]، وبقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد] أي: راع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وكلّ هداية ذكر الله تعالى أنّه منع الكافرين والظّالمين فهي الهداية الثّالثة، الّتي هي التّوفيق الّذي يختصّ به المهتدون.
والرّابعة الّتي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
стр. 345
الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة]» (١).
وبهذا التعريف الشامل لضروب الهداية وأقسامها ومعانيها للفيروزآبادي، يُختم مبحثُ التعريف بالهداية بمعنييها اللغوي والاصطلاحي.
ثالثًا: بيان أن مطلب الهداية هو أعظم وأجل المطالب:
والدعاء في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ هو أعظم وأجل وأعز المطالب، وقد قدم العبد بين يديه حمدًا لربه وثناءً عليه وتمجيًدا وتعظيمًا وذلًّا وخضوعًا، مقرًا له بالربوبية والألوهية مثنيًا عليه سبحانه بأسمائه وصفاته.
وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀: «وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُ اللَّهِ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَجَلَّ الْمَطَالِبِ، وَنَيْلُهُ أَشْرَفَ الْمَوَاهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤَالِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ، فَهَاتَانِ وَسِيلَتَانِ إِلَى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَهَاتَانِ الْوَسِيلَتَانِ لَا يَكَادُ يُرَدُّ مَعَهُمَا الدُّعَاءُ» (٢).
ثم يقول ﵀: «وَقَدْ جَمَعَتِ الْفَاتِحَةُ الْوَسِيلَتَيْنِ، وَهُمَا التَّوَسُّلُ بِالْحَمْدِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَالتَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جَاءَ سُؤَالُ أَهَمِّ الْمَطَالِبِ، وَأَنْجَحِ الرَّغَائِبِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ بَعْدَ الْوَسِيلَتَيْنِ، فَالدَّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالْإِجَابَةِ» (٣).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: و «أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ: دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فَإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ: أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ. فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ» (٤).
بمنزلة بُنيَّات الطَّريق، وطريقُ الحقِّ بمنزلة الطَّريق الموصَّل إلى المقصود، فهي وإنْ تنوَّعت فأصلها طريقٌ واحدٌ» (١).
«فَبِهَذَا الطَّرِيقِ الْمُجْمَلِ-الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم- يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَهُ فَبَاطِلٌ، وَهُوَ
مِنْ صِرَاطِ الْأُمَّتَيْنِ: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى» (٢).
ومن فوائد الآية: «بَيَان أَن العَبْد لَا سَبِيل لَهُ إِلَى سعادته إِلَّا باستقامته على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة إِلَّا بهداية ربه لَهُ كَمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى عِبَادَته بمعونته فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة على الصِّرَاط إِلَّا بهدايته.
فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة .. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة» (٣).
والعباد مفتقرون مضطرون لهداية ربهم لهم، وقد امتن عليهم خالُقُهم وأكرمهم بالوقوف بين يديه لأداء الصلوات المفروضة.
في أعظم مشهد من مشاهد العبودية بعد أن تطهروا باطنًا وظاهرًا وقصدوا أطهر البقاع وهي المساجد، واستقبلوا أشرف وجهة وهي القبلة، قاصدين بقلوبهم ووجوههم وأبدانهم أشرف مكان وهو البيت العتيق في مكة المكرمة وهي خير البقاع، واقفين في مشهد الذل والخضوع والخشوع والاخبات، مفتتحين صلاتهم بالتكبير والتعظيم والإجلال لربهم، مستهلين فاتحة كتابه المجيد بالحمد والثناء والتمجيد، مقرين لخالقهم بالعبودية والتوحيد، كل ذلك تقدُمَة وزلفى ليسألوا ربهم أعظم مسألة وأجل مطلوب ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وحق لهم ذلك، فبتحقيق مطلبهم تُنال السعادةُ الأبديةُ التي تهوى إليها نفوس أهل الإيمان، وتشتاق وتطلع إليها قلوب أهل العرفان لينالوا من ربهم الرحمة والرضوان، يقول ربنا الكريم المنان: ﴿﵃
стр. 348
وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة]، ولينالوا العتق من النيران ويفوزوا بسكنى الجنان، كما قال ربنا الرحمن: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وفي نحو ذلك يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (١).
ولهذا الحديث منزلة عظيمة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث به جثا على ركبتيه» (٢).
قال الفشني ﵀: «هو حديث عظيم ربانيّ، مشتمل على فوائد عظيمة في أصول الدين وفروعه، وآدابه، ولطائف القلوب» (٣) والـ «ضال» هو التائه عن السبيل السوي والطريق المستقيم، والضلالة تكون في العلم، وتكون في العمل، وتكون فيهما معًا «إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» أي: للعلم النافع والعمل الصالح، ومنعت عنه أسباب الضلالة والغواية كلها، (فاستهدوني)؛ أي: اطلبوا مني لا من غيري، وألحوا عليَّ في طلب الهداية، (أهدِكم) أي: أدلكم على سبل السلام وطرق الرشاد والنجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
و (أهدِكم) هو جواب الأمر السابق، وهو مشابه لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ الأمر، وجوابه قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
يقول ابن رجب ﵀ في تعليقه على حديث أبي ذر ﵁: «وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله -تعالى- في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه
стр. 349
بالهدى والرزق، فإنّه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة» (١).
رابعًا: بيان أسباب الهداية ودلالتها على التوحيد .
ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد أن فتح الله لعباده أبواب الهداية وهيأ لهم أسبابها، فما كان منها من الله فهو من دلائل ربوبيته، وما كان منها من العبد من تحقيق أسباب الهداية من الإيمان والأعمال الصالحة فهو من دلائل ألوهيته.
وللهداية والثبات عليها أسباب كثيرة، من أهمها وأبينها ما يلي:
١ - تحقيق التوحيد المنافي للشرك بالله تعالى، قال ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام].
فهذا وعدٌ من الله تعالى بالهداية لأهل التوحيد، وأهل التوحيد هم «الذين صدقوا الله وأخلصوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصة» (٢).
وعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ … لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾» [لقمان] (٣).
وقال سبحانه مبينًا أن الإقرار له بالتوحيد هو سبب الهداية إلى الصراط المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ … مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
стр. 350
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس ٦٠ - ٦١]، وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران] أي: «عبادة الله وتوحيده» (١).
٢ - تحقيق الإيمان عقيدة وقولًا وعملًا: كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس].
«هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانه، ويحتمل أن تكون «الباء» هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم» (٢).
٣ - تحقيق المتابعة للسنة المنافي للبدعة، ويتمثل ذلك في الاهتداء بهدي النبي ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
قال الإمام أحمد ﵀: «إذا لم نقرّ بما جاء عن النبي ﷺ رددنا على الله أمره، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾» (٣).
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، أي: «فيما يأمركم وينهاكم -ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم» (٤).
٤ - إجلال الله تعالى بتعظيم أوامره وامتثالها، وترك نواهيه واجتنابها.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء ٦٦ - ٦٨].
стр. 351
أي: «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما يُنهون عنه لكان خيرًا لهم أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: أي: «وأشد تصديقًا» (١)، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعني: الجنة، ولهديناهم صراطًا مستقيمًا أي: في الدنيا والآخرة» (٢).
٥ - لزوم طاعة الله وأداء فرائضه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة] وعسى تفيد الرجاء، وهي من الله الكريم المنان واجبة الوقوع.
خامسًا: بيان طريق الهداية
والهداية إنما تكون للإسلام والسنة:
وحقيقة الهداية إنما تكون هداية للإسلام، هداية للاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما وفهمهما بفهم السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعي التابعين، عقيدة ومنهاجًا وشريعة وأخلاقًا، علمًا وفهمًا وعملًا، وهو طريق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.
والهداية لهذا السبيل، هي الهداية لسبيل النجاة والتي لا يوفق لها إلا من أحبه الله واصطفاه واجتباه من عباده الأخيار الأطهار.
قال قتادة: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم إذ أخرجني من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوًى؟!» (٣).
وعن مجاهد قال: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني
стр. 352
الله من الأهواء؟!» (١).
ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «شعار أهل البدع ترك انتحال اتباع السلف» (٢).
والعبد مفتقر إلى الهداية في كل حين وآن مهما علا شأن عبوديته واستقامته.
وفي هذا الصدد يقول ابن القيم: «ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه .. وما يقدر عليه قد لا تريده (أي: نفسه) كسلًا وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك .. وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله .. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه .. وهذا كله واقع سارٍ في الخلق، فمستقلٌ ومستكثر» (٣).
و «الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق، بل لا نسبة بينهما؛ لأنه إذا هُدِيَ كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وكان ممن ينصر الله ورسوله، ومن نصر الله نصره الله، وكان من جند الله، وهم الغالبون؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض» (٤).
«وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،
стр. 353
يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في النار (١).
فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾» [النمل]» (٢).
سادسًا: طلب الهداية للصراط المستقيم ودلالته على التوحيد:
كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
فـ «الصراط المستقيم، هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله … وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به» (٣).
ولقد دلت الآية الكريمة على دعاء شأنه كبير وجليل، والدعاء عمومًا شأنه عند الله عظيم، وأجره كبير، وثواب جزيل، وإن من أجل مقاصده إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة والحيلة، وإظهار ضعف العبد وذلته لربه واستكانته، وبيان اضطراره في سؤاله وحاجته، قال ربنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل].
стр. 354
أي: «من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه» (١). ومنزلة ومقام الدعاء من أعلى مقامات ومنازل العبودية، ومن أجلِّ وأزكى العبادات؛ لما فيه من إظهار أعظم معاني العبودية والذلة لله تعالى والرغبة في كرمه وواسع جوده وفضله، والطمع في رحمته والابتهال إليه بالعبودية والاستعانة والتضرع إليه بالسؤال، وهو مع ذلك كله عبادة من أجل وأعظم العبادات وطاعة من أفضل الطاعات وقربى من أزكى القربات.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة].
ومن مقاصده الجليلة أيضًا: وجوب تقديم الحمد لله تعالى بكل أنواع المحامد، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتمجيده بكل مجد وتعظيم ووصف حسن وثناء جميل بين يدي الدعاء، وهذا أيضًا مقصد من مقاصد العبودية ومن مقاصد توحيد الله بأسمائه وصفاته ودلالته عليه، يقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].
والأسماء الحسنى: هي الأسماء التي بلغت في غاية في الحسن، ومعنى ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أي: فاسألوه بها وتوسلوا بها إليه، وسواء كان ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة، ووجه ذلك أن يتوسل العبد إلى الله بأسمائه وصفاته بما يقتضي المقام، فيقول مثلًا: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني، ويا كريم أكرمني، ويا تواب تب علي، ونحو ذلك.
وفي الآية: «أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين.
قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة أليس يزعم محمدٌ وأصحابهُ
стр. 355
أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾» (١).
وكذلك فإن من أعظم الدلائل على التوحيد الدعاء، ففيه أعظم مظاهر الذل والافتقار إلى الله تعالى، وبه تتحقق عبودية العبد لربه ويتحقق له نفي الشرك والاستكبار، يقول ربنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر].
أي: «اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ» (٢).
ومن هنا يتبين أن دعاءَ العبدِ ربه وسؤاله والتوجه إليه سبحانه وترك سؤال غيره من المخلوقين؛ يدل على توحيد العبد ربه وإفراده بالألوهية وقد دل على ذلك أيضًا حديث النُّعمان بن بَشِير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر]» (٣).
ومما سبق يتبين دلالة الدعاء على التوحيد ومنه طلب الهداية إلى الصراط المستقيم:
١ - وإن طلب الهداية للصراط من أعظم دلائل التوحيد التي يجب أن يُفرِدَ العبدُ بها ربَهُ ويُلح عليه في سؤاله ودعائه، فهو يجلي ضعف العبد وصدق لجوئه إلى خالقه وتعلّقه بربه واضطراره إلى هداه، إذ ليس له من يجيبه ويهديه سواه، وهذا من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.