← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أي: «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما يُنهون عنه لكان خيرًا لهم أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: أي: «وأشد تصديقًا» (١)، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعني: الجنة، ولهديناهم صراطًا مستقيمًا أي: في الدنيا والآخرة» (٢). ٥ - لزوم طاعة الله وأداء فرائضه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة] وعسى تفيد الرجاء، وهي من الله الكريم المنان واجبة الوقوع. خامسًا: بيان طريق الهداية والهداية إنما تكون للإسلام والسنة: وحقيقة الهداية إنما تكون هداية للإسلام، هداية للاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما وفهمهما بفهم السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعي التابعين، عقيدة ومنهاجًا وشريعة وأخلاقًا، علمًا وفهمًا وعملًا، وهو طريق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة. والهداية لهذا السبيل، هي الهداية لسبيل النجاة والتي لا يوفق لها إلا من أحبه الله واصطفاه واجتباه من عباده الأخيار الأطهار. قال قتادة: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم إذ أخرجني من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوًى؟!» (٣). وعن مجاهد قال: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني

стр. 352

الله من الأهواء؟!» (١). ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «شعار أهل البدع ترك انتحال اتباع السلف» (٢). والعبد مفتقر إلى الهداية في كل حين وآن مهما علا شأن عبوديته واستقامته. وفي هذا الصدد يقول ابن القيم: «ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه .. وما يقدر عليه قد لا تريده (أي: نفسه) كسلًا وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك .. وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله .. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه .. وهذا كله واقع سارٍ في الخلق، فمستقلٌ ومستكثر» (٣). و «الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق، بل لا نسبة بينهما؛ لأنه إذا هُدِيَ كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وكان ممن ينصر الله ورسوله، ومن نصر الله نصره الله، وكان من جند الله، وهم الغالبون؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض» (٤). «وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،

стр. 353

يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في النار (١). فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾» [النمل]» (٢). سادسًا: طلب الهداية للصراط المستقيم ودلالته على التوحيد: كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. فـ «الصراط المستقيم، هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله … وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به» (٣). ولقد دلت الآية الكريمة على دعاء شأنه كبير وجليل، والدعاء عمومًا شأنه عند الله عظيم، وأجره كبير، وثواب جزيل، وإن من أجل مقاصده إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة والحيلة، وإظهار ضعف العبد وذلته لربه واستكانته، وبيان اضطراره في سؤاله وحاجته، قال ربنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل].

стр. 354

أي: «من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه» (١). ومنزلة ومقام الدعاء من أعلى مقامات ومنازل العبودية، ومن أجلِّ وأزكى العبادات؛ لما فيه من إظهار أعظم معاني العبودية والذلة لله تعالى والرغبة في كرمه وواسع جوده وفضله، والطمع في رحمته والابتهال إليه بالعبودية والاستعانة والتضرع إليه بالسؤال، وهو مع ذلك كله عبادة من أجل وأعظم العبادات وطاعة من أفضل الطاعات وقربى من أزكى القربات. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة]. ومن مقاصده الجليلة أيضًا: وجوب تقديم الحمد لله تعالى بكل أنواع المحامد، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتمجيده بكل مجد وتعظيم ووصف حسن وثناء جميل بين يدي الدعاء، وهذا أيضًا مقصد من مقاصد العبودية ومن مقاصد توحيد الله بأسمائه وصفاته ودلالته عليه، يقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف]. والأسماء الحسنى: هي الأسماء التي بلغت في غاية في الحسن، ومعنى ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أي: فاسألوه بها وتوسلوا بها إليه، وسواء كان ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة، ووجه ذلك أن يتوسل العبد إلى الله بأسمائه وصفاته بما يقتضي المقام، فيقول مثلًا: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني، ويا كريم أكرمني، ويا تواب تب علي، ونحو ذلك. وفي الآية: «أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة أليس يزعم محمدٌ وأصحابهُ

стр. 355

أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾» (١). وكذلك فإن من أعظم الدلائل على التوحيد الدعاء، ففيه أعظم مظاهر الذل والافتقار إلى الله تعالى، وبه تتحقق عبودية العبد لربه ويتحقق له نفي الشرك والاستكبار، يقول ربنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر]. أي: «اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ» (٢). ومن هنا يتبين أن دعاءَ العبدِ ربه وسؤاله والتوجه إليه سبحانه وترك سؤال غيره من المخلوقين؛ يدل على توحيد العبد ربه وإفراده بالألوهية وقد دل على ذلك أيضًا حديث النُّعمان بن بَشِير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر]» (٣). ومما سبق يتبين دلالة الدعاء على التوحيد ومنه طلب الهداية إلى الصراط المستقيم: ١ - وإن طلب الهداية للصراط من أعظم دلائل التوحيد التي يجب أن يُفرِدَ العبدُ بها ربَهُ ويُلح عليه في سؤاله ودعائه، فهو يجلي ضعف العبد وصدق لجوئه إلى خالقه وتعلّقه بربه واضطراره إلى هداه، إذ ليس له من يجيبه ويهديه سواه، وهذا من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.

стр. 356

٢ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد كذلك. سؤال العبد ربه الهداية في كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، وذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة، بل وفي غير الصلاة أيضًا، كل ذلك لا يدل على التوحيد فحسب، بل يدل على كماله وتمامه وتقلب العبد في تلك المنازل العالية آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل أحواله وأطواره. ٣ - ومن دلالة طلب الهداية على التوحيد استجابة العبد لأمر ربه في طلبها ليل نهار بل في الثبات عليها وعدم الحيد عنها وعن طريقها وسبيلها تعالى في وصف دعاء المؤمنين الراسخين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران]. أي: «لا تَمِلها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ» (١). ٤ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد. أن العبد مفتقر إلى ربه في كل أحواله فهو لا حول ولا قوة له إلا بمعونة ربه وتوفيقه، فلا يملك هذا العبد الفقير الضعيف لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فأمره ربهُ تعالى أن يسأله في كل وقت وحين أن يهديه صراطه المستقيم ويثبته عليه ويبصره به ويستديمه على الثبات عليه ويزيده ثباتًا وهداية ويزيده من ذلك كله وألا يزيغه عنه أبدًا. ٥ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد. أن الاستمرار في طلب الهداية إشارة إلى فقر العبد الدائم الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال ما دام في دار التكليف، قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]. وهذه الآية الكريمة إنما وردت في ختام سورة الحجر، خاتمة لجمع من وصايا

стр. 357

كريمة أوصى الله تعالى بها نبيه ﷺ ، ومن تلك الوصايا أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين. «واليقين هو الموت: وهو مروي عن جمع من السلف منهم: سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم» (١). وفيها الأمر بالإقامة على العِبادة إلى الممات وقال الحسن البصري ﵀: «يا قوم، المداومةَ المداومةَ، فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت» (٢). فلم يجعل الله في الآية الكريمة منتهى للعبودية دون الموت، لم يجعل لها حدًّا محدودًا ولا زمنًا موقوتًا، ولم يحدها كذلك بمكان ولا بكم محدود من العمل، والواجب في حق العبد القيام بحق العبودية ما دام حيًّا، قال الله في حق عيسى بن مريم: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم]. أي: مدة دوامي حيًّا. فليس للعبد حد في العبادة إذا وصل إليها توقف عنها واكتفى بها، وإنما جعلت العبادة والتكليف بها واجبة عليه حتى الموت، إذ ليس لعمل المؤمن منتهى دون الموت. ولقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه وعبده حتى أتاه اليقين، وداوم على عبوديته في كل أحواله وكان إذا عمل عملًا أثبته ودوام عليه، كما وصفت عائشة ﵂ عمله ﷺ فقالت: «كان عمله ديمة» (٣). والديمة في كلام العرب تطلق على المطر إذا استمر نزوله فترة طويلة» (٤). ووفي رواية عند مسلم -أيضًا- من حديث عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ،

стр. 358

وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ» (١). ٦ - ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد. أنَّ الهدايةَ إليه متعلقةٌ بمشيئة الله تعالى، وهذا مما يفيد وجوب توحيد العبد ربه وتعلُّقَه به وحده، ورجاءه وسؤالَه الهداية إلى صراطه المستقيم، وعدم الالتفات لأحد من خلقه، لأن الهداية بيده تعالى لا بيد أحد سواه، فتوكل العبد على ربه رجاء هدايته من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد. كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة]. فمشيئة الهداية مردها ومرجعها إلى الله وحده الذي يُوجِبُ على العبد تعلقه في طلبها بربه ولا يتعلق بأحد سواه، تعالى في عموم مشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]؛ أي: فمشيئته في خلقه نافذةٌ، لا مرد لها ولا يمكن أنْ تُعارَض من مخلوق، أو تُمانَع من عبد. ولعل في هذا البيان كفاية لمن أراد الهداية وتحقيق تلك الغاية. والحمد لله رب العالمين.

стр. 359

٦ - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة (المنعم عليهم-المغضوب عليهم- الضالين) كما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. ورد في الآية الكريمة ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: المنعم عليهم. الطائفة الثانية: المغضوب عليهم. الطائفة الثالثة: الضالون. أولًا: التعريف بالطوائف الثلاث إجمالًا . يعرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث فيقول: «دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الطَّاعَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾» (١). ويُجَلي شيخ الإسلام ابن تيمية أوصافهم فيقول ﵀: «وَالْمُسْلِمُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بَيْنَ الزَّكَا وَالذَّكَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَالْهُدَى يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَدِينُ الْحَقِّ يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَالظُّهُورُ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ حَقٌّ وَهُدًى، وَيَكُونُ بِالْيَدِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا، وَاللَّهُ أَظْهَرُهُ هَذَا الظُّهُورَ فَهُمْ أَهْلُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ

стр. 360

أُولَئِكَ رَفِيقًا، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، كَالْيَهُودِ، وَلَا الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَيَعْبُدُونَ وَيَزْهَدُونَ بِلَا عِلْمٍ كَالنَّصَارَى» (١). ويقول ابن القيم ﵀: لقد «انْقَسَمَ النَّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَقِّ، وَإِمَّا جَاهِلًا بِهِ، وَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمُوجَبِهِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمُكَلَّفِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا الْبَتَّةَ، فَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ الْعَامِلُ بِهِ هُوَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي زَكَّى نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَهُوَ الْمُفْلِحُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس] وَالْعَالِمُ بِهِ الْمُتَّبِعُ هَوَاهُ هُوَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ، وَالْجَاهِلُ بِالْحَقِّ هُوَ الضَّالُّ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضَالٌّ عَنْ هِدَايَةِ الْعَمَلِ، وَالضَّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ» (٢). ويعرف ابن سعدي ﵀ الطوائف الثلاث فيقول: «﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنِّعمة التّامَّة المُتَّصِلة بالسَّعادة الأبدية، وهُم الأنبياء والصِّديقون والشُّهداء والصّالحون، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهُم الذين عرفوا الحق وتركوه، كاليهود ونحوهم، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الذين ضلّوا عن الحق، كالنَّصارى ونحوهم» (٣). ويوضح ابن عاشور ﵀ المراد بكل طائفة من الطوائف الثلاث فيقول: «﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليس مرادًا به فريق معين، و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: جنس للْفِرَق الَّتِي تَعَمّدت ذَلِك، واستخفت بالدِّيانة عَن عَمْد أَو تَأْوِيل بعيد جدًّا، و ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾: جنس للْفِرَق الَّتِي أَخْطَأت الدَّين عَن سوء فهم وَقلة إصغاء، وكلا الْفَرِيقَيْنِ مَذْمُوم، لأنَّنا مأمورون

стр. 361

بِاتِّبَاع سَبِيل الْحق وَصرف الْجهد إِلَى إِصَابَته، وَالْيَهُود من الْفَرِيق الأول، وَالنَّصَارَى من الْفَرِيق الثَّانِي، وَمَا ورد فِي الْأَثر مِمَّا ظَاهره تَفْسِير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باليهود، و ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ بالنصارى، فَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ فِي الْآيَة تعريضًا بِهَذَيْن الْفَرِيقَيْنِ اللَّذين حق عَلَيْهِمَا هَذَانِ الوصفان، لِأَنَّ كلا مِنْهُمَا صَار عَلَمًا فِيمَا أُرِيد التَّعْرِيض بِهِ فِيهِ» (١). ويقول: دروزة (٢): «يتبادر لنا -والله أعلم- أنَّ جملة ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ في أولى سور القرآن، قد تضمَّنت التَّنبيه على أنَّ صُنُوف النّاس عند الله ثلاثة، صنف أنعم الله عليه فاهتدى وسار على طريقه المستقيم. وصنف انحرف عن هذا الطريق عن عِلْم ومَكْرٍ واستكبار، فاستحق غضب الله. وصِنْف انحرف عن هذا الطريق ضلالًا بغير علم وبيِّنة، ثمَّ ظلَّ مُنحرفًا دون أن يهتدي بما أنزل الله على رُسُله، فلزمته صِفة الضلالة والتصنيف رائع جليل شامل». وبالتأمل في تعريف كلام أهل التفسير للطوائف الثلاث فيما سبق يتبين ما يلي: ١ - عرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث بالتعريف الضمني لهم وهم كل من

стр. 362

شملهم الوصف المذكور لكل طائفة، ولم يمثل لكل طائفة بمثال. ٢ - وجاء تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية أشمل وأوضح وأدق حيث بين صفات كل طائفة وأعقب ذلك ببيان مثال لكل وصف، ومثل لهم بطائفة يشملها هذا الوصف، فذكر أن أهل الصراط المستقيم هم المُنعم عليهم وهم المذكورون في آية سورة النساء، ثم ضرب مثلًا للمغضوب عليهم باليهود، ثم مثالًا للضالين بالنصارى. ٣ - وابن القيم فحوى تقسيمه وبيانه لم يخرج عن كلام شيخه، وكأنه خرج من مشكاة واحدة. ٤ - أما تعريف ابن سعدي فهو مستقى من تعريف شيخ الإسلام إلا أنه أورده مقتضبًا. ٥ - وأما تعريف الطاهر بن عاشور فجاء بنحو تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه، غير أنه عمم وصف الطائفة الأولى وبين أنه لم يُرد به أحدٌ بعينه. ٦ - وأما تعريف دروزة فقرر فيه أن الطوائف ثلاث وبين بعض أوصافهم ولم يحدد مثالًا لأي طائفة منها مكتفيًا بالتعريف العام. وفي ضوء ما سبق يتبين أن تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه كتلميذه القيم- ابن القيم- هو أجمع تعريف وأشمله وأوضحه وأدقه لأنه وإن كان هناك أدلة واضحة على تحديد أهل كل وصف، فإن ما أُجمِل وصفهُ في الفاتحة، فُصِلَ في غيرها، ومثال ذلك المنعم عليهم، أُجمِلَ وصفهُم في الفاتحة، وفُصِلَ في آية سورة النساء، وما أُجمِلَ في وصف المغضوب عليهم ووصف الضالين، وُضِح وفُصِلَ في الحديث الثابت الصحيح بأنهم اليهود والنصارى، وهذا الوصف للطائفتين، وأما الضالون فهم النصارى، وهذا وصف لهم قبل بعثة النبي ﷺ ، وأما بعد بعثته ﷺ وبلوغهم رسالة الإسلام الخالدة فقد قامت عليهم الحجة الدامغة وأصابتهم لعنة الله تعالى كاليهود تمامًا، فغضب الله عليهم ولعنهم، وبنحو هذا أشار ابن القيم بقوله: «وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ». يعني

стр. 363

بذلك: النصارى، وقد مرَّ معنا قولُهُ آنفًا. فالنصارى عبدوا الله على جهالة، فلما طلعت عليهم شمس الرسالة وسطع ضوؤها وأشرقت الأرض بنور البعثة بعد ظلام جاهليتها، وقامت الحجة، ووضحت المحجة، وبلغهم نور العلم، استحقوا بعد ذلك صفة الغضب كاليهود إضافة إلى وصف الضلالة، قال من لا ينطق عن الهوى ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة: «يُحذِّر مثل الذي صنعوا» (١). واليهود مغضوب عليه وضالون، والنصارى ضالون ومغضوب عليهم، وهذا الوصف يشمل كل من اتصف بصفاتهم كما سيأتي في وصف كل طائفة في مبحث مستقل، وتبقى القاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما هو معلوم، ولذا جاء تعريف شيخ الإسلام ومن تبعه هو التعريف الشامل الكامل الذي أحاط بكل وصف يشمل الطوائف الثلاث، والله أعلم. ثانيًا: التعريف بالطوائف الثلاث تفصيلًا: الطائفة الأولى: المنعم عليهم . أولًا: التعريف بهم . كما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الوصف يشمل ضمنًا كل من علم الحق وعمل به من عباد الله المؤمنين المهتدين الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وأكرمهم بعبادته (٢). «والمنعم عليهم هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]».

стр. 364

وعلى هذا أكثر أهل التفسير (١). وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم فأكرمهم واصطفاهم واجتباهم، فذاقوا النعيم مرتين؛ نعيم الدارين، أما نعيم الدنيا: فهم منعمون فيها بهدايته وعبادته وطاعته، وأما نعيم الآخرة: فهم منعمون في البرزخ وفي دار القرار بالنجاة من النيران، وسكنى الجنان، وجوار الكريم المنان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ … لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار ١٣ - ١٤]. «ولا تحسب أن قوله تعالى: «في هذه الآيةمقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك -أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار- فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأيُّ عذاب أشد من الخوف والهم والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل وادٍ منه شعبة؟ وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب» (٢). ثانيًا: أخص صفاتهم إجمالًا . يقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أهل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، الَّذين عرفُوا الْحق واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المغضوب عَلَيْهِم، وَلَا الضَّالّين، فأخلصوا دينهم لله، وَأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبهم، وأحبّوه، ورجوه، وخافوه، وسألوه، وَرَغبُوا إِلَيْهِ، وفوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكَّلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رُسُله، وعزَّروهم، ووقَّروهم، وأحبّوهم، ووالوهم، واتَّبعوهم، واقتفوا آثَارهم، واهتدوا بمنارهم. وَذَلِكَ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث اللهُ بِهِ الْأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل اللهُ من أحدٍ دينًا إِلَّا إِيَّاه، وَهُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة لرب الْعَالمين» (٣).

стр. 365

فنسأل الله الْعَظِيم، أن يُكمِّله لنا ويتمه علينا، وأَن يُثبِّتنا عَلَيْهِ ويُميتنا عَلَيْهِ، وَسَائِر إِخْوَاننَا الْمُسلمين. ثالثًا: أخص صفاتهم تفصيلًا . ١ - العلم . ودلالة ذلك: أنهم منعم عليهم بالعلم الذي عرفوا به الصراط، واستدلوا بعلمهم عليه، وهذه هي دلالة الإرشاد. وهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]. قال قتادة والسدي ومقاتل: «وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم» (١). والدعوة إلى الإسلام هي الدلالة عليه والإرشاد إلى سلوكه واتباعه والتمسك به والسير عليه، شرعة ومنهاجًا، عقيدة وسلوكًا وأخلاقًا. ٢ - العمل . فهم بعد أن عرفوا الصراط المستقيم بالعلم، سلكوه وصاروا عليه بالعمل وانقادوا اليه، فهم أهل علم، وأهل عمل بالحق، وهذه هي هداية التوفيق والإلهام. كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة]، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف]. ٣ - الهداية والاستقامة . وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وتحديد هذا الصراط بأنه: صراط الذين أنعم الله عليهم، فيه دلالة على أنهم مهتدون مستقيمون بإنعام الله عليهم بذلك، ويدلل على

стр. 366

ذلك أيضًا ذكر المغضوب عليهم والضالين بعدهم، فجاء ذكر المنعم عليهم مقابل ذكر المغضوب عليهم والضالين، فدل ذلك على أن هؤلاء غير هؤلاء وهؤلاء، وأن صراط هؤلاء غير صراط هؤلاء وهؤلاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لصراط المهتدين الذين أنعم الله عليهم بالهداية، ليكون مهتدين مثلهم. ٤ - الثبات على الدين . فما مدح الله سبيلهم إلا لثباتهم على الصراط، إذ لو أنهم تنكبوه، لما مدح الله سبيلهم، ولما أمر الله عباده أن يسلكوه ويتبعوا طريقهم. قال البغوي: «وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩]» (١). وقال تعالى مخاطبًا نبيهَ محمدًا ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود]. يقول الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك، ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه، إن ربكم بما تعملون من الأعمال كلِّها -طاعتها ومعصيتها- ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ، فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد» (٢). ويقول ابن كثير ﵀: «يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على

стр. 367

الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان: وهو البغي، فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلمَ تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء» (١). فالله تعالى قد «أمر نبيه محمدًا ﷺ ، ومن معه من المؤمنين، أن يستقيموا كما أُمِرُوا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة» (٢). وفي حديث أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. وفي حديث أبي أسامة: غيرك. قال: «قل: آمنتُ بالله، فاستقم» (٣). وقد ثبت في الصحيحين من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (٤)، وفي رواية لمسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هذا الحديث حديث ثابت متواتر من جهة استفاضة ثبوته عند الأئمة، ومخرج في الصحيحين من غير وجه وفي غيرهما. وهذا الحديث فيه تقرير لكون الأمة سيدخلها افتراق واختلاف في مسائل أصول الدين، ولهذا وصف ﵊ هذه الطائفة بأنها الفرقة الناجية المنصورة

стр. 368

إلى قيام الساعة، وأنهم على أمر الله ورسوله ﷺ » (١). وهذا الحديث من الأحاديث التي قد اشتهرت واستفاضت شهرتُها، فقد رُوِيَ عن جمع غفير من الصحابة ﵃، قيل: رواه ما يقارب من نيف وعشرين صحابيًّا ﵃ أجمعين، والحديث فيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المباركة ببقائها ببقاء تلك الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، وهي باقية على الحق وثابتة عليه لا تغير ولا تبدل إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم فهم ثابتون على الحق ثبوت الجبال الراسيات. قال النووي ﵀: «وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم». وقال أحمد بن حنبل ﵀: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم». وقال القاضي عياض ﵀: «إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث». وقال أيضًا: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض … » (٢). وإنما كَثُرَ سياقُ كلامِ أئمةِ التفسيرِ وغيرهم في بيان معنى الاستقامة الوارد في آية سورة (هود) هنا، لعظم شأن الثبات على الدين من جهة، ولعظم شأن التأسي والاقتداء بمن ثبتوا على الصراط ولم يتنكبوا سبيله من جهة أخرى. قال عبد الله بن مسعود ﵁: «من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم

стр. 369

حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». فأخبر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين» (١). ٥ - فوزهم بمحبة الله واصطفائه ورضاه . فلولا محبته سبحانه واصطفائه لهم ورضاه عنهم، ما أنعم عليهم بالهداية إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة]. «ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه ﷺ » (٢). ولا شك في أن المذكورين في الآية الكريمة هم من المنعم عليهم. ٦ - القدوة . إن صراط المنعم عليهم واضح بين لمن أنار الله بصيرته، وسالكوا هذا الصراط

стр. 370

من الخلق في حاجة لقدوات يتأسون بهم ويهتدون بهديهم، والمنعم عليهم إذ لو لم يكونوا قدوة يُؤتسى ويُقتدى بهم لما أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لهذا الصراط الذي سلكوه -صراط الذين أنعم الله عليهم-. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة] أي: «قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ» (١). يقول ابن القيم ﵀: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾» (٢). ٧ - أنهم قلة في الناس . ووجه الدلالة على ذلك أنهم طائفة واحدة مهتدية مقابلة طائفتين، طائفة مغضوب عليها وطائفة ضالة، والله تعالى في كتابه يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام]. أي: «فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله» (٣). وذلك «لأن الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم» (٤). وفي حديث الافتراق سالف الذكر يقول ﷺ : «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ» (٥)، فقوله: «طَائِفَةٌ» فيه دلالة على قلتهم، والوصف في الحديث وإن كان خاصًّا بطائفة من الأمة وهم أهل السنة والجماعة، فلا شك أنهم المنعم عليهم في زمانهم، وهذا وصف عام لأهل الحق في كل زمان ومكان.

стр. 371

الطائفة الثانية: المغضوب عليهم . أولًا: من هم المغضوب عليهم ؟ «الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، يَعْنِي: الْيَهُودَ» (١). ومعنى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: «أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهود» (٢). و «قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِير: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الْيَهُودُ» (٣). بل «وقد أجمع المفسرون أنه أراد به اليهود» (٤). ذلك لأن «المغضوب عليهم كاليهود، عرفوا الحق فلم يتبعوه» (٥). و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ «اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأُمَّة، ممن علم ولم يعمل بعلمه» (٦). فالمعنى أنهم: «العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم» (٧). و «هم-الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه» (٨).

стр. 372

وقد ثبت عند الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم ﵁، عن النبي ﷺ قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (١). يتبين مما سبق بيانه أن المغضوب عليهم اليهود وكل من شابههم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كان السلف، سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: «من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى» (٢). ثانيًا: التعريف باليهود واليهودية . ١ - اليهود لغة: يقول ابن منظور في لسان العرب مادة [هـ و د]: «الهود: التَّوْبَةُ، هادَ يَهُودُ هوْدًا وتَهَوَّد: تابَ: ورجع إِلى الحق، فهو هائدٌ. وقومٌ هُودٌ: مِثْلُ حائِكٍ وحُوكٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ؛ قال أَعرابي: إِنِّي امرُؤٌ مِنْ مَدْحِهِ هائِد، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].؛ أَي: تُبْنا إِليك، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإِبراهيم النخعي. قال ابن سيده: عدّاه بإِلى لأَن فيه معنى رجعنا، وقيل: معناه تبنا إِليك ورجعنا وقَرُبْنا من المغفرة؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]؛ قال: المُتَهَوِّد المُتَقَرِّبُ. قال شمر: المُتَهَوِّدُ المُتَوَصِّلُ بِهَوادةٍ إِليه؛ قاله ابن الأَعرابي. والتَّهَوُّدُ: التوبةُ والعمل الصالح. والهَوادَةُ: الحُرْمَةُ والسبب.

стр. 373

ابن الأعرابي: هادَ: إِذا رجَع من خير إِلى شرّ أَو من شرّ إِلى خير، وهادَ إِذا عقل. ويَهُودُ: اسم للقبيلة؛ قال: أُولئِكَ أَوْلى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحةٍ، إِذا أَنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤنَّب، وقيل: إِنما اسم هذه القبيلة يَهُوذ فعرب بقلب الذال دالًا؛ قال ابن سيده: وليس هذا بقويّ. وقالوا اليهود فأَدخلوا الأَلف واللام فيها على إِرادة النسب يريدون اليهوديين. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]؛ معناه دخلوا في اليهودية» (١). ٢ - اليهود اصطلاحًا: مأحوذ من اليهودية، واليهودية: هي ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم ﵇ والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل الذين أرسل الله إليهم موسى ﵇ مؤيدًا بالتوراة؛ ليكون لهم نبيًّا. «أما تسمية اليهودية بهذا الاسم «نسبة إلى اليهود وهم أتباعها وسموا يهودًا، نسبة إلى (يهوذا) ابن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى ﵇ فقلبت العرب الذال دالًا. وقيل: نسبة إلى الهَودْ وهو التوبة والرجوع، وذلك نسبة إلى قول موسى ﵇ لربه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا. وكان اليهود أيام موسى ﵇، إنما يعرفون بـ (بني إسرائيل) ثم أطلق عليهم (يهود) فيما بعد. ونلحظ في القرآن الكريم أنه أحيانًا يسموا بـ (بني إسرائيل)، وإسرائيل هو لقب يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم ﵈ وبنو إسرائيل هم ذريته» (٢).

стр. 374

«واليهودية ديانة يبدو أنها منسوبة إلى يهود الشعب، وهذه بدورها قد اختلف في أصلها، وقد تكون نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب، وعممت على الشعب على سبيل التغليب» (١). واليهودية: مصطلح حادث يطلق على الديانة الباطلة المحرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى ﵇. ولعل هذا هو التعريف الصحيح لليهودية، ومن خلاله يتبين الخلل في بعض التعريفات التي تقول: إنها الدين الذي جاء به موسى ﵇. أو: إنها دين موسى ﵇. وهذا خطأ؛ إذ موسى ﵇ لم يجئ باليهودية، وإنما جاء بالإسلام -بمفهومه العام- الذي يعني الاستسلام لله وحده؛ فهو دين جميع الأنبياء من لدن نوح إلى محمد ﵈. قال الله عن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ … إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ … حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران]. وقال ﵎ عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ … مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]. وقال عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران]. فهذا هو الإسلام العام الذي جاء به جميع الأنبياء. أما الإسلام الخاص فهو: شريعة القرآن التي جاء بها محمد ﷺ (٢). وهذا الإسلام الخاص يشترك مع كافة الشرائع بالتوحيد والأصول، ويختلف في تفصيل بعض الشرائع. ومن خلال ما مضى يتبين أن اليهودية ديانة باطلة محرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى ﵇ (٣).

стр. 375

ثالثًا: أخص صفاتهم . اليهود هم شرُّ الخلق، وهم شرُّ من أقلتهم الغبراء وأظلتهم الزرقاء، فهم شرُّ من مشى على الأرض وهم شرُّ مَن سار تحت أديم السماء. فهم أهل الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، وهم مع شدة جبنهم فهم قتلة الأنبياء، وهم أكلة الربا والسحت والرشوة وكل مال حرام، وهم أهل الفساد والإفساد في الأرض، وهم أهل الغل والحقد والغدر والخيانة، والحسد والبغضاء والضغينة وكل الصفات الدنيئة والرذيلة، وهم أهل القتل والنهب والسلب والتشريد والإجرام كله، وهم أهل الرذائل والفواحش كلها، وأهل تسعيرها ونشرها وبثها وإشاعتها بين الخلق في كل زمان ومكان وبكل وسيلة ممكنة. وإن المتأمل في حال اليهود وفساد دينهم وسوء أخلاقهم ودناءة طباعهم عبر تاريخهم الأسود يدرك تمام الإدراك لماذا غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت الله في بعض وصفهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا … يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة]. ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ «أي: من اليهود ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين» (١). ولكثرة غدرهم وخسة طباعهم ودناءة أخلاقهم وفحش وسوء فعالهم ولسواد تاريخهم فإنه من الصعب حصر صفاتهم في مقال أو بحث ولعل في ذكر أخص وأخس صفاتهم وأبرز فعالهم يكون فيه غنية، فلعل أن يكون في الإشارة ما يغني عن العبارة.

стр. 376

١ - أول صفاتهم: الكفر بالله مع الإباء . كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). وقد سخطوا على النبي ﷺ وعلى المؤمنين حتى يدعوا دينهم مرتدين عنه ويدخلوا في دينهم، وهذا الوصف متعلق باليهود في كل زمان ومكان. كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. يعني: تتبع دينهم يا محمد وتصلِّي إلى قبلتهم التي يصلون إليها وهي بيت المقدس، وقد نزلت الآية كما هو معلوم في تحويل القبلة. والمعنى الظاهر للآية الكريمة: أنهم -أي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى- لن يرضوا عنكم حتى ترتدوا عن دينكم وتتبعوهم على دينهم وملتهم العوجاء وتتركوا الحنيفية السمحاء. يعني و «ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك … » (٢). ذلك: «لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق. وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه-﵊» (٣). وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].

стр. 377

وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمدٍ ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾» (١). ٢ - تطاولهم على ذات الله تعالى جلَّ في علاه . فقد سبُّوا الرب العظيم بأقبح السبِّ. أ-قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء . فنسبوا الفقر للغني الحميد ونسبوا الغنى لأنفسهم وقتلوا أنبياءه. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران]. ب-وقالوا: يد الله مغلولة . كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة].

стр. 378

ج- ونسبوا الولد له . قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ودلالة الآية على كفرهم الصريح ظاهرة واضحة. قال تعالى معظمًا ومقدسًا ومنزهًا ذاته العلية عن كل نقص وعيب: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء]. فـ «هذا تنزيه من الله -تعالى ذكره- نفسه عما وصفه به المشركون» (١). ٣ - طلبوا تعنتًا كتابًا من السماء، وطلبوا رؤية الله جهرة . فقد سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، كما سألوا قبل ذلك موسى أن يريهم اللهَ جهرة عيانًا بيانًا، كفرًا وإلحادًا، عنادًا وتحديًا. كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٤]. قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: «سأل اليهودُ رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراةُ على موسى مكتوبة. وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد» (٢). ٤ - تحريفهم لكلام الله . ومن أبرز صفاتهم تحريف كلام الله تعالى وتغيره وتبديله كما وصفهم الله مخاطبًا عباده المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة].

стр. 379

فصناعة الكذب والبهتان وقول الزور وامتهان الإرجاف والتزييف والتبديل والتغير والتحريف شغلهم ودأبهم، فهم أهل الأباطيل كلها والكذب وقول الزور والبهتان والسماع له، وهم أئمة التزييف والتحريف للحقائق والثوابت، وحتى وحي الله لم يسلم من زورهم وبهتانهم وافترائهم وتحريفهم وتزييفهم وتغيرهم وتبديلهم، وتحريفهم للتوراة التي هي من كلام الله أكبر شاهد عيان على ذلك. وكلام الله هنا هو: التوراة التي أنزلها الله على نبيه موسى ﵇. كما ذكر ذلك أهل التفسير ولا يُعلم في ذلك مخالف، ونُقِلَ ذلك عن غير واحد، منهم السدي قال: «هي التوراة، حرفوها» (١). «فالذين يحرفونه والذين يكتمونه، هم العلماء منهم» (٢). وقال سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. «(والكلم) «جماع كلمة»، و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: «يبدلون معناها ويغيرونها عن تأويله. وكان مجاهد يقول: عنى بالكلم «التوراة» (٣). وكما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]. قيل سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ في خلق أفعال العباد عن ابن عباس ﵁ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في أهل الكتاب» (٤).

стр. 380

٥ - واليهود أشد الخلق عداوة لأهل الحق . قال الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة]. أي: «لتجدن يا محمد، أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام؛ اليهودَ والذين أشركوا» (١). و «ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغَمْط للناس، وتَنَقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-» (٢). ٦ - واليهود أمة عناد وتعنت . ومما يُذكر في ذلك على سبيل المثال لا الحصر. أ-قصة تعنتهم مع موسى في قصة بقرة بني إسرائيل وهي معروفة مشهورة ، وقد قال الله تعالى في خبرهم مع موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة]، وقد واصلوا العناد والتعنت إلى أن خُتِمَ ووُصِفَ هذا التعنتُ والعنادُ بقول ربنا: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة]. «أي: قاربوا أن يدَعُوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك. عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، يقول: كادوا لا يفعلون، ولم يكن الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها: وكل شيء في القرآن «كاد» أو «كادوا» أو «لو»، فإنه لا يكون. وهو مثل قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ٢٠]» (٣).

стр. 381

وكاد من أفعال المقاربة، والمعنى أنهم أوشكوا على ألا يذبحوها تعنتًا وصدًّا عن سبيل الله واستعلاءً على أمره جل في علاه. ب-تعنتهم وتضجرهم وتسخطهم على نعم الله . كما أخبر الله ﵎ بذلك فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة]. قال الشوكاني ﵀: «قوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش». وقال الحسن البصري ﵁: إنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم، أي: أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ والمراد بالطعام الواحد هو المنّ والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعامًا واحدًا» (١). ٧ - ومن أجلى صفاتهم: الجبن عند اللقاء والهلع المصحوب بحب الدنيا وطول البقاء فيها . اليهود أجبن الخلق قاطبة، وحقيقة جبنهم معروفة عبر تاريخهم الأسود قديمًا وحديثًا، فقد كانوا يتحصنون في الحصون والقلاعة المنيعة العالية وقت القتال والمعارك جبنًا وخوفًا وهلعًا من المواجهة مع المسلمين، والمتأمل في العصر الحاضر يجدهم كذلك، فقد أنشأوا ما يسمى بالمستوطنات والقرى العسكرية

стр. 382

المحصنة والجدار الفاصل العازل، وقد بنوا الحصون المنيعة (١) كحصون أجدادهم في خيبر، مثل حصن جدهم كعب بن الأشرف زعيم يهود بني النضير بالمدينة، والذي كان يحرض على قتال النبي الكريم ﷺ وينشد في ذلك أشعاره، ويندب من قُتِلَ من المشركين يوم بدر، فلما عاد إلى المدينة، جعل يشبب بنساء المسلمين، ويهجو رسول الله ﷺ وصحبه الكرام بأشعاره، والذي قتله وتشرف بقتله هو: محمد ابن مسلمة في مفرزة من الصحابة الكرام ﵃ بأمر رسول الله ﷺ ، وكذلك حصن مرحب اليهودي الذي قتله على بن أبي طالب ﵁، وكحصن سلام بن مشكم، وغيرها من الحصون والقلاع المنيعة في خيبر وغيرها، والتي إن دلت على كثرتها وتمنعها فإنما تدل على جبنهم وخوارهم وهلعهم وحرصهم الشديد على طول البقاء، وهذا مشاهد الآن كيف يفرون من الحجارة وبين أيديهم أعتى وأقوى الأسلحة المدمرة والفتاكة، وصدق من قال: «السلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير» (٢). وقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر]. «﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: اليهود، ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أي: بالحيطان والدور يظنون أنها تمنعهم منكم، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي: من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ورهبتهم» (٣).

стр. 383

وقال الله تعالى مبينًا جبنهم وخوارهم عن اللقاء: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة]، إلى أن قال الله عنهم: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة]. وهذا استهزاء مشين وقول غاية في القبح. وفي وصف حبهم الدنيا وطول البقاء فيها يقول تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة]. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) بإجماع أهل التفسير الضمير يعود على اليهود. «والمعنى: ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا» (١). ٨ - ومن أخص وأخس صفاتهم نقض العهود والمواثيق والغدر والخيانة وقسوة القلوب . كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]. «﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم، و «ما» صلة، ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾. قال قتادة ﵀: نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾. قال عطاء ﵀: أبعدناهم من رحمتنا. وقال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قرأ حمزة والكسائي قَسِيَّةً بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية.

стр. 384

وقال ابن عباس ﵁: قاسية أي: يابسة. وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة» (١). والتاريخ الأسود أكبر شاهد عيان على نقضهم العهود والمواثيق عبر الدهور والأزمان؛ فقد نقضوا العهد مع خير الخلق ﷺ وحاوَلوا قتْلَه مرّات، وفي ختام تلك المحاولات وضعهم السُّمَّ في شَّاة وتقديمها له ليأكلها. ولقد سأل رسول ﷺ اليهود: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فقالوا: «نعم». فقال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» فقالوا: «أردنا إن كنتَ كذابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك» (٢). ولما سأل النبيُ المرأةَ اليهوديةَ قالت: «أردتُ لأقتلك». قال: «ما كان الله ليسلطك على ذاك» (٣). قال النووي في شرح مسلم: «وقوله ﷺ : «ما كان الله ليسلطك على ذاك» أو قال: «عليَّ»، فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته من السمِّ المهلك لغيره» (٤). فأكل منها فداه أبي أمّي، فلم يضرّه شيء منها، ولقد أخبر ﷺ تلك المرأة التي وضعت له السم أن الله حفظه وسلمه من القتل. وهكذا ردّ الله كيد يهود وحفظ وعصم نبيّه محمدًا ﷺ ورد كيدهم في نحورهم لم ينالوا من نبيه ﷺ شرًّا ولا أذى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة].

стр. 385

قال ابن كثير ﵀: «ومِن عصمة الله لرسوله ﷺ : حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلًا، ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ ، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم -وهي المدينة-، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذِكْرها» (١). وقال شيخنا ابن باز ﵀: «أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ » (٢). و «ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد» (٣).

стр. 386

«وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم» (١). ومن الأدلة والبراهين والشواهد الواضحات الجليات على عصمة الله لنبيه محمد ﷺ وحفظه من أن يقتل حتى يبلغ رسالة ربه سبحانه ما رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَال: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). «ففيه بيان توكل النبي ﷺ على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣). ٩ - قتلهم الأنبياء . لم يقتل أنبياء الله إلا اليهود فهم الذين قتلوا زكريا ويحيى ﵉. قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة]. ١٠ - وقتلهم كذلك للمصلحين والدعاة إلى الله . قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. ١١ - اتباعهم السحر واستعانتهم بالشياطين .

стр. 387

قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ … ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال الطبري: «يعني بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الفريق من أحبار اليهود وعلمائها، الذين وصفهم الله -جل ثناؤه- بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى، وراء ظهورهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه ﷺ ، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه، وذلك هو الخسار والضلال المبين» (١). ١٢ - إيقادهم للحروب وإفسادهم في الأرض . قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤]. «أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، «و» لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه» (٢). فهم «يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين» (٣). ١٣ - أكلهم أموال الناس سحتًا وباطلًا مع تعاطيهم الربا وهم سادة البشر في ذلك . كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة]. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ

стр. 388

لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء]. ١٤ - إفسادهم في الأرض . قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء]. ١٥ - استخدامهم الحيل والمخادعة مع الله . وفي قصة أصحاب السبت يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا … يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف]. ومن صور ذلك التحايل صيدهم للحيتان يوم السبت وهو محرم عليهم العمل فيه، فقد احتالوا على ذلك بأن نصبوا شباكهم لها قبل يوم السبت ليجمعوها في اليوم الذي يليه. وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة] «أي: تعمدوا العدوان «منكم في السبت» بأن استحلوه وتحيلوا على اصطياد الحيتان فيه» (١). ومن مشاهد حيلهم وتلاعبهم واستهانتهم بأوامر الله جل في علاه، وصف النبي ﷺ لبعض حيلهم بقوله: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (٢).

стр. 389

١٦ - نزعتهم العنصرية المصحوبة بالأنانية واحتقار الخلق . فهم شعب الله المختار كما يظنون، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ١٧ - نقضهم العهود . قال سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة] فإنهم «ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا» (١). ١٨ - مخالفتهم بين القول والعمل . كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة]. «يعني: تتلون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل» (٢). ١٩ - تكذيبهم المرسلين . كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو آمن بي عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم» (٣). ٢٠ - سلوكهم سبل الغواية . كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا

стр. 390

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف]. وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة» (١) (٢). وعند أحمد في المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أيضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ السيجان (٣)» (٤). ففيه دلالة على غوايتهم وسلوكهم سبلها. يقول ابن كثير ﵀: «يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية» (٥) (٦). ٢١ - عتوهم وعنادهم واستكبارهم .
следующие страницы →