← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

«وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم» (١). ومن الأدلة والبراهين والشواهد الواضحات الجليات على عصمة الله لنبيه محمد ﷺ وحفظه من أن يقتل حتى يبلغ رسالة ربه سبحانه ما رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَال: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). «ففيه بيان توكل النبي ﷺ على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣). ٩ - قتلهم الأنبياء . لم يقتل أنبياء الله إلا اليهود فهم الذين قتلوا زكريا ويحيى ﵉. قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة]. ١٠ - وقتلهم كذلك للمصلحين والدعاة إلى الله . قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. ١١ - اتباعهم السحر واستعانتهم بالشياطين .

стр. 387

قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ … ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال الطبري: «يعني بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الفريق من أحبار اليهود وعلمائها، الذين وصفهم الله -جل ثناؤه- بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى، وراء ظهورهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه ﷺ ، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه، وذلك هو الخسار والضلال المبين» (١). ١٢ - إيقادهم للحروب وإفسادهم في الأرض . قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤]. «أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، «و» لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه» (٢). فهم «يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين» (٣). ١٣ - أكلهم أموال الناس سحتًا وباطلًا مع تعاطيهم الربا وهم سادة البشر في ذلك . كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة]. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ

стр. 388

لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء]. ١٤ - إفسادهم في الأرض . قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء]. ١٥ - استخدامهم الحيل والمخادعة مع الله . وفي قصة أصحاب السبت يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا … يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف]. ومن صور ذلك التحايل صيدهم للحيتان يوم السبت وهو محرم عليهم العمل فيه، فقد احتالوا على ذلك بأن نصبوا شباكهم لها قبل يوم السبت ليجمعوها في اليوم الذي يليه. وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة] «أي: تعمدوا العدوان «منكم في السبت» بأن استحلوه وتحيلوا على اصطياد الحيتان فيه» (١). ومن مشاهد حيلهم وتلاعبهم واستهانتهم بأوامر الله جل في علاه، وصف النبي ﷺ لبعض حيلهم بقوله: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (٢).

стр. 389

١٦ - نزعتهم العنصرية المصحوبة بالأنانية واحتقار الخلق . فهم شعب الله المختار كما يظنون، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ١٧ - نقضهم العهود . قال سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة] فإنهم «ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا» (١). ١٨ - مخالفتهم بين القول والعمل . كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة]. «يعني: تتلون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل» (٢). ١٩ - تكذيبهم المرسلين . كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو آمن بي عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم» (٣). ٢٠ - سلوكهم سبل الغواية . كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا

стр. 390

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف]. وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة» (١) (٢). وعند أحمد في المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أيضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ السيجان (٣)» (٤). ففيه دلالة على غوايتهم وسلوكهم سبلها. يقول ابن كثير ﵀: «يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية» (٥) (٦). ٢١ - عتوهم وعنادهم واستكبارهم .

стр. 391

كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ … وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة]. «ينعت، ﵎، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته» (١). وعن أنس بن مالك ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فقال رسول الله ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ». فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريدُ هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه» (٢). ومن هذا العتو والعناد والاستكبار يرون أنهم فوق النبي ﷺ وأصحابه الكرام ﵃. وفي الختام: فهذا غيض من فيض عن جانب من جوانب أخلاق اليهود وبيان لبعض أوصافهم في كتاب ربنا وفي سنة نبينًا ﷺ ، والملاحظ أن كثيرًا من الآيات التي بين الله تعالى فيها وصف أخلاقهم وسيء فعالهم وخسة طباعهم إنما وردت بصيغة المضارع غالبًا، والمضارع يفيد الاستمرار كما هو معلوم، وذلك والله أعلم يفيد أن تلك الأخلاق الدنية مستمرة معهم عبر الأجيال تلو الأجيال، والواقع المرير الذي تعيشه الأمة المسلمة في صراعها الدائم مع اليهود يشهد لذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 392

الطائفة الثالثة: الضالون . أولًا: من هم الضالون ؟ الضَّالُّونَ «هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا فِي الْحُجَّةِ فِي عِيسَى ﵇، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » (١). «وقد أجمع المفسرون أن الضالين أراد به النصارى» (٢). و «قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: و ﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] النَّصَارَى» (٣). «قال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس ﵁: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هم النصارى. وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، للحديث المتقدم (٤). وقوله تعالى عن بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة]، وقال تعالى في المائدة-أيضًا-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا

стр. 393

يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]» (١). والضالون «هم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق» (٢). و ﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] «كالنَّصارى، عبدوا الله بغير علم» (٣). و ﴿الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران] «هم: النَّصارى الذين يعبدون الله على غير عِلْم، بل بالبدع والمحدثات والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم» (٤). ويُختم التعريفُ بالضالين بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان سبب ضلالهم حيث يقول: «أضلّ الشَّيْطَان النَّصَارَى وأشباههم، فأشركوا بِاللَّه وعصوا الرَّسُول، فـ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم، ويتوكَّلون عَلَيْهِم، يَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنَّتهم» (٥). ولا شك في أن كل من عبد الله على ضلالة من عُبَّادِنا ومن غيرهم ممن تشبه بالنصارى في هذا الوصف؛ يدخل ضمنًا في طائفة الضالين. ثانيًا: التعريف بالنصرانية والنصارى: ١ - النصرانية لغة: «قيل: إنها نسبة إلى الناصرة، وهي قرية المسيح ﵇، وتسمى هذه القرية ناصرة ونصورية، والنسبة إلى الديانة نصرانية، وجمعه نصارى «(٦).

стр. 394

٢ - واصطلاحًا: «هي دين النصارى، الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح عيسى ﵇، وكتابهم الإنجيل. أما النصارى: فقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم، نصارى، وأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح ﵇، ويسمون ديانتهم المسيحية. وأما المسيحية: فلم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولافي السنة النبوية، كما أن المسيح حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح ﵇. فالحق والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب؛ لأن في نسبتهم للمسيح ﵇ خطأ ظاهر، إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح ﵇، وهو منه برئ «(١). ثالثًا: أصل النصرانية . وأما أصل النصرانية فهو امتداد لليهودية لأن بني إسرائيل حرفوا دينهم وكتابهم -التوراة- الذي أنزله الله على موسى ﵇، فبدلوه وحرفوه وغيروه فأرسل الله إليهم عيسى ابن مريم ﵇ ليردهم إلى التوحيد الخالص ويعيدهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ عبادة الأحبار وترك عبادة الأنداد، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرمت عليهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا، ويبشرهم بنبوة خاتم النبيين والمرسلين محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وقد وقع التحريف والتبديل والتغير في النصرانية وتعددت الأناجيل وتحول النصارى من جراء هذا التحريف عن التوحيد إلى الشرك في عبادة الله تعالى المتمثل في عقيدة التثليث، وقد نُسخت شريعةُ النصرانيةُ بعد التحريف والتبديل والتغير،

стр. 395

نُسِخَت برسالة خاتمة، وشريعة باقية هي: شريعة الإسلام، وختمت الكتبُ السماويةُ بالكتاب الخالد الباقي المحفوظ بحفظ الله وهو -القرآن الكريم-، قال ربنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] والمعنى: «وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه» (١). وهذا الكتاب-القرآن الكريم-كتاب شاهد على الكتب السابقة التي أنزلها الله تعالى، وأمينًا وحاكمًا ومؤتمنًا ومصدقًا عليها، أي: على ما كان قبله من الكتب التي أنزلها الله على رسله الكرام ﵊ أجمعين. كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ … فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة]. «وأما قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: على جنس الكتاب الإلهي، فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد، بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان مِنْ شأن مَنْ خُوطِبُوا بها، من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها» (٢). وخُتِمَ النبيون بخير الخلق وحبيب الحق محمد ﷺ ، قال ربنا: ﴿مَا كَانَ … مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب]، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ «وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئًا من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم

стр. 396

وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد» (١). فأصبحت شريعة النصارى المحرفة المبدلة باطلة لا تقبل عند الله، ورسالة الإسلام وشريعته الباقية هي الدين الذي لا يقبل الله دينًا سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. رابعًا: أخص صفات النصارى . ١ - الكفر بالله تعالى كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. «هذا حكم من الله تعالى بتكفير فرق النصارى من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله -تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس-» (٢). وكلام ابن كثير ﵀ بتحديد بعض فرق النصارى لا يعني حصر الكفر فيهم دون غيرهم من الفرق، بل الحكم بتكفيرهم حكم عام يشمل كل من نسب الألوهية للمسيح ﵇، فهو وصف عام يشمل كل نصراني قال بألوهية المسيح ﵇، كما شمل هذا الحكم أيضًا كل من قال ببنوة المسيح وجعله ابنًا لله تعالى. ومن دلائل كفرهم الصريح-أيضًا- مما ورد في كتاب الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والصحيح: أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد.

стр. 397

ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وقال السُّدِّي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦]» (١). ٢ - الضلال من أخص صفاتهم . وقد صف الله تعالى النصارى بالضلال فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة]. وأما عن سبب ذلك: فقد قال الطبري في تفسيره: «وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضَالٌ عند العرب لإضلاله وجه الطريق، فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضلالًا لخطئهم في الحق منهج السبيل، وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم، فإن قال قائل: أوليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟ قيل: بلى، فإن قال: كيف خص النصارى بهذه الصفة، وخص اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟ قيل: إن كلا الفريقين ضلال مغضوب عليهم، غير أن الله جل ثناؤه وسم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولم يسم واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفة على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه» (٢). ٣ - الغلو والجهل بالحق . إن الجاهل بالحق: هو أحق الخلق بوصف الضلال، ومن هنا وُصِفَت النصارى

стр. 398

بالضلال، كما قال أحكم الحاكمين : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة]. «وقوله سبحانه: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين في عصر النبي ﷺ نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: من اتبعهم على أهوائهم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم» (١). ٤ - الكبر والغرور . كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] ومعنى ذلك: «أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان يهوديًّا ولا دين إلا دين اليهودية. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا ولا دين إلا دين النصرانية» (٢). ٥ - هم أشقاء اليهود في الاستخفاف بالرُّسل ﵈ -. فالاستخفاف برُسل الله الكرام ﵈ وبما أُرسلوا به وعدم مراعاة حرمتهم وحرمة ما أُرسِلُوا بها من شرائع وأحكام من عند الله تعالى هو شأنهم كأشقائهم اليهود، فإذا لم يوافقهم ولم يُلائم أهواءهم ما جاءت به رسلهم، فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ

стр. 399

وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة]. ومعنى قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: «بما لا يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقارًا للرسل واستبعادًا للرسالة» (١). فإذا كانت هذه أخلاقهم مع رسلهم الذين أُرسِلوا إليهم وهم منهم ومن عشيرتهم، فأخلاقهم مع رسل الله الذين ليسوا من عشيرتهم ومن بني جلدتهم لا شك أنها ستكون أسوأ حالًا وأضل سبيلًا. فهذا النبي الذي بُعِثَ في الأُمِّيِّين ﷺ كادوا له ولدينه ورسالته ودعوته أشد الكيد وأغلظه وأغيظه. فلا يُسْتَغْرَب من مثلهم عدم مراعاة حُرُمات الله ولزوم حدوده مع غيرهم من المسلمين، ولا يُتَعجب من عدم تعظيمهم لما أَوْجَبَ الله تعظيمه وحفظه وعدم تعدي حدوده من حقوق المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم. بل إن الاستخفاف بها حاصل وقائم، وإن تعمُّدَ إهانتها وانتهاك حُرمَتها هو شغلهم الشاغل، بل إن من أجل مساعيهم في الكيد للإسلام وأهله السعي بكل وسيلة ممكنة لتشكيك المسلمين في دينهم وعقيدتهم الراسخة! ومن مكائدهم في ذلك تعمد إلقاء الشُّبَه على المسلمين والطعن في الإسلام والطعن في القرآن وفي النبي ﷺ لمحاولة زعزعتهم عن دينهم وارتدادهم عنه، ومن محاولاتهم البائسة في ذلك ادعاء البعض منهم الإسلام وادعاء الدخول فيه، ثم الردة عنه بعد ذلك؛ يرتدُّون عن الإسلام الذي دخلوه ظاهرًا، مدعين بذلك أنهم لم يجدوا أن هذا الدين هو الدين الحق الذي يجب أن يدين الخلق به لربهم، فوجب على أهله التراجع عنه وخلعه من ربقتهم. كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران]. والآية وإن قيل: إنها نزلت في بعض اليهود؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ وهو هنا

стр. 400

﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، لا بخصوص السبب كما هو معلوم، وأيضًا قد عمم ذلك بعض أهل التفسير، وواقعهم في كل زمان ومكان يشهد لذلك. قال الفخر الرازي ﵀: «إن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفة المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد ﷺ من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب، وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل: تواطأ اثنا عشر رجلًا من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق» (١). وهذا القول هو أحد قولي الفخر الرازي في الآية الكريمة. ٦ - ومن خصائهم تقديس الصليب واتخاذه شعارًا لدينهم المحرف . فقلما تجد نصرانيًّا في العالم إلا وهو مُعَلِّق للصليب في رقبته أو موسومًا به في جسده كما تُوسم البهائمُ، أوليس الصليب عندهم وفي اعتقادهم هو أداة التعذيب التي صُلِبَ وعُذّبَ ومات عليها المسيح عليه؟ فلماذا يُقدس النصارى الصليبَ ويتخذونه شعارًا لهم؟ فهل يُعقل أن يُخلِد عاقلٌ أداةً صُلِبَ وعُذِبَ وقُتِل عليها أعز عزيز لديه؟ ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلًا عن تقديسه وتعظيمه وإجلاله وإكباره (٢).

стр. 401

ولا يُصلب عندهم إلا من أذنب ذنبًا عظيمًا ولا مفرّ ولا مهرب من إعدامه وقتله لأن هذا الذنب لا يستحق بسببه الحياة، والكثير من النصارى الذين شرح الله صدورهم للإسلام وقذف في قلوبهم الإيمان وأنار بصائرهم بالتوحيد الخالص، لا تملك الكنيسة إلا أن تُغريه بالمال وتحقق مطالبه فإن أصر فلا مصير له إلا الصلب، لأن الصلب عقوبة من ارتكب ذنبًا لا يُغتَفر، وكان المصلوب قديمًا يعدونه عندهم ملعونًا، فهو ملعون عند الله وملعون عند البشر. كما أنه لا يُعلم لدى الباحث تحديدًا مؤكدًا -متى صار الصليب شعارًا مقدسًا لهم-، حيث لا يُعلم لدى المتقدمين من النصارى ذكرٌ لذلك، ولا من الذي دعا إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من شعائرهم الظاهرة المميزة والخاصة بهم (١). ولا شك في أن أصل النصارى الذين بُعِث فيهم عيسى ابن مريم ﵇ هم من بني إسرائيل، فهم امتدادٌ لليهود. وقد عَرَفَ اليهودُ عقوبةَ إعدامِ المذنبِ قديمًا عندهم، فيقوموا بتعليقه على خشبة (وهو الصلب بعينه)، وقد ذُكِرَ ذلك في العهد القديم (٢). خامسًا: كثرة ورود لفظ النصارى في القرآن الكريم .

стр. 402

وذلك لفضحهم وللتحذير من كفرهم وشرهم وسيء فعالهم. هذا مع كثرة مخاطبتهم بالخطاب العام: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، و ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] وإنما كثر ذكرهم في القرآن؛ لبيان كفرهم وشركهم وتكذيبهم، وبيان ضلالهم وجهلهم وغرورهم وكبرههم، وقولهم في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، وحنقهم وحقدهم على الإسلام وأهله، وعلى نبي الهدى ﷺ ، ولقد كثر ذكرهم-أيضًا- إظهارًا لفسادهم وتحذيرًا من شرهم وغلوهم، وتحذيرًا على ما هم عليه من سوء المعتقد وفساد الدين والعقل والأخلاق. وقد ورود لفظ النصارى في كتاب الله تعالى مُعَرّفًا ومُنَكّرًا قرابة خمس عشرة مرة، وردت كلها في سورة البقرة والمائدة، عدا واحدة وردت في سورة آل عمران، وأخرى وردت في سورة التوبة، وأُخرى في سورة الحج، وفي جملة هذه الآيات المباركات ورد ذكر النصارى مقترنًا بذكر اليهود، وقد ورد هذا الاقتران إما على سبيل الإخبار عنهما، وأما على سبيل الذم وأما على سبيل المدح لبعضهم لما اتبعوا الحق، أما الآية التي وردت في مدح بعض النصارى الذين عرفوا الحق وشهدوا به، فهي قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة]. «قيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله ﷺ . وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه» (١). وأما عن بعض ما ورد في القرآن من الاقتران بين الطائفتين-اليهود والنصارى- فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، وقوله

стр. 403

سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفي هذا الاقتران دلالة واضحة على القاسم المشترك بينهما، ألا وهو الشرك والكفر بالله تعالى. سادسًا: أبرز الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى . ومما سبق يُستَدَلُ على وجود صفات كثيرة مشتركة بينهما ومن أهمها وأبزها ما يلي. ١ - اشتراكهما في نسبة الولد لله . يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٠]. فهم مستويان في شركهما وكفرهما في نسبة الولد لله تعالى، وهذا من أعظم الظلم والكفرعياذًا بالله تعالى. ٢ - إشتراكهما في جحد كون القرآن كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ -. ٣ - إشتراكهما في جحد وإنكار نبوة محمد ﷺ -. أما اليهود فيجحدون نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما النصارى فيجحدون نبوة محمد ﷺ . ٤ - إشتراكهما في تحريف كتبهم المنزلة . ٥ - إشتراكهما في الغرور والكبر . كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨].

стр. 404

٦ - إشتراكهما في الحقد الدفين على هداية عباد الله المؤمنين . كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وكما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وكما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. وفي العموم وإن كان الكفر كله ملة واحدة إلا أن بعض الكفر والشر أشد من بعضه. فاليهود أشد كفرًا وعنادًا وأعظم خبثًا وضلالًا وفسادًا من النصارى، وذلك لأن مصائبهم وجرائمهم وفضائحهم العظيمة أكثر مما عند النصارى، وإن كانوا في أصل الكفر والشرك سواء بسواء، ومما خُصَ به اليهودُ واستحقوا به وصف الغضب كونهم قد فسدوا وانحرفوا عن علم فوصفوا ونعتوا بالمغضوب عليهم، والنصارى فسدوا وانحرفوا عن جهالة فوصفوا بالضالين. وقد قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والنصارى مع كفرهم وشركهم وضلالهم فإنهم لا شك دون ذلك. ولا تكاد سورة من سور القرآن الطوال تخلو من بيان كفر وشرك اليهود والنصارى، ومن التحذير من شرهم وسيء فعالهم وذكر مساويهم وفساد عقائدهم ودناءة أخلاقهم. سابعًا: تنبيه وتحذير المنعم عليهم من سلوك سبيل اليهود والنصارى . فـ «قد أمرنا الله أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل، واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد، وهذه الأمة هم المنعم عليهم، ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، لأنَّ النصارى عبدوا بغير علم واليهود عرفوا

стр. 405

الحق وعدلوا عنه» (١). «فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، من المعتزلة ونحوهم -فيه شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى. وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم -فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك. وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء» (٢). وعن سفيان ﵀ قال: «لا تجد مبتدعًا إلا وجدته ذليلًا، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]» (٣). ثامنًا: نداء عام لليهود والنصارى: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة]. قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى: قل يا محمد: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمد، والأمر باتباعه ﷺ ، والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته» (٤).

стр. 406

وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار» (١). وهذا الحديث يدلل على أن جميع الرسالات السابقة لرسالة النبي محمد ﷺ قد نُسِخَت برسالته، فوجب على كل من بلغته رسالتُه، الإيمانَ والتصديقَ بها واتباعها، يهوديًّا بلغته كان أو نصرانيًّا أو غيرهما من أهل ملل الشرك والكفر قاطبة. قال النووي ﵀: «وأما الحديث ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ ». وقوله ﷺ : «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ» أي: ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى» (٢). ومما يدلل عليه الحديث أيضًا: أن رسالة النبي ﷺ رسالة عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، وهذا من خصائص دعوته ورسالته ﷺ ، يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، و يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا … رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ … (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والأدلة على عموم رسالته ﷺ في نصوص الكتاب والسنة كثيرة ومعلومة. ولعل فيما مضى كفاية والحمد لله بداية ونهاية.

стр. 407

الخاتمة وفيها ما يلي: أولاً: أبرز النتائج ثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة فبعد هذا التطواف بين ثنايا كلمات وسطور ومباحث وفصول هذا البحث ومن خلال تلك الدراسة المتواضعة جدًّا توصلت تلك الدراسة بحمد الله وإعانته وامتنانه وتوفيقه وفضله لنتائج وتوصيات جمَّة مما أفاء اللهُ تعالى وامتنَّ به على جامعها، ومن أجلها، وأميزها، وأبينها.

стр. 408

أولاً: أبرز النتائج: أبرز النتائج من خلال الفصل الأول بيانُ عظمِ مكانةِ وقدرِ التوحيدِ تبين من خلال الدراسة في هذا الفصل: أ-أن التوحيد هو أول وأعظم وآكد واجب لله تعالى على جميع العبيد، ومقصده من أعظم المقاصد وغاية تحقيقه من أجلّ وأعظم وأنبل وأرفع وأسمى الغايات، والإقرار له سبحانه بالوحدانية وإفراده تعالى بالعبودية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والاستسلام له سبحانه بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك بكل صوره وأشكاله صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، قليله وكثيره، والبراءة منه ومن أهله لهو من أوجب الواجبات المتحتمات على جميع المكلفين من البريات إنسهم وجنهم على حدٍّ سواء، وتحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة هي الغاية الكبرى والمهمة العظمى التي خلق الله تعالى من أجلها الثقلين وأوجدهم لها كما بين سبحانه في محكم آياته بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، وهي الغاية العظمي التي كذلك من أجلها أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، و قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. ب-كما تبين أن مكانة التوحيد من الدين كمكانة الروح من الجسد، فالروح إذا فارقت الجسد فلا حياة فيه ولا مكان له إلا التراب، وكذلك التوحيد إذا لم يحققه

стр. 409

العبد ولم يوحد خالقه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وقع في الشرك وتلبس به وخلع ربقة الإسلام من عنقه وأصبح لا قيمة له ولا مكان له إلا النار خالدًا فيها أبدًا والعياذ بالله. فبتحقيق التوحيد ١ - يحيا المؤمن الحياة الحقيقية الطيبة، حياة الأمن والاطمئنان، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام] فهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، فتوحيدهم خالص لم تشوبه أيّ شائبة شرك، لا صغيرة ولا كبيرة، لا دقيقة ولا جليلة، فأهل التوحيد لهم الأمن الكامل والتام في الدنيا والآخرة، وقال ربنا جل في علاه -أيضًا-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل]. ٢ - وبتحقيق التوحيد-كذلك-يحيا المؤمن الحياة الحقيقية مستضيئًا بنور الإيمان قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ … مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ … مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ … زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام]، و قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ٣ - وبتحقيق التوحيد-كذلك-ينجز اللهُ لعباده المؤمنين الوعدَ بالعزة والنصر والتمكين، يقول ربنا العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. ٤ - وتحقيق التوحيد سبب لمغفرة الذنوب كما هو عليه أهل السنة والجماعة، ومن قال بقولهم من أهل الفرق فإنما هو تابع لهم في ذلك، ذلك لأن أهل السنة يقولون بأن التوحيد -يعني: الخالص- يكفر ما معه من الذنوب، وقد تُكفر الذنوبُ كذلك بتوبةٍ مقبولةٍ، أو بحسناتٍ ماحيةٍ، أو بابتلاءٍ من همٍّ أو غمٍّ أو فقرٍ أو مرضٍ أو نحو ذلك من الابتلاءات، وقد تُكفر بسكراتِ الموتِ وأهوالِ القبرِ وشدتهِ وأهوالِ

стр. 410

القيامةِ والفزعِ الأكبرِ ومن شدائِدِها وكروبِها، أو بشفاعةِ الشافعين، أو غيرها من أسبابِ المغفرةِ والتي من أوسعها وأفضلها وأجلها وأعظمها وأرجاها رحمة أرحم الراحمين، هذا مع ما معه من أصل تحقيق التوحيد، خلافًا لما عليه الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن الذنوب لا تغفر إلا بتوبة (١). ٥ - وتحقيق التوحيد سبب لثبات المؤمن، قال ربنا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وإن كانت الآية نزلت في عذاب القبر إلا أنها تعم كل المواطن، عند الموت وفي القبر وفي عرصات القيامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ٦ - وبتحقيق التوحيد يفوز المؤمن الموحد بالجنة وينجو من الخلود في النار مهما بلغت ذنوبه، أي: ما دامت ذنوبه دون الشرك لعموم الأدلة الواردة في ذلك. ٧ - والشرك في الإسلام كالحدث إذا طرأ على الطهارة أفسدها ونقضها، فكذلك الشرك إذا طرأ على العمل ودخل عليه أحبطه ونقض الدين بالكلية وأبطله. ٨ - وجوب الحذر من الشرك بكل صوره وأشكاله لعظم جرمه وخطره وما يترتب عليه من عظائم ومخاطر وطوام كبرى من أعظمها وأفظعها وأشدها: أ- الردة عن الإسلام لمن تلبس بشرك أكبر عياذًا بالله تعالى من ذلك. ب- حبوط العمل بالكلية عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا. ج- وعدم دخوله تحت مشيئة الله في الوعد بالمغفرة الموعود بها لأهل الكبائر وذلك لمن مات على الشرك الأكبر دون توبةٍ عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا. د- الخلود في نار جهنم أبد الآبدين لمن مات على ذلك والعياذ بالله تعالى من ذلك أيضًا.

стр. 411

هـ- وجوب تعلم التوحيد وجوبًا عينيًا وما يتعلق به من مفاهيم وفضائل وأحكام وأقسام، وكذلك تعلم ما ينقضه ويبطله وهو الشرك وما يتعلق به من أحكام دنيوية وأخروية، وذلك للحذر منه وتجنبه والتجافي عنه.

стр. 412

أبرز النتائج من خلال الفصل الثاني من أبرز نتائج هذا الفصل ما يلي: ١ - أن الفاتحة أم الكتاب هي أفضل سورة في القرآن. ولذا فإنه على إيجازها لا يقوم مقامها غيرها ولا يسد مسدها سواها؛ لأنها قد احتوت على ما لم تحتوِ عليه أيٍّ من سور القرآن؛ وهي وإن كانت قليلة المباني فإنها عظيمة المعاني، ولذلك لم ينزل في الكتب السابقة مثلها، وأن لها أسماء كثيرة وذلك لشرفها وفضلها وعلو قدرها، وقد أوردت الدراسة أبرز ما ثبت لها من أسماء وفضائل ومقاصد. ٢ - أن الاستعاذة تُشْرَعُ عند التلاوة وهي ليست آية من القرآن إجماعًا. ٣ - أن البسملة آية في أول كل سورة لأن كل ما بين دفتي المصحف قرآنٌ، وذلك بإجماع الصحابة ﵃ ومن بعدهم، وهم جميعًا على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، لأنها نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، كما أنها جزء آية مستقلة من سورة النمل. ٤ - لم يرتفع الخلاف لدى الباحث في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًّا أو إثباتًا-من خلال تلك الدراسة، وذلك لأنه خلافٌ معتبرٌ له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين. ٥ - عدم تكفير أو تفسيق من نفى قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة لكون الخلاف في إثباتها معتبرًا، بخلاف ما لو أنكر شيئًا من القرآن مجمعًا عليه ولو حرفًا واحدًا أو أثبت فيه ما ليس منه ولم يقل به أحدٌ، فقد كفر إجماعًا.

стр. 413

٦ - جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيره، وهذا قول معتبرٌ له قوته وتوجهه. ٧ - أن البسملة يُسَرُّ بها في الصلاة. ٨ - وأن التأمين يُجهرُ به ويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة الفاتحة وهو ليس بآية منها. ٩ - أن عدد آيات الفاتحة سبع آيات وذلك إجماعًا، وإنما وقع الخلاف في الآية التي تكون بها سبعًا. ١٠ - أن في عدد كلمات الفاتحة خلافٌ مشهور. ١١ - أن أبرز موضوعات السورة هي: العقيدة وبيان التوحيد بأقسامه الثلاثة، وبيان مكانة العبادة والاستعانة والهداية، وإثبات النبوة والرسالة والبعث بعد الموت والجزاء، وأحوال وأخبار الأمم السابقة وبيان منازل السعداء والأشقياء. ١٢ - أنه في ضوء بحث «المعنى الإجمالي للسورة الكريمة» تبين أن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها لذا سميت «أم القرآن»، وأن فضائلها أكثر من أن تحصى. ١٣ - أن تلك الدراسة لم تقف على سبب نزول للسورة ثابت صحيح، وأما ورد في سبب نزولها فسنده منقطع، ويتضح من جراء ذلك أنها نزلت للهداية ابتداءً كالكثير من سور القرآن الكريم، وأنها نزلت بمكة جملة واحدة، وأنها سورة محكمة لا ناسخ فيها ولا منسوخ.

стр. 414

أبرز النتائج من خلال الفصل الثالث ١ - أن علم المناسبات علمٌ معتبرٌ شرعًا له أسسه وقواعده، ومتى ظهرت المناسبة والموضوع واُلتُزِمَت فيه الشروطُ والضوابطُ المعتبرةُ بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ فلا مانع من القول والأخذ به. ٢ - وأنه علم يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ويقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ومراميه، لمفسره وقارئه ومتدبره وتاليه. ٣ - ويعين أيضًا-على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في كل جوانبها. ٤ - أن سورة الفاتحة لمَّا حوت آياتُها السبع مقاصدَ القرآنِ الكريم وكلياته مع ما اشتملت عليه ومع مالها من المكانة والقدر ناسب افتتاح القرآن الكريم بها. ٥ - تبين من خلال تلك الدراسة أن هناك أوجه من التناسب بين سورة الفاتحة وتاليتها وهي سورة البقرة. ٦ - ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا-تبين الترابط النصي بين آيات السورة الكريمة وكأنها منظومة واحدة في الوحدة الموضوعية ولاسيما في عرض قضية التوحيد وعلاقتها بمحور السورة الكريمة. ٧ - ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا- تبين العلاقة الوطيدة بين سورة الفاتحة وهي من السور المفتتحة بالحمد وبين مثيلاته من السور المفتتحة بالحمد كذلك.

стр. 415

أبرز النتائج من خلال الفصل الرابع هذا الفصل هو المبحث الرئيس في السورة الكريمة وقد تناول التفسيرَ الموضوعي للسورة وتناول-كذلك- بيان مواضيعها الرئيسية ثم عرج عليها بشيء من التحليل والبيان للقضايا الفرعية وعلاقتها بالمحور الرئيس للسورة الكريمة ألا وهو تقرير العبودية بشموليتها وكمالها لله تعالى. ومن أبرز النتائج في هذا الفصل مايلي: أ- أن تقرير العبودية هو الموضوع الرئيس الذي يتمحور حوله موضوع السورة الكريمة، وقد تقرر التوحيد في السورة بأنواعه الثلاثة وبيان استحقاق إفراد الرب جل في علاه بالتوحيد. ب- وتقرر من الدراسة أن المواضيع التي تناولتها السورة الكريمة هي: ١ - (الحمد) وقد تبين معناه ودلالته على التوحيد واستحقاق الرب جل في علاه له. ٢ - وصفات الله تعالى الواردة في ثنايا آياتها وهي: (الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين) ودلالتها كذلك على التوحيد. ٣ - وتبين من خلا الدراسة مفهوم الإيمان باليوم الآخر (يوم الدين) وبيان مكانته من الدين وحقيقته وبعض أوصافه وخطره، ودلالته-كذلك-على التوحيد. ٤ - (العبودية-والاستعانة) وهما قطبا الدين ولبا دعوة المرسلين وبيان مكانتيهما من الدين. ٥ - طلب الهداية للصراط المستقيم، وتبين من خلال تلك الدراسة نوعي الهداية وأنهما من أعظم وأجل المطالب وأعزها، ثم دللت الدراسة على علاقة ذلك المطلب بموضوع السورة الرئيس ألا وهو التوحيد.

стр. 416

٦ - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة (المنعم عليهم-المغضوب عليهم-الضالين). وقد خُتمت تلك الدراسةُ ببيان هذا المبحث الهام الذي تبين منه ثمرة موضوع هذا البحث وثمرة مُتَعَلَّقِهِ (١) ألا وهو التوحيد، وبينت مآل طائفة مَنْ أنعم الله عليهم بتحقيق التوحيد ولزوم الصراط من موحدي ومؤمني كل أمة، وبيان مصير الطائفتين اللتين تنكبتا الصراط وهما: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى ومَن سار على نهجهم واقتفى آثارهم واعتقد اعتقادهم وعمل بعملهم إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 417

ثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة ١ - توصى تلك الدراسة بالعناية بكتاب الله تعالى تعلمًا وتعليمًا، وتدبرًا ومدارسة ولاسيما فيما يتعلق بتفسيره وتأويله، كما توصي كذلك بتحكيمه والتحاكم إليه، والتداوي به من كل العلل حسيها ومعنويها، واتخاذه شرعةً ومنهاجًا لكل جوانب الحياة لتسعد به البشرية كما سعد به الرعيل الأول من صدر هذه الأمة. ٢ - كما توصي الدراسة بالعناية بمدارسة فاتحة الكتاب خصوصًا، لأن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها، كما توصي-كذلك- باستخراج ما بها من علوم والاستفادة من مقاصدها ومراميها وما اشتملت عليه وحوته من موضوعات. والتي من أجلها وأجمعها وأبينها ما يلي: أ- التوحيد ووجوب تحقيقه ولزومه مع تجنب كل نواقضه المفضية إلى الشرك بالله تعالى، وبذلك يتحقق للعبد كمال العبودية وينال سعادة الدارين. ب- حمد الله تعالى وتمجيده وإجلاله وتعظيمه بالثناء عليه سبحانه بما هو أهله وبما له من أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العلى. جـ- تذكر المعاد، وهو يوم الدين، وإعداد العدة لهذا اليوم العظيم الذي يُدان فيه الأولون والآخرون بما قدمت أيديهم، يوم يقوم الناس لرب العالمين. د- إخلاص الدين لله تعالى وحسن القصد في إفراده تعالى بالألوهية (عبادة، واستعانة) تضرعًا إليه سبحانه وافتقارًا، وذلًا له سبحانه ولكبريائه وعظمته وخضوعًا، وتبرؤًا من كل حولٍ وقوةٍ، وتنزيهًا لله عن الشريك والشبيه والند والنظير والمثيل. هـ - الإلحاح على الله في طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دين الله القويم المتضمن للعلم النافع والعمل الصالح، وسؤاله سبحانه الثبات عليه حتى يفضي بهم

стр. 418

ذلك إلى جواز الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة، المؤدي إلى موعود الله والمفضي بهم إلى النعيم المقيم في جنات النعيم بجوار الرب الكريم. و- الحرص على الأعمال الصالحة والوصية والترغيب في الإكثار من الباقيات الصالحات والحرص على صحبة الصالحين ليكون العبد بذلك يوم القيامة في صحبة المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. ز- التحذير من مسالك سبل أهل الغواية ممن غضب الله عليهم كاليهود، وممن أضلهم كالنصارى، وكل من سار على نهجهم واقتفى آثارهم واتبع سبيلهم، لئلا يُحْشَر في زمرتهم. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 419

وختامًا فإن الباحث في ختام بحثه يحمد ربَه الكريمَ الرحمن ذا الجود والإفضال والإكرام والإنعام على ما أنعم به وأولى على عبده الضعيف الفقير، ويسر له من جمعٍ لكلام أولى العلم من أئمة التفسير وسادات التأويل والتحبير، فجمع من نفائس استنباطهم وتأويلهم وعلمهم الغزير، وكأنه يَسمع صريرَ أقلامهم كما يُسمعُ خريرُ الماءِ العذبِ النمير في يوم مطير، ولكأنه يشم من مدادهم أقلامهم أطيب مسك وأحسن عنبر وأزكى رحيق وعبير، ولكأنه يلمس من ثنايا تأويلهم وفسرهم ملمسًا لينًا طيبًا كملمس الناعم من الحرير، وقد أفاد من تأويلهم وفسرهم كما يُفادُ من ثمر النخل بعد التأبير، بداية من شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، ومرورًا بالحافظ ابن كثير، وحتى الشوكاني صاحب فتح القدير، وغيرهم من أهل العلم وأئمة التأويل والتفسير، وختامًا بالشنقيطي صاحب أضواء البيان ذاك العالم النحرير، فرحم الله علماءَ الأمةِ قاطبةً وكلَ أئمةِ التفسير ويُخصُ منهم كلُ عالمٍ عَلَمٍ حَبرٍ وإمامٍ نحرير سار على السنة والجماعة وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ البشير النذير من الأسماء الحسنى والصفات العلى بلا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تبديل ولا تغيير، قال ربنا الحكيم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ … شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. وكان بحث الفاتحة خاص بالتوحيد الذي هو حق الله في رقاب جميع العبيد، والذي به حبل النجاة لمن حققه وعمل واستمسك به في يوم الوعيد، فصاحبه يَنال الأمن في الدنيا والآخرة فقولُهُ سليمٌ سديد، وعَمَلُهُ كذلك صالحٌ رشيد، والذي يطمع أن ينجو به من النار والعذاب الشديد، ويسلك به أعالي الجنان وقد حُرِمَ منها كُلُّ جبار كَفَّارٍ عنيد، يوم يأمر الجبار سبحانه زبانية جهنم فيقول لهم: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ

стр. 420

كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ [ق] وقد وعد سبحانه بملئها فيقول لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق]. والباحث قد بذل ما يملك من الجهد والأوقات لإتمام بحثه على وجه يرجو به رضا رب البريات، وينال به رحمته في الدنيا ويوم الحسرة والفوات، فلم يبخل ببذل اللحظات والساعات في تحرير بحثه ولَمِّ شمل كلماته وجمعها بعد شتات، والبحث في القرآن عمومًا وفي الفاتحة خصوصًا يحتاج لبذل جهود وأعمار وأوقات، ومع ذلك لا يمكن لأحدٍ أن ينال كل وطره ومأربه ومطلبه منها لعظم مقاصد ومرامي آياتها وما شملته من العلوم وما حوته من العبر والعظات، ولما حوت بين ثنايا آياتها من التناسق النصي والوحدة الموضوعية المتضمنة لتوحيد وعبودية رب البريات. والنقص وصف بشري يعتري عموم الخلق قاطبة وإن ادعوا الكمالات، إلا رسل الله وأنبيائه، وأكملهم من ختمت به النبوات وببعثته الرسل وجميع الكتب والرسالات، عليهم من الله جميعًا أفضل الصلوات وأطيب التسليمات والتبريكات، والبحث ما يزال يحتاج لجهود وعقول وقلوب أصحاب الهمم العالية والنفوس الزاكية الراغبة فيما عند رب الأرض والسماوات من الفضل والرفعة والمكانة وعلو الدرجات. وأخيرًا فهذه دعوة لجميع الباحثين والباحثات للتنافس في قربى لله من أعز وأنفس القربات لتقديم البحوث العلمية والأطروحات في بيان معاني ومرامي ومقاصد فاتحة الكتاب طمعًا في الفوز غدًا بأعالي المنازل في غرفات الجنات. ولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال: «إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلاَّ قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ» (١).

стр. 421

ومسك الختام مع كلمات معبرات وحروف مؤثرات انطلقت من قلب وعقل إمام عالم علم، وحبر همام ناصح للبريات، ما يزال قدوة للأنام، على مرّ الأيام والسنوات، ألا وهو ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول ويسطر هذه الكلمات: «فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه كدره، وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك، وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذى يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يوحى؟. فما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا» (١). هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي وحده علا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ … وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٥ - ٨]، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه أولي العلم والحلم والنُّهى، أولي البرِّ والإحسان والصبر والتُّقى، وسلم اللهم تسليمًا كثيرًا كثيرًا ليس له عدد ولا منتهى. الباحث الدكتور/ عرفة بن طنطاوي arafatantawy@hotmail.com

стр. 422

الفهارس مرتبة ترتيبًا أبجديًّا الفهارس العامة وتشتمل على الفهارس الآتية: أولًا: فهرس: أهم المصادر والمراجع. ثانيًا: فهرس الآيات. ثالثًا: فهرس الأحاديث والآثار. رابعًا: فهرس الأعلام المترجم لهم. خامسًا: فهرس الموضوعات.

стр. 423

أولًا-فهرس: أهم المصادر والمراجع ترتيب (ألف بائي) -القرآن الكريم -طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة النبوية. (أ) ١ - أحكام القرآن، المالكي: ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٣ م، عدد الأجزاء: أربعة أجزاء. ٢ - أحكام القرآن، الجصاص: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م، عدد الأجزاء: ٣. ٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي ثم الدمشقي، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ هـ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد. ٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الألباني: محمد ناصر الدين، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م، عدد الأجزاء: ٩ (٨ ومجلد للفهارس). ٥ - الاستقامة، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، مكتبة السنة، الطبعة: الثانية، ١٤٠٩ هـ. ٦ - من مصايد الشيطان، ابن القيم: الإمام محمد بن أبي بكر، تحقيق: محمد حامد

стр. 424

الفقي -دار المعرفة-الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ. ٧ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م، عدد الأجزاء: تسعة أجزاء. ٨ - أسد الغابة في معرفة الصحابة -المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد ابن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، المعروف بابن الاثير (المتوفى: ٦٣٠ هـ) المحقق: علي محمد معوض -عادل أحمد عبد الموجود الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى سنة النشر: ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م عدد الأجزاء: ٨ (٧ ومجلد فهارس). ٩ - أسرار ترتيب القرآن السيوطي، جلال الدين-عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠٢ م، عدد الأجزاء ١. ١٠ - أسباب النزول، الواحدي: علي بن أحمد الواحدي النيسابوري أبو الحسن، ط-العلمية، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ -١٩٩١ م، ط ١، عدد الأجزاء: ١. ١١ - أهل السنة والجماعة-خصائص -وفضائل -وأحكام-عرفة بن طنطاوي-تحت الطبع. ١٢ - أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار النفائس -عمان؛ سنة النشر: ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م. ١٣ - أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة (الكتاب نشر -أيضًا-بعنوان: (٢٠٠ سؤال وجواب في العقيدة الاسلامية) المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: (١٣٧٧ هـ) تحقيق: حازم القاضي الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية

стр. 425

السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢٢ هـ. ١٤ - آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان؛ المؤلف: محمد بن … عبد الله الشبلي بدر الدين أبو عبد الله؛ المحقق: أحمد عبد السلام؛ الناشر: دار الكتب العلمية؛ عدد المجلدات: ١؛ عدد الصفحات: ٢٣٤. ١٥ - الأذكار المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ﵀ الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان طبعة جديدة منقحة، ١٤١٤ هـ -١٩٩٤ م. ١٦ - الإبانة لابن بطة -فضائل الصحابة-المؤلف: ابن بطة: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. المؤلف: أبوعبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي-المتوفى: ٣٨٧ هـ-تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري-الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع: سنة النشر: ٢٠٠٥ هـ-عدد الأجزاء: ٢. ١٧ - أصول السنة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي) المتوفى: ٣٩٩ هـ) تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ-عدد الأجزاء: ١. ١٨ - الاعتصام، الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، المتوفى: ٧٩٠ هـ) تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن عفان، السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م، عدد الأجزاء: ٢. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: ١٩ - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، الجزء الأول. ٢٠ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان -محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي بن قيم الجوزية أبو عبد الله الناشر: دار المعرفة -بيروت (-الطبعة الثانية، (١٣٩٥ هـ
следующие страницы →