← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢ - بيان ومفهوم معنى البسملة البسملة: اسم. ولفظة (بسملة): مصدرها بسمل. وبسملَ فِعل: أي: يبسمل، بَسْمَلَةً، فهو مُبسمِل، فالبسملة اسم بُنيَ من فعل، وهو من بسمل الشخص إذا قال: بسم الله، كقولهم: حوقل إِذا قال: لا حول ولا قوَّة إِلا بالله، وحمدل إِذا قال: الحمد لله (١). وهي من الكلام المنحوت المجموع من كلمتين (٢). والعرب تفعل هذا إِذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إِحداهما إِلى بعض حروف الأُخرى منه (٣). والبسملة هي قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. والاسم: كلمة يستدل بها على مُسَمًّى بذاته وعينه، يعرف به، ويتميّز به عن غيره. ولفظ الجلالة: ﴿اللَّهِ﴾ اسم علم على الذات الإلهية لربّ العزة والجلال ﵎ وهو غني عن تعريف خلقه جل في علاه. والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له، وتعبده خوفًا وطمعًا، وتدعوه رغبًا ورهبًا، وتعظمه تذللًا وتزلفًا، وتتوكل عليه وتنطرح بين يديه افتقارًا واضطرارًا إليه . ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: أبدأ وأستهل بسم الله تعالى، وهي بركة واستعانة.

стр. 72

والجار والمجرور -على التعظيم والإجلال- في ﴿بِسْمِ﴾ متعلق بفعل مقدر، تقديره: «أبدأ». ومعناها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وحده أقرأ كلامه وأتلوه متبركًا. أي: أبتدأ قراءتي حال كوني متبركًا ومستعينًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهي مشروعة ومستحبة في أحوال شتى منها على سبيل البيان لا الحصر: عند الوضوء، وعند المأكل والمشرب، وعند الوقاع، وعند الخروج من البيت والولوج فيه، وعند غلق الأبواب، وعند النوم، وعند التخلي، وعند الصيد، وعند الذبح، وعند التألم والتوجع يرقي بها نفسه، وفي أذكار طرفي النهار، وعند السفر وعند ركوب الدابة وعند تعثرها، وعند ركوب البحر، وعند قتال العدو، وعند المكاتبات كما فعل النبي ﷺ عند مكاتبة الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وعند لحد المسلم في قبره، وفي غيرها من المواضع التي لا يسع المجال لذكرها بل ولا لحصرها. قال الجصاص (١) ﵀: «وَالأَحْكَامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا قَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الأَمْرُ بِاسْتِفْتَاحِ الأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ، وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ بِهِ، وَذِكْرُهَا عَلَى الذَّبِيحَةِ شِعَارٌ وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الدِّينِ وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ؛ وَفِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهُمْ بِذِكْرِ الأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَهُوَ مَفْزَعٌ لِلْخَائِفِ، وَدَلالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى انْقِطَاعِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلُجُوئِهِ إلَيْه، وَأُنْسٌ لِلسَّامِعِ، وَإِقْرَارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَاعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ، وَاسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعِيَاذَةٌ بِهِ، وَفِيهِ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِ لا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ، وَهُمَا اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ» (٢).

стр. 73

و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان كريمان عظيمان من أسماء الله تعالى الحسنى، يدلان على اتصاف الله تعالى بالرحمة الواسعة، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ دال على صفة ذاتية، و … ﴿الرَّحِيمِ﴾ دال على صفة فعلية. و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ وصفٌ بالرحمة، و ﴿الرَّحِيمِ﴾ هو الذي يرحم بتلك الرحمة، سبحانه: ﴿ … كَتَبَ … رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]، والرحمن من الأسماء الخاصة به جل في علاه والتي لا يجوز ولا يصح أن يوصف بها سواه ، تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعلان، وهو يدل على الشمول والسعة والامتلاء، وهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى مشتق من الرحمة، وهي رحمة عامة لجميع الخلق. ومما يدل على ذلك ذكر الله للاستواء باسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ليعم الرحمن جميع خلقه برحمته الواسعة الشاملة، فكما أن عرشه يعم جميع خلقه فكذلك رحمته. كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعيل، اسم من أسماء الله الحسنى، الواصلة لخلقه، وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة. قال ابن القيم ﵀: «الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذ ا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقوله ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة] ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته» (١) ا. هـ.

стр. 74

وكلام ابن القيم ﵀ وكلام غيره من أهل العلم يؤكد أن ﴿الرَّحِيمِ﴾ رحمة خاصة يرحم الله بها من شاء من عباده المؤمنين وهذا ما دلت عليه الآية: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]. وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة كما مرَّ معنا آنفًا، ويؤيد ذلك أيضًا القرطبي (١).

стр. 75

٣ - هل البسملة آية من الفاتحة لقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة أو النقصان، كما أجمعوا على أن كل من زعم أن كتاب الله تعالى زيد فيه ما ليس منه، أو أنقص منه ما أنزل الله فيه فقد كفر. يقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحِجر]. وزيادة للإيضاح نسوق أقوال أئمة التفسير في معنى الآية الكريمة من سورة الحجر. يقول الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل» (١). ويقول البغوي ﵀: «﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، يعني: القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: نحفظ القرآن من الشياطين يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا. قال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه» (٢). ويقول القرطبي ﵀: «﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يزاد فيه أو ينقص منه» (٣). ويقول الشنقيطي (٤) ﵀: «بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن

стр. 76

العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل» (١). ويقول القاضي عياض ﵀ (٢): «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامدًا لكل هذا: أنه كافر» انتهى (٣). وأما اختلاف أهل العلم حول قرآنية البسملة فلا يشمله هذا الحكم، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، والصحابة الكرام ﵃ مجمعون على إثبات البسملة في أوائل السور عدا براءة، وذلك في المصاحف العثمانية الذي كتبها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ وبعث به إلى الأمصار ويقول الشوكاني في ذلك: «واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع. ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة «النمل»، ولا خلاف في إثباتها خطًّا في أوائل

стр. 77

السور في المصحف، إلا في أول سورة التوبة» (١). ولقد أجمع المسلمون على أن البسملة جزء آية من سورة النمل وذلك في قول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل ٣٠]، وأجمعوا أيضًا على أنه لا خلاف بأنها ليست آيةً بين سورتي الأنفال والتوبة، لأن براءة نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، والبسملة مشتملة على معنى الرحمة، واختلفوا فيما دون ذلك على مذاهب مختلفة وأقوال متباينة. أولًا: مذهب الحنفية: المختار عند علماء الحنفية أنها آية تامة مستقلة أنزلت للفصل بين السور، فهي من القرآن وليست من الفاتحة ولا من غيرها (٢). وسئل محمد بن الحسن عنها فقال: «ما بين الدفتين كلام الله تعالى» (٣). ثانيًا: مذهب المالكية: البسملة ليست من القرآن في غير سورة النمل (٤). ثالثًا مذهب الشافعية (٥): البسملة آية كاملة في أول الفاتحة بلا خلاف في المذهب الشافعي، أما في باقي السور عدا براءة ففي المذهب ثلاثة أقوال: الأول: أنها آية كاملة في أول كل سورة. الثاني: أنها بعض آية في أول كل سورة.

стр. 78

الثالث: أنها ليست بقرآن في أوائل السور عدا الفاتحة. وقد ذكر النووي أن الراجح في المذهب هو الأول (١). رابعًا: مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة: «واختلفت الرواية عن أحمد هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص، وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهي المنصورة عند أصحابه». قال ابن قدامة: «واختلف عن أحمد فيها -أي: في هذه الرواية- فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين فصلًا بين السور. وعنه: هي آية من سورة النمل (٢). أي: النمل فقط وليست آية من غيرها». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الرواية عن أحمد: «ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولًا في مذهبه» (٣). ولقد انتصر شيخ الإسلام ﵀ للقول بقرآنية البسملة، حيث إنها أثبتت في أول كل سورة وهي ليست من السورة، ثم قال -رحمه الله تعالى-: «وهذا أعدل الأقوال» (٤). وفي تفصيل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والصواب أن البسملة آية من كتاب الله، حيث كتبها الصحابة في المصحف، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن، وجردوه عما ليس منه، كالتخميس والتعشير وأسماء السور؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها، كما أنها ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت آية، أنزلها

стр. 79

الله في أول كل سورة، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة. وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين» (١). ولقد جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيرها. وفي نحو ذلك أيضًا يقول رشيد رضا: «وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة؛ علماء السلف من أهل مكة- فقهائهم وقرائهم- ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزلت علي آنفًا سورة» فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ

стр. 80

وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر] (١) وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة (٢) -وفي رواية انقضاء السورة- حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٣) (٤). ويقول العلَّامة الشنقيطي ﵀: «اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة؟ أو من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية مطلقًا؟ أما قوله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾: فهي آية من القرآن إجماعًا. وأما سورة «براءة»: فليست البسملة آية منها اجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي ﵀. ومِن أحسن ما قيل في ذلك -الجمع بين الأقوال-: بأن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا. فقوله في سورة «الحديد» ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد] لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد)، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ)، وبعضها ليست فيه. وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] الآية، فالواو من قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ في هذه الآية من القرآن على

стр. 81

قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا. وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء» (١) انتهى. و ختامًا: فلم يتعرض الباحث لبسط أدلة الفريقين، أي: القائلين بقرآنية البسملة، والقائلين بعدم قرآنيتها (أعني: في الفاتحة على وجه الخصوص)؛ لأنها معروفة ومبسوطة في مواضعها، ولعل ما ذُكِرَ آنفًا فيه الغنية والكفاية ولاسيما في قولي شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ رشيد رضا، وما خُتِمَ به البحثُ من قول العلَّامة الفقيه الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي. ويلخص الباحث ما توصل إليه فيما يلي: ١ - الخلاف في قرآنية البسملة في الفاتحة خلاف له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين. ٢ - لم يرتفع الخلاف -لدى الباحث- في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًا أو إثباتًا- وذلك لاعتبار أدلة الفريقين. ٣ - أن القول بأن الصحابة ﵃ أثبتوا البسملة في المصحف في أوائل السور عدا «براءة»، مع إجماعهم على تجريده المصحف عن كل ما ليس بقرآن، فيه دلالة قوية إن لم تكن قاطعة على قرآنية البسملة، وأنها آية مستقلة، قول قوي جدًّا له وجهته وصوابه، وقد قال به جمع من العلماء، كما مرَّ معنا. ٤ - لا يكفر من أثبت البسملة ولا من نفاها، وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي

стр. 82

ولا للمثبت لاختلاف العلماء في ذلك اختلافًا كبيرًا وواسعًا، وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم، وقد حكى الشوكاني إجماع الأمة على أنه لا يكفر. بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه. ٥ - ومن الأقوال التي لها وجاهتها وقوتها جمعًا بين الأقوال: إن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا، وهو اختيار العلَّامة الشنقيطي، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى قول طائفة من العلماء بهذا القول. الجهر بالبسملة: أما عدم الجهر بقراءة البسملة فهو السنة، -يعني: في الصلاة-وهو القول والاختيار الموافق للأحاديث الثابتة الصحيحة، فالحق والصواب هو الإسرار وعدم الجهر بها؛ تأسيًا بالنبي ﷺ وعملًا بفعله وفعل خلفائه الثلاثة من بعده ﵃، وذلك لِمَ ثبت عنه ﷺ أنه كان لا يجهر بالبسملة، وقد ثبت في ذلك أحاديث كُثر صحيحة منها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁. ففي صحيح البخاري من حديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (١)، وفي صحيح مسلم من حديث عن أنس ﵁ أيضًا- قال: «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٢). وكذلك هو قول أهل العلم قديمًا وحديثًا قال الإمام ابن عبد البر ﵀ (٣): «وكان إبراهيم النخعي ﵀ ....................

стр. 83

يقول (١): «الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بدعة» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يروِ أهل السنن المشهورة كأبي داود والترمذي والنسائي شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء» (٣) (٤). وقال ﵀ أيضًا: «والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة» (٥). وقال الألباني ﵀ (٦): «والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح،

стр. 84

بل صح عنه ﷺ الإسرار بها من حديث أنس، وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي صفة صلاة النبي ﷺ » (١). وسُئل الإمام العلَّامة الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة، وغيرها من السور؟ فأجاب: «اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم استحب الجهر بها، وبعضهم كره ذلك وأحب الإسرار بها، وهذا هو الأرجح والأفضل لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر وعمر؛ وكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾» (٢). وجاء في معناه عدة أحاديث، وورد في بعض الأحاديث ما يدل على استحباب الجهر بها؛ ولكنها أحاديث ضعيفة، ولا نعلم في الجهر بالبسملة حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على ذلك (٣). ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 85

٤ - التأمين بعد الفاتحة مفهوم التأمين: التأمين لغة (١): مصدر أمَّن بالتشديد يؤمّن، والمراد به قول: آمين. ويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة فاتحة الكتاب للقارئ والمستمع جميعًا على حدٍّ سواء، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، أما في الصلاة فيُسنّ ذلك للإمام والمأموم والمنفرد جميعًا. معنى التأمين: و «آمين»: كلمة دعاء بمعنى «اللهمّ استجب»، وليست من القرآن بإجماع أهل العلم، ولذلك لم يكتبها الصحابة ﵃ في المصاحف. وقد ذكر العلماء لمعنى كلمة (آمين) معان عدة، أشهرها وأقواها وأصوبها: «اللهمّ استجب»، وهو ما عليه جمهور أهل العلم. قال الحافظ ﵀ في الفتح: «معناه: الله استجب عند الجمهور. وقيل: غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى» (٢). وعامة أهل العلم على ذلك القرطبي: «معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا. وُضِع موضع الدعاء» (٣). وقد نقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال ﵀: «ومعنى آمين عند

стр. 86

العلماء: اللهم استجب لنا دعاءنا». وهو خارج عن قول القارئ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فهذا هو الدعاء الذي يقع عليه التأمين) (١). وقد ورد في التأمين عدة أحاديث صحاح ثابتة عن النبي ﷺ ، وآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ أجمعين. ومن فضائل التأمين: أنه سبب لمغفرة الذنوب، إذا وافق تأمين العبد تأمين الملائكة لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فقولوا: آمين. فإنه من وافق قولُهُ قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن النبي ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام، فأمِّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين (٣). قال القرطبي ﵀: «قال علماؤنا - رحمة الله عليهم-: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث: الأولى: تأمين الإمام. الثانية: تأمين مَن خلفه. الثالثة: تأمين الملائكة. الرابعة: موافقة التأمين» (٤).

стр. 87

التأمين من خصائص هذه الأمة ولذلك حسدتها يهود على ذلك فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتم على السلام، والتأمين» (١). وعنها ﵂ أيضًا أن رسول الله قال ﷺ : «إنهم ـ أي: اليهود ـ لا يحسدوننا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلّوا عنها. وعلى القِبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها. وعلى قولنا خلف الإمام: آمين» (٢). قال القرطبي ﵀: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم- إنما حسدنا أهل الكتاب، لأن أوّلها، حمد لله وثناء عليه، ثم خضوع له واستكانة، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم، ثم الدعاء عليهم، مع قولنا: آمين» (٣). المراد بموافقة الملائكة في التأمين اختلف العلماء وإلى هذا القول ذُهِبَ: في المراد بموافقة الملائكة في التأمين. على أقوال عدّة: ١ - فقيل: الموافقة في الإجابة. ٢ - وقيل: الموافقة في الزمن. ٣ - وقيل: الموافقة في الصفة، من إخلاص الدعاء. ٤ - وقيل: الحث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة. وحكى الأقوال الثلاثة الأُول، القرطبي (٤).

стр. 88

الرأي المختار: الذي يظهر -والله أعلم-: أن المراد بالموافقة هنا: الموافقة في الزمان. بأن يكون تأمين كُلٍّ من: الإمام، والمأموم، والملائكة في وقت واحد. وهذا ما اختاره جمع من المحققين، منهم: ١ - النووي ﵀، وأقرّه الشوكاني ﵀ إذ قال: «والمراد بالموافقة: الموافقة في وقت التأمين، فيؤمّن مع تأمينهم. قاله النووي. قال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان: أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها» (١). ٢ - وابن دقيق العيد ﵀ (٢) إذ قال: «وموافقة الإمام لتأمين الملائكة، ظاهره الموافقة في الزمان. ويقويه، الحديث الآخر: «إذا قال أحدكم: آمين. وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى». . . الحديث (٣). وقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة التأمين. أي: يكون تأمين المصلي، كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص، أو غيره من الصفات الممدوحة. والأول، أظهر» (٤). ٣ - وابن حجر ﵀ (٥) إذ ذهب إلى أن المراد بذلك الموافقة في القول، وفي الزمان.

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 90

واستدل لذلك بما جاء في رواية يونس، عن ابن شهاب عند مسلم، وابن عيينة عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات: «فإن الملائكة تؤمّن» قبل قوله: «فمن وافق» خلافًا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص (١)، (٢). ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 91

المبحث الثاني أسماء السورة الكريمة

стр. 92

المبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة ١ - اسمها: سورة الفاتحة . جرى تسمية السور بما يناسب أهم مواضيعها، أو باسم أبرز ما ذكر فيها، كالفاتحة لأنها فاتحة القرآن، وإن كان أصل التسمية لا يعلل، ولكن قضى الله بحكمته الكمال والتمام لكلامه سبحانه من كل وجه. يقول أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ ﵀: «فمن أسمائها: الفاتحة؛ لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة» (١). ويقول ابن كثير ﵀: «يقال لها: الفاتحة، أي: فاتحة الكتاب خطًّا، وبها تفتح القراءة في الصلاة، ويقال لها أيضًا: أم الكتاب عند الجمهور» (٢). ٢ - معنى الفاتحة: يقول الشوكاني ﵀: «معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة» (٣). ٣ - أسماء السورة الكريمة: قد ثبت أن النبي ﷺ سَمَّى بعض سور القرآن الكريم، كالفاتحة، والبقرة، وآل

стр. 93

عمران، والكهف. واختلف أهل العلم، هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابت بتوقيف من النبي ﷺ ، أم أن بعضها ثبت باجتهاد من الصحابة ﵃؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أسماء سور القرآن كلها ثابتة بتوقيف من النبي ﷺ . قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: «لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله ﷺ » (١). انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن بعض أسماء سور القرآن الكريم كان بتسمية النبي ﷺ لها، وبعضها كان باجتهاد من الصحابة أنفسهم ﵃، وهذا هو القول الصحيح المتلائم مع عموم الأدلة. يقول الطاهر بن عاشور ﵀ (٢): «إنه لم يثبت في السنة الصحيحة والمأثورة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (٣).

стр. 94

وقد ورد في أجوبة «فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء» بالمملكة العربية السعودية جوابًا عن هذا السؤال، ونصه: لا نعلم نصًّا عن رسول الله ﷺ يدل على تسمية السور جميعها، ولكن ورد في بعض الأحاديث الصحيحة تسمية بعضها من النبي ﷺ ، كالبقرة، وآل عمران، أما بقية السور فالأظهر أن تسميتها وقعت من الصحابة ﵃» انتهى (١). وفي نحو ذلك يقول الزركشي ﵀: «ينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي، أو بما يظهر من المناسبات؟ فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِنُ أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها، وهو بعيد» (٢) انتهى. وهذا تصريح من صاحب البرهان بعدم توقيف أسماء السورة قاطبة، وأن اشتقاق أسماء السور يمكن استخراجه من معانيها، وكذلك بأبرز ما ورد فيها. يقول ابن كثير: لهذه السورة عِدَّةُ أسماء تدلُّ على فضلِها وشرفِها، واشتمالها على المقاصدِ الأصليَّة والأصول المُهِمَّة، فهي: الفاتحةُ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام (٣). قالَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ: «سمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنّ اللّه بها افتتح القرآن. وسمّيت أمّ القرآن وأمّ الكتاب؛ لأنّها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأمّ الشّيء: أصله، ويقال لمكّة: أمّ القرى؛ لأنّها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنّها مقدّمةٌ وإمامٌ لما يتلوها من السّور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في

стр. 95

الصّلاة، والسّبع المثاني؛ لأنّها سبع آياتٍ باتّفاق العلماء. وسمّيت مثاني لأنّها تثنّى في الصّلاة، فتقرأ في كلّ ركعةٍ، وقال مجاهدٌ: سمّيت مثاني لأنّ اللّه تعالى استثناها لهذه الأمّة فذخرها لهم» (١). يقول الفخر الرازي ﵀: «اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى: فالأول: «فاتحة الكتاب» سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم، والقراءة في الصلاة، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره، وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء. والثاني: «سورة الحمد» والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد. والثالث: «أم القرآن»» (٢). وفي نحو قول الرازي يقول ابن عاشور: «لم يثبت في السنة الصحيحة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو السبع المثاني، أو أم القرآن، أو أم الكتاب» (٣). ونسوق بعض الأدلة الصحيحة والصريحة في بعض أسماء السورة الكريمة . ١ - تسميتها بالسبع المثاني والقرآن العظيم . عن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: كنتُ أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أُجِبْه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت

стр. 96

له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه» (١). ويقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال الله -تعالى- في أمِّ القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها، وهي الكافية تكفي من غيرها، ولا يكفي غيرها عنها» (٢). ٢ - أمّ القرآن . ثبت في صحيح البخاري عن عطاء أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «في كل صلاة يُقرأ؛ فما أسمعنا رسولُ الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أمِّ القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» (٣). فسماها أمَّ القرآن. ٣ - فاتحة الكتاب . روى البخاري بسنده وغيره عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤).

стр. 97

وهناك مسميات كثيرة لفاتحة الكتاب هي للأوصاف أقرب منها للأسماء. ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 98

المبحث الثالث عدد آياتها وكلماتها وحروفها

стр. 99

المبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها ١ - عدد آياتها: فاتحة الكتاب تعداد آياتها سبع آيات، وذلك بإجماع القرَّاء والمفسّرين وأهل العدد، وقد دلَّ على ذلك دلالة الكتاب والسنة والإجماع. فأما دلالة الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. يقول ابن جرير الطبري ﵀ بعد سياقه لأقوال أهل التأويل في الآية الكريمة-: «وقال آخرون: عنى بذلك: سبع آيات، وقالوا: هن آيات فاتحة الكتاب؛ لأنهن سبع آيات، وهم أيضًا مختلفون في معنى المثاني، فقال بعضهم: إنما سمين مثاني لأنهن يثنين في كل ركعة من الصلاة» (١). ولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان دلالة السنة. ويقول ابن كثير ﵀ بعد أن ساق القول الأول في الآية الكريمة: «والقول الثاني: أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ أجمعين. قال ابن عباس ﵁: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه

стр. 100

قال النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب (١)، والحسن البصري، ومجاهد. وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين في كل قراءة. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع. واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة «الفاتحة» في أول التفسير، ولله الحمد» (٢). وعن علي أبي طالب ﵁ قال: «السبع المثاني: فاتحة الكتاب» (٣). وحسبك باختيار حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكذلك باختيار على بن طالب ﵃. ولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان دلالة السنة . وأما دلالة السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فسرها بسورة الفاتحة؛ وذلك لما ثبت وصح عند البخاري من حديث سعيد بن المعلَّى ﵁ أن النبي ﷺ فسرها له بقوله: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه» (٤). فيكون بذلك العدد المذكور في الآية مُنصَرَفه إلى عدد آيات السورة الكريمة.

стр. 101

وأمَّا الإجماع: فقد حكاه خلق كثير من العلماء لا حصر لهم. وننقل بعض أقوال من حكى الإجماع. قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ ﵀ (١): «وهي سبع آيات في جميع العدد» (٢). قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﵀: «وهي سبع آيات بالاتفاق» (٣). قالَ أبو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الجَوْزِيِّ ﵀: «فاتحة الكتاب: سبع آيات بلا خلاف في جملتها» (٤). قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليِّ بنِ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ ﵀: «فاتحة الكتاب: هي سبع باتفاق» (٥). قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات، (و) ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك» (٦). قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيٍّ الكَلْبِيُّ ﵀ (٧): «ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات،

стр. 102

إلّا أنّ الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها ويعدّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية» (١). قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ ﵀: «وعدد آياتها سبع متفقة الإجمال» (٢). قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ ﵀: «وهي سبع آياتٍ باتّفاق القرّاء والمفسّرين» (٣)، (٤). إجماع أهل العدد: قال البقاعي ﵀ (٥): «وأما عدد آي الفاتحة: فهي سبع عند جميع أهل العدد، وهم خمسة: مدني، ومكي، وكوفي، وبصري، وشامي» (٦). نظائر سورة الفاتحة في عدد آياتها: ونظيرتها في عدد آيها في المكي والشامي سورة الناس وفي الكوفي والبصري سورة أرأيت ولا نظير لها في المدنيين (٧).

стр. 103

رؤوس الآي في السورة الكريمة: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ ﵀: «ورؤوس الآي: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحِيمِ﴾، ﴿الدِّينِ﴾، ﴿نَسْتَعِينُ﴾، ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ﴿الضَّالِّينَ﴾» (١). قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿الدِّينِ﴾ آية، ﴿نَسْتَعِينُ﴾ آية، ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية، ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية. وقد ذكرنا في تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك» (٢). وكذلك هو اختيار سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- حيث يقول سماحته: «إنها -أي: البسملة- ليست من الفاتحة، وإنما أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية الأولى، الثانية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هي الخامسة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هي السابعة» (٣). وبذكر أبي عمرو الداني عثمان بن سعيد لرؤوس الآي في السورة الكريمة بدءًا بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك ذكر ابن عطية الأندلسي عد آيات السورة السبع بدءًا بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك أيضًا قول الإمام ابن باز ﵀ يتضح عدم إثباتهم للبسملة، فلم يعدوها آية في الفاتحة، وبهذا تتوافق تلك الأقوال مع اختيار شيخ الإسلام: «أنها آية مستقلة»، وهو أقرب الأقوال. قاعدة رؤوس الآي (الفواصل): قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ ﵀: «وقاعدة فواصلها (نم (نحو:

стр. 104

﴿الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿الرَّحِيمِ﴾» (١). ومعنى قوله: (نم) إشارة إلى أن آخر حرف في نهاية كل فاصلة في السورة الكريمة محصور في هذين الحرفين (ن، م) ولا يخرج عنهما أبدًا، وذكر لذلك مثالين هما: ﴿الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿الرَّحِيمِ﴾. ٢ - عدد كلماتها: وفي عدد كلمات السورة الكريمة خلاف مشهور، وسبب الخلاف الأظهر أنه بسبب كون البسملة آية في الفاتحة، لمن أثبتها، وكونها ليست آية لمن نفاها. القول الأول: عدد كلماتها خمس وعشرون كلمة. واختاره جمع من أهل العلم منهم: أبو عمرو الدَّانِيُّ (٢)، والنيسابوريُّ (٣)، والإمام ابْنِ كَثِيرٍ في تفسيره. (٤)، ورِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (٥). القول الثاني: عدد كلماتها سبع وعشرون كلمة. وممن اختار هذا القول: عليُّ بنُ محمدٍ الخازنُ، صاحب التفسير (٦). القول الثالث: عدد كلماتها تسع وعشرون كلمة. وممن اختار هذا القول: عمرُ بنُ عليِّ بنِ عادلٍ الدمشقيُّ الحنبليُّ. (٧)، ومحمدُ بنُ عمرَ الجاويُّ (٨).

стр. 105

وإن قولي ابن عادل الدمشقي والجاوي، الأظهر: أنه مع إثبات البسملة آية في الفاتحة. وأما القول الأول الأظهر: أنهم يعدون البسملة، تمشيًا مع القول بأن البسملة آية مستقلة في كتاب الله وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما مرَّ معنا آنفًا. والقول الثالث هو المشهور، لكن الترجيح في عدد كلماتها متعلق بالترجيح بكون البسملة آية في الفاتحة نفيًا أو إثباتًا. نظيرتها في عدد الكلمات: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ: «وكلمها خمس وعشرون كلمة ككلم أرأيت» (١) (٢). ٣ - عدد حروفها: وقد اختلف في عدد حروفها اختلافًا واسعًا على ستة أقوالٍ، وكل قول قال به أقوام (٣)، ولم يعرج الباحث على الخوض في التفصيل في عدد حروفها، إذا المعول عليه عدد الآيات والكلمات؛ لأنه متعلق بموضوع قرآنية البسملة، ولاسيما في كونها آية في الفاتحة نفيًا كان ذلك أو إثباتًا. ولعل في ذلك من الكفاية والمعتبر مايكفي لوضوح الحق لأهل البحث والنظر. والحمد لله رب العالمين.

стр. 106

المبحث الرابع أبرز موضوعات السورة الكريمة

стр. 107

المبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة سميت السورة بسورة الفاتحة لافتتاح القرآن بها فهي أول سورة فيه، وهي مشتملة على جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده، فهي كالمقدمة للقرآن كله، فقد احتوت مواضيعها الدين كله. محور مواضيع السورة: يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالثْبِاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِة، وَالاطِّلَاعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ (١). أولًا: موضوع أسس قضايا العقيدة والتوحيد: فقد حوت السورة بين ثنايا آياتها قضايا العقيدة، العقيدة في الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، والتعريف بالمعبودِ المستحق للعبادة وحده دون سواه ﵎. فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه بيان استحقاق المولى

стр. 108

الحمد والثناء والتمجيد الذي هو أهله جل في علاه، مع التذكير بوجوب شكره وحمده على نعمه وآلائه، والإقرار له بالربوبية، وفي الإقرار بذلك كله تنزيه لله عن كل نقص، فكما أنه سبحانه اتصف بالكمال المطلق، فالنقائص كلها في حقه محاله. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، فيه الثناء على الله بوصفه جل في علاه بالرحمة العامة ﴿الرَّحْمَنِ﴾، والرحمة الخاصة ﴿الرَّحِيمِ﴾. والسورة الكريمة كلها في التوحيد من أولها وحتى آخر، وكل آية فيها تدل على التوحيد، ولقد ورد في السورة التوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ متضمن لتوحيد الألوهية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. ففي كل ذلك دلالة على توحيد الألوهية. وتوحيد الألوهية هو: توحيد الله بأفعال العباد، والتي منها: الحمد والعبادة والدعاء والاستعانة. «وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل من سوى الله تعالى كائنًا من كان» (١). وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متضمن لتوحيد الربوبية. وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله : وهو: «الإقرار بأنَّ الله هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله ﵎ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار (٢)، والمتفرّد

стр. 109

بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضًا بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير» (١) (٢). وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ متضمن لتوحيد الأسماء والصفات. وتوحيد الأسماء والصفات هو: إثبات جميع صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها الله تعالى لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في صحيح سنته، على الحقيقة، على وجه يليق بذات الله ﵎. من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه تمثيل. وهذه عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات. قال ابن عبد البر ﵀: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة» (٣). وبذلك يتبين أن محور السورة الأساسي وموضوعها الرئيس: هو التوحيد.

стр. 110

ثانيًا: إثبات الوعد والوعيد: وأما الوعد والوعيد: ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، والذي يلزم منه الإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب، وفيه أيضًا معنى تمجيد الله وتعظيمه. ثالثًا: حصر استحقاق العبادة لله وحده، وحصر الاستعانة به دون سواه . فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، إقرار بألوهيته واستحقاقه العبادة دون سواه، والعبادة ثمرة التوحيد، والتوحيد لا يُسمَّى توحيدًا إلا مع العبادة، ولا تتحقق العبادة لله تعالى إلا بالبراءة من الشرك وأهله، فيشمل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ معنى البراءة من الشرك وأهله ضمنًا. والعبادة الصحيحة من شأنها أن ترسخ العقيدة في القلوب وتثبتها في النفوس. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إقرار لله تعالى بالافتقار والخضوع والذل، وذلك مشهد عظيم من مشاهد العبودية لله الواحد الأحد، مع ما فيه من بيان العجز والتبرؤ من الحول والطول والقوة وتخصيص الله تعالى بالاستعانة والعون والمدد دون سواه، وقوله: (نعبد، نستعين) فيه إفراد لله بالعبادة والدعاء والاستعانة. وما سبق ذكره كان كمقدمة أولى: عن بيان عظمة من نسأله -وهو الرب-جل في علاه- والتقرب إليه بصنوف العبودية المشتملة على حمده والثناء عليه وتمجيده جل في علاه. رابعًا: سؤال الله تعالى الهدايتين، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وسؤال الثبات على الدين القويم: وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ والتذلل إلى الله تعالى بطلب الهداية إلى الطريق المستقيم وبيان ضعف العبد السائل وذله لربه وإظهار افتقاره إليه كان كمقدمة ثانية. خامسًا: ومن أبرز مواضيعها طلب الثبات على الصراط المستقيم والنهج الصالح
следующие страницы →