← Указатели

Указатели · id 7561

الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية (عرض وتحليل)

حسن بن إدريس عزوزي

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة تتضمن مباحث ثلاثة: أ- لماذا الاهتمام بالسيرة النبوية باللغات الأجنبية؟ لم يعد هناك مجال للشك في أن معظم الناس في البلاد غير الإسلامية والبلاد الإسلامية غير العربية يجهلون الشيء الكثير عن حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه، ولعل مصدر هذا الجهل يعود بالمقام الأول إلى كون عملية التعريف بالإسلام وحضارته وعلومه لا تراعي التعددية اللسانية لدى المخاطَبين الذين لا يستطيعون استيعاب حقائق الإسلام بغير لغاتهم الأصلية. إن خطاب الدعوة الإسلامية خطاب بشارة ونذارة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاس ِبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾ [سبأ٢٨] . وإذا كان المسلم داعية إلى الدين الحنيف بحكم العقيدة التي ينتمي إليها والشريعة التي يلتزم بأحكامها، فإن من قصور النظر وضيق الأفق الاعتقاد بأن التعريف بأصول الإسلام وتاريخه وحضارته ودعوته ينبغي أن تكون موجهة إلى الناطقين بالعربية لأنها لغة التنزيل العزيز، وأن كل توجُّه آخر بلغات غير العربية إلى أقوام لا يحسنون لغة القرآن الكريم يعد توجها خاطئا ومشبوها. ويعد مبدأ عالمية الرسالة الإسلامية الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع أهل الثقافات والأديان الأخرى، ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام في توجيه الدعوة نحو غير المسلمين الذين يتوقون إلى استكمال معرفتهم بدينهم ومعطيات ثقافتهم الإسلامية باللسان الذي يتحدثون به ثم توجيه

стр. 2

الدعوة أيضا نحو غير المسلمين الذين يفرض واجب الدعوة تعريفهم بحقائق الإسلام وتعاليمه بلغاتهم الأجنبية. وإذا كان هؤلاء وأولئك في حاجة إلى معرفة أصول الشريعة الإسلامية وما تنبني عليه من علوم للقرآن والسنة والفقه والأصول فإنهم أيضا في حاجة إلى معرفة معطيات السيرة النبوية ووقائعها وأحداثها باللغات التي يتحدثون بها. من هنا دعت الضرورة إلى الكتابة في حقل السيرة النبوية بمختلف اللغات الأجنبية تحقيقا لهذه الحاجة الملحة، بيد أنه بالرغم من أن الدعوة الإسلامية في امتداداتها خارج الوطن الإسلامي تتطلب –بقوة- توفير الأبحاث والدراسات حول السيرة النبوية، فإن نسبة الأبحاث العلمية التي وضعها باحثون مسلمون (١) هي أقل بكثير مما وضعه الأجانب من مستشرقين وغيرهم. ب- موقع اللغة الفرنسية بين باقي اللغات الأجنبية. تأتي اللغة الفرنسية بعد اللغة الإنجليزية من حيث الانتشار وعدد المتحدثين بها في العالم، كما أنها تأتي في الترتيب نفسه ضمن لغات منظمة الأمم المتحدة، ولذلك فإن اختيار هذه اللغة لبحث مدى ومستوى التأليف بها في مجال السيرة النبوية له أهميته وجدواه، فاللغة تتمركز – فضلا عن فرنسا معقل اللغة الفرنسية- في كل من بلجيكا واللوكسمبورغ وفي المنطقة الفرنكوفونية من كندا "كبيك Quebec" وكذا في كثير من الدول الإفريقية المستعمرة سابقا من طرف فرنسا "دول المغرب العربي وكثير من دول إفريقيا السوداء".

стр. 3

من جهة أخرى فإن ثمة علاقة وصلة متميزة تربط بين فرنسا والعالم العربي إذ أقدم الفرنسيون منذ قرون على تعلم اللغة العربية وتعليمها استجابة لظروف الاحتكاك بين فرنسا والمنطقة العربية وكذلك تلبية للحاجيات والمصالح والمطامع الاستعمارية، ومنذ القرن الثامن الميلادي كانت أبواب الأندلس العربية قريبة من فرنسا فكان التواصل عن طريق معاهد الترجمة متناميا، وكان بعض المستشرقين القدامى "ابتداء من ق ١٥ م" عارفين باللغة العربية، فتطور تعليمها وتعلمها مع الزمن، ودعت الحاجة إلى اكتشاف أغوار المشرق الساحر إلى تعلم العربية مما دفع قدما بمستوى الاهتمام بالثقافة العربية وبخاصة في العصر الحديث حيث أسهم وجود نسبة كبيرة من المهاجرين العرب في فرنسا وبلجيكا وغيرهما إلى تفعيل الكتابة في العالم العربي باللغة الفرنسية. ومع تزايد المصالح الفرنسية في المنطقة العربية كان من المتوقع أن توجه فرنسا اهتمامها المعرفي لكشف أسرار الحضارة والفكر الإسلاميين. وفي العقود الأخيرة بدا أن التعاون الفرنكوفوني مع الدول العربية الناطقة بالفرنسية "المغرب –الجزائر-تونس-لبنان-سوريا..." قد ساعد بقوة على دعم الكتابة باللغة الفرنسية والترجمة منها وإليها، كما أن استقرار نخبة من العلماء والمفكرين والكتاب بالدول الفرنكوفونية ممن اتخذوا اللغة الفرنسية وسيلة للتعبير قد أسهموا في الكتابة عن الثقافة العربية والإسلامية باللغة الفرنسية، وهذه الاعتبارات كلها تؤكد أهمية بحث موضوع: الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية. ج- بدايات الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية: من الصعب جدًّا تحديد تاريخ معين لبداية الاهتمام بوقائع السيرة النبوية

стр. 4

باللغة الفرنسية، ولاشك أن الانتشار السريع للإسلام مشرقا ومغربا قد لفت بقوة أنظار رجالات اللاهوت الكنسيين إلى هذا الدين خلال القرون الوسطى، ومن هنا بدأ الاهتمام بالإسلام من كل جوانبه ومن بينها محاولة البحث في تاريخ وسيرة نبي الإسلام ﵊ (١) . ومع البدايات الأولى لظهور الاستشراق كانت الكتابات الاستشراقية المهتمة بالإسلام تصدر باللغة اللاتينية، ولم يظهر مفهوم "مستشرق" في فرنسا إلا في عام ١٧٩٩م، كما لم يدرج مفهوم "الاستشراق" في قاموس الأكاديمية الفرنسية إلا عام ١٨٣٨م (٢) . لقد نشط اللاهوتيون النصارى الفرنسيون كغيرهم خلال القرون الوسطى ضد الإسلام وراحوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول النبي ﷺ ، وغزت الأساطير الشعبية والخرافات خيال الكتاب الفرنسيين، ولم يكن الهدف عرض صورة موضوعية عن السيرة النبوية، فقد كان هذا أبعد ما يكون عن الأذهان وقتئذ، ولم يكن الاعتماد قائما على أية مصادر مكتوبة، بل يتم الرجوع فقط إلى آراء العامة والشائعات والأراجيف التي يتناقلها الناس

стр. 5

عن الإسلام ونبيه (١) . ولم يكن الحديث عن النبي ﷺ وسيرته آنئذ بداية للحديث عن السيرة النبوية، بل كان ذلك يتم في سياق مواجهة الدين الجديد ومحاولة تشويه صورته وحقيقته، فجاءت صورته ﷺ في كتاباتهم صورة النبي المزيف والكذاب الذي أراد القضاء على النصرانية، أما اللغات الشرقية ومنها العربية فلم تكن معروفة لدى الفرنسيين أثناء الحروب الصليبية وقبلها، ولم تعرف إلا مع ظهور حركات التنصير ومصادقة مجمع فيينا الكنسي عام ١٣١٢م على ضرورة تعليم اللغة العربية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وسلمنكا، وفي عام ١٥٣٩م تم إنشاء أول كرسي للغة العربية في كلية (دي فرانس) Collège de France بباريس وكان أول من شغله هو المستشرق الفرنسي الشهير Guillaume Postel (ت ١٥٨١م) الذي يعد أول المستشرقين الفرنسيين الذين أسهموا في إثراء دراسة اللغة العربية، ونقل بعض التراث العربي إلى اللغة الفرنسية. وعلى الرغم من ذلك فقد تطور الأمر مع مرور الزمن حيث شهدت نهاية القرن السابع عشر اتجاها آخر مختلفا عما كان عليه خلال القرون الوسطى، فقد بدأت تبرز نظرات استشراقية موضوعية إلى حد ما، فيها القليل من التعاطف مع الإسلام وقد أسهم في تعزيز ذلك ظهور النزعة العقلية الجديدة التي بدأت تنتشر في أوروبا متحدية الكنيسة النصرانية التي تعارضها.

стр. 6

وقد كان من أبرز هؤلاء الفرنسي بيير بايل Pierre Bayle الذي عرض لحياة محمد ﷺ في قاموسه التاريخي والنقدي الذي ظهرت طبعته الأولى في روتردام عام ١٦٩٧م (١) . وفي الوقت الذي أشاد فيه فولتير Voltaire بالنبي ﵇ في مقالة مشهورة (٢) ، أبدى رأيا مخالفا ومتهجما في مسرحيته الشهيرة Mahomet ou le fanatisme "محمد أوالتعصب". كما ألف بودي Body كتابه "حياة محمد" La vie de Mahomed عام ١٦٧١م ولم يصدر منقحا إلا عام ١٧٣٠م، ويعد هذا الكتاب أول كتاب وقف به الفرنسيون على حياة الرسول ﷺ لكنه كان بعيدا عن الإنصاف والموضوعية، كما أنه لم يخلص فيه مؤلفه الحديث عن السيرة النبوية كما قد يتوهم من عنوان الكتاب. وألف هنري دي بولنفيليي كتابه عن حياة النبي ﷺ وعادات المسلمين عام ١٧٣١م (٣) . ولم يكن الوقت قد حان للحديث عن سيرة رسول الله ﷺ في كتب مستقلة، فذلك لم يظهر إلا ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، ولكن بالمقابل كانت هناك بدايات للحديث عن السيرة النبوية في المعاجم الكبرى

стр. 7

من جهة وفي مقدمات ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية من جهة أخرى. وبعد ظهور هذه البدايات الأولى للحديث عن السيرة النبوية كان لابد من انتظار القرن العشرين لكي يمكن الحديث عن اهتمام حقيقي بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية من طرف المسلمين والمستشرقين على السواء، وإذا كانت الكتابة الفرنسية في حقل السيرة النبوية تتم من قبل انطلاقا من الشائعات والحكايات المتداولة وبعض الإشارات الواردة في كتب من هنا وهناك، فإنه بعد ترجمة بعض المصادر الأولى للسيرة النبوية إلى اللغة الفرنسية (١) والانفتاح على اللغة العربية مباشرة أضحى من السهل إنجاز دراسات خالصة وجادة.

стр. 8

الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية: عرض وتحليل للدكتور حسن عزوزي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفصل الأول: كتابات المسلمين حول السيرة النبوية باللغة الفرنسية ينطلق اهتمام الباحثين المسلمين بدراسة السيرة النبوية باللغة الفرنسية من باعثين اثنين: أ- تحقيق واجب الدعوة الإسلامية الذي يفرض ضرورة استخدام وتوظيف اللغات الأجنبية كوسيلة وأداة لنشر الإسلام والتعريف بنبيه ورسالته ونقل معطياته إلى العالم برمته، وهذا الصنف من الدعوة تحتاج إليه الأقليات والجاليات الإسلامية من جهة، وكذا غير المسلمين من أتباع الديانات والعقائد المختلفة الذين يتوقون إلى الاطلاع على سيرة الرسول ﷺ ومعالم رسالته. ب- مواجهة الكتابات الاستشراقية المهيمنة عن طريق إيجاد بديل لدراساتهم المشوهة لحقائق السيرة النبوية ومعطياتها الأصيلة، ولا شك أن الاقتناع بضرورة إنتاج دراسات وأبحاث حول السيرة النبوية باللغة الفرنسية من طرف علماء وباحثين مسلمين يستوعبون وقائع السيرة في نقائها وصفائها وأصالتها يمثل في حد ذاته تحقيقا لواجب الرد والتصدي لمن يطعن في الإسلام ورسالته. وإذا كان الأمر كذلك فلابد من الاعتراف بأن ما كتب عن سيرة الرسول ﷺ باللغة الفرنسية من طرف العلماء والباحثين المسلمين ضئيل جدا مقارنة بما كتب باللغة الإنجليزية، فأمام هيمنة واسعة للكتابات الاستشراقية باللغة الفرنسية لا نجد سوى دراسات معدودة للباحثين المسلمين، لعل

стр. 9

أبرزها: أولاً: كتاب "محمد ﷺ " لمحمد أسعد باي (١) قدم له المستشرق الفرنسي M.E.I. Gautier يقع في ٣٣٠ صفحة، ويضم أربعة فصول: الفصل الأول: العالم قبل ميلاد محمد ﷺ . الفصل الثاني: الرسالة. الفصل الثالث: المدينة والدولة. الفصل الرابع: العالم بعد وفاة محمد ﷺ . ويبدو من خلال الكتاب أن المؤلف قد كتب كتابه متأثرا بالمنهج الاستشراقي في الكتابة في حقل السيرة النبوية. ثانياً: كتاب الدكتور جمال الدين بن الشيخ: معراج النبي ﷺ (٢) ، استعرض فيه حدث المعراج من خلال ترجمة حديث المعراج وتحليله من رواية عبد الله ابن عباس ﵄ المشهورة وقد تخلل الكتاب إشارات متعددة إلى مدى استغلال قصة المعراج في الثقافة الصوفية من جهة والفكر الغربي (دانتي على سبيل المثال) من جهة أخرى. ثالثاً: كتابات البروفسور محمد حميد الله الحيدر آبادي ﵀ (توفي عام١٤٢٤هـ) ، ويمكن الجزم بأن الشيخ محمد حميد الله هو أبرز من تخصص في إبراز وقائع السيرة النبوية باللغة الفرنسية في نقائها وصفائها وأصالتها، حيث لم يترك جانبا من جوانب السيرة النبوية إلا واهتم به اهتماما بالغا وقام

стр. 10

بتحقيق معطياته وتوثيق نصوصه، وإذا كان ﵀ قد اعتنى في حياته العلمية التي استغرقت سبعة عقود من الزمن بمختلف مجالات الدراسة والبحث في الإسلام دينا وحضارة فإن اهتمامه بالسيرة النبوية كان له الحيز الأكبر والنصيب الأوفر، ولو اقتصرنا على ذكر كتابه الذائع الصيت "نبي الإسلام" الذي يقع في مجلدين لكان كافيا. ومن أهم دراساته وأبحاثه الأخرى في مجال السيرة النبوية باللغة الفرنسية ما يلي: ١) ستة أصول لرسائل نبي الإسلام الدبلوماسية. Six originaux des lettres diplomatiques du prophète de l’Islam (١) . وتحدث فيه عن الموضوعات التالية:-تاريخ الكتابة باللغة العربية - ظروف المراسلة- تقويم وتأريخ الأحداث. - الوثيقة الأصلية لكتاب الرسول ﷺ إلى كل من المقوقس والمنذر ملك البحرين وهرقل ملك الروم وكسرى ملك فارس وملك عمان. وقد اكتشفت جميع هذه الوثائق حديثاً، وأرخ محمد حميد الله لتواريخ ذلك وقام بتوثيق النصوص ودراستها، وفصول الدراسة عبارة عن أبحاث ومقالات سبق أن نشرها مستقلة بالمجلات العلمية الفرنسية (٢) كما فصل الحديث عنها أيضا في كتابه "نبي الإسلام" (٣) .

стр. 11

٢- مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة La diplomatie musulmane à l'epoque du prophète et des khalifes orthodoxes (Paris ١٩٣٥) والكتاب عبارة عن أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها الشيخ محمد حميد الله عام ١٩٣٥م إلى جامعة السوربون. ٣- تسامح النبي ﷺ في المدينة، نشر في كتاب جماعي بإشراف اليونسكو. La Tolérance dans l'œuvre du prophète à Médine dans le livre: «L'Islam, la philosophie et les sciences» (١. ٤) ساحات المعارك في عهد الرسول ﷺ . (Les champs de bataille du temps du Prophète (٢. تحدث محمد حميد الله في هذا المقال عن مواقع غزوات الرسول ﷺ معززا ذلك برسوم تاريخية دقيقة، وقد أشاد المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون بهذا البحث (٣) . ٥) تاريخ ميلاد الرسول ﷺ . (La date de naissance du prophète Muhammed (٤. ٦) إخوة وأخوات الرسول ﷺ في الرضاعة.

стр. 12

(Les frères et sœurs de lait du prophète (٣) . ٧) الرسول ﷺ مربيا. (Le prophète de l'Islam en tant qu'éducateur (١ ٨) رحلات الرسول ﷺ قبل الإسلام. (Les voyages du prophète avant l'Islam (٢ ٩) حياة الرسول ﷺ . وقد ترجم إلى أكثر من عشرين لغة. (La vie du prophète (٣. ومعظم هذه الأبحاث ترجمت إلى لغات أجنبية أخرى مثل الإنجليزية والألمانية والإسبانية فضلا عن الأردية لغة البلد الأصلي للمؤلف. ١٠) " نبي الإسلام: حياته ودعوته" في مجلدين (١٠٧٠ صفحة) . (Le prophète de l'Islam, sa vie et son œuvre (٤. يعد هذا الكتاب الضخم عن حياة رسول الله ﷺ من أشهر ما ألف في السيرة النبوية باللغة الفرنسية، وقد طبع الكتاب طبعات متعددة، وتمت قرصنته مرارا في حياة المؤلف الذي كان يعلم بذلك ولا يحرك ساكنا معتبرا –كما جاء على لسان أحد طلبته- أن في ذلك تعميما للفائدة، وقد ترجم الكتاب إلى الإنجليزية والتركية والبوسنية وغيرها. ذكر المؤلف ﵀ في مقدمة الطبعة الأولى أنه بالرغم من خصوبة

стр. 13

وتنوع الأدب الفرنسي بجميع فروعه فإن هناك نقصا فيما يتعلق بإنجاز دراسة شاملة للسيرة النبوية تسطر دعوة النبي محمد ﷺ . في المقدمة وتحت عنوان: نبي الإسلام، لماذا دراسة حياته؟ استعرض الأسباب والدوافع التي تدفع إلى دراسة حياة ودعوة نبي الإسلام، ثم انتقل إلى دراسة المواد والمصادر الأولى المؤسسة للسيرة النبوية وأولها القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم الشعر ثم كتب السيرة النبوية التي ألفت في عصور متقدمة يرجع بعضها إلى أواخر عصر الصحابة، وقد ركز محمد حميد الله على سيرة ابن إسحاق التي سبق له أن عثر على جزء منها في خزانة القرويين وحققها هو بنفسه وكتاب المغازي للواقدي (ت٢٠٧هـ) وسيرة ابن هشام (ت٢١٠هـ) ثم طبقات ابن سعد (ت٢٣٠هـ) ، هذا فضلا عن اعتماده على كتب أخرى لم تخصص لدراسة السيرة النبوية بصفة مباشرة ولكنها تضمنت معلومات مفيدة في هذا المجال ككتب ابن حبيب والدينوري والطبري واليعقوبي والبلاذري وغيرها، بالإضافة إلى كتب المعاصرين سواء كانت لباحثين مسلمين أو مستشرقين. قسم محمد حميد الله كتابه إلى عدة فصول متضمنة لمباحث متعددة رتبها في صورة فقرات مترابطة، وهي طريقة سار عليها في بعض كتبه الأخرى (١) . استهل المؤلف حديثه عن البيئة والظروف المحيطة ثم عن بداية حياة محمد ﷺ وعن دعوته في مكة ثم الهجرة إلى المدينة ليصل إلى الفصل المطول حول الحياة السياسية والدينية لمحمد ﷺ ، وقد تضمن هذا الفصل المهم الحديث عن غزوات الرسول ﵊ وسراياه واستعراض رسائله إلى

стр. 14

ملوك الدول المجاورة، وهو الجانب الذي فصل الحديث عنه في كتاب مستقل ذكرناه في مستهل هذا الفصل. كما تحدث عن علاقاته ﷺ بباقي القبائل العربية والمواثيق والمعاهدات الموقعة معها، وكذا علاقاته بمختلف الفصائل النصرانية واليهودية. وفي المجلد الثاني تحدث المؤلف عن حياة النبي ﷺ الخاصة، وعلاقته بأزواجه وطرق حفظ وصيانة القرآن الكريم والسنة النبوية ودعائم النظام التربوي والتعليمي بالإضافة إلى الحديث عن العلوم المختلفة، ثم تحدث المؤلف عن أسس بناء الدولة الإسلامية في المجتمع المدني واستعرض في هذا الإطار مكونات هذا البناء من إدارة ووظيفة عمومية وجهاز اقتصادي وغير ذلك، ثم انتقل للحديث عن الجهاز العسكري والنظام الاجتماعي في شتى جوانبه وقضاياه. ويقول المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون عن كتاب محمد حميد الله: "نجد في كتابه نفس الخصائص المعتادة في كتبه الأخرى، معرفة عميقة بالمصادر الإسلامية واطلاع واسع بالتراث الاستشراقي وهو أمر نادر لدى علماء المسلمين، ولكن المعرفة الاستشراقية لا يكاد يوظفها إلا قليلا، ثم إنه يتوفر أخيرا على إيمان قوي بالإسلام وعقيدته، ولا يسعنا إلا الإعجاب بهذا الإيمان القوي والهادئ لدى الرجل، ولكن كل هذا أعطى لمؤلفاته وبخاصة كتابه عن سيرة نبي الإسلام طابعا دفاعيا وحماسيا (apologétique) تتخلله ثقة مطلقة وانعدام للحس النقدي فمرويات السيرة كلها صحيحة لا تتعرض للنقد، وجميع أفعال الرسول ﷺ مسوغة بسذاجة بالغة، وبالرغم من ذلك فالكتاب له أهميته على مستوى جمع معطيات السيرة ووقائعها وتقريب ما تفرق في المصادر الأولى المعتمدة وبخاصة المفقود منها كما أن الأخذ بآراء

стр. 15

محمد حميد الله له مكانته وأهميته" (١) . هذا هو إذن حكم مستشرق فرنسي على كتاب محمد حميد الله، إعجاب وتقدير للمادة العلمية المفيدة يقابله نقد واتهام بانعدام الحس النقدي الذي يرى جل المستشرقين أن توظيفه ضروري لنقد مرويات السيرة النبوية وتكسير وتجريح المسلَّمات والبداهات التي يؤمن بها المسلمون. وهذا أمر غير مستغرب في حق المستشرقين الذين لا يعترفون بصحة وقائع السيرة النبوية إلا في حدود ما يتوافق مع أهوائهم وأهدافهم المغرضة. رابعاً: هناك كتب في السيرة النبوية لعلماء وباحثين مسلمين ترجمت إلى اللغة الفرنسية انطلاقا من لغات أخرى منها العربية، ونذكر من بين هذه الكتب: أ- كتاب القاضي عياض (ت ٥٤٤) : الشفا في حقوق المصطفى. ب- كتاب ابن القيم (ت ٧٥١) : زاد المعاد في هدي خير العباد. ج- كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري بك، وقد ترجم تحت عنوان: La lumière de la certitude (٢) . د- كتاب الشيخ محمد الغزالي: "فقه السيرة" هـ- كتاب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي "فقه السيرة". و كتاب خالد محمد خالد: رجال حول الرسول (٣) . ز- بعض الكتب التي تصدرها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودية وتترجم إلى مختلف اللغات الأجنبية منها اللغة

стр. 16

الفرنسية، وهي كتب دعوية تتضمن إشارات مهمة إلى بعض وقائع السيرة النبوية. ح- كتاب محمد علي مترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية وهو تحت عنوان: فكر محمد ﷺ (١) La pensée de Mohammed وقد وصفه مكسيم رودنسون بأنه دفاعي وحماسي واتهمه بأنه أغفل الحديث عما عاناه بنو قريظة من مضايقات وحصار (٢) . خامساً: هناك كتب ألفها باحثون مسلمون باللغة الفرنسية في موضوعات عامة حول الإسلام لكنها تتضمن فصولا حول حياة الرسول ﷺ ، إذ من المعلوم أن التعريف بالإسلام وحضارته يفرض تخصيص فصل أو أكثر عن حياة رسول الإسلام ﵊، ونذكر من بين هذه الكتب: أ- كتاب مالك بن نبي الجزائري: دعوة الإسلام Vocation de l.htm'Islam (٣) . ب- كتاب حمزة بوبكر: بحث معاصر في العقيدة الإسلامية Traité moderne de théologie Islamique (٤) . ج- كتاب الشيخ محمد عبد الله دراز:Initiation au Coran (Paris ١٩٥١) (٥) . مدخل إلى القرآن الكريم.

стр. 17

الفصل الثاني: اهتمام المستشرقين بالسيرة بالفرنسية . مدخل ... الفصل الثاني: اهتمام المستشرقين بالسيرة بالفرنسية اهتم الاستشراق الفرنسي بالسيرة أكثر من اهتمام الباحثين المسلمين، فالأعمال التي خلفها هؤلاء في هذا الحقل كثيرة ومتعددة ومتنوعة، ولعل أهمية هذا الاهتمام تكمن في أنه قديم قدم الاستشراق الفرنسي ذاته، بل يمكن القول بأن الاهتمام بسيرة النبي محمد ﷺ قد سار جنبا إلى جنب مع الاهتمام بالقرآن الكريم تأليفا وترجمة. وقد سبق توضيح بعض أسباب الاهتمام المبكر بالاستشراق الفرنسي بالإسلام دينا وثقافة وحضارة في مقدمة هذه الدراسة. بيد أنه لا بد من التذكير بأن الغرب قد اتخذ بوجه عام طيلة الفترة الواقعة بين القرنين الثامن والسابع عشر الميلادي أي على مدى ألف عام تقريبا موقفا عدائيا حيال الإسلام، ولم تبدأ علامات التحول التدريجي في الظهور في الأفق إلا مع نهاية القرن السابع عشر. فالصراعات بين الطرفين والمواقف المعادية ضد الإسلام لم تكن تسمح بأي نظرة موضوعية بعيدة عن التحيز. وإذا كانت قد ظهرت منذ الحروب الصليبية كتابات عن الإسلام وترجمات لمعاني القرآن الكريم في أوروبا فإن هدف ناشريها من ممثلي الكنيسة المسيحية لم يكن هو التعريف بالإسلام ونبيه بل محاربته والطعن فيه والتهجم على الرسول ﷺ وتشويه سيرته وشخصيته، وفي نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وفي ذات الوقت الذي ظهر فيه كتاب بايل Bayle (المعجم التاريخي) الذي سبقت الإشارة إليه نشر المستشرق الفرنسي برتملي

стр. 18

ديربيلو Berthélemy d'Herbelot موسوعته الضخمة الشهيرة: "المكتبة الشرقية" (١) وعلى الرغم من غزارة المعلومات والأفكار التي تقدمها هذه الموسوعة عن الإسلام وبلدان الشرق العربي إلا أنها اتسمت بدورها بعدم الإنصاف والموضوعية حيال النبي ﷺ وسيرته. ولعل أفضل من يقربنا من الصورة المشوهة التي كان ينظر بها إلى الرسول ﷺ هو المستشرق الفرنسي إميل درمنغهم في كتابه " حياة محمد" حيث جاء فيه: " لما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتسعت هوة سوء الفهم وازدادت حدتها، ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السباقين إلى أشد الخلاف، ولم يحارب الكتاب والشعراء مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب، فقد زعموا أن محمدا لص نياق، وزعموه متهالكا على اللهو وزعموه شاعرا، وزعموه رئيس عصابة، بل زعموه قسا رومانيا مغيظا محنقا؛ لأنه لم ينتخب لكرسي البابوية، وحسبه بعضهم إلها زائفا. وإن جبير دنوجن (ت ١١٢٤ م) نفسه –وهو رجل جد- ليفقد توازنه فيذكر أن محمدا مات في نوبة سكر بيِّن، وأن جسده وجد ملقى على كوم من الروث (٢) ....... وذهبت أغنية رولان (La chanson de Roland) (٣) إلى تصوير فرسان "شارلمان" وهم يحطمون الأوثان الإسلامية ويزعمون أن مسلمي الأندلس

стр. 19

يعبدون ثالوثا مكونا من: ترفاجان Tervagan وماهوم Mahom وأبولون Appolon.. وقد ظلت الأحقاد والخرافات قوية، فقد وُصِفَ محمدٌ بأنه دجال، والإسلامُ بأنه مجموعة الهرطقات كلها، وأنه من عمل الشيطان، ووصفوا المسلمين بأنهم وحوش، والقرآن بأنه نسيج من السخافات، وقد كانوا يعتذرون عن الحديث الجد في أمر هذا مبلغ سخافته" (١) . بعد عصر النهضة الفرنسية كانت هناك يقظة فكرية وتنويرية متميزة، وكان هنالك حرص نسبي على تقصي الحقائق وبخاصة من لدن أولئك المستشرقين الذين تحللوا من الأديان وثاروا عليها بعد ما تم فصل الكنيسة عن الدولة، حيث استطاع هؤلاء دراسة الإسلام ونبيه دراسة أقرب إلى الواقع والحقائق التاريخية. والحاصل أن المستشرقين الفرنسيين ينقسمون في نظرتهم إلى الرسول ﷺ إلى ثلاثة أقسام: -فئة معتدلة تظهر –إلى حد ما- عطفا على الإسلام وتسعى إلى فهم السيرة النبوية من خلال المصادر العربية المعتمدة وتقع أحيانا في أخطاء فتنصف حينا وتسيء أخرى. - فئة مغالية ومتعصبة ترمي الرسول ﵊ بأقبح الصفات وأقذع النعوت. -فئة قليلة ندبت نفسها لقول الحقيقة بموضوعية وتجرد، وقد تخطئ عن سوء فهم.

стр. 20

اهتمام الفرنسيين بالسيرة النبوية انطلاقا من خلفياتهم الدينية والإيديولوجية إذا كان المستشرقون الفرنسيون الذين تخلوا عن دياناتهم قد عدوا في كثير من الأحيان أقرب الفئات الاستشراقية إنصافا واقترابا من الحقيقة والواقع، فما ذلك إلا لكونهم لم يندفعوا بدافع من الحقد الديني –الكنسي منه على وجه الخصوص-إلى الطعن في الإسلام ونبيه وتشويه وتحريف الحقائق الناصعة، وإذا كان الكثير من الباحثين المسلمين يشيدون بكتاب "حضارة العرب" (١) للمستشرق الفرنسي جوستان لوبون G. Lebon نظرا لما تضمنه من إشادة بالإسلام ورسالته فلأن السبب في ذلك هو كون الرجل لم يؤمن بالنصرانية أو غيرها من الأديان، وبالتالي فقد سعى إلى فهم الإسلام ورسالة نبيه في حدود ما أتاحته له ظروف البحث والدراسة. إن الخلفية الدينية للمستشرق لها دورها في توجيه الكتابة والبحث عن الرسول ﷺ ، فالمسيحي المقتنع بدينه يصعب عليه أن يتحدث عن الجوانب التي لها صلة بالغيب والوحي المحمدي في سيرة الرسول ﷺ فثمة جدار فاصل يقف بين المستشرق وبين فهم معطيات السيرة النبوية ونسيجها العام. ويقول المستشرق الشهير هاملتون جب: "إن العقل الغربي الحديث يعسر عليه بوجه خاص أن يقوم بمحاولة استكناه طبيعة المواقف الدينية لدى أناس تختلف نظرتهم إلى الكون اختلافا بعيدا عن نظرة الغربي، ولذا أصبحت

стр. 21

أحكامنا الدينية –نحن الغربيين- شديدة الاختلال" (١) . إذن فالواضح أن المستشرق بين أن يكون علمانيا لا يؤمن بالغيب وبين أن يكون نصرانيا أو يهوديا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية لا يمكنه أن ينضج دراسة موضوعية عن السيرة النبوية، فالخلفية الدينية أو الإيديولوجية لها أثرها البالغ في توجيه المواقف وتحديد التوجهات، وفيما يلي محاولة تقريبية وتصنيفية لأبرز خلفيات المستشرقين الفرنسيين في دراسة السيرة النبوية. الخلفية النصرانية: في الوقت الذي ينظر فيه المسلمون إلى السيد المسيح وبقية الأنبياء نظرة احترام وتقدير، يؤمنون بما أنزل إليهم ويرفعونهم إلى مقام العفة والطهر نجد النصارى على العكس من ذلك يقفون موقفا عدائيا من الرسول ﷺ . وهو الموقف الذي يتسم بالتكذيب لنبوته وتشويه شخصيته واتهامه بأقذع الأوصاف والنعوت ومختلف أنواع الشتم والتجريح البذيء، وأسباب هذه المواقف العدائية تعود بالأساس إلى الامتعاض وعدم تقبل ما جاء به الإسلام من فكرة نسخ الدين الجديد لباقي الديانات فضلا عن شعور النصارى الجارف بأن الإسلام قد أوقف الإنسانية باتجاه النصرانية دون انتشارها. والمستشرقون الفرنسيون ذوو الخلفية النصرانية المتشددة والذين اهتموا بدراسة السيرة النبوية كثر، لكن اشتهر منهم بعض ممن كان لهم دور بالغ في تشويه

стр. 22

صورة كيان السيرة النبوية النقي البهي. يأتي على رأس هؤلاء المستشرق والقس الفرنسي الجنسية البلجيكي المولد هنري لامنس Henri Lammens (١٨٦٢م-١٩٣٧م) ، الذي استقر بلبنان وكان من أوائل علماء الجامعة اليسوعية ببيروت، له آراء متحاملة على الإسلام ونبيه ﷺ لَفَظَها بعضُ المستشرقين (١) قبل غيرهم من المسلمين، ويبدو أحيانا شتَّاماً لعَّاناً وليس باحثاً جاداً، فيصف الرسول ﵊ بأبشع الأوصاف وأقبح ما يمكن أن يظهره الحقد والكراهية حتى لكأننا نسمع أسلوب رهبان القرون الوسطى الذين لم يكن في جعبتهم سوى السبِّ والشتم. كما انتقص من أمهات المؤمنين وبخاصة عائشة ﵂ التي اتهمها بالتآمر لاستخلاف أبيها مسوِّغاً دعواه بروايات ترمي إلى عكس ما يرمي إليه ساعيا إلى لي أعناقها وتحريف مضامينها لبلوغ النتائج التي يهدف من ورائها إلى تأكيد أن عائشة ﵂ أرادت أن تمكن لأبيها بعد وفاة الرسول ﷺ لمصلحة أبيها (٢) . وبينما ينتقص لامنس من أعلام المسلمين نجده يذكر المرتدين والمنافقين في صورة أحرار عمالقة وطنيين وينتصر لبني أمية ضد بني هاشم، وقد أثار عليه حفيظة الفرنسي كازانوفا ووصفه بالتطرف في كتابه "مهد ونهاية العالم" قائلا: يحق لنا أن نعجب أشد العجب من كاهن كاثوليكي مثل الأب لامنس يتطوع للدفاع عن أولئك الطغاة الدنيويين

стр. 23

ويسخر من الذين مكروا به وخدعوه" (١) . وكلاهما أي لامنس وكازانوفا منحرف في تعصبه، وقد رد عليهما الفرنسي المسلم ناصر الدين دينيه في كتابه "الشرق في نظر الغرب" (٢) . والواقع أن اهتمام لامنس بالسيرة النبوية في مختلف جوانبها لم يفد البحث العلمي في شيء (٣) فإذا كان الباحثون المسلمون لا يمكنهم الوثوق بكتابات هذا الرجل أو الاعتماد عليها فإن المستشرقين بدورهم نبهوا على خطورة ونتائج الاعتماد على كتابات "لامنس" الذي ذهب بعضهم إلى القول بأنها تشوِّه صورة المستشرقين الجادين في أبحاثهم ودراساتهم. يقول عنه المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون:" لقد كان متعصبا وحقودا على الإسلام ونبيه وعلى عرب الصحراء، حريصا على نقل أفكار إنياس جولدزيهر في حق الإسلام ودفع إلى أقصى حد متطرف تحليله النقدي للسيرة والسنة النبوية، ويستطرد رودنسون قائلا: "بيد أن مبالغة لامنس في نقد السيرة وتحطيم أصولها ومرتكزاتها كان له أكبر الأثر في إعادة النظر من لدن المستشرقين في مصادرهم، حيث بدأ عهد جديد في بحث السيرة يعتمد الأصول العربية للسيرة" (٤) . ومن المستشرقين الفرنسيين الذين سعوا من خلال تشبعهم بالخلفية الدينية

стр. 24

النصرانية إلى القول بدعوى تأثير النصرانية في الإسلام كارادوفو Carra de Vaux صاحب كتاب "مفكرو الإسلام" الشهير إلى القول بدعوى تأثير النصرانية في الإسلام. والذي أسندت إليه كتابة عدد من المواد المرتبطة بالسيرة النبوية في دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية في طبعتها الأولى، وقد عرف هذا الرجل من خلال اهتمامه بأحداث السيرة النبوية بكونه كان يسعى دائما إلى التقريب بين الإسلام والنصرانية، ليس لبيان ما بينهما من صلات أحيانا، بل لإثبات أثر النصرانية في الإسلام والتركيز على دعوى أخذ الإسلام من التراث المسيحي. وهذا كازانوفا Casanova الفرنسي لم يكن بعيدا عن التأثر بالخلفية اللاهوتية عندما قرر الفكرة الأساسية التي زعم أنها سيطرت على الرسول ﷺ ، وهي أن العالم لن يستمر بعد وفاته وأن الساعة قد تقوم قبل موته أو بعده مباشرة ولذلك لم يعين من يخلفه من المسلمين (١) معتبرا أن هذا الاعتقاد مسيحي محض. الخلفية اليهودية: لم يتخلص المستشرقون الفرنسيون اليهود من خلفياتهم الدينية وأصولهم اليهودية في دراسة وقائع السيرة النبوية فمن تأكيدهم على الأصل التوراتي للقرآن إلى الادعاء بأخذ الرسول ﷺ عن الأحبار، ومن إيراد الشبه والعلاقة بين الإسلام واليهودية في التشريعات "صيام عاشوراء ورد شعائر الحج إلى أصول يهودية" إلى الزعم بأن الرسول ﷺ كان قاسيا وناقما ضد يهود المدينة

стр. 25

ومستأصلا لهم إلى غير ذلك من الشبهات والطعون. ويستند معظم المستشرقين الفرنسيين ذوي النزعة اليهودية في ذلك إلى أن اليهود كانوا على قوة في الجزيرة العربية كلها، وكانت كتاباتهم المقدسة معروفة، سواء أكان ذلك التوراة أو التلمود أو المشنا (من شروح التوراة والتلمود) . يقول هنري ماسيه: "إن مما لا ريب فيه أن التأثير اليهودي يبدو أكثر وضوحا من التأثير المسيحي وقد حاول محمد ﷺ أن يستميل اليهود حيث زودته علاقاته بهم بمعلومات عن العهد القديم (التوراة) ، ويوجد فعلا انعكاس لهذه المحادثات في أجزاء القرآن التي يعود تاريخها إلى ذلك الوقت حيث تبدو المهارة بإضافة إبراهيم إلى الإسلام" (١) . ويدعي المستشرق الفرنسي إدوارد مونتيه E. Montet صاحب ترجمة معاني القرآن الكريم المعروفة في كتاب له عن "محمد ﷺ والقرآن" بشرية القرآن واستحالة أن يكون من عند الله تعالى، ثم يشير إلى أن النص القرآني قد تعمق في الإلهام اليهودي أكثر من الإلهام المسيحي ويرد ذلك إلى الأصل المشترك لليهود والعرب أي السامية. وقد أفاض مونتيه في تحليل علاقات الرسول ﷺ باليهود في الجزيرة العربية. وعندما وجدها تنتهي بالقطيعة فسَّر ذلك بالعديد من الأسباب من أهمها الزعم بمحاولة إجبارهم على اعتناق الإسلام الأمر الذي رفضه اليهود وتصدوا له، مما دفع بالرسول ﷺ إلى استئصالهم والقضاء عليهم مخافة أن

стр. 26

يصبحوا مصدرا للقلاقل (١) ، أما ما جبل عليه يهود المدينة من نقض للعهود وتكذيب للرسالات، وما أشربوا في قلوبهم من حقد على الإسلام ورسوله الكريم، فهذه حقائق لا يشير إليها مونتيه أو غيره من المستشرقين. الاتجاه المادي: ينهج المستشرقون الفرنسيون ذوو الاتجاه الإلحادي المادي في دراستهم لحياة الرسول ﷺ منهجا إسقاطيا مدمرا لأسس الثقة في معطيات السيرة النبوية. إنهم يريدون إسقاط الوقائع المادية المحسوسة على الوقائع التاريخية والدينية ذات الصلة بالوحي الإلهي والغيبيات، فيفسرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم الخاصة. فالغزوات والفتوحات تفسر بتفسيرات تخلط بين الدوافع الاقتصادية والدوافع الدينية وهي تفسيرات ساذجة إلى حد كبير، وقد يتوصل أحيانا إلى نتائج مفادها أن المشاكل التي استطاعت أن تحلها الغزوات والفتوحات كانت مشاكل اقتصادية اجتماعية وليست مشاكل دينية، أما نجاح الدعوة الإسلامية فكانت تشكل-في زعمهم- إجابة لاحتياجات المجتمع المدني في ذلك الوقت، وأن النبي محمدا ﷺ استطاع أن يقف على هذه الاحتياجات التي كانت في أساسها احتياجات اقتصادية، لهذا كتب لدعوته النجاح. وهذه الادعاءات جميعها ليس لها أي نصيب من الصحة ولا تصمد أمام النقد العلمي الموضوعي

стр. 27

إن أبحاث المستشرقين الفرنسيين الماديين أمثال مكسيم رودنسون (١) مرفوضة؛ لأنها مبنية على أساس ومنهج مرفوضين لا يمكن تطبيقهما على مجال علمي كمجال السيرة النبوية تمتد أصولها بعالم الغيب وترتبط أسبابها بالسماء ويكون فيها "الوحي الإلهي" همزة وصل مباشرة بين الله تعالى ورسوله ﷺ . إن الدين والغيب والروح تعد ثلاثتها عصب السيرة النبوية ولحمتها وليس بمقدور أي من الحس أو العقل أو المنهج المادي أن يحيط بجذورها وأسبابها ومعطياتها. ولتقديم نماذج من الفهم المادي لوقائع السيرة النبوية من طرف المستشرقين الفرنسيين نقتصر على بعض ما جاء في كتاب "محمد" ﷺ للمستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون الماركسي النزعة الذي يفتخر بتوظيفه للمنهج المادي في دراسة الإسلام. يقول رودنسون في حوار أجري معه: "إن الكثير من كتب المستشرقين حول حياة محمد قد قَوَّمَت شخصية الرسول بشكل إيجابي، وفيها الكثير من التمجيد له، ولكنها بالطبع ليست بكتب دينية لأنها كتبت من قبل مستشرقين غربيين، وفي كتابي حول حياة محمد يوجد الشيء نفسه، فإنني معجب بعظمة هذا الرجل وعبقريته، لكنني عندما أدرسه أدرس حياته وفق منظور تحليلي مادي أعتبره المنظور الصائب الذي يمكن فهم حياة الرسول ﵊ ودوره التاريخي الهام أو إنسانية الرسالة التي أتى بها، لكن هذا المنظور

стр. 28

لا يروق بالطبع للمسلمين المتدينين لأنه ليس دينيا ومقدسا بل هو مادي" (١) . وبالرغم من اعتراف رودنسون بكون القرآن الكريم المصدر الأكثر موثوقية من بين باقي المصادر التي يشك في صحتها ومن بينها المرويات الحديثية إلا أنه يعتبر إشارات القرآن الكريم لا تقدم معطيات كاملة وتامة (٢) . فعندما يأخذ رودنسون غزوة بدر يحاول فهم موقعها ضمن سلسلة الأسباب والمسببات، ولكن هل يعد الملائكة الذين اشتركوا في بدر وكانوا مددا للمسلمين عنصرا من عناصر الواقعة أو لا؟ إن مما لا شك فيه أن المنهج المادي الذي يوظفه رودنسون في كل فصول كتابه عن حياة محمد ﷺ لا يقيم وزنا لمسألة إرسال الله تعالى للملائكة ليكونوا عونا ومددا للمسلمين، وهو يرى أن اعتقاد الفكر الديني "هكذا" (La pensée religieuse) بهذا الاشتراك يضفي على الواقعة التاريخية بعدا أسطوريا ويجعلها تتحول من حدث تاريخي واقعي إلى حدث أسطوري (mythologique) . (٣) ثم إن السؤال عن كيفية تحول الحدث التاريخي إلى حدث أسطوري – حسب زعم رودنسون - لا يقتصر على واقعة بعينها كغزوة بدر أو حدث الإسراء والمعراج، بل يعمم ليشمل كل وقائع السيرة النبوية ذات الصلة بالغيب والوحي، وهذه المسألة لا تخفى على رودنسون الذي يكاد يخصص لبحث الشخصية المحمدية في علاقتها بالمعطى الغيبي كل الفصل السابع من

стр. 29

كتابه (١) . إن المتصفح لكتاب "محمد" لمكسيم رودنسون يبدو له أن كلام المؤلف على النبي محمد ﷺ هو كلام على نبي آخر، يلملم أجزاء شخصيته ويركب عناصر الوضع الاجتماعي الذي انفعل به بشيء كثير من الهوى ثم يخلص إلى نتائج واستنتاجات غريبة تختلف في كثير من الأحيان عن تلك التي يصدرها المستشرقون النصارى.

стр. 30

الاهتمام بالسيرة النبوية في دراسات المستشرقين الفرنسيين المعتدلين: يرتبط هذا المبحث في منطلقه من مسألة ذات طابع منهجي تخص تعاملنا –نحن الباحثين المسلمين- مع معطيات الفكر الاستشراقي، فالبعض قد يرى أن اعتماد عدد من الشهادات "الإيجابية" إلى حد ما لهذا المستشرق أو ذاك، عن جانب ما من جوانب الإسلام يعني تزكية له وإقرارا بإنصافه وموضوعيته، وهذا غير صحيح، فالمستشرق كيفما كان لا بد أن تتضمن أبحاثه ودراساته شبهات وطعونا في حق الإسلام ورسالته، بيد أن الأمر يتفاوت بين هذه الفئة وتلك، والمستشرقون أصناف ودرجات، ونحن هنا إنما نقصد بالمستشرقين الفرنسيين المعتدلين أولئك الذين لم تطغ طعونهم وافتراءاتهم على شهاداتهم الإيجابية، والذين يحس القارئ من خلال قراءته في كتبهم كأنهم حريصون –إلى حد ما- على عدم التطرف والمغالاة في تحريف الوقائع والتشكيك في المعطيات الصحيحة وإنكار المسلمات والبدهيات التي تفرضها قوة الحجة والبرهان. إن الاعتدال وابتغاء الموضوعية ميزتان تميزان هذه الأعمال، وهي على قلتها تعبر عن مواقف إيجابية تجاه سيرة الرسول ﷺ يجدر التنبيه إليها والإشادة بها. يقول الدكتور عماد الدين خليل: "إن علينا أن نلاحظ كيف أن عددا من الشهادت الإيجابية بحق الإسلام، أو جانب من جوانبه، من قبل هذا المستشرق أو ذاك يقابله في الوقت نفسه ركام من شهادات أخرى سلبية تقف موقفا مضادا من الإسلام، لكن هذا لا يمنع من اعتبار الشهادات الأولى بمنزلة اعتراف"حُر" بهذه القيمة أو تلك من قيم الإسلام والتي تدفع الغربيين

стр. 31

إلى إعلان رأيهم ذاك دونما أي نوع من أنواع الاضطرار أو القسر" (١) . ينبغي ألا نبخس الاستشراق الفرنسي حقه جملة وتفصيلا فندعي أنه في أغلبه كان يسير في اتجاه عدواني صرف، فهناك مستشرقون فرنسيون ذوو نيات حسنة ولهم اطلاع كبير ومباشر على تراثنا وثقافتنا بالرغم من وقوعهم في أخطاء جسيمة أحيانا، لذلك فإنهم ليسوا جميعا على قدر واحد من التجني والافتئات فالذين ينصفون الرسول ﷺ مرة ويسيئون إليه أخرى عن سوء نية أو سوء فهم يمكن عدهم من المعتدلين إذ يمثلون الطرف الوسط بين المتعصبين والمنصفين. لكن بالمقابل ينبغي لدارس السيرة النبوية ألا يغتر بعبارات الثناء والمدح التي يصدرها بعض المستشرقين في حق الرسول ﷺ بل يجب النظر إلى مجمل دراساتهم وتحليلها ونقدها والحكم عليها، إذ قد أضحى معروفاً أن عبارات التمجيد والإشادة من طرف المستشرقين المعاصرين يقصد بها في أغلب الأحيان خلق جو من الثقة والاطمئنان إلى نزاهتهم، لذلك يمكن القول بأن من غلبت مواقفه الإيجابية على غيرها يعدُّ –إلى حد ما- معتدلا ومنصفا ولعل أبرز المستشرقين الفرنسيين المعتدلين الذين تميزت دراساتهم في السيرة النبوية عن غيرها: - إميل درمنغهم في كتابه "حياة محمد" (٢) وقد أشاد بالكتاب الذي

стр. 32

ترجمه عادل زعيتر الأمير شكيب أرسلان. - رجيس بلاشسر في كتابه "معضلة محمد" (١) الذي يعتبر من أجود دراسات المستشرقين الفرنسيين بسبب اعتماده على المصادر الإسلامية الأصيلة ونقده للدراسات الاستشراقية السابقة فضلا عن محافظته على التسلسل الزمني السليم في سرد الوقائع والمعطيات، لكن بالرغم من ذلك فهنالك أخطاء كثيرة مثل تحريف بعض الوقائع أو التشكيك فيها وتفسير الأحداث بأسلوب الإسقاط مع الاضطرار في بناء النتائج والأحكام. - روجير أرنالديز Roger Arnaldez في كتابه "محمد" وقد قسمه إلى قسمين، تناول في أولهما حوادث السيرة مختصرة حسب التسلسل الزمني وفي الثاني أورد نصوصا مختارة من الحديث النبوي حول وقائع السيرة النبوية. وفيما يلي عرض وتحليل موجز لكتاب درمنغهم نموذجاً لكتابات المستشرقين الفرنسيين المعتدلين.

стр. 33

حياة محمد لإميل درمنغهم: من الصعب جدا استعراض أبرز ملامح الكتاب المتميزة، وهذا المجال لا يسع لعرض موضوعات الكتاب وتحليل منهجيته وطريقة حديثه عن حياة الرسول ﷺ وسنكتفي بالإشارة إلى بعض المباحث المتألقة التي أجاد المؤلف في عرضها والوقوف عندها. يعبر درمنغهم عن إعجابه بشخصية الرسول ﷺ في مقدمة كتابه فيقول: "إذا كانت كل نفس بشرية تنطوي على عبرة، وإذا كان كل موجود يشتمل على عظة، فما أعظم ما تثيره فينا من الأثر الخاص العميق حياة رجل يؤمن برسالته مجموعة كبيرة من بني الإنسان (١) . وإذا كان كثير من المستشرقين الفرنسيين لم يستسيغوا أن يكون النبي ﷺ قد تحنث في غار حراء حيث شاء الله تعالى تهيئة الرسول ﷺ لحمل أعباء الرسالة الخاتمة أن تكون مرحلة العزلة والتأمل فرصة لإغناء تكوينه العقلي والوجداني والروحي، فمنهم من أنكر ذلك (٢) ومنهم من فسر تحنثه بغار حراء هروبا من حر مكة والتماسا للجو الملطف البارد، فإن درمنغهم وقف عند موضوع العزلة التي كان يلجأ إليها الرسول ﷺ محللا أهميتها وقيمتها بالنسبة لرجل يستعد –من غير شعور- لاستقبال الدعوة الجديدة وحمل أمانتها. يقول: "فما كان لمحمد " ﷺ " أن يستغني عن العزلة شأن أقوياء النفوس وذوي الجد من الرجال ولم ينفك عن الانقطاع حتى بعد أن أصبح رئيس

стр. 34

دولة وصارت أمور السياسة والحرب تشغل باله، لما في الانقطاع من مصدر القوة والاتزان والحكمة وبعد النظر ......... فالتأمل المستمر يطهر النفس وينبه روح المعاينة ويؤدي إلى كشف ما وراء الحجب ويحث على العمل عند الضرورة .... والتأمل الصحيح يحمل بذور الحركة والتحرر من الهوى الطارئ" (١) . ويختتم درمنغهم حديثه عن العزلة التي مهدت الرسول ﵊ لتحمل الرسالة وحمل الأمانة بقوله: "ونفس محمد ﷺ النقية الصادقة التي اتصلت بما وجدته في قرارتها من الحقائق، بفعل العزلة في الجبل والصحراء، شعرت بأن الدين أمر غير المجادلات المجردة والمناظرات الجميلة، فذهب إلى أن كل إنسان يمكنه أن يعرف الله كما يستطيع ولكن المهم أن يعرف الله سبحانه على الوجه الصحيح وأن يسلم أمره إليه" (٢) . هذه إذن وقفات للمستشرق الفرنسي درمنغهم أمام ملامح التكوين النفسي والوجداني للرسول ﷺ في مرحلة العزلة والوحدة قبل تلقيه الوحي وتحمله أعباء الرسالة. وعلى عكس ما ذهب إليه بعض المستشرقين المتحاملين الذين لم يقتنعوا بسماحة الإسلام ومرونته ولم يقروا بصفات الرسول ﷺ الحميدة من صدق وأمانة وعفو نجد درمنغهم يقف عند هذه النقطة وهو معجب بسماحة الرسول الكريم وتوق نفسه إلى العفو والصفح وعدم الاعتداء، فيقول عنه ﷺ : "لقد أبدى من الكرم وعظمة النفس ما لا تجد مثله في التاريخ إلا نادرا. وكان يوصي جنوده بأن يرحموا الضعفاء والشيوخ والنساء والأولاد، وكان

стр. 35

ينهى عن هدم البيوت وإهلاك الحرث وقطع الشجر المثمر، ويأمر بألا يسل مسلم حسامه إلا عند أقصى الضرورة ... وأنحى باللائمة على بعض رجاله فعوض بالمال مما اقترفوه وهو الذي رأى أن النفس الواحدة خير من كل الغنائم" (١) ثم يقول: "ولا يستطيع أحد أن يشك في إخلاص محمد، فحياته شاهدة على اعتقاده صدق رسالته التي حمل أمانتها الثقيلة ببطولة، وإن قوة إبداعه وعبقريته الواسعة وذكائه العظيم وبصره النافذ وقدرته على ضبط نفسه وعزمه المكين وحذره وحسن تدبيره ونشاطه وطراز عيشه مما يمنع عد ذلك الموحى إليه الموهوب الجلي مبتلى بالصرع" (٢) . إن مثل هذه الشهادات الإيجابية والمواقف الرائعة من مستشرق فرنسي عاش في ظل فترة تموج بالفكر المتعصب ضد الإسلام "النصف الأول من القرن العشرين" كفيلة بأن تؤكد لنا أن الاعتراف الحر والتعبير المنصف في حق نبي الإسلام ﵊ لم يكن لينعدم ويخبو أثره، وهو يؤكد لنا بقوة أن التفكير الحر إذا رام النزاهة والموضوعية وتخلى عن التعصب والتحامل لا بد أن يعبر عن الحقيقة وينقل وقائع الأمور كما هي بموضوعية وحياد وإنصاف. وبالرغم من موضوعية درمنغهم وإنصافه فإنه لا يمكن أن ننكر وقوعه في بعض الأخطاء والزلات التي لا يمكن أن يتجرد منها من لم يقتنع بنبوة محمد ﷺ وكونه خاتم الأنبياء والمرسلين.

стр. 36

الاهتمام بالسيرة في كتابات المستشرقين الفرنسيين الذين أسلموا: إذا كان معظم المستشرقين الذين اطلعوا بعمق على حقائق الإسلام ومبادئه المثلى وقيمه السامية لم يهتدوا إلى طريق الحق، فإن بعضا منهم، وهم قلة قليلة، قد دخلوا في الإسلام واعتنقوه باقتناع وصدق بعد بحث طويل وتأمل عميق، بيد أن هؤلاء لم يؤلفوا في السيرة النبوية وإنما ألفوا في جوانب مختلفة ترتبط بالإسلام دينا وتاريخا وحضارة (١) ، وقد تحدث بعض منهم عن حياة الرسول ﵊ في صفحات معدودة كما فعل Vinvent Mansour Monteil في كتابه L’Islam. والشيخ عبد الواحد يحيى "اللورد هدلي" الكاثوليكي الذي عاش في القاهرة وتوفي بها وكرستيان شرفيس أحد الأدباء الفرنسيين المشهورين. أما مارتن لينغز الإنجليزي الأصل الذي أسلم فيمكن عدُّ ترجمة كتابه "النبي محمد" (٢) إلى اللغة الفرنسية نموذجا للاهتمام الفرنسي بكتب السيرة، وقد اعتمد في كتابه المصادر الأولى للسيرة مثل كتب ابن إسحاق وابن سعد والواقدي والطبري والسهيلي، وقد ضمن كتابه خمسة وثمانين فصلا تحمل عناوين تؤلف محطات رئيسة في حقل السيرة النبوية.

стр. 37

ويعتبر ناصر الدين دينيه Etienne Dinet (١) المستشرق الفرنسي المسلم الوحيد –حسب علمنا- الذي ألف كتابا مستقلا عن حياة الرسول ﷺ ، وهو الكتاب الذي ساعده على إخراجه صديقُه الجزائريُّ سليمان بن إبراهيم، ولما كان دينيه رساما بارعا فقد زين الكتاب بالصور الملونة البديعة مثل فيها المناظر الأثرية الإسلامية في بلاد الجزائر ومعالم الدين فيها وقدمه لأرواح الجنود المسلمين الذين استشهدوا في الحرب العالمية الأولى وهم يحاربون في صفوف الفرنسيين. يقول ناصر الدين دينيه في مقدمة كتابه: "إن حدود هذا السفر لن تسمح لنا بأن نقدم جميع التفاصيل وجميع النواحي لحياة حافلة بالعظائم إلى هذا الحد كما هو الشأن في حياة النبي محمد ﷺ ، ولذا نجد لزاما علينا أن نتخير لعرض أهم الحوادث لكي نعطيها العناية التي نراها ضرورية، وإذن فعملنا هذا إنما هو سلسلة من اللوحات التصويرية، وليس تاريخا كاملا نقدمه للقراء. وقد اعتمدنا في استمداد عناصرها على أقدم المؤلفين كابن هشام وابن سعد وسواهما ثم على مؤرخ من المحدثين وهو علي بن برهان الدين الحلبي الذي حشد في كتابه "السيرة الحلبية" مختلف الروايات لأشهر المؤرخين (٢) ، وحينما ألف ناصر الدين دينيه كتابه عن حياة محمد ﷺ ثارت ثورة النقاد من المستشرقين متجهة على الخصوص إلى الشكل لا إلى الجوهر، لقد زعموا أن

стр. 38

الأبحاث العلمية الحديثة قد وضحت جوانب من سيرة الرسول ﵊، وأن المستشرقين في مختلف الأقطار قد كتبوا عن سيرة محمد ﷺ كتابة تعتمد على الأبحاث العلمية الدقيقة ورأوا أن الأستاذ ناصر الدين دينيه الذي لم يعبأ بشيء من ذلك وأخذوا عليه أنه لم يقم وزنا لإنتاج المستشرقين في السيرة النبوية، وأن اعتماده إنما كان على السير القديمة كسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد. ولا يخفى أن ناصر الدين دينيه قد ألف كتابه في أوائل القرن العشرين عندما كان حقل الإسلاميات في أوروبا يهيمن عليه المستشرقون بمناهجهم وطرقهم وأساليبهم المغرضة، ولذلك لم يخفوا استغرابهم من إقدام من كان معدودا منهم فأسلم ثم كتب في السيرة النبوية بمنهج مغاير لمناهجهم. والواقع أن دينيه عندما تجاوز الاعتماد على كتب المستشرقين إنما فعل ذلك متعمدا، فبعد أن قرأ ما كتبه القوم عن سيرة الرسول ﷺ وجد أنه لا يستحق التقدير. لقد رأى أنه من المستحيل أن يتجرد المستشرقون من عواطفهم ونزعاتهم وميولهم إلى تحريف وقائع السيرة وتشويه معطياتها الحقيقية. وميزة الكتاب كما في باقي كتب المؤلف أن أسلوب التعريض بشبهات المستشرقين وتفنيدها حاضر كلما دعت الضرورة لذلك، فهو الذي عاش بين ظهراني الاستشراق الفرنسي أيام ذروة تعصبه وتحامله على الإسلام، فقد كان عارفا ومحيطا بافتراءات القوم وطعونهم، ولذلك كان يتصدى لبعض من ذلك كلما سنحت الفرصة لذلك في كتابه، يقول على سبيل المثال: "كيف نقول إن عقيدة القضاء والقدر تشل كل عمل عند المسلمين؟ والرسول ﷺ كان

стр. 39

أنشط الناس وأكثرهم مثابرة وجهادا، والإسلام هو الدين الوحيد الذي جاء عقب نشأته بالفتوح الواسعة العجيبة والحضارة السامية العظيمة؟ إن كلمة "إسلام" تعني الرضا بأوامر الله أي بما لا يمكن لأي قوة إنسانية أن تحول دونه... فهذه العقيدة إذن بعيدة كل البعد عن أن تكون مصدر ضعف، إنها على العكس من ذلك مصدر قوة نفسية لا تضارع بالنسبة إلى المسلم، تعينه على احتمال المحن والشدائد" (١) . لم ينهج ناصر الدين دينيه في كتابه الموجز "٣٠٠ صفحة من القطع الصغير" نهج التأليف المعهود في السيرة النبوية وإنما سار في ذلك على النهج التاريخي منتقيا محطات مهمة في السيرة وقف عندها متأملا ومحللا وضمنها في عشرة فصول، وكان يقف من حين لآخر عبر مباحث محددة لكي يبرز الوجه المشرق للإسلام من خلال رده على الشبهات والطعون بطريقة غير مباشرة وذلك مثل المباحث التالية: محمد والراهب "في الفصل الثاني". محمد ﵇ لم يؤلف القرآن "في الفصل الثالث". السبب في إنكار الغرب أثر الإسلام في الحضارة الغربية "في الفصل العاشر".

стр. 40

الاهتمام بالسيرة النبوية في الموسوعات والمعاجم الفرنسية: عرفت الثقافة الغربية منذ زمن بعيد إنتاج ما يعرف بالموسوعات العالمية والمعاجم الكبرى وهي تؤرخ لمعظم جوانب الثقافة العالمية في شتى فروعها وأجناسها وأنماطها، وفي سياق اهتمام هذه الموسوعات والمعاجم بمختلف الأديان اهتمت بالإسلام دينا وثقافة وتاريخا وحضارة، فأرَّخَتْ له وقدمت مواد متنوعة تتعلق بتاريخ الإسلام ونبيه وعلوم الشريعة وعلمائها وغير ذلك. وتتفاوت هذه الكتب الموسوعية من حيث الاهتمام بما يرتبط بالإسلام سواء من حيث حجم المواد المخصصة له أو على مستوى العرض والتحليل والموضوعية. وقد تفنن الغربيون منذ قرون من الزمن في إنضاج هذا النوع من الكتب الضخمة، وتعد الموسوعات والمعاجم الفرنسية واحدة من أشهر ما كتب في الموضوع نظرا لكون الثقافة الفرنسية قد عرفت شخصيات موسوعية اشتهرت في التاريخ المعاصر اشتهارا واسعا أمثال لاروس Larousse وروبير Robert وإلياد Eliade وغيرهم، واهتم بالإسلام أيضا نوع طريف من المعاجم يعد أكثر تخصصا وهو ما يعرف بمعاجم تاريخ الأديان، وفيها اهتمام أوسع بالمواد المرتبطة بالإسلام. من جهة أخرى ظهرت ابتداء من أوائل القرن العشرين موسوعات ضخمة خاصة بالإسلام وحضارته، وهي تعد أكثر إحاطة بمختلف المواد العلمية التي يمكن أن تعترض سبيل الباحث في مجال الإسلاميات، ولعل أبرزها دائرة المعارف الإسلامية التي صدرت في طبعتين. وفيما يلي سرد لأبرز المعاجم والموسوعات الفرنسية التي تضمنت
следующие страницы →