المبحث الثاني
الصلة بين الإيمان والإسلام عند الأشاعرة
هذه المسألة لم يتفق الأشاعرة فيها أيضاً بل وقع بينهم خلاف فافترقوا على رأيين، فمن قائل بالترادف بينهما، ومن قائل بالتغاير، وكل فريق استدل لرأيه بما يدل عليه من الكتاب والسنة. وفيما يلي أُورد بعض النصوص في ذلك من كتبهم المعتبرة ثم أُعقب ذلك ببيان ما تضمنته من أفكار.
يقول الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرحه لجوهرة التوحيد: " ... ولما كان الإيمان والإسلام لغة متغايرَي المدلول لأن الإيمان هو التصديق، والإسلام هو الخضوع والانقياد اختُلِف فيهما شرعاً، فذهب جمهور الأشاعرة إلى تغايرهما أيضاً، لأن مفهوم الإيمان ما علمته آنفاً، ومفهوم الإسلام امتثال الأوامر والنواهي ببناء العمل على ذلك الإذعان، فهما مختلفان ذاتاً ومفهوماً وإن تلازما شرعاً بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم ... وذهب جمهور الماتريدية والمحققون من الأشاعرة إلى اتحاد مفهوميهما بمعنى وحدة ما يراد منهما في الشرع وتساويهما بحسب الوجود، على معنى أن كل من اتصف بأحدهما فهو متصف بالآخر شرعاً ـ وعلى هذا فالخلاف لفظي باعتبار المآل" ١.
стр. 142
ويقول الشيخ سعد الدين التفتازاني في كتابه المشهور ((شرح المقاصد)) : الجمهور على أن الإسلام والإيمان واحد، إذ معنى آمنت بما جاء به النبي ﵇ صدقته، ومعنى أسلمت له سلمته. ولا يظهر بينهما كثير فرق لرجوعهما إلى معنى الاعتراف والانقياد والإذعان والقبول، وبالجملة لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن. وهذا مراد القوم بترادف الاسمين، واتحاد المعنى وعدم التغاير على ما قال في ((التبصرة)) : الاسمان من قبيل الأسماء المترادفة وكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، لأن الإيمان اسم لتصديق شهادة العقول والآثار على وحدانية الله تعالى، وأن له الخلق والأمر لا شريك له في ذلك، والإسلام إسلام المرء نفسه بكليتها لله تعالى بالعبودية له من غير شرك، فحصلا من طريق المراد منهما على معنى واحد. ولو كان الاسمان متغايرين لتصور وجود أحداهما بدون الآخر ولتصور مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، فيكون لأحدهما في الدنيا أو الآخرة حكم ليس للآخر وهذا باطل قطعاً. وقال في ((الكفاية)) : الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وإذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكماً فلا يتغيران، وإذا كان المراد بالاتحاد هذا المعنى صح التمسك فيه بالإجماع، على أنه يمتنع أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمناً، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم لا يكون للمسلم وبالعكس، وعلى أن دار الإيمان دار الإسلام وبالعكس، وعلى أن الناس كانوا في عهد النبي ﵇ ثلاث فرق مؤمن وكافر ومنافق لا رابع لهم ١.
ويقول إمام الجويني في العقيدة النظامية: " فإن قيل هل يفرق بين الإيمان والسلام، قلنا: وقد يطلق والمراد به الإذعان والاستسلام ظاهراً من غير إظهار حقيقة الإيمان، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فالمؤمن إذن المستسلم، وقد لا يكون المستسلم مؤمناً
стр. 143
فكل مؤمن على ذلك مسلم وليس كل مسلم مؤمناً " ١.
فمما تقدم من النصوص يتضح لنا أن مذهب الأشاعرة في الصلة بين الإيمان والإسلام مبني على الخلاف إذ لم يتفقوا فيها على رأي بل اختلفوا في ذلك على قولين:
١ ـ أن الإيمان والإسلام متغايران ذاتاً ومفهوماً مع القول بتلازمهما شرعاً في الوجود بمعنى أنه لا يوجد مسلم ليس بمؤمن، كما أنه لا يمكن وجود مؤمن ليس بمسلم مع اختلاف حقيقتي الإيمان والإسلام. وهذا الرأي عزاه ـ كما تقدم ـ الشيخ اللقاني إلى جمهور الأشاعرة، وهو ما اختاره إمام الحرمين نفسه وقال به كما يتضح لنا من كلامه المتقدم، ولعله قصد بقوله فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً أن الانقياد والاستسلام قد يحصل بدون تصديق فلا يعتد به، أما التصديق إذا حصل فلا بد وأن ينتج الانقياد والاستسلام الذي هو معنى الإسلام فيكون بذلك مؤمناً مسلماً وإلا فهو يقول ـ كغيره من أصحاب هذا الرأي ـ بالتلازم بين الإيمان والإسلام في الوجود.
وقد قال بهذا القول وأيده بشدة تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعية)) ٢.
٢ ـ أن الإيمان والإسلام متحدان، بمعنى أنهما مترادفان مفهوماً ومراداً، ومتساويان في الوجود، فكل متصف بأحدهما، فهو متصف بالآخر من الناحية الشرعية. وهذا يشبه ما تقدم في الرأي الأول من القول بالتلازم في الوجود، مما حدا بشارح ((جوهرة التوحيد)) إلى اعتبار الخلاف بين الرأيين لفظي باعتبار النتيجة والمآل، وهو في الحقيقة كذلك.
стр. 144
فعند هؤلاء لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهو مرادهم من الترادف. وهذا الرأي ـ كما تقدم ـ اختيار الشيخ التفتازاني وعزاه إلى الجمهور، ورواه عن أبي المعين النسفي من كتابه ((تبصرة الأدلة)) ، وضمنه بعض الأدلة على إثباته وترجيحه.
فمن أدلته: الإجماع على أنه لا يمكن أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإيمان ولا يكون مسلماً، أو بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمناً، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم خاص به ولا يكون للمسلم وبالعكس إلى ما آخر ما ذكر من المسائل. وقد ساق بعد ذلك أدلتهم السمعية بقوله:
" والمشهور من استدلال القوم وجهان:
أحدهما: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١.
وثانيهما: أنه لو كان غيره لم يصح استثناء أحدهما من الآخر ... لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢ أي فلم نجد ممن كان فيها من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين " ٣.
وبعد أن ذكر التفتازاني هذا الرأي، واستدل له، التفت إلى الرأي الآخر وعزاه إلى الحشوية ـ على حد تعبيره ـ وبعض المعتزلة، وهو رأي في نظره باطل.
وأنا أقول: إن هذا الرأي الذي أبطله، وأنكر أن يكون قد تبناه جماعة من الأشاعرة، يعتد بقولهم، أقول: إن هذا الرأي هو الذي يتناسب مع ما سبق تقريره من أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط، واعتبار الأعمال التي تمثل الإسلام من لوازم ذلك التصديق. وأصحاب القول بالترادف من
стр. 145
الأشاعرة قد شعروا بوجود تناقض بين مذهبهم في حقيقة الإيمان، ومذهبهم في القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، لذلك حاولوا تفسير وجهة نظرهم بأن المراد بالترادف، الترادف في المراد، بمعنى أن المراد من الإيمان الإذعان بالقلب، والإسلام الإذعان بالجوارح. والمعنيان واحد وكلاهما مطلوب شرعاً، والمراد منهما واحد وهو الإذعان. كما يتضح ذلك من كلام التفتازاني السابق. وقد سبق أن ذكرت عند بيان رأي السلف في هذه المسألة، أن الخلاف بينهم تمَّ على رأيين أيضاً، هما القول بالترادف، والافتراق، وذكرت أن الرأي الصائب هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالافتراق مع التلازم الشديد بينهما إلى درجة أنه لا يمكن أن يتصور وجود أحدهما بدون الآخر، وأن هذا الرأي هو الذي تجتمع عليه الأدلة، حيث لا يخفى ما بينهما من بُعد لا يمكن أن تجتمع معه إلا على مثل هذا الرأي القائل بالتلازم، بحيث أن الإيمان إذا ذكر منفرداً كما في حديث وفد عبد القيس دخل فيه الإسلام لا محالة؛ وإذا ذكر الإسلام منفرداً دخل الإيمان فيه أيضاً.
وإذا ذُكرا مجتمعين ـ كما في حديث جبريل ـ افترقا فيراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر من حيث المعنى.
والرأي القائل بالترادف عند السلف، له وجهة لا تتعارض مع رأيهم في حقيقة الإيمان، لإطلاقهم الإيمان على الأعمال، وجعلها جزءاً منه بدلالة النصوص، بخلاف رأي الأشاعرة القائل بالترادف، فإنه يتعارض مع مذهبهم القائل بأن الإيمان تصديق قلبي فحسب، والأعمال لوازم للإيمان، فهي غيره، هذا ما يقتضيه مذهبهم.
بقي أن أذكر أدلة القائلين بالتغاير، فمن أدلتهم قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ حيث أثبت أحدهما ونفى الآخر.
стр. 146
واستدلوا على التغاير أيضاً بعطف أحدهما على الآخر، والعطف ـ كما يقولون ـ دليل على المغايرة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ والتسليم هو الإسلام. وبأن جبريل لما جاء لتعليم الدين سأل النبي ﷺ عن كل منهما على حدة، وأجاب النبي لكلٍّ بجواب وذلك أنه قال: " أخبرني عن الإيمان. فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... قال: أخبرني عن الإسلام. فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... ".
وذلك حديث جبريل المشهور، ولا يخفى قوة أدلة كل من الفريقين لا يجمعهما إلا ما ذكرت آنفاً.
стр. 147
المبحث الثالث
مذهب الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصه
هذه المسألة اختلفت آراء الأشاعرة فيها، فلم يثبتوا على رأي واحد، بل منهم من منع القول بزيادة الإيمان ونقصه، ومنهم من أثبتها، وبعض آخر أثبت الزيادة ومنع النقصان ولكلٍّ وجهة تختلف عن وجهة الآخر ودليل غير دليله. فقد ذكر البغدادي أن من ذهب من الأشاعرة إلى القول بأن الإيمان تصديق بالقلب فقط منع القول بالنقصان، واختلفوا في الزيادة وقد اختار هو القول بالزيادة والنقصان وساق الأدلة على ذلك ١.
وقد ذكر صاحب ((المواقف)) عن الإمام الرازي وكثير من المتكلمين رأيهم بأنه بحث لفظي، لأنه فرع تفسير الإيمان، فمن قال هو التصديق فليس هو قابلاً للزيادة والنقصان، وعللوه بأن الواجب هو اليقين وأنه لا يقبل التفاوت لا بحسب ذاته، لأن التفاوت إنما هو لاحتمال النقيض وهو ـ أي احتماله ـ ولو بأبعد وجه ينافي اليقين فلا يجامعه، ولا بحسب متعلقه، لأنه جميع ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، والجميع من حيث هو جميع لا يتصور فيه تعدد، وإلا لم يكن جميعاً، وإن قلنا هو الأعمال، إما وحدها أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر ٢. وهذا القول ـ أي أن الخلاف
стр. 148
في مسألة زيادة الإيمان ونقصه لفظي ـ في نظري غير صحيح، لأن ثمة من قال بأن الإيمان هو التصديق، ومع ذلك قال إن الإيمان يزيد وينقص بحسب ذاته أي التصديق نفسه يزيد وينقص، وبحسب متعلقه وهي أفراد ما جاء به الرسول ﷺ مما يجب التصديق به.
وممن قال بأن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصه لفظي الإمام أبو حامد الغزالي ١. على أنني أحب أن أنبه هنا إلى أنهم لا يقصدون بقولهم: إن الخلاف لفظي أن الآراء ترجع إلى رأي واحد إما القول بالزيادة والنقصان أو عدمهما على تعددها، بل المقصود أن الرأي في ذلك فرع عن الرأي في حقيقة الإيمان.
ثم إن عضد الدين الإيجي صاحب ((المواقف)) ، رجح القول بأن الإيمان يزيد وينقص حتى وإن كان التصديق وحده حيث قال: والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان لوجهين: أي بحسب الذات وبحسب التعلق.
الأول: القوة والضعف من التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة قوة وضعفاً.
الثاني: من وجهَي التفاوت ـ أعني ما هو بحسب المتعلق ـ أن يقال: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، يعني أن أفراد ما جاء به متعددة وداخلة في التصديق الإجمالي. فإذا علم واحداً منها بخصوصه وصدق به، كان هذا تصديقاً مغايراً لذلك التصديق المجمل، وجزءاً من الإيمان. ولا شك أن التصديقات التفصيلية تقبل الزيادة فكذلك الإيمان، والنصوص كنحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ دالة على قبوله لهما ـ أي قبول الإيمان للزيادة والنقصان ـ بالوجه الثاني، كما أن نص قوله
стр. 149
تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ دل على قبوله لهما بالوجه الأول ١.
هذا ما ارتضاه صاحب ((المواقف)) ، وقد رد على من قال من أصحابه بأن الإيمان ـ الذي هو التصديق عندهم لا يزيد ولا ينقص بقوله: قولكم الواجب اليقين والتفاوت لا يكون إلا لاحتمال النقيض ـ قلنا لا نسلم أن التفاوت لذلك الاحتمال فقط، إذ يجوز أن يكون بالقوة والضعف بلا احتمال للنقيض ـ ثم ذلك الذي ذكرتموه يقتضي أن يكون إيمان النبي ﷺ وآحاد الأمة سواء، وأنه باطل إجماعاً. ولقول إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فإنه يدل على قبول التصديق اليقيني للزيادة كما سلف تقريره والظاهر أن الظن الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكم حكم اليقين، في كونه إيماناً حقيقياً، فإن إيمان أكثر العوام من هذا القيبل، وعلى هذا فكون التصديق الإيماني قابلاً للزيادة واضح وضوحاً تاماً ٢.
وقد ذكر تاج الدين السبكي أن هناك جماعة قالوا بأن الإيمان هو التصديق، ومع ذلك قالوا أيضاً بأنه يزيد وينقص، وأنهم إنما ذهبوا هذا المذهب ليجمعوا بين كلام السلف القائلين بأن الإيمان يتجزأ وما أنكروا أن يكون تصديقاً، وبين قول أبي الحسن الأشعري القائل بأنه التصديق فقط، وما أنكر أن يصح تجزؤه فجمعوا بين الأمرين بأن قالوا: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، وقالوا: إن في هذا توفيقاً بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وممن قال بهذا الرأي من متكلمي الأشاعرة الآمدي في كتابه ((أبكار الأفكار)) ٣.
стр. 150
وقد استحسن الإمام النووي من محدثي الأشاعرة هذا الرأي إلا أنه مال إلى القول بأن نفس التصديق يزيد وينقص حيث قال: " وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهراً حسناً فالأظهر ـ والله أعلم ـ أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك. فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أردكت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل " ١ اهـ.
ويتبين لنا مما تتقدم أن الأشاعرة اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه على النحو التالي:
١ ـ أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، ولهم في ذلك حجة عقلية بحتة وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق الجازم البالغ حد اليقين. واليقين لا يقبل التفاوت، لأن التفاوت فيه إنما هو لاحتمال النقيض، واحتمال النقيض الذي هو الشك ينافي اليقين. وهذا قول جماعة قليلة من الأشاعرة ويُنسب إلى أبي الحسن الأشعري نفسه، وهو غير صحيح، لأن ما صرح به في كتاب ((الإبانة)) الذي هو آخر ما صنف يثبت أنه يقول بزيادة الإيمان ونقصه ٢ كما أسلفنا.
стр. 151
٢ ـ أن الإيمان الذي هو التصديق أيضاً يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان:
أـ القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بالزيادة والنقصان على الإيمان بحسب الذات الذي هو التصديق، وبحسب المتعلق، وهو أفراد ما جاء به الرسول ﷺ مما يجب الإيمان به، وقد استدل هؤلاء على كلا الأمرين. فاستدلوا على زيادة التصديق ونقصانه بحسب ذاته بدليل عقلي وآخر نقلي، فدليلهم العقلي هو " أن التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها " ١.
أما ما استدلوا به من النقل فقوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فاطمئنان القلب الذي هو أقصى درجات التصديق هو ما قصده إبراهيم ﵇ وإلا فهو مصدق دون شك.
كما استدلوا على أن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقة بأن التصديق التفصيلي في أفراد ما وجب عليه الإيمان به جزء من الإيمان يثاب عليه، كما يثاب على تصديقه بالكل. وأضافوا الى ذلك الآيات المصرحة بزيادة الإيمان. ولا شك أن القابل للزيادة قابل للنقصان.
ب ـ المسلك الثاني: القول بأن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقه فقط، أما التصديق نفسه فلا يزيد ولا ينقص، وقد ذهبوا هذا المذهب ليكون جمعاً بين رأي السلف القائل بأن الإيمان يتجزأ والتصديق
стр. 152
داخل فيه، وقول القائلين بأنه التصديق فقط ولم ينكروا أنه يتجزأ. ووجه الجمع: أن الكل اتفقوا على أن الإيمان يتجزأ سواء هو التصديق وحده أو التصديق والعلم فتقول: إن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمرات الإيمان والإيمان يُطلق عليها حقيقة عند قوم، ومجازاً عند آخرين.
ويكون في هذا جمع بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون من أنه التصديق فقط.
٣ ـ أما الرأي الثالث وهو القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص ـ فهذا رأي قليل الأنصار واضح البطلان ولولا الوفاء بتعداد الآراء لما استحق الذكر، إذ أنه لا يتصور شيئ قابل للزيادة، غير قابل للنقصان.
والراجح من هذه الآراء الذي عليه جمهور الأشاعرة هو الرأي القائل بأن الإيمان يزيد وينقص وإن كان هو التصديق وحده. " لأن التفاوت لا يكون باحتمال النقيض بل بالقوة والضعف، ولليقين مراتب، من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات، فما يُعلَم بداهة أقوى يقيناً مما يُعلَم نظراً، وما يُعلَم بأدلة أوضح وأكثر وأشد يقيناً من غيره " هكذا قال المعلِّق على شرح ((جوهرة التوحيد)) . هذا هو رأي الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصه واختلافهم كما رأيت يدور حول هل التصديق نفسه يزيد وينقص، أم أن الزيادة والنقصان تكون من قِبَل ثمراته التي هي الأعمال، فالمسألة خلافية بينهم، ولكن ما عليه جمهورهم هو ما تقدم ذكره، والله أعلم.
стр. 153
المبحث الرابع
رأي الأشاعرة في مرتكب الكبيرة
اتفق الأشاعرة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. أما الصغائر فقد ذكر شارح ((المقاصد)) اتفاق الأمة عن أن الله تعالى يعفو عنها مطلقاً ١ ويفهم منه أن الأشاعرة مجمعون على ذلك، إلا أن شارح ((جوهرة التوحيد)) ذكر رأيين في هذه المسألة بعد أن ذكر الاتفاق على ترتيب التكفير على اجتناب الكبائر، فقال: ذهب أئمة الكلام إلى أنه لا يجب التكفير على القطع بل يجوز ويغلب على الظن ويقوى فيه الرجاء، لأنا لو قطعنا لمجتنب الكبائر بتكفير صغائره بالاجتناب، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه. وذلك نقض لعُرى الشريعة،فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ معناه إن شئنا حملاً له على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وذهب جماعة من الفقهاء والمحدثين والمعتزلة إلى أن المكلف إذا اجتنب الكبائر كفرت صغائره قطعاً ولم يجز تعذيبه عليها، بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على عدم وقوعه كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ...﴾ والنظم ظاهر في هذا الثاني وهو أشهر من الأول عندهم، ومبنى القولين جواز العقاب على الصغيرة وامتناعه
стр. 154
والأول هو الحق ١. وهذا الكلام يدل على انقسام القوم في غفران الصغيرة إلى رأيين.
أحدهما: القول بأنها تُغفَر قطعاً نظراً لوعد الله بذلك في كتابه حيث قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٢، وهذا إيجاب منه تعالى على نفسه بغفران الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائر فلا بد وأن الصغائر تغفر لا محالة تفضلاً منه سبحانه. وهذا الرأي هو المذهب المشهور عن الأشاعرة كما ذكر ذلك شارح ((المقاصد)) الذي يعتبر كتابه من أشهر الكتب التي يعتمد عليها أصحابه.
أما الرأي الثاني فهو القول بأن الصغائر يجوز أن تغفر، ولا نقول بالقطع لأن في ذلك إغراءاً بفعلها، وهو دليل عقلي بحت ولا يخفى ما بين الرأيين من تقارب؛ إذ كلها تتفق على أن الصغائر تغفر إذا اجتنبت الكبائر تفضلاً والخلاف في القطع بذلك أو عدمه. ولكن الرأي الذي يسنده الدليل هو القائل بأنه تغفر قطعاً إذا اجتنبت الكبائر لوضوح الأدلة على ذلك، ولا تخفى مؤاخذة صاحبها إن كانت تجرّه إلى فعل الكبيرة.
هذا بشأن حكم الصغيرة عند الأشاعرة أما حكم مرتكبي الكبائر، فالكلام في ذلك ذو شقين أحدهما الكلام في صفته وتسميته في الدنيا، والثاني الكلام في حكمه الأخروي. فأما تسميته وحكمه الدنيوي فقد ذهبوا إلى القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، لأن ارتكاب الكبيرة لا يُذهِب إيمانه كما ذهب إليه المعتزلة وإنما يؤثر فيه بالنقصان، فيُسلب منه كمال الإيمان، ويُقيَّد بما اتصف به من معصية وفسق، فيقال مؤمن فاسق. وفي هذا يقول أبو بكر الباقلاني في ((التمهيد)) : فإن قال قائل: فخبِّروني عن الفاسق الملِّي هل تسمونه مؤمناً بإيمانه الذي فيه، وهل تقولون إن فسقه لا يضاد إيمانه؟ قيل له: أجل، فإن قال: فلمَ قلتم إن الفسق الذي ليس
стр. 155
بجهل بالله لا يضاد الإيمان؟ قيل له: لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد، وقد علمنا أن ما يوجد بالجوارح لا يجوز أن يُنفى علماً وتصديقاً، يوجد بالقلب فثبت أنه غير مضاد للعلم بالله والتصديق له. والدليل على ذلك أنه قد يعزم على معصية الرسول ﵌ بقلبه من لا ينفي عزمه على ذلك معرفة النبي ﵌، وتصديقه له، وكذلك حكم القول في العزم على معصية الله ، وأنه غير مضاد لمعرفته والعلم به، والتصديق له هو الإيمان لا غير. فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين.
فإن قال: ولم قلتم إنه يجب أن يسمى الفاسق الملي بما فيه من الإيمان مؤمناً؟ قيل له: لأن أهل اللغة إنما يشتقون هذا الاسم للمسمى به من وجود الإيمان به، فلما كان الإيمان موجوداً بالفاسق الذي وصفنا حاله، وجب أن يسمى مؤمناً كما أنه لما لم يضاد ما فيه من الإيمان فسقه الذي ليس بكفر وجب أن يسمى به فاسقاً. وأهل اللغة متفقون على أن اجتماع الوصفين المختلفين لا يوجب منع اشتقاق الأسماء منهما، ومن أحدهما، فوجب بذلك ما قلناه ١.
فمما تقدم يتبين لنا الرأي ودليله، وذلك الدليل الذي ساقه الباقلاني ذو شقين، أحدهما عقلي والآخر لغوي.
أما العقلي: فيقول إن الفسق لا يضاد الإيمان، لأن التضاد بين الشيئين لا يكون إلا إذا وجدا في محل واحد، والمعصية التي بها يكون الفسق محلها الجوارح، والإيمان عندهم محله القلب فقط. وما يوجد بالجوارح لا يجوز أن ينفي ما يوجد بالقلب، لأنه غير مضاد له، إذ قد يعص الله تعالى من هو مصدق بقلبه بالله ورسله، فصح بذلك اجتماع الفسق والإيمان.
وأما اللغوي: فهو أن أهل اللغة يشتقون تسمية الشيئ من صفة توجد
стр. 156
فيه، والإيمان الذي هو التصديق القلبي موجود في الفاسق الذي عصى الله تعالى بعمل قبيح صدر عن الجوارح غير مضاد للإيمان.
وهذان الدليلان ـ كما هو واضح ـ مبنيان على مذهبهم القائل بأن الإيمان هو التصديق القلبي بالله وملائكته وكتبه ورسله، الذي تقدم بيانه، وأن أعمال الجوارح إنما هي ثمرات ذلك التصديق القلبي، وليست ركناً فيه، ولا جزءاً في مفهومه. وهم موافقون للسف في إطلاقهم هذه الصفة على مرتكب الذنب الكبير وقد تقدم استدلالهم على هذه التسمية بمثل قوله تعالى في شأن حاطب بن أبي بلتعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ...﴾ فقد خاطبه باسم الإيمان مع ما ارتكبه من عظيم الذنب بشأن الله ورسوله في قصته المشهورة ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين مع اقتتالهم، وغير ذلك من الآيات التي تطلق على فاعل الذنب الكبير اسم المؤمن، وذلك أيضاً دليل للأشاعرة لأنهم يرون نفس الرأي.
أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة عند الأشاعرة، فإنهم أيضاً يوافقون السلف فيه. حيث فوَّضوا أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله وذلك إذا مات المذنب من غير توبة، وعن سابق إصرار وفي ذلك يقول البغدادي من الأشاعرة: " ... فأما أصحاب الذنوب من المسلمين إذا ماتوا قبل التوبة فمنهم من يغفر الله له قبل تعذيب أهل العذاب، ومنهم من يعذبه في النار مدة ثم يغفر له ويرده إلى الجنة برحمته " ١.
ويقول الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرح ((جوهرة التوحيد)) : " ... فذهب أهل الحق إلى أنه لا يقطع له بعفو ولا عقاب، بل هو في مشيئة الله ، وعلى تقدير وقوع العقاب عدلاً
стр. 157
منه يقطع له بعدم الخلود في النار ... ". ولا نعلم خلافاً للأشاعرة في هذه المسألة. ويتبين لنا مما تقدم أن معتقد القوم في مرتكب الكبيرة أنه لا يقطع عليه بحكم ما، بل يفوض أمره إلى الله ، إن شاء غفر له ذنوبه ابتداءً من غير سابق تعذيب فيدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر جرمه ثم أخرجه منها وأدخله الجنة. وكل هذا يستندون فيه إلى أدلة شرعية منها ما يدل على إمكان غفران الذنوب، ومنها ما يدل على عدم تخليد المذنب المؤمن إذا هو أدخل النار لمعاقبته التي تتم بعدل من الله .
فمن النصوص التي استدلوا بها على غفران الذنوب ما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ إلى غير ذلك مما استدلوا به على هذه المسألة مما ورد في كتاب الله وسنة نبيه مما تقدم ذكره في بيان مذهب السلف، فلا داعي لتكراره.
ثم إنهم استدلوا على هذه المسألة أيضاً بأن العقاب حقه تعالى فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعاً للعبد من غير ضرر لأحد. أما دليلهم على أن من عُذب من العصاة لا يخلد في النار فهو أيضاً عين ما استدل به السلف من مثل قوله ﷺ : " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " قالوا: وليس ذلك استقامة الكلام: خاصاً بما قبل دخول النار بل قد يكون بعده. وهي مسألة انقطاع العذاب أو بدونه وهي مسألة العفو التام. ومن أدلتهم أيضاً قوله ﷺ : " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " إلى غير
стр. 158
ذلك من الأدلة التي سبق ذكرها عند بيان مذهب السلف في هذه المسألة والتي يتفق الأشاعرة معهم فيها.
وقصارى القول في هذه المسألة: أن الأشاعرة يتفقون مع السلف فيها من ناحية الاعتقاد وطريقة الاستدلال، ولزيادة التفصيل والبيان يرجع لما تقدم تقريره في مذهب السلف، والله الموفق.
стр. 159
المبحث الخامس
الاستثناء في الإيمان عند الأشاعرة
ذهب الأشاعرة في هذه المسألة إلى أن الإيمان الذي يتصف به الإنسان في الحال مقطوع به لا يجوز الاستثناء فيه وإنما يجوز الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة في المستقبل. وفي ذلك يقول التفتازاني في شرح ((المقاصد)) بعد ذكره للآراء الواردة في هذه المسألة يقول: " ... الثالث وعليه التعويل ما قال إمام الحرمين: أن الإيمان ثابت في الحال قطعاً من غير شك فيه، لكون الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز. ومعنى الموافاة الإتيان والوصول إلى آخر الحياة وأول منازل الآخرة، ولا خفاء في أن الإيمان المنجي والكفر المهلك ما يكون في تلك الحال، وإن كان مسبوقاً بالضد لا ما ثبت أولاً، وتغير إلى الضد. فلهذا يرى الكثير من الأشاعرة ـ (يبنون القول بأن العبرة بإيمان الموافاة) ١ وسعادتها بمعنى أن ذلك هو المنجي، لا بمعنى أن إيمان الحال ليس بإيمان وكفره ليس بكفر، وكذا السعادة والشقاوة، والولاية والعداوة، ...وبالجملة لا يشك المؤمن في ثبوت الإيمان وتحققه في الحال، ولا في الجزم بالثبات والبقاء عليه في الحال، لكن يخاف سوء الخاتمة ويرجو حسن العاقبة، فيربط إيمان
стр. 160
الموافاة الذي هو آية النجاة ووسيلة نيل الدرجات بمشيئة الله جرياً على مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ " ١.
فإذاً نتبين مما تقدم أن المسألة ذات شقين، أحدهما: عدم جواز الاستثناء في الإيمان الناجز، لأن ذلك يُعتبر شكاً في الإيمان والشاك في إيمانه لا يُعتبر مؤمناً، فإذا سئل أمؤمن هو؟ جزم بالإيجاب لا بالتعليق بالمشيئة.
وثانيهما: جواز الاستثناء باعتبار واحد فقط، وهو أن الإيمان المعتبر في النجاة من النار ودخول الجنة هو ما يختم به للإنسان فيستثنى من أجل أنه لا يدري ما يوافي الله به من الإيمان لأن خاتمة مجهولة مع رجائه أن تكون حسنة. وهذا هو المذهب المشهور عن الأشاعرة.
كما ذكر البغدادي أنهم مختلفون في ذلك وبيَّن اختلافهم بقوله: " والقائلون بأن الإيمان هو التصديق من أصحاب الحديث مختلفون في الاستثناء فيه فمنهم من يقول به، وهو اختيار شيخنا أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي، وأبي بكر محمد بن الحسين بن فورك، ومنهم من ينكره وهذا اختيار جماعة من شيوخ عصرنا، منهم أبو عبد الله بن مجاهد، والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني" ٢.
ووجهة المجيزين ما تقدم ذكره، أما المانعون منه فلا دليل لهم إلا أنهم يعتبرون ذلك شكاً، والشك في الإيمان غير جائز. وينضم إلى أدلة المجيزين لهذه المسألة ما تقدم ذكره عند بيان مذهب السلف من مثل قوله ﵇ عند زيارة القبور: " إنا إن شاء الله بكم لاحقون " وقوله تعالى:
стр. 161
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ حيث كان الاستثناء في أمر مقطوع به، والله أعلم.
стр. 162
الباب الثالث: موقف السلف من أراء مذاهب المتكلمين
الفصل الأول: موقف السلف من آراء المتكلمين في حقيقة الإيمان
...
الفصل الأول
موقف السلف من آراء المتكلمين في حقيقة الإيمان
جمعاً لشتات آراء المتكلمين في حقيقة الإيمان، أوجزها فيما يأتي فأقول:
إن حاصل ما تقدم من الآراء في حقيقة الإيمان يمكن إجمالها في نوعين: مفرد ومركب. فالبسيط منها ثلاثة: ١ ـ التصديق الذي هو رأي المرجئة والمختار عند الأشاعرة وبعض الأحناف. ٢ ـ المعرفة وهذا رأي جهم بن صفوان الترمذي. ٣ ـ الإقرار فقط وهو ما ذهبت إليه الكرامية.
أما المركب فاثنان: واحد منهما للمتكلمين من الأحناف وبعض الأشاعرة وهو التصديق والإقرار. وثانيهما: ما ذهب إليه السلف، والمعتزلة والخوارج من المتكلمين من أنه تصديق، وإقرار، وعمل.
ويلاحظ من آراء المتكلمين السالفة الذكر أنهم يجمعون على تأخير العمل عن الركنية في الإيمان وعدم دخوله فيه ما عدا الخوارج والمعتزلة طبعاً. وإليك موقف السلف من هذا الرأي.
١ ـ موقف السلف من المتكلمين في تأخيرهم العمل عن الإيمان:
لقد وقف السلف من هذا الرأي موقفاً ينكرون فيه صحته ويقررون ضده، فقد تقدم أن السلف قالوا بدخول الأعمال في الإيمان، وأنها ركن
стр. 163
ثالث من أركانه، واعتبروا ما عدا هذا الرأي رأياً خاطئاً، معارضاً لما ورد من نصوص تطلق على الأعمال إيماناً، فنصوص الكتاب والسنة، مليئة بما يصعب حصره مما يدل على هذا الرأي. وكمثال لهذا الاستدلال الذي يتضمن الرد على الرأي المخالف، ما ذكره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ من نصوص صريحة ورتَّبها ترتيباً قصد به الرد على من أخر العمل عن الإيمان. وإليك بعضاً من النصوص التي أوردها والمنهج الذي سلكه، فقد وضع ﵀ تراجم، وأدرج تحتها ما يدل عليه من آية أو حديث حيث قال: " باب أمور الإيمان " ١ ثم ساق قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ ٢.
وساق بعد هذه الآية حديث شعب الإيمان. ثم بدأ بعد ذلك يعقد باباً لكل خصلة من خصال الإيمان فقال: " باب المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده " ٣. ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". وقال أيضاً: " باب قيام ليلة القدر من الإيمان " ٤ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ".
و" باب الجهاد من الإيمان " ٥و " باب تطوع قيام رمضان من الإيمان " ٦
стр. 164
و " باب الصلاة من الإيمان " ١ ثم ساق قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٢، إلى غير ذلك مما ذكره ﵀. وقد عُرف هذا المنهج واشتهر بين العلماء. وهو منهج قصد به الرد على المرجئة، ومن وافقهم في إخراج العمل عن الركنية في الإيمان. ووجه الاستدلال بما تقدم ذكره: أن كتاب الله رسنة رسوله أطلقت على الأعمال اسم الإيمان، فالجهاد من الإيمان والصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة وجميع أعمال البر، فكيف يصح القول بأن الأعمال ليست من الإيمان مع أن الشارع الحكيم أطلق عليها إيماناً. وزعم خلاف ذلك باطل يشتمل على مخالفة واضحة، وصريحة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فواجبنا الاتباع فيما قرره الوحي.
وما قاله البخاري وقرره، هو بعينه رأي السلف جميعاً، وقد بدَّعوا من خالفه وأنكروا عليهم رأيهم. وقد قرر هذا المعتقد، وبين هذا الموقف من جانب السلف (الإمام أحمد) في كتاب السنة، حيث بين أن المذهب الصحيح هو القائل بتركب الإيمان من أمور ثلاثة وأن الأعمال أحد هذه الأركان، وقرر الأدلة التي قال بها البخاري ومن نحا نحوه ٣. فإذاً السلف تمسكوا بالوحي الذي يؤمن به الجميع وردوا على مخالفيهم بالنصوص الصحيحة الصريحة. وبالإضافة إلى هذه الطريقة المثلى في إثبات المعتقد والرد على الخصوم ـ سلكوا طريقاً آخراً لإفساد رأي من أخَّر العمل عن الإيمان وهو طريق الإلزام حيث ذكر ابن تيمية عن أبي ثور قوله في الرد على أصحاب هذا الرأي: ... فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٤ الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت.
стр. 165
... وإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل ـ قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً، لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقرّ به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقرُّ بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به يكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما الفرق. فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمناً، ولا فرق بين ذلك.
فإن احتجّ فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقرَّ بجميع ما جاء به النبي ﷺ أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل. قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديق أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً، ولو قال: أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان ـ يعني أنه لا يكون مؤمناً إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم بالعمل لم يكن مؤمناً ١.
فإذاً العمل ركن في الإيمان على رأي السلف والقول بأخراجه غير صحيح والسلف جميعاً ضد هذا الرأي الأخير لما له من نتائج خطيرة على الإسلام الذي هو دين عملٍ وكدٍّ وكفاحٍ، لا يعرف الكلل، ولا يركن إلى السلبيات، بل يبحث عن الإيجابيات التي تحرك المسلم، وتدفع به إلى الإنتاج النافع، الذي يرتفع بمستوى هذا الدين إلى المكانة اللائقة، التي يجب أن نحاول الوصول بديننا الحنيف إليها. فالمسلمون كانوا في الصدر الأول مدركين لهذه الحقيقة، إذ ورد في وصفهم بأنهم كانوا رهباناً بالليل، أسوداً بالنهار، فينبغي أن يسلك المسلمون في هذا العصر، وفي كل زمان بعده، مسلك أولئك الرجال الذين كانوا خير مثل في تطبيق تعاليم هذا الدين الحنيف. وهذا المسلك لا يتناسب معه إلا رأي السلف الصالح، الذي
стр. 166
يجعل العمل جزءاً من الإيمان الذي هو بعينه الإسلام عندهم، وعند بعضهم ملازم له ملازمة الروح للجسد، أما تلك الآراء التي تبعد العمل عن الإيمان ففيها تثبيط للهمم، وتقاعس عن العمل الجاد المثمر، الذي يطلبه الإسلام، مع أنه ينبغي هنا ـ من باب الإنصاف ـ أن نفرق بين الرأيين اللذين تضمنا تأخير العمل عن الإيمان. فأحد الرأيين كما اتضح لنا في موضعه، إباحي بالمرة، ينادي صراحة بما يخالف تعاليم الإسلام أمراً ونهياً، فيقول للإنسان صدق بقلبك وكفى، ثم اسلك ما شئت من طرق الشر والضلال، وهو ما تضمنه قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وهؤلاء هم غلاة المرجئة، ولا أحد يشك في تفاهة هذا الرأي وخطره على الإسلام.
أما الرأي الآخر الذي تضمن تأخير العمل عن الإيمان، فإنه وقف إلى جانب السلف في إنكار الرأي السالف للمرجئة، إذ قال أصحابه بوجوب الإتيان بالعمل، ومن قصَّر فيه فليعرف أنه في خطر كبير، إذ أنه معرض لعقاب الله تعالى. ولا شك أن هذا الأخير أخف من ذاك، بل هو في نظري مقارب لمذهب السلف في اعتبار الأعمال. وإنما الخلاف في كون السلف يجعلونه ركناً داخلاً في الإيمان، وأطلقوا عليه اسم الإيمان أما هؤلاء فقالوا ليس ركناً ولا يطلق عليه إيمان، وهو موضع النقد والمخالفة التي تقدم بيانها. فالخلاف بين هؤلاء وبين السلف لفظي، ولكن لا ينبغي أن يفهم من قولي بلفظية الخلاف أنني أوافقهم، وأقرهم على إخراج العمل عن الإيمان، لأن اللفظ الذي يجب أن يقال ويقرر ما دل الوحي عليه، وهو أن الأعمال جزء من الإيمان، وتسمى إيماناً.
أما ما استدلوا به على رأيهم من النصوص التي عطفت الأعمال على الإيمان ـ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إذ قالوا: إن العطف دليل على المغايرة، فإن هذا غير صحيح أيضاً، فدلالة العطف على المغايرة، ليست في كل حال من أحوال العطف والعطف هنا لا دليل لهم فيه، إذ أنه من باب عطف الخاص على العام، وأمثلته في القرآن كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ
стр. 167
اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١ فلا أحد ينكر أن جبريل وميكال من الملائكة، ولو كان العطف يقتضي المغايرة في جميع أحواله، لدلَّت هذه الآية على أن جبريل وميكال من جنس آخر غير الملائكة، وذلك ما لا يقول به أحد. ومنها قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٢ إلى غير ذلك من الأمثلة التي أجاب بها السلف ٣. وقد تقدم قول السلف أن الإسلام الذي هو الأعمال الظاهرة كما هو مفسر في حديث جبريل إذا ذكر مقروناً بالإيمان فإنه يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر في الحقيقة الشرعية ولكنه لا يدل على التغاير بينهما تغايراً لا التقاء معه، لأن أحدهما إذا ذكر منفرداً دخل الآخر فيه كما في حديث وفد عبد القيس وكذلك يقال في كل نص شرعي من آية أو حديث ورد فيه الإسلام مقروناً بالإيمان أو مفصلاً عنه.
وقد وجد المتكلمون أن النصوص المستفيضة تطلق على العمل اسم الإيمان، فلم يجدوا مخرجاً منها إلا بأن قالوا: دلالة لفظ الإيمان على الأعمال مجاز، وعلى تصديق القلب كما في حديث جبريل حقيقة. وقد رد هذا القول بأنه ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: اصطلاح حادث بعد انفضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي. بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم. وأول من عُرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية ... وإنما هذا الاصطلاح حاديث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول
стр. 168
من جرد الكلام في أصول الفقه، لم يقسم هذ االتقسيم ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز ... وكذلك سائر الأئمة، لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم، إلا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله (أنا ونحن) ونحو ذلك في القرآن، هذا من مجاز اللغة.
... وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال أن في القرآن مجازاً ... والذين أنكروا أن يكون أحمد أو غيره نطقوا بهذا التقسيم، قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له ...
ثم يقال ثانياً: هذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرق بينهما حد صحيح، يميز بين هذا وهذا، فعلم أن هذا التقسيم باطل،وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا: الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز: هو المستعمل في غير ما وضع له، فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال، وهذا يتعذر ١.
فمما تقدم نفهم أن السلف ينكرون أن يكون في القرآن مجاز، ولا حتى في اللغة، وعلى فرض وجوده فالقرآن يخلو منه. غير أني أقول: إن القرآن قد يشتمل على مجاز في بعض سوره، غير أن كل آية فيه تقرر عقيدة فإنها تدل عليها دلالة حقيقية، ودعوى المجاز في هذا النوع من نصوص القرآن دعوى باطلة، وإنما خطر الاختلاف في العقائد، كان منبعه حكاية المجاز، إذ جنى على العقيدة الإسلامية جناية كبيرة، وأحدث بين أهلها الفرقة في كثير من أفكارهم وتصوراتهم. ثم على فرض اشتمال القرآن ككل على مجاز ـ وهذا ما لا يقرّه السلف ولا كل ناشد للحقيقة فإنه لا بد من قرينة تصرفه عن ظاهر معناه الأصلي، ولا قرينة هنا يمكن أن نصرف بها النصوص السالفة الذكر عن ظاهر معناها الدال على أن الأعمال من الإيمان. ثم على فرض وجوده
стр. 169
أيضاً، فإنه لا يمكن أن يستعمل على هذا النطاق الواسع، فكثرة النصوص الواردة في هذا الموضوع تدفعنا إلى القول بأن المجاز لو كان وارداً هنا لكانت نصوصه قليلة، ولكن كثرة التكرار فيه تأكيد لا يقبل الجدل على أن العمل من الإيمان حقيقة لا مجازاً، وكل رأي غير هذا الرأي فلا اعتبار له.
٢ ـ موقف السلف من المتكلمين في تصورهم لحقيقة الإيمان:
أما آراؤهم في حقيقة الإيمان من الاقتصار على شيئ واحد هو التصديق وحده، أو المعرفة وحدها، أو الإقرار، أو أنه إقرار وتصديق فقط فهذا خطأ أيضاً والسلف ﵏ جمعوا هذه الآراء بأن قالوا الإيمان تصديق وإقرار وعمل وكل رأي غير هذا فهو باطل ينتج عنه إهمال جوانب أخرى دلَّ الوحي عليها. إذ ورد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن تصديق القلب إيمان كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ وغيرها مما تقدم ذكره، فهذه الآية وأمثالها دالة على وجوب الإيمان بالقلب تصديقاً واعتقاداً وهي ما ركن إليه أصحاب القول بالتصديق فقط. إلا أنهم أهملوا ما سواها من النصوص الآتية التي تدل على الإقرار وما تقدم ذكره مما يدل على العمل.
فمما يدل على وجوب الإيمان باللسان نطقاً قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ ٢.
وقال ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... " وغير ذلك مما تقدم ذكره. قالوا: هذه أدلة على وجوب
стр. 170
الإيمان باللسان نطقاً. أما الأعمال فقد تقدم بعض النصوص التي تدل أيضاً على أنها إيمان. وكلها أدلة شرعية يؤمن بها الجميع، فلا مجال لإنكارها أو تأويلها بغير ما تحتمل من معنى. أما أدلة المتكلمين على مذاهبهم فإن أكثر ما فيها أنها تدل على ذلك الجانب الذي أخذوا به، ولكنها لا تدل على إبعاد الجوانب الأخرى. أما ما ادعوه من الحصر، وظنوا أن أدلتهم ترشد إليه، فإن ذلك غير صحيح، ونبدأ أولاً بنقاش من قال بأن الإيمان هو التصديق فقط. وقد سبق بسط أدلتهم في مواضعها فلا داعي لإعادتها ١ وقد ذكر أدلتهم شيخ الإسلام ابن تيمية وقال بعدها: وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة. ثم ذكر أجوبة السلف التي نوجزها فيما يأتي:
١ ـ دعوى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، يقال: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟.
٢ ـ أن يقال: أتعني بأهل اللغة نقلتها كأبي عمرو، والأصمعي، والخليل ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول، فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلاً عن أن يكونوا أجمعوا عليه. وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل إلاسلام فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك.
٣ ـ أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق بل ولا عن بعضهم، وإن قُدِّر أنه قاله واحد أو اثنان، فليس هذا إجماعاً.
٤ ـ أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وحينئذٍ فلو قدّر أنهم نقلوا كلاماً عن العرب يفهم منه أن
стр. 171
الإيمان هو التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي ﷺ . وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.
٥ ـ أنه لو قدر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن؟ إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق، فإن قيل: هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن، قيل فليكن، ونحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن. والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عرباً، وقد فهموا ما أريد به وهم الصحابة ثم الصحابة بلَّغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين حتى انتهى إلينا، فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن، لكن لما تواتر القرآن لفظاً ومعنى، وعرفنا أنه نزل بلغتهم، عرفنا أنه كان في لغتهم لفظ السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر. ونحو ذلك على ما هو معناها في القرآن. وإلا فلو كلفنا نقلاً متواتراً لآحاد هذه الألفاظ من غير القرآن لتعذر علينا ذلك في جميع الألفاظ، لا سيما إذا كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى، فإن هذا يتعذر العلم به.
والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفاً على شيئ من ذلك، بل الصحابة بلَّغوا معاني القرآن كما بلَّغوا لفظه.
٦ ـ أنه لم يذكر شاهداً من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان يؤمن بعذاب القبر، وفلان لا يؤمن بذلك، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر. ومرادهم بذلك هو مرادهم بقوله: فلان مؤمن يؤمن بالجنة والنار، وفلان لا يؤمن بذلك.
стр. 172
القائل لذلك وإن كان تصديق القلب داخلاً في مراده، فليس مراده ذلك وحده بل مراده التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه.
٧ ـ أن يقال: من قال ذلك، فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف، بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلا فلو صدق بأنه يعذب في قبره، ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلاً لم يسموه مؤمناً به. كما أنهم لا يسمون مؤمناً بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار، دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق. كما لا يسمون إبليس مؤمناً بالله، وإن كان مصدقاً بوجوده وربوبيته ولا يسمون فرعون مؤمناً، وإن كان عالماً بأن الله بعث موسى، وأنه هو الذي أنزل الآيات، وقد استيقنت بها أنفسهم مع جحدهم لها بألسنتهم ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول، وإن كانوا يعرفون أنه حق، كما يعرفون أبناءهم. فلا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيئ مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه ولا يخافه ولا يرجوه بل يجحد به ويكذب بلسانه، أنهم يقولون: هو مؤمن به، بل ولو عرفه بقلبه، وكذب به بلسانه، لم يقولوا: هو مصدق به. ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا: هو مؤمن به. فلا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ فإن هذا استدلال بالقرآن، وليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر.
٨ ـ قوله: لا يعرفون في اللغة إيماناً غير ذلك. من أين له هذا النفي الذي لا تمكن الإحاطة به؟ بل هو قول بلا علم.
٩ ـ أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان
стр. 173
الشرعي ليس هو التصديق بكل شيئ، بل بشيئ مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول ﷺ وحينئذٍ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كالحيوان إذا أخذ بعض أنواعه وهو الإنسان كان فيه المعنى العام، ومعنى اختص به، وذلك المجموع ليس هو المعنى العام فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعاً من التصديق العام، فلا يكون مطابقاً له في العموم والخصوص من غير تغيير اللسان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفاً من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان، وأنه ناطق.
١٠ ـ أن القرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما مطلق مفسر. فالمقيد كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ ٢. والمطلق المفسر كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٤ ونحو ذلك. وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٥ وأمثال هذه الآيات وكل إيمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمناً إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق. كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ...
стр. 174
١١ ـ أنه إذا قيل: إن الشارع خاطب الناس بلغة العرب، فإنما خاطبهم بلغتهم المعروفة وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقاً وعاماً، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه كما يقولون: ذهب إلى القاضي والوالي والأمير، يريدون شخصاً معيناً يعرفونه دلت عليه اللام مع معرفتهم به. وهذا الاسم في اللغة اسم جنس لا يدل على خصوص شخص، وأمثال ذلك. فكذلك الإيمان والصلاة والزكاة، إنما خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف، وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الإيمان الذي صفته كذا وكذا، أو الدعاء الذي صفته كذا وكذا. فبتقدير أن يكون بلغتهم التصديق فإنه قد يبين أني لا أكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلاً عن تصديق القلب وحده، بل لا بد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ ... ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة كقوله ﵇: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وقوله ﷺ : " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " وأمثال ذلك. فقد بين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمناً إلا به، هو أن يكون تصديقاً على هذا الوجه. وهذا بيِّنٌ في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل لها.
١٢ ـ أن يقال: بل نقل وغير. قوله: لو نقل لتواتر، قيل: نعلم. وقد تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة. وأراد بالإيمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمناً إلا به، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ...﴾ وهذا متواتر في القرآن والسنة، ومتواتر أيضاً أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض.
стр. 175
١٣ـ قوله: ولا وجه للعدول بالأيات التي تدل على أنه عربي عن ظاهرها، فيقال له: الآيات التي فسرت المؤمن، وسلبت الإيمان عمن لم يعمل، أَصْرَحُ وأكثر من هذه الآيات. ثم إذا دلت على أنه عربي، فما ذكر لا يخرجه عن كونه عربياً. ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك، لم يقولوا: هذا ليس بعربي. بل خاطبهم باسم المنافق، وقد ذكر أهل اللغة أن هذا الاسم لم يكن يعرف في الجاهلية، ولم يقولوا: إنه ليس بعربي، لأن المنافق مشتق من نفق إذا خرج فإذا كان اللفظ من لغتهم، وقد تصرف فيه المتكلم به كما جرت عادتهم في لغتهم لم يخرج ذلك عن كونه عربياً ١... فهذه المناقشات من جانب السلف تؤدي إلى أن الصحيح هو أن الإيمان تصديق وعمل وليس تصديقاً فقط.
أما ما ذهب إليه الجهمية من أن الإيمان هو المعرفة المجردة. فهذا أيضاً رأي فاسد إلى أبعد الحدود، وقد وقف السلف منه موقف الرفض والإنكار، ورأوا فيه خطراً يهدد الإسلام، وهو وإن كان يشارك المرجئة الرأي في مذهبهم، فإنه أشد خطراً وأكثر فساداً، إذاً المعرفة أمر فطري في جميع البشر، فلا أحد ينكر أن الله هو الرب الخالف لكل شيئ، سوى الدهريين والملاحدة. وبناءاً على هذا فقد قال جهم بتساوي الناس في هذه المعرفة، وذلك بدوره يؤدي إلى تساويهم في الإيمان إذ المعرفة لا تتبعض، وإنما هي شيئ واحد لا تعدد فيه.
وهذا مذهب واضح البطلان عقلاً وشرعاً. ووجه بطلان هذا المذهب أنه يدخل في الإيمان ماليس منه ويقتصر على المعرفة وحدها، ويجعل الناس في الإيمان سواسي سواء في ذلك النبي والولي والمجرم والمشرك واليهودي، وكل كافر بأي نوع من أنواع الكفر، ولا يوجد ثمة عقل سليم يسوي بين هذه العناصر وبين أنبياء الله وأوليائه وفي إيضاح فساد هذا
стр. 176
المذهب يقول شارح ((العقيدة الطحاوية)) : " ... لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به، معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمناً فإنه قال:
ولقد علمت بأن دين محمد ... لولا الملامة أو حذار مسبَّة
من خير أديان البرية دينا ... لوجدتني سمحاً بذاك أمينا
بل إبليس يكون عند الجهم مؤمناً كامل الإيمان! فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣،: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ٤،: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥، والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى ولا أحد أجهل منه بربه فإنه جعله الوجود المطلق، وسلب عنه جميع صفاته ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافراً بشهادته على نفسه " ٦.
فهذه إلزامات أوردها شارح ((العقيدة الطحاوية)) على مذهب الجهم، وهي إلزامات تؤدي إلى فساد مذهبه بوضوح لأن القول الذي يؤدي إليها وهي فسادة لا يسعه إلا الالتزام بها فيكون كافراً لا ريب، أو ينكرها، ولا يمكن انفصال مذهبه عنها فيكون مذهبه فاسداً بالضرورة.
стр. 177
وإذا اتضح فساد مذهب الجهم هذا الذي يجعل الإيمان مجرد المعرفة، ننتقل إلى بيان موقف السلف من مذهب الكرامية القائل بأن الإيمان هو شيئ واحد فقط وهو الإقرار باللسان حذراً من تبعضه، وهذا رأي يراه السلف فاسداً أيضاً، لأنه يؤدي إلى القول بإيمان المنافقين وهذا مالا يقول به مسلم، وليس هذا إلزاماً لهم بل قالوا به حقيقة لكن تقدم أن ابن تيمية يرى أن خلافهم للسلف إنما هو في الاسم فقط. أما الحكم فيرون أنهم في الآخرة يلقون ما أوعدهم الله به من النار، وإيمانهم بألسنتهم غير نافع لهم في الآخرة، لأن الحكم الآخروي يستلزم مطابقة الباطن للظاهر، ولكن الكرامية أخطؤوا في تسمية المنافق مؤمناً وإن كانت تجري عليه أحكام الدنيا لكونه اتقى بادعاء الإيمان بلسانه فليس لنا إلا الظاهر. ولكننا إذا عرفنا المنافق فليس له منا إلا ما سماه الله به.
ورأي الكرامية هذا وإن كان فاسداً أيضاً، غير أن رأي الجهمية أفسد وأكثر خطورة منه. أما مذهبهم في العصاة فهو عين مذهب المرجئة إذ أن من أقرَّ بلسانه فهو مؤمن مهما عمل بشرط أن يطابق ظاهره باطنه. وسيأتي النقاش في مسألة العصاة إن شاء الله. ومذهب الكرامية هذا وما استدلوا به عليه إنما يؤدي إلى القول بأن الإقرار أحد أركان الإيمان التي قال بها السلف. أما الحصر فيه فلا دليل عليه أبداً مثله كمثل غيره من المذاهب المفردة في الإيمان فالتصديق والعمل تقدمت الأدلة على ضرورته وكذلك الإقرار باللسان.
стр. 178
الفصل الثاني: موقف السلف من آراء المتكلمين في زيادة الإيمان ونقصه
...
الفصل الثاني
موقف السلف من مذهب المتكلمين في زيادة الإيمان ونقصه
تقدم لنا أن أغلب المتكلمين ذهبوا إلى القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص سواء منهم من جعله شيئاً واحداً أو جعله مركباً من شيئين فأكثر، ما عدا المعتزلة كما مر بيان ذلك في موضعه، إذ أنهم ذهبوا إلى أن الإيمان يزيد وينقص من جهة التكاليف فقط، أما الزيادة والنقصان التي قصدها السلف فلم يذهب إليها المعتزلة. لذلك فإنهم يدخلون في جملة المتكلمين الذين قالوا بعدم زيادة الإيمان ونقصه، وكذلك من الأشاعرة كما تقدم من قال إن الإيمان هو التصديق فقط، ومع ذلك قال بزيادة الإيمان ولم يقولوا كما قال السلف أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لأن الاعمال عندهم ليست إيماناً وهؤلاء يكفي في نقاشهم ما تقدم من أدلة على دخول العمل في الإيمان فيكون الإيمان يزيد وينقص من جهة العمل، وتأتي زيادة التصديق انعكاساً للمحافظة على الأعمال، ونقصانه نتيجة للتقصير فيها.
وعلى كل حال فجميع من قال من المتكلمين بعدم زيادة الإيمان ونقصه، فإن السلف رحمهم الله تعالى، وقفوا موقف المنكر لهذا المذهب، والمشنع عليه، لأن فيه مخالفة صريحة وواضحة لنصوص الكتاب والسنة.
وإذ قد ثبت فيما تقدم فساد رأيهم في إخراج العمل عن الإيمان، فإن ذلك أيضاً يلزم منه فساد رأيهم في قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه، لأن
стр. 179
الإيمان إذا كان عبارة عن التصديق والأعمال، والأعمال يتفاوت الناس في الإتيان بها، فيلزم من ذلك تفاضلهم في الإيمان وعدم تساويهم فيه.
كما أن النصوص المصرحة بالزيادة في الإيمان، لا يسع أحداً إنكارها أو تأويلها بما لا يتفق مع مقاصد التشريع.
فقد استهلَّ الإمام البخاري ﵀ كتاب الإيمان من صحيحه بإيراد النصوص القرآنية المصحرة بلفظ الزيادة في الإيمان، حيث قال ﵀: وهو قول وفعل ويزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ثم ذكر ثماني آيات تنطق صراحة بزيادة الإيمان، فأي دليل بعد هذا الدليل وهل من اللائق أن نسلك طريقاً غير طريق القرآن، وأن نؤول هذه النصوص بما لا تحتمل، كما فعل أصحاب أبي حنيفة، إذ أوَّلوها بزيادة المؤمن به، وأن ذلك انتهى بانتهاء نزول الوحي. وأنه إنما كان في حق الصحابة، فأي دليل على هذا التخصيص، ثم إن النقصان لازم لما يقبل الزيادة دون جدال.
وقد تقدم ذكر الأوجه التي بها يزيد الإيمان، والنص هو المآل أولاً وآخراً فما دام القرآن نطق بزيادة الإيمان فليس مع القرآن رأي، وما دام العقل لا يستسيغ التسوية بين المجرم والولي، فضلاً عن أن الشرع لا يقر ذلك، فكيف لنا أن نحكم بالتسوية بينهما.
وعلى كل حال، فقد ثبت أن الأعمال من الإيمان والأعمال مما يتفاوت الناس في الإتيان به على الوجه المطلوب، فذلك يؤدي بدوره إلى تفاوتهم في الإيمان.
ثم إن التصديق نفسه الذي اعتبره المرجئة، والأشاعرة هو الإيمان: يزيد وينقص. ومنهم من ذهب إلى زيادة الإيمان الذي هو التصديق ونقصانه، كما عرفنا ذلك عند بيان مذهب الأشاعرة فقد قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فالتصديق موجود، لدى إبراهيم ﵇، ولكن طلب زيادة فيه باطمئنان القلب.
стр. 180
وقد عرفنا من مذهب السلف أن الإيمان بشقيه التصديق والعمل كلاهما يزيد وينقص، يزيد إلى درجة الكمال، وينقص حتى أضعف درجاته. وقد تقدم قول مالك بن دينار: " إن الإيمان يبدو في القلب ضعيفاً ضئيلاً كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فساقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدغل، وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد ويصير له أصل، وفرع، وثمرة وظل ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفتها أو صبي فذهب بها أو كثر عليها الدغل فأضعفها، أو أهلكها، أو أيبسها كذلك الإيمان " ١.
وبهذا كله يبطل قول المتكلمين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن أهله فيه سواء. فما دام النص يصرح بزيادة الإيمان، تصريحاً لا يقبل التأويل، أو العدول عن الظاهر وما دمنا متبعين لا مبتدعين فليس أمامنا إلا طريق واحد هو مسايرة النصوص فيما تدل عليه ودلالة النصوص، لا سيما في أمور العقيدة واضحة لا تعقيد فيها. وإنه لمن الخطأ الشنيع، أن نتكلف تأويلات وفلسفات، ما أنزل الله بها من سلطان، حتى نعدل بالنص عن ظاهر دلالته، إلى معانٍ بعيدةٍ عن روحه، تؤدي إلى الانحراف بالنصوص عن خط سيرها الذي رُسم لها وهدفها الذي وردت من أجله.
وزيادة الإيمان وردت بصراحة في نصوص كثبرة، والإنسان إذا عرف أن إيمانه يزيد بزيادة العلم الذي هو جزء منه وينقص بنقصانه، فإن يتحرى الزيادة دائماً، ويتجنب ما يؤدي به إلى النقصان، فيكون دائم الحذر من العواقب الوخيمة التي تؤثر في إيمانه بمخالفة أوامر الله ورسوله. وبالعكس إذا عرف أن إيمانه تام لا يعتوره نقصان بحال، فإنه قد يتجرأ على انتهاك الحرمات بحجة أنها غير مؤثرة في إيمانه، وغير مطلوبة من أجل تقوية الإيمان، وهذا هو موضع الخطر في ذلك المذهب الذي يخالف النص مخالفة ظاهرة. فإذاً هنا موقفان متشابهان للمتكلمين في زيادة الإيمان ونقصه: