← Акыда

Акыда · id 7565

البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح

زيادة الراسي

Полный текст (297 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خلاف افتقاراته الطبيعية ومساعداتها. وأيضاً مادعي عيسى ((مشاوراً)) ولا تسمى بهذا الاسم على الإطلاق. ثالثاً: أن عيسى ما كان أبا الأخير١، بل كان متوسطاً فيما بين موسى ونبينا ﵉ وعليه البركات. رابعاً: أن عيسى ما كان رئيس سلام كما قال إشعيا، بل كان رئيس الأمة المسيحية٢، وأما رئيس سلام أي رئيس الإسلام فقد كان محمداً المصطفى ﷺ . خامساً: أن عيسى لم يكثر سلطانه كما تنبأ عنه إشعيا، بل إنه ما كان له ملك أبداً، لأن اليهود لما أرادوا أن يخطفوه ويصيروه ملكاً هرب٣ *.

стр. 177

سادساً: أن سيدنا عيسى ما كانت شريعته عدلية وفضلية، كما تنبأ إشعيا في هذه النبوءة، بل كانت شريعته فضلية فقط، وأما الذي انطبقت عليه هذه النبوءة وجاء بالشريعة المرتبة بالعدل والإحسان هو أبو القاسم محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ . فإذا كان إشعيا تنبأ عن رجل يكون إتيانه بهذه الصفات المشروحة، أي إنه يكون صاحب شريعة ممتزجة من العدل والفضل، وصاحب حكم وتملك١ [والأب] الأخير الذي لم يعقبه نبي آخر غيره، ورئيس سلام، أعني: رئيس الإسلام والمسلمين، ومشاوراً، وجباراً، [وطائقاً] وعجيباً اسمه، [وصاحب علامة على كتفه المتعلقة برئاسته الدالة عليه دون غيره، الذي إما على وجه المجاز

стр. 178

-على مذهب أصحاب علم المعاني والبيان هي رئاسته بسيفه، الذي كان يعلقه على كتفه، كعادة العرب إلى الآن*،- وإما على وجه الحقيقة تكون الشامة الكبيرة المكتوبة هي العلامة التي كانت على كتفه، التي لا تقبل أدنى شبهة] ١. وهذه الصفات قد وجدت فيه حقيقية ظاهرة، أي في النبي المصطفى ﷺ ، وليست مجازية، (وإذا وجدت) الحقيقة فلامحل للمجاز، فكيف يسلّم العقل قبولها على سيدنا عيسى ﵇، الذي لم تنطبق عليه، مع أنه ليس مفتقراً إلى سرقة الشهادات التي قيلت عن المختار ﷺ ، إذ أنه قيل عنه من إشعيا ومن الأنبياء شهادات أخر كثيرات، التي لم تنطبق على غيره، حتى ولا على نبينا المصطفى صلى الله عليهما وسلم أفضل الصلاة وأتم السلام.

стр. 179

الشهادة الثامنة إن النبي إشعيا قد أورد في الإصحاح الحادي والعشرين كله ألغازاً أخر (تنبيء) عن نبينا محمد ﷺ ، إذ قال من العدد الأول مبتكراً فيه وقائلاً: ((ثقل البحر البري)) ١. إن إشعيا النبي القائل: ((ثقل البحر البري)) ، قد أشار به عن نبينا، وأخذ فيه وجه الاستعارة التشبيهية بأنه بحر بري، أعني أن خروجه ومشيه وفعله في البر مميزاً إياه من البحر المائي، وإضافته إلى قوله: ((ثقل البحر)) ، أعني أمواجه ﷺ البليغة التي كانت تهيج فيه، وتكسر سنن٢ الكفر مع أصنامها، وأردف إذ قال عن [وجوه] وروده: ((إنه مثلما تأتي الزوابع من الجنوب يأتي إلينا من البر من بلد مخيف)) ؛ يعني أن هذا البحر مع ثقله وأمواجه، يأتي إلينا من البر، من بلد مخيف كالزوابع، ونبينا ﷺ كان مجيئه كالزوابع الجنوبية، وكالأمواج الثقيلة، وكان يلاطم ويهدم البروج الكفرية، التي كانت يومئذ مشيدة عند الأعم من البشر، وأضاف إلى قوله: ((إنني أخبرت ببيان صعب العاصي يعصي والناهب ينهب)) . ففي هذا النبي إشعيا قد أظهر ثقل فعل البحر البري، [وكيف نهب العصاة لله كموسى، وهذا النهب هو من خصال العرب، وقد تعجب منه

стр. 180

إشعيا إذ قال: إني أخبرت ببيان صعب الناهب ينهب، وأما على وجه المجاز فنقول بأنهصلى الله عليه وسلم نهب العصاة] ١. وأكد٢ المعنى إذ أشار عن نفسه بلسان الحال: ((امتلأ حقوي وجعاً، ومغصاً في قلبي، وارتعاشاً، والظلمة أزعجتني)) ؛ يعني أن ظلمة الكفر التي كانت معششة في البشر* كانت مورثة على رسوله الانزعاج والمغص، ثم قال: ((ابسط المائدة اطلع من المطلع إلى الآكلين والشاربين قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة)) ٣. كأنه يتكلم بلسان حال نبينا ﷺ الناظر إلى الآكلين والشاربين، والمنادي إلى صحابته الكرام، ((قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة)) ، لأنه هكذا قال لي الرب: ((اذهب وأقِمْ الديدبان٤ ليخبر مايرى، فرأى فارسين٥ أحدهما راكب حمار، والآخر

стр. 181

راكب جمل)) . فالراكب على الحمار هو سيدنا عيسى بدخوله عليه١ القدس الشريف، وأما الراكب على الجمل فهو دليل كاف على نبيناصلى الله عليه وسلم. فهذه العبارة هي على موجب التوراة العربية المترجمة عن اللاتينية، وأما على موجب التوراة العبرانية فالمعنى فيها أجلى من هذا لأنها تقول: (قاري ريخيب صيميد فاراشيم ريخيب حاسود ريخيب كامال) وترجمتها إلى العربي: ((فرأى ركب رديف خيل ركب حمار ركب جمل)) ، وهذه كانت جيوش نبينا المصطفى ﷺ ، خلاف عساكر الملوك المقاتلين، لأن الملوك لا تركب جيوشها مراديف، ولا يركبون حميراً ولا جمالاً، وهذه عادة العرب فقط على وجه التغلب، وأن إشعيا على هذا المنوال أبصر في رؤياه جيوش نبينا محمد ﷺ ركب رديف٢ خيل ركب حمار ركب جمل*.

стр. 182

((فصرخ الأسد)) ، أي نبينا الأعظم ﷺ ، وهذا نوع من الالتفات، ((على مطلع١ الرب أنا واقف بالليل وبالنهار)) . وبالحق إنه كالأسد، وأنه على أوامر الرب كان واقفاً، وبها عارفاً٢. يقول إشعيا: ((وإذا برجل راكب أزواجاً من الفرسان)) ، وقال: ((سقطت بابل٣ مع أصنامها)) ، وهذا التفات ثان. أقول: فكأن الله سبحانه قد كشف لإشعيا أعمال٤ رسوله محمدصلى الله عليه وسلم مكرراً عليه المعاني لأجل التأكيد، مخبراً له عن رديف الفرسان أزواجاً أزواجاً ومعهم رجل. وبلا شك أنه هو ﷺ الذي كانت جيوشه

стр. 183

مراديف١ أزواجاً، (وأبان) عن السقوط الكائن من فتح بابل٢ وإسقاط أصنامها٣. وختم٤ إشعيا كلامه: ((إن هذا من عند رب الأجناد)) . ثم أفصح بنبوءته عن الأمكنة والأشخاص، أما عن الأمكنة فقال: ((دومة٥ تصرخ إليّ من ساعير٦ ياحارس فقال الحارس: ارجعوا وأقبلوا)) *.

стр. 184

أقول: إن ((ساعير)) اسم إيالة١، و ((دوما)) اسم بلد في ساعير٢ قد كانت مثقلة بالضلال، وأهلها بلسان الحال قد استغاثوا بالحارس، أي بالنبي اليقظان فجاوبهم: ((إلى الله ارجعوا واقبلوا)) ٣. وأما عن الأشخاص فقال: ((ثقل على العرب حسبتم تبيتون في الغاب)) ٤. والمعنى الذي أورده في أول الإصحاح، أي ثقل البحر البري قد أورد توجيهه هنا: بأنه يكون على العرب، لقوله: ((ثقل على العرب)) ، أعني: أن أول توجيهه وإنذاره كان إلى العرب ثم إنه جمع بقوله: ((تلاقون العطشان بالماء ياسكان التيمن٥ واخرجوا بالخبز للقاء المنهزم)) . إن هذه النبوءة من إشعيا قد انطبقت على نبينا محمد ﷺ من دون شك ولا مراجعة، إذ إن إشعيا المشار إليه ماترك مقطعاً من هذا الإصحاح

стр. 185

خالياً من إشارة، ورمز على نبينا ﷺ ، فكأنه في هذا العدد الذي هو الخامس عشر يقول: ياسكان التيمن –أي القبلة١- اخرجوا بالخبز والماء للقاء المنهزم، فبقوله: المنهزم كأنه يتعمد شخصه السامي الشريف، لأنه في أول نبوته حينما انهزم٢ وهاجر من وطنه، أي من مكة المشرفة وجاء إلى المدينة المنورة، فعلى الطريق قدم له الخبز والماء من سكان التيمن٣*.

стр. 186

ولفظة التيمن مع لفظة العرب السابقة عليها هما من أكبر الأدلة على ظهوره من تلك المحلات لا من سواها، وفي المقطع الذي يتلوه قد عطف إشعيا بضمير الجمع إذ قال: ((لأنهم منهزمون من قبل السيوف، من وجه السيف الحاضر، من وجه القوس الموترة، ومن وجه الحرب الشديدة)) ؛ يعني أن خصومه ينهزمون في عودته ورجوعه عليهم من قبل السيوف من وجه السيف، كما جاء الأمر عليه بقوله تعالى له ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ١، وكذلك جرى ذلك الانهزام على أعدائه، أعني: من جراء سيفه وقوسه الموترة والحرب الشديدة، وكلام إشعيا ((بأنهم منهزمون)) متوجه علىالعرب وعائد ضميره إليهم، (والدليل) على ذلك هو قوله: ((ثقل على العرب)) . وترى هذه المعاني موضحة٢ في محلاتها، إذ أن سيدنا محمداً ﷺ هو الذي كان وروده كثقل البحر، وكان هو بحراً برياً وليس مائياً، وهو الذي أتى لنا من البر من بلد مخيف، مثلما تأتي الزوابع من الجنوب، ونهب العصاة*.

стр. 187

وهو الذي قد نادى صحابته: قوموا ياأيها القواد ودربوا (بالأتراس) ١، وكان ﷺ فارساً، وجيوشه المراديف الراكبين الِجمال والخيل، والحمير*. وهو الأسد الذي صرخ ((على مطلع الرب: أنا واقف)) ، أي على مناظر الرب وأوامره، أنا واقف نهاراً وليلاً، وهو الرجل الراكب أزواجاً من الفرسان، العارف سقوط بابل (قبل كونه) ٢ مع أصنامها، الصائر٣ فيما بعد من أمته وخلفه، وهو الذي نادته دوما من ساعير: يا حارس، وأجا بها: ((إن طلبتم فاطلبوا ارجعوا إلى الله واقبلوا)) *. وهو الثقل الذي كان٤ على العرب العصاة الذين انهزم منهم وهاجر، وقد لاقوه سكان التيمن أي القبلة بالخبز والماء، وفيما بعد عند

стр. 188

رجوعه غدت أعداؤه (منهزمين) من وجهه ومن سيفه وقوسه من وجه حربه الشديد. وبالاختصار أقول: إن إشعيا قد ختم كلامه بهذه الجملة الحاملة تلك الإشارة الوافية المعنى بقوله: ((بأن هكذا قال لي الرب في انقضاء سنة كسنة الأجير يفني كرامة قيدار وبقية عدد أصحاب القسي الجبابرة من بني قيدار يتقللون فإن الرب إله إسرائيل تكلم)) . أقول: إن معنى قوله في انقضاء سنة كسنة الأجير؛ أراد به حولاً طويلاً وثقيلاً، إذ إن الأجير المستأجر قد يحسب سنة استئجاره أنها طويلة ثقيلة. ونبينا رسول الله ﷺ المشبه بالبحر البري من بعد انتهاء هذه السنة الطويلة التي جاهد فيها، التي شبهها إشعيا كسنة الأجير قد أفنى فيها جميع كرامة قيدار، لأن ((قيدار)) قبيلة وهي (سلالة) ١ من ثاني ولد من أولاد سيدنا إسماعيل، التي كانت تحارب رسول الله محمداًصلى الله عليه وسلم لما عصت دينه الشريف٢، وأنشأت عليه الحروب الردية، فسحق قِسِي جبابرتهم وتقللوا

стр. 189

كما تنبأ عليهم إشعيا بقوله: ((يفني جميع كرامة قيدار وبقية أصحاب القسي الجبابرة، من بني قيدار يتقللون، فإن الرب إله إسرائيل تكلم)) . وهذه [النبوءة مربوطة بجملة علامات] ومنطبقة على نبينا الأعظم ﷺ (دون) سواه.

стр. 190

الشهادة التاسعة إنه في الإصحاح الثالث والثلاثين من تثنية الاشتراع قد أفادنا سيدنا موسى نبوءة، وإشارة عن الأرض، التي منها خرجت شريعة وأنوار سيدنا محمد ﷺ ، وهو جبل فاران، الذي في أرضه موجود مكة المشرفة بقوله: ((جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبل فاران)) ١. أقول: أما قول سيدنا موسى بأنه ((جاء الرب من سيناء)) ، أي أنه تعالى أورد شريعته بكتاب التوراة في سيناء، وأما قوله: ((وأشرق لنا من ساعير)) ، فهي نبوءة عن شريعة عيسى، لأن ((ساعير)) كما كتب عنها في سفر التكوين، وفي كتب الجغرافيا هي معلومة، بأن فيها أشرقت البشارة والإنذار في الديانة النصرانية، لأنها كانت من حظ سبط يهوذا، وعيسى كان من سلالة سبط يهوذا٢.

стр. 191

.....................................................................................................

стр. 192

وأما قوله: ((واستعلن من جبل فاران)) ، فمعناه أنه من هناك ظهرت شريعة الله تعالى وناموسه العظيم، الذي هو القرآن الشريف الذي أنزل على المصطفى الكريم، لأن جبل فاران وأرضه هو ظرف لمكة المشرفة، حيث كان يتردد ﷺ ، وولادته كانت هناك، وله فيها أحاديث كثيرة وعجيبة. ولفظة فاران لها معان كثيرة في ((شوراش)) العبراني، أي القاموس، منها الجبل الظليل، ومنها الجبل الذي فيه مغر مجوف من داخله، كما ترجمت هذه اللفظة من اللغة اليونانية.

стр. 193

وجبل مكة الذي شرحنا عنه، الذي موقعه بقربها مسافة ثلاثة أميال، واسمه الآن ((غار حراء)) ١، بمعنى المغور، الذي كان ﷺ يختلي فيه في مغارة ثمان سنوات٢، معتزلاً لفراغ القلب بالذكر، وفيه أوحى الله تعالى٣ إليه بواسطة جبرائيل عليه السلام٤، والذي يؤكد ذلك ظهور أنوار سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم منه وشريعته الغرّاء وليس سواها، كما قد يثبت هذا

стр. 194

الباب حبقوق النبي١ في الشهادة التي تتلو هذه، إذ إنه مع ذكره اسم فاران، يعين أيضاً جهتها، التي هي القبلة لئلاّ تجهل وتلتبس*. وأيضاً أقول: إن لفظة فاران مشتقة من فاران في اللغة العبرانية، وتعريبها المتجِّمل المتزين، وكأن حبقوق مع موسى ﵉ يقولان عن نبينا: إنه يأتي من الجبل المتزيِّن. وجبل مكة يصدق عليه هذا الاسم

стр. 195

أيضاً، بحيث هو المتجمل بوجود بيت الله، الحرم الأعظم المبني فيه من دهور عديدة، قبل ظهور النبي الكريم من سيدنا إبراهيم، المتردد على تلك الأمكنة، كما هو محرر في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر١. وقيل من قبله وعاد فتجدد، ومن هذا الجبل ظهر نبينا محمد الأعظم، وكانت صحابته عشرة، كما تنبأ عنهم زكريا في الشهادة السابقة وشهادة الحال، أعني ظهوره ﷺ من ذلك الجبل المتزين، الذي هو بالعبراني فاران، هو الإثبات الجاذب لشهادة المقال. وإن قيل: إن سيدنا موسى تكلم بهذه الاشارة بصيغة الماضي، لأنه قال: ((استعلن)) ، ولم يقل يستعلن بصيغة المضارع. فأجيب: أنه من عادة الكتب أن تستعمل صيغة الماضي بمعنى المستقبل في بعض محلات، ومن واقع الحال قد يعلم ذلك، كما أنه قد قيل من سيدنا داود عن عيسى: ((بأن إلهاً قام في مجمع الآلهة)) ٢، على صيغة الماضي، وهو وقتئذ لم يكن قام، وقوله: ((والرؤساء اجتمعوا

стр. 196

جميعا)) ١، ولم يكن بعد اجتمعوا، وأمثاله فهي في الماضي، والنصارى تفسرها بالمستقبل.

стр. 197

الشهادة العاشرة إن حبقوق يقول في الإصحاح الثالث: ((ايلواه من التيمن يأتي، والمقدس من جبل فاران يدعس، غطّى السماء ببهجته، ومن شكرانه امتلأت الأرض، بهاؤه يكون كالنور، قرون من يده، هناك مختفية قوته، قدامه يمشي الوبا، ويخرج الشرار لعند قدميه وقف ومسح الأرض، نظر وحل الأمم وتبدد١ جبال العالم وانحنت آكام الدنيا٢، العالم هو له)) ٣. أقول: إن هذه الشهادة قد حلت وكشفت أولاً نبوة سيدنا موسى ﵇، التي سبقت في الشهادة التاسعة، وهي قوله: ((استعلن من جبل فاران)) . فههنا قد كشفت، وعيّن حبقوق أن جبل فاران هو الذي موقعه في التيمن، التي هي القبلة٤، وليس هو البرية التي هي مجاورة سيناء٥ بقوله: ((ايلواه من القبلة يأتي، والمقدس من جبل فاران يدعس)) ٦،وسماه حبقوق ايلواه أي إله.

стр. 198

وكما قررنا عن لفظة إله أنها بالعبراني مشتقة من ((إيل)) ، التي ترجمتها إلى اللغة العربية طايق١ (مكين) ٢، فكأن حبقوق قد عيّن مكان خروج نبينا ﷺ ونعته بقوله ((الطايق٣ من القبلة يأتي ومن جبل فاران يدعس)) . أي جبل فاران، الذي هو في لصيق الأرض التي فيها مكة المشرفة، وهو في القبلة أيضاً، وليس في حدود سيناء، لأن التي في حدود سيناء هي برية كما قلنا، وههنا حبقوق يذكر جبلاً مثلما يذكره موسى، مع أن برية فاران أيضاً مسكناً لإسماعيل وخلفه، وهناك تزوج (بالمرأة) المصرية. راجع سفر التكوين في الإصحاح الحادي والعشرين٤.

стр. 199

فهذا النبي الكريم الذي سماه حبقوق ايلواه، وأنه يأتي من القبلة من جبل فاران، قد أشار عنه بأوصاف أخر وهي قوله: ((غطّى السماء ببهجته، ومن مدحه امتلأت الأرض، وبهاؤه يكون كالنور)) . فكل هذه الأوصاف تراها منطبقة على سيد المرسلين، بحيث لم يشترك معه غيره فيها، لأنه [ماوجد في الكون نبيٌّ أبهج منه وأبهى] ، ولا وجد سواه من يمدح في المنائروالمنابر في المساجد والأزقة، من العلماء والفقهاء من الأغنياء والفقراء، وقد ترى جميع ألسنتهم غير هادئة من مدحه وشكرانه وأداء الصلاة والسلام عليه وأنواع البركات، التي لم يكن لغيره صائر مثلها مثل موسى وعيسى ﵉، وذلك تطبيق لنبوءة حبقوق القائلة: ((ومن مدحه١ امتلأت الأرض)) . وأثبت ((حبقوق)) نبوءته عليه ﷺ بإشارته إلى القرون التي كانت من يده، وهم الصحابة الكرام، التي كانت قوته مختفية فيهم، [لأن حبقوق على بسيط القول تنبأ على أن قروناً في يده، هناك مختفية قوته] ، أي في القرون. أعني القوة التي ظهرت بالفتوحات، (وانتشار الدين) ٢ من صحابته النجباء ﵃، الذين قد سماهم ههنا حبقوق ((بالقرون)) ، وأضاف

стр. 200

إلى ذلك بأن ((قدامه يمشي الوبا)) ، وهذا هو وجه الاستعارة التشبيهية، أي أنه شبه موت السيف العجول١ (الذي عمله) بالوبا، [وأما على وجه الحقيقة، فنرى هنا ((حبقوق)) كأنه كان ينظر بعينيه ماقد حدث من أمر الوباء، وكيف أنه أطاع رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ لما حضر لديه الوباء مع جبريل ﵇ فأرسله إلى بلدة سكانها يهود، واسمها الجحفة ٢، التي منها الآن تبتديء أعمال الحج المصري في القعدة، لأن يهودها في تلك الأيام كانوا كامنين لرسول الله ﷺ الضر، وهذا الوباء هو الذي أرسله ومشى

стр. 201

قدامه، وهو مطابق لنبوءة حبقوق هذه حرفياً، كما جاء هذا الخبر في أحاديثه الشريفة في سيرة حياته المنقولة في كتاب مؤلف من الشيخ علي برهان الدين الحلبي، ويسمى القصة الحلبية١. وقد نقل عنه في حديث آخر "بأنه ﷺ أرسل قدامه الوباء إلى الشام، وهي بلد من بلد حوران" ٢] . ((ويخرج الشرار لعند قدميه)) ٣، إن الشرار الذي أفادنا عنه حبقوق هو الذي قال عنه إشعيا في الشهادة الخامسة: ((بأن حوافرخيله مثل الصوان الذي منه ينبعث الشرار)) ٤، ويخرج لعند قدميه حينما كان يمشي قدامه الوبا ويحارب ويميت أعداء دينه السامي، الموردين الضر عليه، بعد نصحه لهم ﷺ كإيليا الذي قتل كهنة باعال٥ بالسيف، وبدد جبال

стр. 202

العالم، أعني: أنه قد شتت ذوي الاقتدار، وانحنت١ آكام الدنيا له (أعني الممالك، لأن العالم هو له) ، بحيث إنه هو سيد الأولين والآخرين. وبالاختصار: أن سيدنا عيسى ماجاء من التيمن، أي من القبلة كما قال حبقوق، ولا من جبل فاران دعس، وكل هذه الأوصاف المشروحة لم تنطبق عليه* [كانطباقها على المصطفى ﷺ ] **.

стр. 203

الشهادة الحادية عشر إن سيدنا عيسى ﵇ قد أفاد عن ورود سيدنا محمد ﷺ بعده، وأنه أعظم من كل الأنبياء بقوله في بشارة لوقا في الإصحاح السابع، وفي بشارة متّى الإصحاح الحادي عشر: ((إنه لم يقم في مواليد النساء نبي أعظم من يوحنا المعمدان وأما الأصغر الذي هو في ملكوت السماء فأعظم منه)) ١. أقول: ياترى٢ ومن هو هذا النبي الأصغر الذي هو في ملكوت السماء، الذي أفاد وأشار عنه عيسى ﵇، وأنه أعظم من يوحنا المعمداني، الذي هو أعظم من كل الأنبياء٣، (فلننظر) إلى الوسط من تفاسير علماء النصارى لهذه الآية، ونقول: إن قوماً منهم قالوا: إنها من

стр. 204

يوحنا الإنجيلي –أحد حواريي سيدنا عيسى–، وقوماً منهم قالوا: [إن هذه الآية مقولة] عن (عيسى نفسه) ١. فأجيب: إن هذين القولين منقوضان، لأن يوحنا الإنجيلي ماتسمى نبياً على الإطلاق، ولا نعت بأنه أعظم من كل الأنبياء، إذ إن بعضاً من النصارى قالوا: إن بطرس الحواري أعظم منه، وقوماً قالوا: إنه مساو لبطرس٢، (ومع ذلك فإنه ليس يوحنا الإنجيلي فقط الذي لم يكن نبياً، بل لم يكن بعد عيسى من قومه نبي، فضلاً عن أن يدعى أنه أعظم الأنبياء) ٣، وصريح الآية تشهد عن الأصغر بأنه نبي، وأنه أعظم من كل الأنبياء. وأما الذين فسروا هذه الآية على شخص عيسى فنقول لهم: إن سيدنا عيسى ليس هو من مواليد النساء الطبيعية المعتادة، كمثل المعمداني،

стр. 205

أو كباقي١ الأنبياء، حتى يستدل بأن هذه الآية مشيرة عليه، لأنه ﵇ مولود من آنسة٢بتولٍ٣ عذراء، ولم يولد بالأوجاع والزرع النكاحي، والعامل النسائي المألوف، كالمعمداني أو كباقي الأنبياء. فبإبطال هذين [القولين] ٤، وعدم احتمال المعنى (لهما) ٥، وإسقاط الدعوى: ما يوجب أن يكون المضمون منصرفاً ومقولاً عن نبي آخر شهير عظيم خلافهما تنطبق عليه الآية: فيكون النبي٦ الموعود به من عيسى هو من مواليد النساء الطبيعية المألوفة مثل يوحنا وباقي الأنبياء، ومنعوتاً وشهيراً بالعظمة. ونرى أنه لم يقم نبي بعد المعمداني بهذه الصفة، (بل لم يوجد من تسمى) ٧ أصغراً وعظيماً وموجوداً في عالم الأرواح، تطبيقاً لإشارة سيدنا عيسى، سوى سيد المرسلين الأولين والآخرين، [وهو الذي قيلت

стр. 206

عنه هذه النعوت ﷺ ] ، الذي قال عنه موسى الكليم في الشهادة الأولى: ((إن الرب إلهكم سيقيم نبياً من إخوتكم مثلي ... )) . وأيضاً نقول: إن لفظة الأصغر المقولة بهذه الآية الإنجيلية هي في اللغة اليونانية ((اوميكرتيروس)) ، وهذه اللفظة عند علماء الغراماتيك١ والنحو يونانياً وعربياً تفيد المبالغة بالصغر، كما أن لفظة ((ميغاليتوروس)) [التي هي أعظم] ، وهذه المبالغة بالصغر تصدق على المختار من كونه هو الأصغر في كل الأنبياء، إذ إنه آخرهم جميعاً وأتباعه، وبأن هذا الأصغر هو الأعظم بالمجد والشرف، وقد علم منه بأنه أي: نبينا هو الأصغر بالتأخير، وهو الأعظم بالمجد والشرف والكبير (في رتبة النبوة، انتهت الشهادات) .

стр. 207

الباب الخامس: (التناقضات في التوراة والإنجيل الدالة على تحريفهما) في الشكوك الناتجة من القضايا المتناقضة، والقصور الحاصل من ركاكة الجمل الغير مرتبطة، الموجودة في كتب العهدين، المفيدة بأن التوراة والإنجيل مزوران، وذلك بأصرح عبارة وأجلى بيان. الشك الأول متّى الإنجيلي في الإصحاح الأول يقول: "إن يورام أولد عوزيا"١، ويناقضه سفر الأيام الأول في التوراة في الإصحاح الثالث حيث يقول إن: "ابن يورام أخزياهو وابن أخزياهو يواش وابن يواش امصيا وابن امصيا عوزيا" ٢.*

стр. 208

شرح صورة التناقض إن الفرق ههنا يظهر أن متّى قد نقص ثلاثة ملوك من هذه السلسلة عن سفر الأيام الأول، وهم "أخزياهو، ويواش، وامصيا"، لأن متّى ذكر أن يورام ولد عزيا، والحال أن في سفر الأيام الأول يذكر خلاف ذلك، وهو أن عوزيا هو ابن امصيا، وليس هو ابناً ليورام كما ذكره متّى، بل إن يورام هو جد جد عوزيا١. وإن قيل في حل هذا الشك الذي هو الشك الأول: إنه مكتوب في سفر أستير، التي كان أخذها ابن عمها مردخاي من بعد موت أبيها ورباها، وصارت كابنة له٢، وعلى هذا المنوال صار عوزيا ابناً ليورام. فأقول: نعم إن "أستير" صارت بحسب التربية كابنة لمردخاي، ولكن هنا عوزيا لم يذكر عنه أن يورام ربّاه حتى إنه كان يدعى ابناً ليورام، لأن يورام كان قد مات قبل ثلاثة أجيال من ولادة عوزيا، ثم أستير لم يُقَل عنها

стр. 209

إن [مردخاي ولدها كما قال ههنا متى: إن] يورام ولد عوزيا، بل قال: إن أستير قد صارت كابنة لمردخاي. وأيضاً أقول: إن متّى (ثنى) ١ بتأكيد سلسلته إذ قال: "إن من داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً ٢، فيظهر أن كلامه (مرتباً محدداً) ٣، يريد به أن يورام ولد عوزيا بالفعل، (وليس عنده علم بنقص ثلاثة أنفار) ٤ من سلسلته، الذين لو حسبهم متّى لكان ينبغي أن يكون عدد الأجيال من داود إلى سبي بابل سبعة عشر جيلاً. وإن قيل: إن متّى قد ترك هؤلاء الثلاثة أنفار من سلسلته من أجل أنهم خطاة. فأجيب: وعساه أن يترك الكثير من السلسلة لأنه يوجد من هو (أكثر خطأً) منهم بكثير، مع أنه لم يكن قصده أن يعد [الصالحين فقط، بل] (أراد ذكر) سلسلة ولادتهم، سواءً كانوا صالحين أم طالحين،

стр. 210

بحيث إنه ذكر أشقى منهم بكثير. فمن هذه الأدلة [الأربعة] يثبت النقص والتزوير١ في إنجيل متّى. وإن قيل: إن كتاب التوراة قد جرت (فيه العادة) مثل هذا النقص كما ورد في الشك التاسع والعشرين عن سلسلة هارون. فأجيب: إن كان متّى يقتفي آثار التوراة (التي كتب فيها) ٢ سلسلة هارون بالنقص، ويستند على العادة، فالنقص المكتوب في التوراة على من تسند عادته. وأيضاً أقول: إن الابن إذا ثبت عليه (عمل فاسد أخذه) ٣ عن أبيه فلا يخلصه الاعتذار بأن يقول: هذا العمل هو عادة أخذتها عن أبي، بل إن الحق يعطى للخصم، وأن يُخطأ الاثنان كلاهما معاً.

стр. 211

الشك الثاني في إنجيل متّى في الإصحاح الأول يقول: "إن يوشيا ولد يوخانيا، ويوخانيا ولد شألتئيل، وشألتئيل ولد زروبابل١، وزروبابل ولد أبيهود"٢. ويناقضه سفر الأيام الأول في الإصحاح الثالث إذ إنه يسحب هذه السلسلة (مخالفاً) ٣ لمتّى، لأنه يقول: إن يوشيا، ولد يهواقيم ويهواقيم، ولد يوخانيا، ويوخانيا ولد شألتئيل وأخوه فدايا، وفدايا ولد زروبابل، وزروبابل ولد سبعة أولاد وهم: مشولاهم، وحنانيا، واحشديا، واوهيل، وبارخيا، وحسديا، ويوشحشد، واشموميت، أختهم*.

стр. 212

(إن زروبايل ولد سبعة أولاد ذكور وابنة، ولا ترى واحداً منهم اسمه أبيهود كما ذكر متّى) . صورة التناقض أقول: إن ههنا ثلاث مشاكل: أولاً: إن متّى يقول: إن يوشيا ولد يوخانيا، وفي سفر الأيام الأول يقول: إن يوشيا ولد يهواقيمويهواقيم هو الذي ولد يوخانيا١، فيكون يوخانيا ابن ابن يوشيا، وليس هو ابن يوشيا كما في سلسلة متّى. ثانياً: إن متّى يقول: "إن يوخانيا ولد شألتئيل، وشألتئيل ولد زروبابل"، وفي سفر الأيام الأول قال ضد ذلك: "إن يوخانيا ولد شألتئيل وأخوه فدايا، وفدايا هو الذي ولد زروبابل"٢ فيكون شألتئيل عم زروبابل أخا أبيه، وليس هو أباه كما غلط متّى. (وإن قيل: إن سفر عزرا٣ ونحميا ٤ ذكرا أن زروبابل هو ابن شألتئيل كما ذكره متّى.

стр. 213

فنقول: إن الفرق صار فيما بين نحميا وعزرا وبين سفر الأيام الأول) .١ ثالثاً: إن متّى ذكر أن زروبابل ولد أبيهود، وفي سفر الأيام الأول قال عكس ذلك: إن أولاد زروبابل كانوا بالعدد سبعة، وابنة اسمها اشمونيت٢، انظرهم [مسطرين في السلسلة المشروحة تجاهك لاترى واحداً منهم اسمه أبيهود، بل إن أسماءهم متباعدة عما كتبهم متّى الإنجيلي، عدا أن باقي هذه السلسلة من زروبابل إلى عدد ستة أسماء تنتهي بهم سلسلة التوراة المدونة في سفر الأيام الأول جميعهم متغيرون في إنجيل متّى، لأن متى كتب "أن زروبابل ولد أبيهود، وأبيهود ولد ألياقيم، وألياقيم ولد عازر، وعازر ولد صادوق، وصادوق ولد آخين٣". وأما في التوراة في سفر الأيام الأول فيعدد أناساً خلافاً للذين عدهم متى، وهم: زروبابل ولد حنانيا، وحنانيا ولد شيخينا٤، وشيخينا ولد تعريا٥، وتعريا ولد اليوعينا، واليوعينا ولد يوحانان.

стр. 214

ويظهر من هذه الاختلافات والتحريفات واحد من ثلاثة وجوه: إما أن متّى الإنجيلي جاهل لايعرف هذه السلسلة، أو أن قلماً آخر غريباً زوّر عليه أو أن التوراة مزورة والله أعلم] ١.

стр. 215

الشك الثالث في الابركسيس١ في الإصحاح السابع ذكر أن إبراهيم ﵇ كان قد اشترى المغارة من بني حمور بن شخيم ٢، وأما في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والعشرين فيقول خلاف ذلك وهو أن: إبراهيم اشترى المغارة من عفرون بن صاحر من بني حث (في حبرون) ٣. صورة التناقض يظهر لنا من هذا اختلاف ٤: أولاً: اسم ومكان المغارة. وثانياً: تغير أسماء البائعين لها والمشتري هو واحد، لأن في الابركسيس يذكر أن إبراهيم اشترى المغارة من بني حمور بن شخيم [والبلد باسمه -أعني شخيم-] ، وفي سفر التكوين قال: إن إبراهيم اشترى المغارة من عفرون بن صاحر من بني حث. فمن هذين القولين يتبين لنا التناقض عياناً بحيث إنه قد تغير فيهما مكان المغارة، وتغير أيضاً أسماء البائعين لها.
следующие страницы →