فالحق أنه ﷺ أتى بجيوشه بخفة، وما كان في أعوانه تاعب*، ولا كان ينعس، بل إنه سهران في عبادة الله ، و (نشر) دينه الشريف، كما ورد عنه ﷺ أنه كان يقوم الليل كله حتى ترم قدماه الشريفتان١، فأمره تعالى في القرآن العظيم شفقة عليه وحباً وتعظيماً له بقوله له ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ٢.
стр. 142
و"لا انحلت منطقة حقويه"، يعني أن عزيمته نشيطة، و"غير منقطع سير حذائه"، يعني أن قدميه الكريمتين١ غير فاترة عن السعي بالخير والعبادة، و"سهامه حادة"، يعني بما أنه (لا يوجد) من يساويه ممن كان يضرب بالسهام من قبل الله لأعدائه المعاندين بتلك القسي الموتورة، ويؤكد٢ هذه المعاني غلاقة٣ القول، بأن "حوافر خيله مثل الصوان"، كما وصفت تلك الخيل في القرآن الشريف في قوله تعالى ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ ٤. ثم إن ههنا إشعيا قد أظهر بنبوءته أن نبينا ﷺ هو المقول عنه هذه الأقوال وليس سواه، (لأن) عيسى عليه السلاملم تكن عنده خيل، وإنما نبينا محمد المصطفى ﷺ هو الذي كانت تقدح حوافر خيله، مثل الصوان المطابق لقوله تعالى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ .
[ثم قال إشعيا "وبكراته" أي نوقه، مثل العاصفة. فلفظة نوقه هي أعظم دليل على المصطفى ﷺ ، من حيث أن عيسى ما كان عنده نوق ولاجمال، "وزئيره كالأسد، وكان يدرك الفريسة ويحوزها، وما كان أحد يتخلص منه"، ههنا سمى إشعيا] "زئيره كالأسد". وفي الإصحاح الحادي
стр. 143
والعشرين قال: "فصرخ الأسد"١. ونعم هذا التشبيه؛ لأنه ﷺ كان سلطان البشر، كما أن الأسد سلطان الحيوانات بالفروسية والشجاعة.
وآخر الأدلة من إشعيا على نبينا ﷺ : "يدوي عليه في ذلك اليوم دَوِيَّ البحر وينظر إلى الأرض وإذا هي مظلمة ضيقة والنور اعتم بضبابها"٢.
وقد صدق الدليل الأخير على أن نبينا الأعظم ﷺ هو الذي كان ينادي؛ كان يزعق على الكفر كدَوِيّ البحر، وانتهره وزجره وروعه؛ أي الكفر، وهوالذي نظر إلى الأرض وإذا هي مظلمة بالكفر ضيقة، وبالحقيقة كانت الأرض مظلمة بالكفر عابدةللمخلوقات.
وقوله: "والنور أظلم بضبابها" يعني أن نور الاعتقاد بالله الذي كان موجوداً على الأرض عند النصارى واليهود القدماء٣ قد غطّاه ضباب الإلحاد والجحود حينما ضلّوا٤ عما تسلموه من موسى وعيسى ﵉، وهذا بالحقيقة هو النور الذي أظلم بضبابها، [أعني بالأمكنة المشرفة مثل مكة والقدس وغيرهما وهؤلاء أركان القدس] .
стр. 144
الشهادة السادسة
إن متّى الإنجيلي قد كتب [عما] رمز به سيدنا عيسى ﵇ في الإصحاح الحادي والعشرين بقوله: ذلك المثل بعدما قتل الفعلة أولئك العبيد المرسلين من عند صاحب الكرم حتى وابنه بالنية١ *. قال: "وإذا جاء رب الكرم ماذا يصنع بأولئك الفعلة؟ فقالوا له: الأرديا بالردى يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته. ثم قال أيضاً يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رذله٢. البناؤون هذا صار رأساً
стр. 145
للزاوية، من قبل الرب كانت هذه، وهي عجيبة في أعيننا، من أجل هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لآخرين لأمة يصنعون ثمرته١، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط عليه فإنه يطحنه".
أقول: وبالحق إن سيدنا عيسىعليه السلامأعطى هذا المثال نبوءة منه، رامزاً به عن نبينا محمد ﷺ من دون شك، لأنه بعدما (ذكر) الكرم: الذي هو الشريعة الموسوية٢، والفَعَلَة هم: بنو إسرائيل، وأن صاحب الكرم (أرسل) عبيده: الأنبياء ﵈، الذين كانوا (يحضونهم) على عمل الثمار فكانوا، أي الفعلة يقتلونهم، أي عبيد رب الكرم عوضاً عن عملهم الصلاح٣، وأكمل٤ بابنه الذي كان بيده إتمام شريعة موسى، كما قال هو عن نفسه: "ما أتيت لكي أحل الشريعة لكن لأكملها"٥، ﴿وكملها بالفضل﴾ ، فهو: أي عيسى ﵇ بعدما ذكر هذه الأفعال٦، وقرر
стр. 146
لهم شريعته الفضلية ولم (يقبلوها منه) ١، لا بل إنهم كانوا (قدهموا) بقتله لولا (أن الله تعالى) رفعه إليه، وحوارييه ﵈ كانوا (مجتهدين) ٢ بتنفيذها، ولأجل ذلك كانوا يحاربون ويقتلون وتزور كتبهم٣، ويترك أكثرها ويقل زمان حسنها٤. أفاد ﵇ إذ قال – (لتأكيد) العبارة ـ: "فاذا جاء رب الكرم ماذا يفعل بأولئك الفعلة؟ فأجابوه: الأرديا بالردى يهلكهم، ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين، ليعطوه ثمرته في حينها". هنا انكشف مجيئ صاحب الكرم، وأنه يهلكهم*. وظهر أيضاً أن
стр. 147
صاحب الكرم الموعود به من عيسى، هو غير عيسى الواعد به، ومن المحقق أنه من بعد مجئ عيسى ﵇ ما جاء غير نبينا ﷺ صاحب الشريعة الغرّاء.
ومن قوله: "إذا جاء" أن المسيح يقصد شخصاً آخر غير شخصه، ومجيئه مستقبلاً، وحيث إن الله تعالى بحسب ذاته العلية لا ينتقل من مكان إلى مكان من كونه حاضراً في كل مكان١، فلزم أن يكون المجيئ [المقول
стр. 148
عنه] من عيسى: " إذا جاء رب الكرم"، يقصد به رسوله وحبيبه محمداًصلى الله عليه وسلم ١، أعظم الرسل من الله سبحانه ﴿ويشهد بمثل ذلك القرآن الشريف بقوله في سورة (الفتح) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ٢، وسمي رب الكرم على وجه الاستعارة للمسند إليه، لأن له أُعطيت الأحكام والشريعة،
стр. 149
وقد تأخر مجيئه حتى يكمل شر اليهود بقتلهم التابعين لعيسى، بل (وكذلك) الكافرين وغيرهم، من الذين غلوا بعيسى ﵇، حتى إنهم تجاوزوا به حدّه (وجعلوه) إلهاً، فلما جاء ﷺ ، بعد سيدنا عيسى ﵇ كان الله تعالى معه معاضداً ومساعداً، لكونه له رسولاً ونذيراً، لأنهعليه السلام أهلك الأرديا ﴿الذين أشار عنهم عيسى﴾ ، وأما سيدنا عيسى فما جاء مرة أخرى حتى يستدل عليه به، ولا غيره أتى بعده وأهلك الأرديا، الذين أشار عنهم هو، و"دفع الكَرْم"، أي: الشريعة، إلى خلافهم، (وإنما) الذي جاء وأهلك الأرديا هو نبينا الكامل ﷺ * وأن الذين عملوا (مفاسد) من عهد عيسى [وماتوا من العصاة إلى زمان نبينا كثيرون] ، وأما سيدنا عيسى فلم يقصدهم ولا كانوا كالمرسلين١، بل إنه قصد رجلاً رب كرم، يدفع الكَرْم إلى فعلة آخرين،
стр. 150
أعني دفع الكرم الذي هو الشريعة الطاهرة إلى آخرين، الذين هم (ذرية) إسماعيل عوضاً عن بني إسحاق ويعقوب١ ﵈، الذين كانت الشريعة عندهم، وحواريي سيدنا عيسى هم (من نسلهم) ، وأما الفعلة الآخرون هم أمة محمد ﷺ وذلك لمطابقة قوله: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة لكي يصنعوا ثمرتها"، ولم يقل ههنا لأمم، بل قال: لأمة، لكونه (قصد هنا) الأمة الإسماعيلية، التي أخذت البركة قبل إسحاق عليه السلام٢، التي إمامها ونبيها هو محمد المصطفى ﷺ ومنها٣ تنبث إلى غيرها*.
فمن هنا يتضح أن الجملتين أعني قوله: "ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين"، وقوله إذ سمى الكَرْم "ملكوت"، وأنه ينزع منكم ويعطى لأمة يصنعون ثمرته، هما مقولتان من عيسى ﵇ على نبينا ﷺ وأمته
стр. 151
الطاهرة، وليس على غيره، ولكي يتأكد أن [هذا] الإعطاء هو لهذه الأمة؛ أضاف إلى ذلك إشعاره بحقارتها من نسب الحجر لها، إذ قد شبهها بحجر مهمل*. [والحق أن (ذرية إسماعيل كانوا) عند بني إسرائيل كحجر مهمل ومرذول عند البنائين، لأن (ذرية إسماعيل كانت متناسلة من أمة، وأبناؤه عند) ١ اخوته إسحاق ويعقوب وخلفه كحجر مرذول عند البنائين] ٢.
ولهذا أورده سيدنا عيسى بهذا القول الذي تنبأ عنه داود سابقاً إذ قال: "الحجر الذي رذله البناؤون هذا صار رأساً للزاوية" ٣. أعني أن نبينا ﷺ هو الحجر الذي كان ثميناً وكريماً في طبيعته، إلا أنه كان عربياً٤ غريباً عن بني إسرائيل، وكان غير معدود مع الحجارة الذين هم خلف إسحاق ويعقوب.
(*) حاشية: ليست في. ت "اعلم أن بطرس أحد حواري سيدنا عيسى ﵇ نظراً (لشدة محبته) لعيسى ﵇ سماه حجراً، إذ إن التسمية بالحجر مفرداً هي صفة محمودة".
стр. 152
فهذا هو المصطفى المكرم الذي اختاره الله سبحانه أن يكون رأساً للزاوية، لأن [الزاوية من جملة أشكالها] الشكل المثلث للرؤوس المتساوية الجهات، ومعناه أن عيسى وموسى هما رأسان للزاوية شهيران، وحبيبه المصطفىصلى الله عليه وسلم هو الرأس الثالث لهذه الزاوية المشار إليها من عيسى في هذه العبارة، التي هي قوله: "وهذا صار رأساً للزاوية"، لمطابقة كلام النبي داود الذي أوردناه آنفاً.
وأقول أيضاً إن عيسى ﵇ دُعي من إشعيا: "حجر زاوية"١ كما تراه مصوراً أمامك:-
... محمد ﷺ ...
موسى ﵇ ... عيسى ﵇
وأشار عنه٢ إشارة أخرى غير الإشارة التي أشارها ﴿داود﴾ وعيسى ﵉ عن نبينا محمد ﷺ بأنه أي عيسى ممتحناً وكريماً وأساساً مطروحاً في صهيون"٣، ولم يقل عنه مثلما قيل من داود وعيسى عن نبينا المصطفى ﷺ ، بأنه "الحجر الذي رذله البناؤون هذا صار رأساً للزاوية". فإذاً قد وضح أن سيدينا عيسى ومحمداً ﵉ هما رأسان للزاوية متميزان.
стр. 153
فعيسى ﵇ قد تميز من إشعيا إذ وصفه بأنه أساسٌ للزاوية، بمعنى أنه متقدم في الزمان كالبناء، لأن الأساس يتقدم الرأس.
ومحمد رسولنا ﷺ قد تميز، إذ إنه وصف من داود وعيسى ﵉ بأنه رأس للزاوية، بمعنى أنه متأخر في الزمان كالخاتمة.
وذاك في صهيون وكريم وممتحن. وهذا مرذول عند البنّائين، وعجيب في أعيننا.
وقول عيسى ههنا عن الحجر (الممثل به عن) ١ المصطفىصلى الله عليه وسلم، "وأنه عجيب" يطابق قول إشعيا عنه ﷺ أن اسمه عجيب، وسوف ترى شرح ذلك في الشهادة التي تتلو هذه.
وفي هذه الشهادة نكمل الشرح ونقول: إن عيسى ﵇ قال: "إن من قبل الرب كانت هذه وهو عجيب في أعيننا".
فهاهنا أوضح سيدنا عيسى أن نبينا المختارصلى الله عليه وسلم هو رسول الله، ووارد من قبله تعالى حقاً وصدقاً لقوله: "هذا كان من قبل الرب". وبين أيضاً أنه عجيب في أعيننا، فلو كان هذا الكلام (الذي تنبأ به) داود (وكرره) عيسى ﵉ مقصوداً به عيسى ﵇، كما (ظنّه) النصارى (المتأخرون) ، لكان واجب [على سيدنا عيسى عندما كرر تلاوته] أن يقول: إنه عجيب في أعينكم، لا أن يقول: إنه عجيب في
стр. 154
أعيننا، لأن قوله: عجيب في أعيننا، قد أوضح أنه يقول عن سيد الأنام إنه عجيب في عينيّ أنا عيسى أيضاً، كما هو عجيب في أعينكم.
وخاتمة الشهادة هي قوله: "من سقط على هذا الحجر يترضض ومن يسقط عليه يطحنه"، وهذا هو الدليل الأخير*. (الظاهرة عبارته جداً، أعني نبينا ﷺ هو المشبه بالحجر الذي رض وطحن المخالفين لدينه السامي دون غيره) .
стр. 155
الشهادة السابعة
إن النبي زكريا١ يقول في الإصحاح الثامن عبارة (دالة دلالة واضحة) ٢ على نبينا محمد ﷺ ، وعلى صحابته العشرة الكرام ﵃:
كرآمار ياهواه صيباوت
((هكذا يقول الله رب الجنود))
فيايله هاهيما اشير عسوة اناسيم
((في تلك الأيام يجتمع عشرة رجال))
ماكول لوشونوت هكوييم
((من كل ألسنة الشعوب))
واها حازيقي بختان ايش يااودي
стр. 156
((ويتمسكون بذيل رجل حميد ١)) ٢.
ليامور تيلا خا عماخيم
((ويقولون لنذهب معك))
كه شامسنو ألوهيم عماخيم
((لأننا سمعنا أن الله معك)) ٣*.
أقول: إن هذه الشهادة التي رقمناها العبراني (بالحبر الأحمر والعربي بالحبر الأسود) حذراً من التزوير، تبين لنا بأن نبينا محمداً ﷺ هو الموضوع الوحيد، (والمؤكد إطلاق) هذه الشهادة عليه من كل جهاته،
стр. 157
لأنه أي زكريا قد أفصح بكلامه في هذه النبوءة عن الصحابة الكرام وأن عددهم عشرة، وأنهم من ألسنة ووجوه الشعوب أصحاب القول١، وليسوا من سفاسفها، وأنهم شعوبيون من الأمم، وليسو من اليهود، وعن اسم النبي الكريم ذاته، إذ قال: ((هكذا يقول الله رب الأجناد في تلك الأيام يجتمع عشرة رجال من كل ألسنة الشعوب)) .
أقول: يا ترى من هم هؤلاء العشرة رجال، الذين وجدوا في العالم، وتبعوا رجلاً، وكانوا هم وهو مشهورين سوى هؤلاء العشرة الصحابة الكرام الأقمار العظام٢، الذين كان نورهم مستفاداً من نور
стр. 158
شمس سيدنا محمد ﷺ ، وتمسكوا به وذهبوا معه ونادوه بلسان حالهم؛ فلنذهب معك يارسول الله، لأننا علمنا أن الله معك١.
فهذا المعنى مكشوف وظاهر من عين ذاته ومطابق للنبوءة جداً، من كون أن زكريا تنبأ عن ظهور عشرة رجال يتمسكون بذيل رجل، والصحابة كانوا عشرة في العدد، وتبعوا نبينا محمداً ﷺ ، واعترفوا بأن الله [تعالى] معه، وهؤلاء ما وجد غيرهم من عهد آدم إلى الآن، ولا سُمع
стр. 159
بأن عشرة رجال تمسكوا في ذيل رجل وتبعوه سوى أولئك العشرة من الصحابةرضي الله عنهم. وبلا شك أن هذه الشهادة هي منطبقة عليهم على كل حال.
وأما قوله عن العشرة رجال: إنهم يتجمعون من كل ألسنة الشعوب:
أقول: إن الشعوب هم القبائل الخارجون عن بني إسرائيل، لأنه إلى هذا الزمان يسمون عند اليهود ((هكوييم)) (أي الشعوبيين الأممين) ، وأما ألسنة الشعوب، فهم المتكلمون في الشعوب، أصحاب القول وذوي الرأي السديد، كما جاء معنى ((لوشونوت)) في القاموس العبراني الذي يسمى ((شوراشيم)) .
وأما قوله عن العشرة رجال يتمسكون بذيل رجل [اسمه] ١ حَمِيد: فلفظة حميد هي: اسم نبينا محمد، وهي في العبراني على وزن فَعِيل، وهذا الفعل بهذا الوزن يقصد فيه (معنيين: اسم فاعل، واسم مفعول) ٢، أي أنه يشتق من اسم حميد اسمان: اسم حامد واسم محمود. وهذه المشتقات هي من أسمائه الشريفة، لأنه أي المصطفى كان يسمى
стр. 160
في زمان (صباه) ١: حميداً٢، وذلك للتنويع، كما تنبأ عنه زكريا مع تسميته ((أحمد محمداً)) ، وذلك بوجه التفضيل والمبالغة، كقولك عن الكبير أكبر، وعن الحميد أحمد، وبالحق إنه حميد، لأن الله تعالى قد سبق وهيأ له هذا الاسم الكريم، الذي هو من جملة أسمائه تعالى السنية *.
وحيث إن هذا الاسم الشريف هو مكتوب من زكريا باللغة العبرانية، ومضمونه عن النبي الهادي، [فكان] علماء اليهود يترجمونه بلفظه العبراني، ويقرأونه عبراني في اللغة العربية معرباً [كلفظة إبراهيم وإسحاق وباقي الأسماء الغريبة، ويسمى علم أعجمي] ، ويشرحون معناه على ما هو عليه في الاصطلاح النسبي، لا على ما هو عليه من أصول اللغة العبرانية إذا ترجمت إلى أصول اللغة العربية، بل كانوا يبقونه بلفظه العبراني، وكذا قد ترجمت هذه اللفظة إلى اليوناني واللاّتيني وغيرهما من اللغات بلفظها العبراني كما إلى العربي.
فالنصارى الذين ترجمت إلى لغاتهم هذه الكلمة بلفظها العبراني، كانوا يفهمونها عن اليهود مثل اليهود، على ما هي عليه بالاصطلاح
стр. 161
النسبي، لا على ما هي عليه من أصول اللغة العبرانية كما قررنا، ولا أدركوا من أين اشتقت هذه الكلمة، وأنها اسم لنبينا الأعظم، حتى أني أنا الفقير أيضاً كنت قرأتها جملة سنين وأتسلمها وأفهمها، كما يفهمها اليهود والنصارى لحد الآن على موجب الاصطلاح النسبي، لا على أصول اللغة العبرانية المنزلة فيها، بحيث إنها لا تقبل الوجهين إلا بمفردها لا بقرائنها١.
ولما حصلت٢ على كتب قواعد اللغة العبرانية التي كانت معدومة عند النصارى المتقدمين عنا في الزمان، ووجودها نادر أيضاً عند اليهود، بسبب أن المطابع لم تكن وجدت بعد، وقفت على هذه الأصول السنية عن جملة علماء من علماء الكتابين، وفهمت معنى هذه اللفظة، وأنها تقبل الوجهين إذا كانت بمفردها*. (عدا أن في جميع النسخ السريانية قد وجد عوض هذا، أي عوض لفظة ((يااودي)) لفظة ((يهوذا)) ، وهذه أعني:
стр. 162
لفظة يهوذا، إذا ترجمت إلى اللغة العربية حرفاً بحرف هي أحمد١، وهو اسم نبينا الشهير والعلم، وقد نقل بالتأكيد أن زكريا كتب نبوءته التي فيها هذه الشهادة بالسرياني لما كان مسبياً في بابل٢. وبهذا الوجه لا حاجة إلى شهود) .
(وهذه الشهادة إذا فهمها أحدهم مصادفة) كنت (أراه) يفكر في أيما نبي من الأنبياء (قصد) بها، مع أنها اسم لنبينا المصطفى، وذلك لأنه لا يعرف إلا اسم نبينا الذي هو أحمد أو محمد فقط على ظاهر الأمر، ولم يدرك أن أسماء نبينا ﷺ محمد أو أحمد هما مشتقان من اسم حميد، وأن اسم حميد هو نفس اسم أحمد. و (بسبب) هذه الوجوه المشروحة، مع خبث بعض حاخاميم اليهود قد بقي اسم نبينا المصطفى ﷺ مخبأً تحت هذه الستور، والذي يريد أن يحقق ذلك فليراجع هذه اللفظة في القاموس العبراني المسمى ((شوراش)) ، وفي كتاب الصرف والنحو المسمى عندهم ((دودوق)) في تصاريف اسم يهوذا واشتقاقاته، وليزيل عنه ظلمة
стр. 163
الغشاوة*، وليعلم أن هذه النبوءة هي منطبقة على النبي المختار ﷺ (من أربعة أوجه) :ـ
أولاً: من عدد صحابته العشرة الكرام [رضي الله تعالى عنهم] .
ثانياً: أنهم كانوا من الأمم ((هكوييم)) ، وليس هم من بني إسرائيل.
ثالثاً: (أنهم) كانوا من ألسنة ووجوه الشعوب، وليس هم صيادي سمك.
رابعاً: إن الذي تبعوه كان اسمه حميداً أحمد، وهو النبي أبو القاسم ﷺ ، فعيسى ﵇ ماكان اسمه حميداً أحمد، والذين تبعوه كانوا صيادي سمك فقراء، [وليسو من ألسنة الناس، ووجوه الشعوب، وكانوا يهودا] ، وليسو هم من الأمم شعوبيين، وكان عددهم اثني عشر نفراً، وليسو عشرة، كما تنبأ عنهم زكريا، وبهذا كفاية، لأن التعويل على شهادة
стр. 164
الحال، أي الشئ المنظور الواقع هو (المساعد الأكبر على تحقيق) شهادة المقال، وهذه الشهادة هي المطابقة لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيل﴾ ١ وقوله تعالى أيضاً عن أن عيسى ﵇ قال: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢.
ثم مرادي الآن أن أسمي هذه الشهادة (التوأم) ٣، بإضافتي لها شهادة أخرى تجانسها من إشعيا النبي.
أقول: إن إشعيا قد قال في الإصحاح التاسع في العدد السادس:
كه يلد بلاد لانوبين نتان.
((إن ولداً انولد لنا، ابناً انعطى لنا)) .
ويتهى هم اسراه على شيخيمو رنيتاراسيموبيله.
((وتكون سيادته على كتفه*، ويدعى اسمه عجيباً)) .
يوعموايل فبورا باعاد سار شلوم.
((طايقاً جباراً، أبا الأخير سيد سلام)) .
стр. 165
ليماريه هم سراه ولشلوم ابن قيس.
((ليكثر سلطانه ولسلام ليس قياس)) .
علكسه دافيد وعلى مملكته ليهاحيم.
((على كرسي داود وعلى مملكته يجلس)) .
اوتاه ولساعداه به شناط وبمصداقاه.
((يرتبها وليساعدها بالعدل وبالصدقة التي هي الفضل))
والحقيقة أن هذه الشهادة يرى العقل السليم أن فيها مطابقة كلية على سيدنا محمد ﷺ دون غيره من الأنبياء، إذ إن إشعيا يقول فيها:
أولاً: إنه قد انولد لنا ولد، وأن سيادته على كتفه، فنبينا المصطفى ﷺ هو الذي كانت سيادته على كتفه، متعلقة في ذراعه وسيفه، ولم يأخذها بالميراث، وذراعه وسيفه هما متعلقان في كتفه وفي فروسيته٢، كما أخبر عنه إشعيا. [هذا على وجه المجاز، وأما على وجه الحقيقة، فنبينا
стр. 166
صلى الله عليه وسلم كان على كتفه علامة، وهي شامة كبيرة شهيرة١ و (مكشوفة) ٢.
ولا يلزم لها برهان، لكونها شائعة وصلت إلينا بالتواتر وسطرت في أخباره الشريفة، واسمها ختم النبوة، أي علامة]
وثانياً: يقول إشعيا إنه ((يدعى اسمه عجيباً)) ، [ولفظة العجيب هي من جملة أسمائه الشريفة] ، (لأنه مامن أحد من الأنبياء سلفاً، ولا من جميع بني إسرائيل تسمى باسمه الشريف، أي أنه تسمى أحمد، محمداً، حميداً، محموداً، والعجب الأخير أيضاً من كونه من سلالة إسماعيل العربي، الذي ماقام منهم سواه واحداً وحيداً) .
وعدا ذلك أن لفظة ((عجيباً)) قد وجدت في التوراة اليونانية ((رسولاً)) ٣، ولفظة ((رسول)) يستحقها أيضاً، لأنها هي الاسم (الغالب)
стр. 167
عليه، والشهير به، والمختص به دون غيره من الأنبياء، ومكرراً عليه كرات عديدة كلفظ نبي١، ثم أيضاً سماه إشعيا ((مشاوراً)) ، وذلك مطابق لما سماه الله تعالى في القرآن الشريف بقوله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر﴾ ٢ فهو مشاور، ثم دعاه إشعيا أيضاً ((جباراً طايقاً)) ، وهذه الأسماء مع ما تقدمها هي من أسمائه الشريفة، وقد تجدها حرفياً في كتاب ((دلائل الخيرات)) ٣ مجمعة من الكتاب والسنة.
стр. 168
وثالثاً: أن إشعيا قد قال عنه بأنه ((أب الأخير)) وفي الحقيقة أنه صار أباً، واستولى على الدهر الأخير، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، لأنه لم يقم بعده ﷺ نبي١.
ورابعاً: قد قال عنه إشعيا أنه ((سيد السلام)) ، أعني أنه رئيس الإسلام والمسلمين، الذين هم الأمة المخلصة الدين، والحب لله تعالى، وأهل الوداد والعهود، أعني السلام والتسليم، وأشار إشعيا بلفظة ((سلام))
стр. 169
من كون لفظة ((سلام)) هي كقطب دائرة، تجمع إليها من خطوطها سائر تصاريف السلام مع اشتقاقاته، من كونها مصدراً لتفريع معانيه، ونبينا المختار دعي رئيساً لهذا القطب، أي أنه رئيس ليس لدين الإسلام والمسلمين فقط، بل هو رئيس لجميع فروع السلام، كما نعت بها في القرآن الشريف مراراً ١، مثلما قال عنه إشعيا.
стр. 170
وخامساً: قد قال عنه إشعيا ((ليكثر سلطانه)) ١، وهذا القول قد ورد في سفر التكوين إلى سيدنا إبراهيم وللسيدة هاجر عن رئاسة نسل سيدنا إسماعيل، الذي منه سيدنا محمد ﷺ ٢*.
وسادساً: قد أفادنا إشعيا عن دوام دين الإسلام بقوله: ((ولسلام ليس له حد وقياس)) . وهذه نبوءة صريحة بأن دين الإسلام [يبقى] إلى انتهاء (العالم) .
وسابعاً: قد قال إشعيا بأن نبينا يجلس على كرسي داود، وعلى مملكته، ليرتبها ويساعدها بالعدل والاحسان، الذي هو الحنو، وحيث إن كرسي داود وسلالة ملكه قد فنوا قبل مجئ عيسى بزمان طويل٣ *، واستولى عليها
стр. 171
الرومانيون قبل زمان عيسى، وفي زمانه، وبعد زمانه، فلزم أن يكون هذا الجلوس على وجه الاستعارة، أي أنه يقصد منه الجلوس والترتيب والمساعدة من رجل صالح مؤمن بالله، وصاحب شريعة يجري في شريعته العدل والفضل، وليس معناه أن يكون كطيباريوس الروماني١، أو كأوغسطس قيصر الوثني٢، الذَيْن كانا متملكين على كرسي داود فعلياً، في زمان عيسى، وكانا بعيدين من شريعة عيسى وموسى، لأن كلام إشعيا إنما هو عن مجئ رجل يجمع الشريعتين، أعني: شريعة موسى العدلية، وشريعة عيسى الفضلية، ويجعل لكل منهما مركزاً، بحيث أن كل واحدة منهما مفتقرة إلى الأخرى.
стр. 172
ونرى ذلك الترتيب عياناً في شريعة نبينا محمد ﷺ ، المرتبة من العدل والفضل، كما جاء في قوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
فهنا في قوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قد استعمل الشريعة العدلية، وأمافي قوله ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فقد أفادنا عن الشريعة الفضلية المفوضة إلى إرادة الإنسان، ومن قوله تعالى ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ ٢ وَالسِّنَّ بِالسِّن﴾ ، وباقي غلاقة القول العدلي قد أضاف إليه القول التصدقي أي الفضلي بقوله تعالى غِبْ ذلك٣ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ٤.
وهذا القول الشريف المركب من العدل والاحسان، أي التصدق الجامع بين الشريعتين السابقتين (الذي كان في أصل شريعة موسى
стр. 173
وانمحى) ١ ينطبق على نبوءة إشعيا هذه، القائلة عن المتنبأ عنه: إن إتيانه يكون بالعدل وبالصدقة*.
وهذه المعاني هكذا كان يفهمها النصارى واليهود القدماء، وكانوا يسلمونها اسلاماً خالصاً٢. وأما النصارى المتأخرون (فيصرفونها إلى) ٣ عيسى ﵇، والحال أنها لا تنطبق عليه.
أولاً: لأنه ماكان لعيسى رئاسة مرتبطة في قوة كتفه المتعلق فيه ذراعه وسيفه، بل إنه كان خالياً من الرئاسة مطلقاً [ولا كان له في كتفه
стр. 174
علامة شامة كبيرة (مكشوفة) كالمصطفى ﷺ ] ١، وكان دائماً يتخوف ويتهرب، كما يخبر عنه إنجيلهم٢، ومحكوماً عليه.
ثانياً: أن سيدنا عيسى المسمى عندهم ((يسوع)) لم يكن اسمه ((عجيباً)) ، لأنه قد سبقه من كان باسمه (من الأنبياء) ، وهو يشوع بن نون*، وخلافه كثيرون٣، ومع ذلك فنرى أن لفظة ((اسمه عجيباً)) قد انطبقت على نبينا المصطفى ﷺ من كل جهاتها، لأنه من عهد آدم إلى الآن ما خرج نبي من الأنبياء اسمه أحمد، محمد، وأعجب من ذلك خروج هذا النبي الكريم من بني إسماعيل، في قبيلة معدومة الأنبياء٤، عدا أن هذا الاسم الذي هو ((عجيباً)) هو من جملة أسمائه، وتراه مندرجاً في ((دلائل
стр. 175
الخيرات)) ١، ولهذا قد دعى إشعيا اسمه ((عجيباً)) ، وقد صادق على ذلك، أي على قوله: ((عجيباً)) عيسى بقوله: ((وهو عجيب في أعيننا)) ٢، وما كان عيسى جباراً مثل المصطفى، بل إنه كان يتظاهر دائماً بأنه كان ضعيفاً فقيراً.
وإن قيل عنه من النصارى إنه كان جباراً بلاهوته وليس بناسوته: فأقول: إننا نقضنا هذا الوجه نقضاً كافياً فيما سلف، وأنه ليس فيه لاهوت٣، والآن نقول أيضاً: إن كان سيدنا عيسى جباراً بحسب لاهوته المتحد فيه ناسوته، فلماذا عندما تضيق وتحزن وبضجيج توسل وبخوار صوت وأظهر ضعف الإنسانية انحدر ملاك من السماء مقوياً له٤؟ كما أخبر إنجيلهم، وأين كان جبروت لاهوته، ولماذا ماصبّر لاهوته ناسوته على التضييق وقواه؟ بل إنه افتقر إلى ملاك ليقويه، مع أن هذا الافتقار والمساعدة
стр. 176
خلاف افتقاراته الطبيعية ومساعداتها. وأيضاً مادعي عيسى ((مشاوراً)) ولا تسمى بهذا الاسم على الإطلاق.
ثالثاً: أن عيسى ما كان أبا الأخير١، بل كان متوسطاً فيما بين موسى ونبينا ﵉ وعليه البركات.
رابعاً: أن عيسى ما كان رئيس سلام كما قال إشعيا، بل كان رئيس الأمة المسيحية٢، وأما رئيس سلام أي رئيس الإسلام فقد كان محمداً المصطفى ﷺ .
خامساً: أن عيسى لم يكثر سلطانه كما تنبأ عنه إشعيا، بل إنه ما كان له ملك أبداً، لأن اليهود لما أرادوا أن يخطفوه ويصيروه ملكاً هرب٣ *.
стр. 177
سادساً: أن سيدنا عيسى ما كانت شريعته عدلية وفضلية، كما تنبأ إشعيا في هذه النبوءة، بل كانت شريعته فضلية فقط، وأما الذي انطبقت عليه هذه النبوءة وجاء بالشريعة المرتبة بالعدل والإحسان هو أبو القاسم محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ .
فإذا كان إشعيا تنبأ عن رجل يكون إتيانه بهذه الصفات المشروحة، أي إنه يكون صاحب شريعة ممتزجة من العدل والفضل، وصاحب حكم وتملك١ [والأب] الأخير الذي لم يعقبه نبي آخر غيره، ورئيس سلام، أعني: رئيس الإسلام والمسلمين، ومشاوراً، وجباراً، [وطائقاً] وعجيباً اسمه، [وصاحب علامة على كتفه المتعلقة برئاسته الدالة عليه دون غيره، الذي إما على وجه المجاز
стр. 178
-على مذهب أصحاب علم المعاني والبيان هي رئاسته بسيفه، الذي كان يعلقه على كتفه، كعادة العرب إلى الآن*،- وإما على وجه الحقيقة تكون الشامة الكبيرة المكتوبة هي العلامة التي كانت على كتفه، التي لا تقبل أدنى شبهة] ١.
وهذه الصفات قد وجدت فيه حقيقية ظاهرة، أي في النبي المصطفى ﷺ ، وليست مجازية، (وإذا وجدت) الحقيقة فلامحل للمجاز، فكيف يسلّم العقل قبولها على سيدنا عيسى ﵇، الذي لم تنطبق عليه، مع أنه ليس مفتقراً إلى سرقة الشهادات التي قيلت عن المختار ﷺ ، إذ أنه قيل عنه من إشعيا ومن الأنبياء شهادات أخر كثيرات، التي لم تنطبق على غيره، حتى ولا على نبينا المصطفى صلى الله عليهما وسلم أفضل الصلاة وأتم السلام.
стр. 179
الشهادة الثامنة
إن النبي إشعيا قد أورد في الإصحاح الحادي والعشرين كله ألغازاً أخر (تنبيء) عن نبينا محمد ﷺ ، إذ قال من العدد الأول مبتكراً فيه وقائلاً: ((ثقل البحر البري)) ١.
إن إشعيا النبي القائل: ((ثقل البحر البري)) ، قد أشار به عن نبينا، وأخذ فيه وجه الاستعارة التشبيهية بأنه بحر بري، أعني أن خروجه ومشيه وفعله في البر مميزاً إياه من البحر المائي، وإضافته إلى قوله: ((ثقل البحر)) ، أعني أمواجه ﷺ البليغة التي كانت تهيج فيه، وتكسر سنن٢ الكفر مع أصنامها، وأردف إذ قال عن [وجوه] وروده: ((إنه مثلما تأتي الزوابع من الجنوب يأتي إلينا من البر من بلد مخيف)) ؛ يعني أن هذا البحر مع ثقله وأمواجه، يأتي إلينا من البر، من بلد مخيف كالزوابع، ونبينا ﷺ كان مجيئه كالزوابع الجنوبية، وكالأمواج الثقيلة، وكان يلاطم ويهدم البروج الكفرية، التي كانت يومئذ مشيدة عند الأعم من البشر، وأضاف إلى قوله: ((إنني أخبرت ببيان صعب العاصي يعصي والناهب ينهب)) .
ففي هذا النبي إشعيا قد أظهر ثقل فعل البحر البري، [وكيف نهب العصاة لله كموسى، وهذا النهب هو من خصال العرب، وقد تعجب منه
стр. 180
إشعيا إذ قال: إني أخبرت ببيان صعب الناهب ينهب، وأما على وجه المجاز فنقول بأنهصلى الله عليه وسلم نهب العصاة] ١.
وأكد٢ المعنى إذ أشار عن نفسه بلسان الحال: ((امتلأ حقوي وجعاً، ومغصاً في قلبي، وارتعاشاً، والظلمة أزعجتني)) ؛ يعني أن ظلمة الكفر التي كانت معششة في البشر* كانت مورثة على رسوله الانزعاج والمغص، ثم قال: ((ابسط المائدة اطلع من المطلع إلى الآكلين والشاربين قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة)) ٣. كأنه يتكلم بلسان حال نبينا ﷺ الناظر إلى الآكلين والشاربين، والمنادي إلى صحابته الكرام، ((قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة)) ، لأنه هكذا قال لي الرب: ((اذهب وأقِمْ الديدبان٤ ليخبر مايرى، فرأى فارسين٥ أحدهما راكب حمار، والآخر