← Акыда

Акыда · id 7565

البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح

زيادة الراسي

Полный текст (297 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فحمدت أنا الرأي الأخير، وحددته حالا من دون تأخير، وبدأت أن أقابل كتابي ومعتقدي على كتابي المعتقد الشهيرين١ وأراجعهما على أولي العلم، من دون تعصب مذهبي بكل مكنتي، من دون مين٢، ﴿وغب٣ الفحص والتفتيش في ذلك﴾ ، قصدت أن أحرر ما قد حصلته من المقابلة في تلك المسالك، وأبينه لدى ذوي البصائر القادحة، خواض بحور هذه المعاني الشاسعة، لكي يتفحصوه بكل جهد وتدقيق، ويمعنوا نظرهم فيه من دون غرض وتمحيق٤، ويفهموا أن الدين المحمدي هو الذي ترجحت عليه البينات، وأنه هو الدين الصحيح، ومن اتخذ سواه دينا فهو من الخاسرين صريح. وحيث قد تيسر لي بعد مطالعتي في كتب القواعد وتفاسيرهم، أني وجدت [أيضاً] ملخصات أجوبة [في رد] الملل على بعضهم بأقوال مختصرة صريحة، فضممت إلى كتابي هذا مايناسب منها،

стр. 37

وسميته كتاب: البحث الصريح في ﴿أيما هو﴾ الدين الصحيح. وقسمته إلى خمسة أبواب وخاتمة. فأرجو من المطالعين فيه بأن يكرروا [عبارته و] قراءته بكل جهد وإمعان، ويتوسلوا معي إلى الرحيم الرحمن بجاه نبيه١الهادي، سيد الأكوان، أن يكشف لهم المعاني، إذ هو الكريم المنان، [المفيض على عباده الإحسان] .

стр. 38

الفهرس ١ الباب الاول يفيد أن سيدنا عيسى ﵇ ليس هو بإله حقيقي بالذات، وغير مساوٍ لله تعالى في الجوهر، وأن تسميته إلها [هو نعت ووصف] ٢ كحسب عادة كتب العهدين أعني: التوراة والإنجيل، اللذين كانا يسميان أشراف الشعب وأفاضلهم آلهة، فهو أي المسيح ﵇ كان من أشراف الأنبياء وأكابرهم، وكانت تحق له هذه التسمية بنوع خصوصي. الباب الثاني رد على الافتخار الذي يفتخر به النصارى، ﴿أي﴾ بسمو آيات عيسى ﵇ وأنها فائقة، وقصدهم بذلك لكي يثبتوا بدعتهم منها أعني: الألوهية له، وقد قابلت٣ آياته فإذا هي آيات خارقة للعادة، إلا أن الأنبياء الذين سبقوه قد عملوا مثلها [وما] يعلوها ويفوقها أيضاً، ثم إن آل زمانهم وأتباعهم لم يعتقدوا فيهم أنهم آلهة بالذات، ولا مساوون٤ لله تعالى في الجوهر.

стр. 39

الباب الثالث رد على [ما تدعيه] ١ النصارى ضد الله تعالى ويتوهمونه، بأن نبينا الأعظم ﷺ قد حصل منه [أمور] منافية وغير حسنة، ومنقولة عن القرآن الشريف المعجز، مع كون أن مثل هذه الدعاوى والأمور الملحوظة قد وجدت من ٢ الأنبياء الذين سبقوه وأبلغ منها، كما [تشهد] بذلك كتبهم، ولم تحسب منافية ولا غير حسنة. الباب الرابع نورد فيه بينات من كتب العهدين أعني: [من] التوراة والإنجيل على أن نبيِّنا ﴿محمداً﴾ ﷺ هو النبي الموعود به أيضاً، والمشار [إليه] ٣ والمنبأ عنه – كعيسى ﵇ -بالأدلة الواضحة والبراهين المكينة، كما قد تراها صريحة.

стр. 40

الباب الخامس في الشكوك الناتجة من القضايا [المتناقضة] ، والقصور الحاصل من ركاكة الجمل الغير مرتبطة، الموجودة في كتب العهدين، المفيدة بأن التوراة والإنجيل مزوران وذلك بأصرح عبارة وأجلى بيان. الخاتمة جمعت نتائج هذه الخمسة أبواب بوجه الاختصار، وبعض ملحقات لها [مفيدات] . ﴿تم

стр. 41

الباب الأول: الرد على النصارى في دعوة ألوهية المسيح ﵇ ... الباب الأول: الرد على النصارى في دعوى ألوهية المسيح ﵇ [يفيد] ١ أن سيدنا عيسىعليه السلام ليس هو [بإله] ٢ حقيقي بالذات، وغير مساوٍ لله تعالى في الجوهر، وأن تسميته إلهاً هو نعت ووصف٣ كحسب عادة كتب العهدين؛ أعني: التوراة والإنجيل، اللذين كانا يسميان أشراف الشعب وأكابرهم آلهة، فهو أي المسيح ﵇ كان من أشراف الأنبياء وأفاضلهم، وكانت تحق له هذه التسمية بنوع خصوصي. فأقول أولاً: إن هذا الاعتقاد الذي هو: أن سيدنا عيسى ﵇ [إله] بالذات ومساوٍ لله تعالى في الجوهر ٤ هو بدعة حديثة مستجدة في الديانة النصرانية. ثانيا: (إن هذا الرأي) لم يقبل عندما ابتدع [في الابتداء في] الجيل الرابع٥ عند (عموم) النصارى، الذين كانوا في تلك

стр. 42

الأعصار، إذ أنهم قد اعتلوا١ [واحتجوا] على من ابتدعوه بأن هذه الزيادة، أعني: (أن) الابن (أي عيسى) مساوٍ لله تعالى في الجوهر ليست موجودة في التوراة (ولا) في الإنجيل حرفيا، بل هي [منكم] جملة استنباطية اختراعية ٢، وقد ختم على رأيهم هذا جملة مجامع، منها٣ مجمع مادلي٤، والمجمع الملتئم في سيرمة٥، نحو سنة ٣٦٠ من تاريخ

стр. 43

عيسى ﵇، وكان حاضرا فيه وراضيا به وخاتما عليه فيليكس١، [ومرة أخرى] ليباريوس٢ [أسقفي] روما، الذين يسمون في العصور المتأخرة باباوات٣، وأساقفة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس، الذين يسمونهم في الأزمنة المتأخرة بطاركة مع قساوسهم، ورهبانهم ووعاظهم (ونواب ملوكهم) ، الذين من رأيهم موجود جملة ملايين٤ إلى يومنا هذا في بلاد أوستريا٥، و (ليبا) ٦،وأميريكا٧،

стр. 44

والإنكليز وغيرها، ويسمون الموحدين ١ ٢

стр. 45

ثالثاً: إن بعضاً من النصارى القدماء قد كان يعتقد بأن اللاهوت هو مصاحب الناسوت مصاحبة، أوكما يقال إن الله يحل في الصالحين، وأن سيدنا عيسىكان إنساناً خالصاً١ كالأنبياء وليس إلهاً وإنسانا٢،

стр. 46

الذين قد يوجد من هؤلاء جملة ألوف وكرات١ في بلاد المشرق، في الهند والصين والعجم، وبين النهرين: بغداد وما يحوطها، وغير محلات، ويسمون نساطرة ٢.

стр. 47

رابعاً: وبالإجمال أقول: إن الذي أورده أولئك النصارى القدماء، المار ذكرهم، وخلفهم من بعدهم، من الرد والمجاوبة على مخترعي مساواة عيسى لله (تعالى) في الجوهر، لما أرادوا أن يبحثوا رأيهم في تلك السندات الضعيفة، والبيانات السخيفة١، التي نحن الآن سنورد أقواها وجوابها في هذا الباب، (لكي) ٢ يحصل منها إنتاج أيما هو الدين الصحيح. وهي قد تشتمل على ستة بيانات أصولية٣ البيان الأول عن قول يوحنا الإنجيليفي الإصحاح العاشر: "أنا والأب واحد"٤. فمن قوله أنا والأب واحد، المنسوب إلى عيسىعليه السلام، قد استنبطوا مساواة الابن (أي عيسى) [الأب] في الجوهر. فأجابهم الغير قابلين٥ هذه الزيادة: نعم إن يوحنا [الإنجيلي] قال هذا٦، إلا أن هذا القول لايفيد المساواة، لأنه (هو) أيضاً يقول

стр. 48

في الإصحاح السابع عشر في طلب السيد المسيح ودعائه: كما أنت يا ابتاه فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحدا فينا١، (هكذا) صلى ودعا (لأجل) حوارييه. فإن كان معناه٢أن قوله "أنا والأب واحد" يفيد المساواة في الجوهر، فيلزم أن يكون التلاميذ الذين قال عنهم ليكونوا واحداً فينا هم أيضاً مساوين٣ للأب والابن في الجوهر، وهذا رأي٤ شنيع٥. وأيضاً: أن يوحنا (هذا نفسه قد) استعمل لفظة واحد في رسالته الأولى الكلية في قوله:"ثلاثة شهود في السماء الأب والكلمة والروح والثلاثة هم واحد، وثلاثة شهود على الأرض الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد"٦. فنرى ٧ أنهم ثلاثة جواهر وليس هم جوهراً واحداً، لأن الروح جوهر، والماء جوهر، والدم جوهر٨ ٩

стр. 49

وأيضا قد أوضحوا لهم؛ أعني النصارى القدماء للمبتدعين: أن التوراة والإنجيل يعلمان بوحدانية الله تعالى الواحد الأحد [مراراً] كقوله: إن الله واحد١، و [قوله] "أن لا إله غير الإله الواحد"٢، و [قوله] "إله واحد الذي يفعل كل شئ"٣، و [قوله] "إله واحد أبو الكل"٤، و [قوله] "أنت تؤمن أن الله واحد"٥،"ولكي يكون إله سيدنا يسوع المسيح أبوالمجد"٦،"وإني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"٧

стр. 50

و"يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك"١. وماسمعوا من كتابهم حرفيا أن الله تعالى وحاشاه ثلاثة أقانيم ثلاثة أشخاص، ولا قرأوا في التوراة والإنجيل أن عيسى مساوٍ للأب في الجوهر. وكما قرر صابليوس ٢ في [نحو] القرن الثالث أن المقول في الإنجيل "عمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس"٣ هي أوصاف ونعوت لطبائع مختلفة، وليست أقانيم وأشخاص متساوية بالحق، [وهي] كما يقال مثال ذلك في الاستعمال "عن غير الأب الحقيقي" والابن الحقيقي: هذا أبي وهذا ابني وهذا روحي٤ ٥.

стр. 51

وهي نعوت شريفة للتبجيل أعني:؛ إضافة تبجيل١، وفي الكتاب مثل ذلك وسيأتي بيانه٢.

стр. 52

وهكذا كان اعتقاد النصارى المعاصرين له في الدهور الأولى١، المطابق لقوله تعالى في القرآن الشريف: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢ البيان الثاني استدل النصارى على أن عيسىعليه السلام سمي في الإنجيل إلهاً وابن إله، كقوله: أنت ابن الله٣، وإلهاً كان الكلمة٤، وإذا كنت أنا الرب والمعلم غسلت أقدامكم٥، وهذا ابني الحبيب٦.

стр. 53

ومن هذه الجملة وأمثالها يستنتجون: مساواة الابن (أي عيسى) للأب في الجوهر، وأنه إله بالذات [ورب] . فأجابهم نصارى تلك الأزمنة الحقيقيون١، بلسان مجمعهم قائلين: نعم إن هذه الكلمات هي موجودة في الإنجيل مع أمثالها، إلا أنها لاتفيد المساواة في الجوهر؛ لأن موسى الكليم دعي بهذه التسمية بقوله [له] في سفر الخروج، في الإصحاح السابع: قد أقمتك إلهاًلفرعون٢. و [كذلك] سليمان دعي ابن الله في سفر صموئيل الثاني٣، في الفصل السابع بقوله: وأنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً. و [كذلك] يوسف، في سفر التكوين، في الإصحاح الحادي والأربعين، [والسابع والأربعين] سمي رباً، ورزق أباه يعقوب بقوله: والمنادي ينادي قدامه أنت رب ومسلط٤، وبقوله: وارزق يوسف أباه وإخوته٥، وقيل [أيضاً] في المزمور إلى [أئمة] ٦ اليهود: إذا قلت إنكم آلهة وبنوا العلي كلكم٧،والله قام في مجمع الآلهة٨.

стр. 54

(وفي المزمور المائة والرابع والثلاثين قد قيل فيه: لأن الرب عظيم وربنا أفضل من جميع الآلهة) ١، والملائكةفي سفر أيوب دعيوا أبناء الله ٢. والشعب الإسرائيلي بوجه العموم دعي ابن الله حين قال الله لفرعون في سفرالخروج: إن اسرائيل ابني البكر أطلقه حتى يعبدني٣، وحتى إني لأقول: إن لفظة إله التي بينا، أنها كانت ينعت بها البشر نعتاً ووصفاً وإضافة قد وجدت في التوراة في اللغة العبرانية اسماً أيضاً يستعمله (كل) من يريد [لنفسه] ، كلفظة ايلياه التي إذا ترجمت إلى اللغة العربية حرفا بحرف تراها اسماً مركباً من اسمين: ايل ياه٤، أي: إله أبدي كائن٥، و [لفظة] اليشع أيضاً إذا ترجم اسمه يكون إله مخلص طايق ٦.

стр. 55

ومثل هذه (الكلمات) قد وجدت كثيرا في الكتب [القديمة] ، وما كان أحد يتصور أو يعتقد في موسىأو في خلافه المنعوتين بهذه النعوت، أنهم آلهة بالذات، أو مساوون لله تعالى في الجوهر، مع أن الآيات الخارقة المفعولة على أيديهم كان لها الأولوية أن تعطيهم ماتدعونه لعيسى١؛ أعني: الألوهية بالذات. وعدا ذلك ٢ أن هذه النعوت أعني: لفظة البنوة لله، والولادة من الله، قد تسمت بها النصارى في تلك الأزمنة في الكتاب؛ لأنهم سموا أبناء الله، ومولودين من الله، والله أبوهم، حيث يقال في إنجيل متّى: وأبوكم السماوي هو كامل٣، وقوله: وليس لكم أجر عند أبيكم السماوي٤، وكم بالحري أبوكم يعطي الخيرات٥، وقوله: ومن دون إرادة أبيكم٦، وإن أباكم واحد الذي هو في السماوات ٧.

стр. 56

وفي إنجيل لوقا يقول: وبنوا الله من أجل أنهم بنوا القيامة ١، وفي إنجيل يوحنا يقول: وأن يجمع أبناء الله المتفرقين ٢. وفي رسالة قرنيته يقول: وأنا أكون لكم أبا وأنتم تكونون لي بنين وبنات ٣، وفي رسالة غلاطية يقول: وأنتم كلكم أبناء الله بالإيمان٤. ويعقوب الحواري يقول: وحسب رحمته ولدنا ثانية٥، ويوحنا الحواري في رسالته يقول: وكل من ولده الله فما يخطئ ٦، وكل محب فهو مولود من الله٧. فهذه الشهادات وأمثالها لم يعتبرها آل السنين (والأجيال) الأولى٨، إلا إنها مثل [المقول] على المسيح [عيسى] ، وكانوا يعتقدون٩ أن عيسى يمتاز عنهم بالبكورية١٠، كما قيل

стр. 57

عنه إنه بكر كل خليقة١، وأن الله تعالى كان يظهر الآيات على يديه٢، كما [هو] محرر في الإنجيل٣، وفي أعمال الرسل ٤، ولكونه هو الشفيع٥ والوسيط ٦، وكما يفضل نبي عن نبي وصالح عن صالح، فهوفي الأولوية أحق، من كونه [مقدماً ورأساً وأخاً] ، كما قال عن نفسه: ها أنا والبنون الذين أعطانيهم الله٧، وقول بولس للعبرية: إنه مااستحى (أي عيسى) أن يسميهم٨.

стр. 58

وفي رسالته إلى أفسس قال: إنه هو رأس جسد الكنيسة، وكما [أن] الرجل هو رأس المرأة١، فكذلك المسيح هو رأس الكنيسة ٢، أعني: أن بولس يريد٣ ويستنتج من كلامه أنه كما [أن] المرأة والرجل من جوهر واحد، (فالمسيح والكنيسة من جوهر واحد) ، وكما يمتاز الرأس عن الجسد، هكذا يمتاز المسيح ويتشرفعن الكنيسة، التي هي جماعة النصارى.٤ [وبالإيجاز أقول: إن هذه التسميات قد جاءت على موجب اصطلاح اللغة اليونانية والعبرانية استعمالاً وأصولاً، لا العربية، وقد قادت النصارى إلى أن استنتجوا منها، أنّّ عيسى هو ابن بالذات لله تعالى، ومساو له في الجوهر -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وهذه الصيغة قد حرمها القرآن الشريف٥، لأن في قطع الأسباب تنقطع المسببات] .

стр. 59

البيان الثالث الذي [يظن] ١ النصارى أن به يثبتون٢ الألوهية لعيسى وهي أوصاف القدم المقولة عليه، حيث نقل عنه في إنجيل يوحنا في الإصحاح الثامن أنه قال: إني قبل إبراهيم كنت٣. وفي الإصحاح الأول قال: وهذا كان في البدء عند الله٤، وأمثاله. فنجيب: أن هذه لا يفهم منها عند النصارى (القدماء) ،الذين كانوا في القرون الأولى، أنه إله بالذات ومساولله تعالى في الجوهر، بل كانوا يفهمونها من قول سليمان، إنه قديم ومخلوق ومولود قبل صنع الجبال والآكام، لأنه أي سيدنا سليمان أنبأ عن سيدنا عيسى٥ بقوله بلسان حاله: الرب خلقني ابتداء طرقه لأعماله وقبل جميع الآكام ولدني ٦.

стр. 60

وأيضا نبينا [السيد] الأعظم١ قد ورد عنه ﷺ : بأنه مخلوق قبل الكون، وظهوره كان ضمن حساب التاريخ ٢. فإذاً: من قول سليمان الذي يرمز به إلى عيسىعلى زعمكم بأن الرب خلقه قبل أن يبدع اللجج والآكام، نعلم أنّ عيسى ليس هو فوق الأزمان ولا هو أزلي، ويتبع ذلك أنه ليس بإله (حقيقي) . وإن قلنا: إن النبوءة كانت مقولة من سليمان على جسد عيسى المخلوق، فجسدهقد كان ظهوره تحت حساب التاريخ، وليس مخلوقاً قبل الآكام كما تزعمون.٣ وأيضا داودفي هذا المعنى [في زبوره] يقول: يا رب ملجأً كنت لنا في جيل وجيل من قبل أن تكون الجبال وتخلق الأرض ٤. [وهذا يدل على أن أرواحنا مخلوقة قبل أن تخلق الأرض] ولا يفيد أننا آلهة٥أزليين، أو أنه

стр. 61

كما قيل في الرؤيا (في معنى ذلك) فيما زعموا عن يوحنا أنه سمى (المسيح) - في الإصحاح الثالث عشر- خروفاً، بقوله: الذي للخروف الذي ذبح منذ إنشاء العالم ١. وقد يعلم من هذه أيضاً أنها تفيد قصد الشئ لاوجوده، ولأن المسيح على زعمكم (الباطل) ذبح في عهد بيلاطوس٢، وليس منذ إنشاء العالم كما [زعمتم من] قول يوحنا في رؤياه? (وأيضا أقول: نعم إن سليمان قد تكلم على أن الحكمة في الله أزلية، يقول عنها من الأزل أسست، والنصارى فسروا هذه الحكمة أنها عيسى، فنحن لا نعارضهم بهذا التفسير، وأن سليمان يذكرها مراراً على معان كثيرة بعيدة عن فرضهم، حتى وفي هذه الجملة يشير أنها أسست أي مفعولة، بل نجاوبهم بأن الحكمة ليست وحدها في الله أزلية، بل جميع

стр. 62

صفاته كالقدرة والرحمة والمعرفة والسمع والبصر وما شابه ذلك، فإذا فسرت النصارى الحكمة وأنها أقنوم عيسى، فيلزم أن يكون في الإلهية أقانيم كثيرة على عدد صفاته، لأن سليمان ذاته قال: إن الله بالحكمة أسس الأرض وبالفطنة أتقن السموات، وبالمعرفة شقق اللجج ١ كما في العبراني، فهاهنا يستنتج أربعة أقانيم في إلههم وهم: الله والحكمة والفطنة والمعرفة، وقد يظهر أيضاً أن الفطنة ٢ هي أعظم من الحكمة؛ لأن بها أتقنت السماوات وبالحكمة أسست الأرض) .

стр. 63

البيان الرابع أنّ النصارى المتأخرين يستندون على أوصاف السيادة المقولة على عيسى، مستنبطين له منها الإلهية، مثل قوله في يوحنا: إن الأب لا يدين أحدًا بل أعطى الحكم كله للابن ١، و [قوله] كل شئ أعطيت من أبي ٢. [وأمثال ذلك كثير] . فأجيب: والحال أن مثل هذه الأوصاف وما يتبعها لاينبغي أن تقبل٣ (أدنى) شبهة بأن الابن غير مساو للأب في الجوهر، ولأنه يقول أعطى الحكم كله للابن و (كل شئ أعطيت من أبي) ، فيكون الأب هو المعطي والابن هو الآخذ، والأخذ للحكم ليس هومن شيم الألوهية ورتبتها، لأن رتبة الألوهية تعطي الحكم، والمسيح نفسه قد فسر ذلك لما أتبع كلامه إذ قال: لأنه ابن البشر ٤. فهذه الأوصاف (كما قررنا) لا تثبت الألوهية (بالذات) لعيسى؛ لأنه في الأول قال: إن الله تعالى أعطى له الحكم، وفي الثاني قد كشف عن الحق (كله) بقوله: لأنه ابن البشر، ولم يقل عنه: إنه يدين ويحكم بحسب طبيعته الخالقة، أو لأنه ابن الله بالطبيعة.

стр. 64

وأما قوله: (إن) من يكرم الابن فقد يكرم الأب (وقوله: ويكرمون الابن كما يكرمون الأب) ١ فهي مثل قوله: من أهانكم فقد أهانني ومن أهانني فقد أهان الذي أرسلني٢،ومن سمع منكم فقد سمع مني٣،ومن يرحم مسكينا يقرض الله ٤، وأمثال ذلك كثير.٥

стр. 65

البيان الخامس [يستند] النصارى على ماورد عن عيسى من قول بولس في العبرية١ بأنه: أي عيسى شعاع مجده وصورة جوهره ٢؛ [يعني مجد الأب] (وهذا الضمير عائد إلى لفظة الله) ، ويستنبطون من قوله شعاع مجده وصورة جوهره ٣، مساواته لله تعالى في الجوهر. فأجيب: أن هذا السند هو كالذي قبله، إذ (أنه) لا يفيد المساواة في الجوهر، لأنه قيل في سفر التكوين ما يحل هذا الإشكال فقد قال عن الإنسان أنه خلق على صورة الله، وذلك في الإصحاح الأول إذ قال: وخلق الله الإنسان كصورته ٤.

стр. 66

ثم إن بولس كتب أيضاً لقرنيته١ في الإصحاح الحادي عشر: إن الانسان صورة الله ومجده٢. وحيث إنّ لفظة صورة الله ومجده قيلت على المسيح وعلى الإنسان أيضاً، فلا تفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، (وكما تجد أقوالا كثيرة من بولس) إلى كولوسي٣ في الإصحاح الأول عن عيسى: أنه ابن (محبته٤، أي ابن) محبة الله، وأنه صورة الله ومجده، وأنه بكر كل خليقة٥، فيلزم أيضاً أن نعرف معانيها، لأنه (على) معنى قوله: إنه ابن محبة الله، فمعلوم وظاهر جداً أن ابن المحبة غير الابن الطبيعي، حسبما أكد ذلك بولس نفسه في رسالته إلى الروم، إذ أنه سمى عيسى ابن الله بالقوة، ولم يقل بالطبيعة، وأتبع ذلك٦ بقوله: حسب روح التقديس٧، أي بحيث هو مقدس سمي

стр. 67

ابن الله بالقوة، وبقوله: إنه صورة الله ومجده، وآدم أيضاً صورة الله ومجده، وبقوله: إنه بكر كل خليقة، فيكون معناه أن (المسيح) قديم ومخلوق وليس بخالق. وأما قوله الذي يتلوه: إنه به خلقت البرايا١ أعني: لأجله أو بواسطته، وقد كتب قدها ٢ للعبرانيين٣ في الإصحاح الأول: لأن به خلق العالمين ٤، لأن هذه الباء (في اليوناني) هي باء السببية الواسطية. ونبينِّا السيد الأعظم ﷺ قد ورد عنه أنه٥ لأجله خلقالوجود٦. وأثبت٧ قولي وأختمه بما أورده يوحنا (في رؤياه) ، في الإصحاح الثالث بقوله عن عيسى: إنه رأس خليقة الله ٨، أي

стр. 68

أنه أول المخلوقين، هذا على زعم كتابكم المطابق قول بولس: إنه بكركل خليقة. والنتيجة لهذا القول جميعه هوكيف أن عيسى قيل عنه١ [في كتبكم] إنه أول المخلوقات، وإنه بكر كل خليقة، وأنتم تدعون أنه خالق؟ ٢

стр. 69

البيان السادس أنّ بولس قد كتب إلى فيلبي قائلاً عن عيسى: الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله١، فعلى هذا يستندون أن عيسى عديل الله في الجوهر- تعالى شأنه-. فأجيب: أنّ هذه الجملة ٢غير كافية في اللفظ والمعنى، لأننا إذا تعقلنا جملتها فنراها٣أنها لاتفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، بل إنها تظهر المعادلة في الصورة وليس في الجوهر؛ لأنه قال عنه: إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله؛ يعني بالصورة. فهذه المعادلة [من القرائن] قد علمت بهذا الوجه المشروح، وأما بالجوهر فلم يقال عنه إنه عديل الله بالجوهر ومساويه٤. وهكذا لفظة

стр. 70

المعادلة في الاستعمال في كامل قواعد اللغات، وأنها لاتفيد إلاالوجه المقصود فقط من القرائن١، لأن بطرس الحواري أيضاً يقول في رسالته الثانية في الإصحاح الأول قولا أبلغ من المعادلة في الصورة عن الناس المؤمنين بعيسى: إنهم صاروا شركاء الطبع الإلهي٢، ويعقوب أبوالإسرائيليين٣ في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والثلاثين يقول إلى العيص أخيه: إني نظرت وجهك كوجه الله ٤، وسيدنا داودقيل عنه إنه نظير قلب الله بقوله: إني نظرت داود بن يسى رجلا نظير قلبي؛ يعني نظير قلب الله (تعالى) . وفي الإصحاح الثالث من [نبوة] إرميا (النبي) ٥ يقول [عن الله تعالى] : وأعطيكم رعاة كقلبي٦، [يعني نظير قلب الله] ، ولم يُقَل عن المقول

стр. 71

عنهم هذه الأقوال إنهم آلهة بالذات ومساوين لله تعالى في الجوهر، وكما (أنه) إذا قلنا: إن زيداً له صورة القمر فهو عديل القمر، ولا يفهم منها أن زيداًً عديل القمر بالجوهر، بل المعادلة له في الصورة١. (وعلى هذا المثال تفهم تلك الجملة التي هي٢ قوله الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله، ويستفاد منها أن المعادلة بالصورة وليس بالجوهر)

стр. 72

(وأيضاً نقول: وإن فسروا ذلك بالناسوت١ فلا ينطبق معهم هذا التفسير؛ إذ أنّ الناسوت كان مأخوذا على زعمهم وليس آخذاً، وبولس عزا٢ الإعطاء إلى الآخذ لا إلى المأخوذ، أي أن الذي أفرغ ذاته وأخذ صورة عبد هو الذي رفعه الله ووهبه اسماً يفوق كل اسم٣) ٤.

стр. 73

(فإذاً ينتج من كل ماشرحناه: أن يسوع الإنسان السيد الشريف الآخذ صورة عبد، أعني المتصف١بالذل والتواضع، هو الذي أعلاه الله إعلاءً.٢ (تنبيه) ٣: اعلم أنّ الذين تنصروا في [ابتداء] الديانة النصرانية كانوا مركبين من يهود ومن عبدة الأصنام، فالبعض من علماء عبدة الأصنام [من] المتنصرين إذا سمعوا٤ الإنجيل يقول عن المسيح: إنه إله وابن إله، فكانوا

стр. 74

يتصورون١ أنه إله [بالذات] كالزهرة والمشتري ٢، كما ظنوا٣ في بولس وبرنابا أنهم آلهة، ولقبوا بولس بهرمس٤ وبرنابا بالمشتري٥، كما خبرهم شاع في [كتاب] الابركسيس ٦. وأما علماء اليهود المتنصرين إذا سمعوا٧ الإنجيل يقول عن المسيح في الإنجيل: إنه إله وابن إله، فكانوا يعتقدون فيه كموسى وكباقي المسميين آلهة ٨، وأنهم مخلوقون وليسو بخالقين٩، لأنهم لم يسمعوا في الإنجيل في أسمائه المكتوبة [والمنبئة] عنه، ولا في التوراة اسماً (صريحاً) من

стр. 75

الأسماء المختصة بذات الله ، مثل [اسم] ياهوفا١ مفردة?، [واسم] اهيه اشيراهيه٢ الذي لم يطلقا إلا على الله تعالى بالذات، بل كانوا [يرون] أنه من الأسماء المشتركة التي كانت تقال على الخالق وعلى المخلوقين كألوهيم ٣ [وأدوناي] ٤ وأيلواه ٥، وأمثالهما.
следующие страницы →