← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7566

البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر

الشوكاني

Полный текст (189 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر تأليف: محمد بن علي الشوكاني تحقيق: عبد الكريم بن صنيتان العمري الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيِّد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الله تعالى خلق الإنسان ليعبده وحده لا شريك له، كما قال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وعبادة الله - تعالى- تتمثل في تنفيذ أوامره، وامتثالها، واجتناب نواهيه، والبعد عن محارمه، والتأدب بالآداب الإسلامية الفاضلة، والتحلي بالأخلاق الحميدة النبيلة، وقد جاء كل ذلك موجها إلى المؤمن، ومخاطبا به، في آيات القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله ﷺ ، فقد تضمن هذان الأصلان (الكتاب والسنة) التكاليف الشرعية التي-أُمِر بها المسلم، وألزم بتنفيذها. وضمانًا لامتثال ذلك كله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب؛ لتبليغ شرع الله إلى خلقه، ومن أجل أن يقوم الإنسان بالمهمة الجليلة

стр. 2

التي خلق. من أجلها، ميَّزه الله- تعالى- عن سائر المخلوقات، فوهبه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر، والنافع والضار، والحسن والقبيح. فالعقل هو آلة التمييز والتفريق، ووسيلة الفهم والإدراك، أحاطه الشارع بسياج متينة، فجعله مناط التكليف في العبادات كلها يدور معه التكليف! وجودا وعدما، وذلك أمر ثابت في الشرع، ومعلوم من الدين بالضرورة. فقد أشارت الكثير من الآيات القرآنية- التي خوطب بها المكلفون- إلى نعمة العقل ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١ ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٢ ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣ وذمَّ الله تعالى أولئك المعرضين عن التفكر بمخلوقات الله، الذين استخدموا عقولهم في غير ما كلفوا به ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤. لذلك كله فإن الشريعة الإسلامية حرصت أشدَّ الحرص على حفظ العقل، وصيانته، وحمايته من كل ما يخل به، أو يتسبب

стр. 3

إزالته، كما أكدتْ على وجوب حفظ الضرورات الأربع الأخرى: الدين، النفس، العرض، المال. وإذا حفظ المرء عقله وحافظ عليه، وصانه عن كل ما يخدشه، أو يغيره، سهل عليه القيام بما كلف به، وفهم الخطاب الموجه إليه، وقام به على أكمل وجه، فيحفظ دينه، ويحافظ على نفسه، ويستبسل في الدفاع عن عرضه، ويحرص على إنفاق ماله في الوجوه المشروعة. أما إذا أهمل العقل وضيعه، واستعمله فيما لا ينفعه، فإن انحرافه عن جادة الصواب قريب، ووقوعه في مزالق الرذيلة وشيك. إن العبث بالعقل، وإفساده، جريمة كبيرة تعد من أفظع الجرائم، وإن من أعظم الوسائل التي تفسد العقل، وتغيره، تعاطي المسكرات أو المخدرات، إذ إن تناولها يؤدي إلى تغطية العقل، وحجبه عن أداء واجبه الذي خلق من أجله، فلا يعرف ماهيته في هذه الحياة، ولا يدرك وظيفته فيها، فيكون بذلك قد فرط في المحافظة على إحدى الضرورات التي أمر بصيانتها، والعناية بها، وعدم الاعتداء عليها. إن ذلك الفرد الذي اعتدى على عقله، وغيَّره عن صورته الحقيقية التي خلق عليها، يعد واحدًا من أفراد المجتمع، ولبنة من لبناته، يمثل مع غيره المجتمع بأسره، الذين باستقامتهم يستقيم المجتمع، وبصلاحهم تسعد الأمة الإسلامية، وتكون قوة ضاربة تقف في وجه أعدائها المتربصين بها من كل جانب. لقد حرص أعداء الأمة الإسلامية شرقا وغربا، وفي كل مكان، على إفساد هذه الأمة، وهدم كيانها، وشلِّ حركتها، والقضاء عليها،

стр. 4

فبعد أن فشلوا في القضاء عليها بالقوة العسكرية، ابتكروا طرقا أخرى؛ لضربها من حيث لا تشعر، فجندوا كافة إمكانياتهم، وسخروا كل مبتكراتهم الحديثة، لتسهيل مهامهم الخبيثة، وتنفيذ مخططاتهم الماكرة، من خلال شنِّهم لغاراتهم المتلاحقة؛ لإفساد شباب هذه الأمة، ونخر أجسامهم وعقولهم؛ حتى يصبحوا لقمة سائغة لهم. وقد تمثلت محاولة إفسادهم لشباب المجتمع المسلم، بضرب كل ميدان ومرفق من مرافق المسلمين، بغزوٍ نشط ومكثف من جميع الاتجاهات، ومن كل النواحي: الثقافية، والأخلاقية، والفكرية. ولعل سلاح المسكرات والمخدرات الذي صدَّروه إلى كافة المجتمعات الإسلامية، وتفنَّنوا في إرساله بشتى الصور، ومختلف المسمَّيات، هو من أكبر الأخطار المحدقة بالأمة، والتي تواجهها الشعوب الإسلامية، محاولة من أعدائها للقضاء على دينها، وأخلاقها، ومواردها. ولقد هبَّ المخلصون والناصحون من أبناء هذه الأمة - كل في زمنه - لمواجهة هذا الداء الوبيل، وذلك الخطر المستشري، الذي بدأ يفتك بشبابها، فسخروا كل إمكانياتهم، وأمضوا أوقاتهم في بث الوعي الإسلامي بين الشباب، وبيان ذلك الخطر القادم إليهم، الهادف إلى استئصالهم والقضاء عليهم. وكتب العلماء المتقدمون والمعاصرون الكثير من الرسائل والمؤلفات، بيَّنوا فيها الأضرار الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، الناتجة عن استعمال المسكرات والمخدرات، وأوضحوا الأدلة الشرعية

стр. 5

لمحرمة لها، كل منهم بحسب ما كان موجود في عصره منها. ومن أولئك العلماء الأخيار الذين أسهموا في الكتابة عن هذا الموضوع، العلامة محمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة (١٢٥٠ هـ) ، حيث صنف كتابه هذا: [البحث المسفِرُ عن تحريم كل مُسْكر ومفتِّرٍ] . وهو كتاب قيِّم ومفيد، أورد فيه المصنف ﵀ الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم المسكرات والمخدرات، ونقل فيه أقوال المتقدمين، وأدلتهم في تحريم أنواع أخرى من المخدرات، كما ذكر فيه حكم البيع والاتجار في ذلك. وقد عثرت على هذا الكتاب في إحدى زياراتي لمكتبة الحرم المكي الشريف، فأحببت أن أسهم في إخراجه إلى الإخوة القراء، وتزويد المكتبة الإسلامية بواحدٍ من أهم المصادر التي تحتاجها في هذه الحقبة من الزمن، ولاسيما أنه لواحد من العلماء المبرزين، والجهابذة المشهورين في مجال التأليف والتصنيف. أسأل الله تعالى أن يجنِّب هذه الأمة وشبابها كيد الكائدين، ومكر الماكرين، ويعيد لها عزّتها وكرامتها وسؤددها. كما أسأله تعالى أن يحفظ على هذا البلد دينه، وأمنه، واستقراره، ويصدَّ عنه كل سوء ومكروه، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه: أفقر العباد إلى الملك الجواد عبد الكريم بن صنيتان بن خليوي العمري الحربي غرة شهر رجب الفرد عام (١٤١٤هـ) . في: الحناكية - المدينة المنورة

стр. 6

القسم الدراسي الفصل الأول: دراسة حياة المصنف المبحث الأول: اسمه ونسبه ... تمهيد: (مصادرة ترجمة الإمام الشوكاني) يعتبر العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - واحدا من أبرز العلماء الذين ظهروا في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، وبدأ مرحلة العلم والتعلم، ونشر العلوم الإسلامية، حتى أصبح علمًا من الأعلام الذين ذاع صيتهم، وانتشرت علومهم، حتى احتل منزلة مرموقة، ومكانة عالية في الإفتاء، والتدريس، والتصنيف، واستمر حتى منتصف القرن الثالث عشر، لذلك استحق تقدير معاصريه ومن بعدهم بشخصيته الفذة، فاهتم به المؤرخون والباحثون، ودرسوا حياته، وترجموا له في كتبهم، مع غيره من مشاهير العلماء، بل أفرد بعضهم دراسة خاصة، ومؤلفا مستقلا للحديث عن شخصيته، وحياته العلمية. ومن خلال تتبعي للمصادر التي ترجمت له، وجدت أن الكتابة عنه جاءت على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أفرد بعض الكتَّاب والباحثين، مصنَّفا خاصَّا، تناولوا فيه سيرته، وحياته العلمية من جميع الجوانب، ومن هذه المصنفات: أولا: (التِّقصار، في جيد زمن علاَّمة الأقاليم والأمصار، ومشايخه

стр. 7

وتلاميذه ذوي الافتخار) .١ تأليف: القاضي محمد بن حسن الشجني، الذماري، المتوفى سنة (١٢٨٦هـ) . ولا يزال الكتاب مخطوطا، ومنه نسخة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء. ثانيا: (شيخ الإسلام، المجتهد، محمد بن عن الشوكاني اليماني) . تأليف: قاسم غالب، طبع بالقاهرة، سنة (١٣٨٨هـ) . ثالثا: (الشوكاني المفسِّر) . تأليف: د. إبراهيم توفيق الدِّيب، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر، (١٣٩٦ هـ) . رابعا: (الإمام محمد بن علي الشوكاني، أديبا، شاعرا) . تأليف: د. أحمد بن حافظ الحكمي. الرياض. خامسا: (الإمام الشوكاني مفسِّرا) . تأليف: د. محمد بن حسن الغماري. (١٤٠١هـ) ، جدة. سادسا: (الإمام الشوكاني، حياته وفكره) . تأليف: د. عبد الغنى الشرجي (١٤٠٨هـ) . مؤسسة الرسالة.

стр. 8

سابعا. (منهج الإمام الشوكاني في العقيدة) . رسالة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. للطالب: عبد الله توموك، مطبوعة بالآلة الكاتبة. القسم الثاني: هذا النوع من الترجمة يأتي مصدَّرًا في بداية كل مصنَّف من مصنفاته المطبوعة، فكلما أخرج أحد الباحثين مؤلفا من مؤلفات الشوكاني المخطوطة، كتب في مقدمته دراسة عن حياة الشوكاني، وتختلف هذه الكتابة من محقق لآخر، من حيث القوة، والجودة في الأسلوب. ولعل أحسن من كتب- عن حياة الإمام الشوكاني - من هذا القسم، الدكتور. إبراهيم هلال، محقق كتاب (قطر الولي) ، وقد استفاد منه بعض أولئك الذين أفردوا دراسته بمؤلف مستقل. غير أن بعضهم لم يشر إلى ذلك. القسم الثالث: كُتُب ومصادر التراجم العامة، والتي تشمل التعريف بالأعلام والعلماء المشهورين، دون الإطناب أو الاسترسال - في الغالب - في ذكر كل ما يتصل بالشخص المترجم له، ومن هذه المصادر التي ترجمت له١: * البدر الطالع: ٢ / ٢١٤- ٢٢٥، حيث ترجم الشوكاني لنفسه.

стр. 9

* النَّفس اليماني: ١٧٦- ١٧٨. * أبجد العلوم: ٣/ ٢٠١- ٢١١. * التاج المكلَّل: ٤٤٣- ٤٥٨. * إيضاح المكنون: ١/ ١١، ١٥، ٢٠، ٥٨، وغيرها. * هدية العارفين: ٢/ ٣٦٥- ٣٦٧. * الرسالة المستطرفة: ١١٤. * زعماء الإصلاح في العصر الحديث: ٢٣- ٢٥. * المجددون في الإسلام: ٤٧٢- ٤٧٥. * نيل الوطر: ٢/ ٢٩٧- ٣٠٢. * الأعلام: ٦/ ٢٩٨. * فهرس الفهارس: ٢/ ١٠٨٢- ١٠٨٨. * معجم المؤلفين: ١١/ ٥٣- ٥٤. * المدارس الإسلامية في اليمن: ٢٦٥- ٢٦٦. * تاريخ اليمن الثقافي: ٢/ ٢٧٥- ٢٧٦. * مصادر تاريخ اليمن في العصر الإسلامي: ٢٩٤- ٢٩٥. * مصادر الفكر الإسلامي في اليمن: ٢٤٢- ٢٤٣.

стр. 10

المبحث الأول: (اسمه ونسبه) هو العلامة، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، الشوكاني، ثم الصنعاني. فـ: محمد: اسمه. و: علي: اسم والده، علي بن محمد بن عبد الله، وكانت ولادة أبيه سنة (١١٣٠هـ) ، بهجرة (شوكان) في اليمن، ثم ارتحل إلى (صنعاء) ؛ لطلب العلم، فقرأ على جماعة من علمائها، حتى برع في علم الفقه، والفرائض، على مذهب الزيدية، ثم تولى القضاء ب (صنعاء) ، إضافة إلى الإفتاء، والتدريس، واستمر بها إلى أن مات ليلة الاثنين ٤/ ١١/١٢١١هـ، وكان قد ترك القضاء قبل موته بسنتين١. الشوكاني: نسبة إلى (شوكان) ، مكان ولادته٢، وهى قرية

стр. 11

من قرى اليمن١، بالقرب من (ذمار) الواقعة في وسط اليمن إلى الجنوب من (صنعاء) ، على بعد مائة وعشرة كيلو مترات٢. و (شوكان) في الوقت الحاضر عبارة عن خراب وأنقاض، وفيها مآثر حميرية٣. الصنعاني: نسبة إلى (صنعاء) عاصمة اليمن، حيث استوطنها والده قبل ولادة ابنه (المصنِّف) ، لكنه خرج إلى وطنه القديم (هجرة شوكان) في أيام الخريف، فولد له صاحب الترجمة هنالك٤.

стр. 12

المبحث الثاني: (مولده) اختلف المترجمون له في تحديد تاريخ ولادته: فقد جزم أكثرهم بأنها كانت في عام (١١٧٣هـ) ١. وذكر بعضهم أن ولادته كانت سنة (١١٧٢هـ) ٢. وقال صاحب كتاب (أبجد العلوم) ٣: وجدت على ظهر كتابه (الدراري المضيّة) ، أن مولده، كان عام سبع وسبعين ومائة وألف. ولا شك أن القول الأول أرجح الأقوال، وأصحها، فقد ذكر العلامة الشوكاني، تاريخ ولادته في كتابه (البدر الطالع) ٤ عند ترجمته لنفسه، فقال: ولد- حسبما وجد بخط والده- قي وسط نهار

стр. 13

يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (١١٧٣هـ) ، فلا مجال -إذًا- للاختلاف في تاريخ مولده، بعد أن أثبت هو ذلك، ونصَّ عليه١.

стр. 14

المبحث الثالث: (نشأته وحياته العلمية) لو أمعنا النظر في نشأة العلامة الشوكاني، لوجدنا أنه نبغ وترعرع في بيت عريق في العلم والصلاح، فهو من أسرة عرفت بالنجابة، وكان لها في ابن منزلة كبيرة، فمنها علماء، ودعاة، وأدباء، وللكثير من أبنائها أياد طولى في الإصلاح والإفتاء والتدريس، ويأتي في مقدمتهم والده، الذي تولى قضاء (صنعاء) ، وكان كبير رجال الإفتاء والتدريس فيها١. فبعد أن حفظ - المصنف الشوكاني - القرآن، وجوَّده على جماعة من معلميه، ومشايخه في مدينة (صنعاء) ، وهو في طفولته، وحفظ عددا من المختصرات في الفقه، واللغة وغيرهما، وحرص على مطالعة كتب التواريخ، ومجاميع الأدب٢، شرع في طلب العلم، حيث وجد بيئة علمية مناسبة، تعلمه العلوم المختلفة، فكان يختلف إلى حلقات كبار المشايخ، والعلماء في (صنعاء) ، ولم يرحل إلى غيرها من المدن الأخرى طلبًا للعلم؛ وذلك لأعذارٍ لم تسمح له بالخروج منها،

стр. 15

أحد تلك الأعذار، عدم الإذن من الأبوين، كما ذكر ذلك١ وقد أشار الشوكاني ﵀ إلى سبب آخر، ثناه عن الرحلة في طلب العلم، حيث قال في كتابه (فتح القدير) ٢: ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم، إثما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه، في الحضر من غير سفر. وقد استنبط هذا السبب من مفهومه لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٣. وقد طبَّق ﵀ هذا الفهم لحيثيات الرحلة، وبعد تردده في القيام بها، أو الإحجام عنها، استقر رأيه على البقاء داخل اليمن ٤. وهكذا نجد أنه آثر ملازمة كبار العلماء، والمشايخ في مدينته، فبدأ بقراءة كتب الفقه على والده، ثم على علماء عصره البارزين، وكانت (صنعاء) إذ ذاك زاخرة بالعلماء والأدباء، الذين أثروا علمه وثقافته ٥. وقد ذكر الشوكاني أسماء أساتذته الذين لازمهم، وأنواع العلوم

стр. 16

التي تلقَّاها عنهم، وقرأها عليهم في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والأدب، والمنطق وغيرها. يقول الشوكاني ﵀ بعد أن ذكر مشايخه والعلوم التي أخذها عنهم -: هذا ما أمكن سرده من مسموعات صاحب الترجمة، ومقروءاته، وله غير ذلك من المسموعات، والمقروءات، وأما ما يجوز له روايته، بما معه من الإجازات فلا يدخل تحت الحصر١. وبذلك يتضح لنا أنَّه قد درس دراسة واسعة، واطَّلع اطلاعا يندر أن يحيط به غيره، وقد أعانته الثقافة الواسعة والعميقة، وذكاؤه الخارق، إلى جانب إتقانه للحديث الشريف وعلومه، على الاتجاه وجهة اجتهادية، وخلع ربقة التقليد، وهو دون الثلاثين، وكان قبل ذلك على المذهب الزيدي، وصار علمًا من أعلام الاجتهاد، ومن أكبر الدعاة إلى ترك التقليد، وأخذ الأحكام اجتهادًا من الكتاب والسنة، وقد أحسَّ بوطأة الجمود، وجناية التقليد الذي ران على الأمة الإسلامية من بعد القرن الرابع الهجري، وأثر ذلك كله في زعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس بعض الناس، واعتناق البدع والاعتقاد في الخرافات، وشيوعها، وتحلل بعض الناس من التعاليم الدينية، وانكبابهم على الموبقات والمنكرات، مما جعله يشرع قلمه ولسانه في وجه الجمود، والتقليد، فيعمل جاهدا على محاولة تغيير هذه الأوضاع، وتطهير تلك العقائد٢، فكتب عدة

стр. 17

رسائل في ذلك، ضمَّنَها دعوته إلى عقيدة السلف، وتطهيرها وتنقيتها من مظاهر الشرك والبدع، ونبذ التقليد، ومن تلك الرسائل١: ١- شرح الصدور في تحريم رفع القبور. ٢- التحف في الإرشاد إلى مذاهب السلف. ٣- الدر النَّضيد في إخلاص كلمة التوحيد. ٤- القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. وبالجملة فإن الشوكاني- ﵀ يُعدُّ من أبرز العلماء المجدِّدين، والمجتهدين في العصر الحديث، وأحد كبار الأئمة الذين شاركوا في إيقاظ الأمة الإسلامية في هذا العصر٢.

стр. 18

المبحث الرابع (شيوخه) : ذكرت فيما سبق أن الإمام الشوكاني- ﵀ نشأ في مدينة (صنعاء) ، وتلقى على أيدي علمائها البارزين مختلف أنواع العلوم، وقد كانت إذ ذاك، مكتظة بالعشرات من جهابذ العلماء، وكانت المساجد تغص بالحلقات الدراسية المتنوعة، التي تُعقد في رحابها. لقد حرص على ملازمة أولئك العلماء، وزاحم أقرانه من طلبة العلم على الحضور إلى الصفوف الأُوَل من تلك الحِلَق، لينهل من مناهلها العذبة، وليستقى من معينها الذي لا ينضب، فكان لذلك كله أثر في نضوج فكره، وتكوينه العلمي والثقافي. ومن أبرز مشايخه الذين تلقى عنهم: ١- أحمد بن عامر، الحدائي، الصنعاني، ولد سنة (١١٢٧هـ) ، قرأ عليه الشوكاني (الأزهار) ، وشرحه، والفرائض، كان زاهدا، متقللا من الدنيا، مواظبا على الطاعات، يغضب إذا بلغه ما يخالف الشرع، مات سنة (١١٩٧هـ) ١. ٢- أحمد بن محمد بن أحمد بن مطهر، القابلي، الحرازي، ولد سنة (١١٥٨هـ) ، قرأ عليه في الفقه، والفرائض، ووصفه

стр. 19

الشوكاني بأن له قدرة على حسن التعبير، وجودة التصوير، مع فصاحة لسان، ورجاحة عقل، وجمال صورة، مات سنة (١٢٢٧ هـ) ١. ٣- إسماعيل بن حسن بن أحمد الصنعاني، ولد سنة (١١٢٥هـ) تقريبا، وقرأ عليه (مُلْحة الإعراب) ، وشرحها، وكانت له مشاركة قوية في علم الصرف والمعاني، والبيان، والأصول. مات سنة (١٢٠٦هـ) ٢. ٤- الحسن بن إسماعيل بن الحسين المغربي، ولد سنة (١١٤١هـ) تقريبا، قرأ عليه (تنقيح الأنظار) في علوم الحديث، وبعض (صحيح مسلم) ، وبعض شرحه للنووي، و (سنن أبي داود) وغير ذلك، وكان زاهدا، ورعًا،. عفيفًا، متواضعًا، مات سنة (١٢٠٨ هـ) ٥- عبد الرحمن بن حسن الأكوع، ولد سنة (١١٣٥هـ) ، قرأ عليه أحد كتب الحديث، وقال عنه الشوكاني: كان شيخ الفروع، ومحققها، وكان يحضر درسه جماعة نحو الثلاثين والأربعين، مات سنة (١٢٠٦ هـ) ٤. ٦- عبد الرحمن بن قاسم المداني، ولد سنة (١١٢١هـ) ، أخذ عنه في (شرح الأزهار) ، وكان زاهدا، حسن الأخلاق، عفيفا،

стр. 20

جميل المحاضرة، راغبا في الفوائد العلمية، مات سنة (١٢١١هـ) ١. ٧- عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر، ولد سنة (١١٣٥هـ) ، قرأ عليه بعض (جمع الجوامع) وشرحه، وبعض (الصحاح) ، وبعض (القاموس) ، وبعض (منظومة الزين العراقي) ، في المصطلح، وغير ذلك، وقد بالغ الشوكاني في الثناء عليه، من مصنفاته: (شرح نزهة الطرف) ، (فلك القاموس) ، مات بصنعاء سنة (١٢٥٧هـ) ٢. ٨- عبد الله بن إسماعيل بن حسن النَّهمي، ولد بعد سنة (١١٥٠هـ) ، قرأ عليه (شرح كافية ابن الحاجب) ، و (قواعد الإعراب) ، وشرحها للأزهري، وغير ذلك وتبادل معه الشعر، وكان بارعًا في علوم العربية، مات سنة (١٢٢٨ هـ) ٣. ٩- عبد الله بن الحسن بن علي الصنعاني، ولد سنة (١١٦٥هـ) ، قرأ عليه (شرح الجامي) وكان نابغة في التفسير، والحديث والفقه وغير ذلك، مات سنة (١٢١٠هـ) ٤. ١٠- علي بن إبراهيم بن علي الصنعاني، ولد سنة (١١٤٥هـ) ، سمع

стр. 21

منه (صحيح البخاري) كاملاً، وأخذ عنه الطلبة في فنون متعددة، وله شعر جيد، مات سنة (١٢٥٧هـ) ١. ١١- علي بن محمد الشوكاني، والده، تقدم٢. ١٢- علي بن هادي بن عرهب الصنعاني، ولد سنة (١١٦٤هـ) ، قرأ عليه في (شرح التلخيص) ، وفي حواشيه، كان بارعا في النحو، والصَّرف، والأصول، والحديث، والتفسير، مات سنة (١٢٣٦هـ) ٣. ١٣- القاسم بن يحيى الخولاني، ولد سنة (١١٢٦هـ) ، قرأ عليه (الكافية) في النحو، وشرحها،، وحواشيها، و (الشافية) في الصرف، وشرحها، و (التهذيب) في المنطق، وشرحه، و (تلخيص المفتاح) ، وشرحه، وغير ذلك، قال عنه: لم تر عيناي مثله في التواضع،، وعدم التلفت إلى مناصب الدنيا مع قلة ذات يده، وكثرة مكارمه، مات سنة (١٢٠٩ هـ) ٤. ١٤- هادي بن حسن القارني، ولد سنة (١١٦٤هـ) ، قرأ عليه (شرح الجزرية) ، وفي (المُلحة) ، وشرحها، وسمع من الشوكاني (نيل الأوطار) ، وبعض (صحيح البخاري) ، فهو أستاذ الشوكاني، وتلميذه في آن واحد، وقد برع في علم

стр. 22

القراءات، والفقه، مات سنة (١٢٣٨هـ) ١. ١٥- يحيى بن محمد بن علي الحوثي، ولد سنة (١١٦٠هـ) ، قرأ عليه في الفرائض، والوصايا، والمساحة وغيرها، مات سنة (١٢٤٧ هـ) ٢. ١٦- يوسف بن محمد بن علاء الدين، المزجاجي، ولد سنة (١١٤٥ هـ) تقريبا، قال الشوكاني: سعت منه، وأجازني لفظا بجميع ما يجوز له روايته، ثم كتب لي إجازة، مات سنة (١٢١٣ هـ) ٣.

стр. 23

المبحث الخامس (تلاميذه) لم تمنع ملازمة الشوكاني أساتذته، وتردده على حلقاتهم الدراسية، أن يقوم بعد انتهاء دروسهم، بعقد حلقات دراسية أخرى، يكون فيها هو المدرِّس، فيلقي أثناءها أنواعًا من العلوم والمعارف، فيكون في اليوم ذاته، متعلمًا ومعلِّما، وربما درَّس بعض الكتب، وشرحها لتلاميذه، قبل أن يكمل هو قراءة ذلك الكتاب، وإكمال مادته العلمية على أستاذه. يقول الشوكاني في ترجمة شيخه (إسماعيل بن الحسن) ١: فقرأت عليه (مُلحة الإعراب) ، وشرحها.... وقد تصدَّرت للتدريس في (الملحة) ، وشرحها قبل الفراغ من قراءتها عليه٢. ويؤكد هذا بقوله - أيضا عند ترجمته لنفسه -: وكان يبلغ دروسه في اليوم والليلة، إلى نحو ثلاثة عشر درسًا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته٣. وهذا يدل على عبقريته، ونبوغه الفكري المبكر، حيث كانت

стр. 24

لديه القابلية الكاملة للتعلم والتعليم في وقت واحد، الأمر الذي جعله مقصدا لكثير من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه في (صنعاء) ؛ للإفادة من علمه الغزير، فقد كان يعقد ثلاث، عشرة حلقة دراسية لتلاميذه في اليوم والليلة، يلقي عليهم فيها مختلف المواد، خلاف ما كان يرد إليه من الفتاوى والأسئلة التي يحرر أجوبتها، وغير ما يصنفه من الكتب والرسائل الأخرى، فضلا عن عمله اليومي كقاض يفصل بين الناس في خصوماتهم. يقول رحمه الله١: وكنت أدَرِّس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسا، منها ما هو في التفسير ... ، ومنها ما هو في الأصول ... ، ومنها ما هو في المعاني والبيان....، ومنها ما هو في النحو....، ومنها ما هو في الفقه ... ، ومنها ما هو في الحديث....، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى، ويمكن من التصنيف. إن اهتمام الشوكاني ﵀. بالعلم لم يكن مقتصرا على طلبه وتحصيله فقط؛ بل كان حريصا على نشره بين الطلبة، دؤوبًا على إيصاله إليهم، ولذلك كان محَطَّ رحال طلاب العلم الذين قصدوه من كل مكان، فجلسوا بين يديه، ولازموه ملازمة الظل لصاحبه، حتى ارتووا من علومه، ومن ثم أوصلوها إلى من بعدهم. وقد أوصل بعضهم عدد تلاميذه إلى اثنين وتسعين تلميذا٢،

стр. 25

وقد أشار الشوكاني ﵀ عند ترجمته لبعضهم إلى المواد التي أقرأها إياهم، والتي سمعوها منه. وفيما يلي ذكر أبرز تلاميذه، مع ذكر شيء من المواد التي أخذوها عنه: ١- أحمد بن حسين الوزَّان، ولد سنة (١١٨٦هـ) ، قرأ على الشوكاني (الصحيحين) ، و (سنن أبي داود) ، وكثيرا من مؤلفاته، وكان قويَّ الحفظ، جيد الفهم، مات في طريق عودته من الحج سنة (١٢٣٨هـ) ١. ٢- أحمد بن محمد بن علي بن محمد الشوكاني، وَلَده، تولى قضاء صنعاء، قرأ عليه بعض المختصرات، من مصنفاته (كشف الريبة في الزجر عن الغيبة) ، مات سنة (١٢٨١هـ) ٢. ٣- حسن بن أحمد بن يوسف الرباعي، ولد سنة (١٢٥٠هـ) ، تقريبا، أخذ عنه في علم التفسير، والسنَّة، والبيان، وكثير من مؤلفاته، من مصنفاته (فتح الغفار، المشتمل على أحكام سنة نبينا المختار) . مات سنة (١٢٧٦هـ) ٣. ٤- حسين بن علي بن صالح العماري، ولد سنة (١١٧٥هـ) ، قرأ عليه (شرح الرضي على الكافية) ، و (مغني اللبيب) ، وقرأ عليه في أصول الفقه، وله نظم جيِّد، مات سنة (١٢٢٥هـ) ٤.

стр. 26

٥- عبد الحق بن محمد فضل الله المحمدي الهندي، الشيخ المعمَّر، أجاز له الشوكاني مشافهة ومكاتبة، وهو الذي نشر تراث الشوكاني في الهند، مات في سفره للحج سنة (١٢٨٨هـ) ١. ٦- عبد الرحمن بن يحيى بن أحمد الآنسي، ولد سنة (١١٦٨هـ) ، كتب إلى الشوكاني رسالة فيها عدة أسئلة، فأجاب عليه برسالة سماها، (طيب النشر في جواب المسائل العشر) ٢، قال عنه الشوكاني: استفاد بصافي ذهنه الوقاد، ووافي فكره النقاد علوما جمة، فهو أحد أعيان العصر، وقد تبادلا الشعر والنظم، مات سنة (١٢٥٠هـ) ٣. ٧- عبد الله بن علي بن عبد الله الجلال، ولد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، قرأ على الشوكاني كثيرا من كتب الحديث وشروحها، وهو حادُّ الذهن, جيد الفهم، حسن الإدراك، وله شعر بديع، مات سنة (١٢٤٢هـ) ٤. ٨- عبد الله بن عيسى بن محمد الكوكباني، ولد سنة (١١٧٥هـ) ، مؤرخ، أديب، قرأ عليه في الحديث، واللغة، وغيرهما، من مصنفاته (الحدائق) في التراجم. مات سنة (١٢٢٤ هـ) ٥.

стр. 27

٩- عبد الوهاب بن حسين بن يحيى الديلمي، ولد سنة (١٢٠١) ، قال عنه الشوكاني: سمع عليَّ أوائل كتب لا أحصي عددها، ولا أذكر أسماءها لكثرتها، وقد امتدح الشوكاني براعته في الفهم والحفظ، لكن ذبح نفسه بسكين، سنة (١٢٣٥ هـ) ١. ١٠- علي بن محمد بن علي الشوكاني، وَلَدُه, ولد سنة (١٢١٧) ، قرأ على أبيه في كتب الحديث، و (شرح المنتقى) ، و (فتح القدير) ، وغيرهما، من مصنفاته (القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد) ، مات سنة (١٢٥٠هـ) ، قبل موت أبيه بشهرين وقيل بأشهر٢. ١١- لطف الله بن أحمد جحاف، ولد سنة (١١٨٩هـ) ، مؤرخ، أديب، قرأ على الشوكاني في النحو، والصرف، والمنطق، والمعاني، والبيان، والأصول، والحديث، من مصنفاته (درر نحور الحور العين) في التراجم، و (قرة العين بالرحلة إلى الحرمين) ، مات سنة (١٢٤٣هـ) ٣. ١٢- محسن بن عبد الكريم بن أحمد الصنعاني، ولد سنة (١١٩١هـ) ، قرأ على الشوكاني (شرح الرضى على الكافية) ، و (مغني اللبيب) ، و (الكشاف) وحواشيه، وكان نابغة في الشعر،

стр. 28

فنظم الباب الأول من (مغني اللبيب) ثم شرَحَه، مات سنة (١٢٦٦ هـ) ١. ١٣- محمد بن أحمد بن سعد السودي، ولد سنة (١١٧٨هـ) ، قرأ عليه في (مُلحة الإعراب) وشرحها، و (الكافية) وشرحها، و (مغني اللبيب) ، و (الشافية) وشرحها، و (جامع الأصول) ، وغير ذلك. مات سنة (١٢٣٦هـ) ٢. ١٤- محمد بن أحمد بن محمد الشاطبي، ولد سنة (١٢١٠هـ) ، قرأ عليه (صحيح البخاري) ، و (الكشاف) ، و (شرح الرضى) ، و (السيل الجرار) ، وله كتاب في الطب، وآخر في الفرائض، مات بالحديدة سنة (١٢٥٥هـ) ٣. ١٥- محمد بن حسن السماوي، ولد بعد سنة ١١٧٠هـ) ، قرأ على الشوكاني في الصرف، والنحو، والمنطق، والمعاني، والبيان، والأصول، والحديث، والفقه٤. ١٦- محمد بن حسن بن علي الشجني الذماري، ولد سنة (١٢٠٠هـ) ، أجازه الشوكاني إجازة عامة، وقد صنف كتاب (التقصار) ، المتقدم ذكره٥، ذكر فيه حياة وسيرة

стр. 29

أستاذه الشوكاني، مات سنة (١٢٨٦هـ) ١. ١٧- محمد عابد بن أحمد بن علي السندي، فقيه حنفي، عالم بالحديث، قرأ على الشوكاني، واستفاد منه ولازمه، من مصنفاته (المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة) ، (ترتيب مسند الإمام الشافعي) ، (منحة الباري بمكررات البخاري) ، مات بالمدينة المنورة سنة (١٢٥٧ هـ) ٢. ١٨- محمد بن علي بن حسين العمراني، من علماء الحديث، ولد سنة (١١٩٤هـ) ، قرأ عليه في التفسير، والنَّحو، والصَّرف، وغيرهما، وسمع منه أكثر مؤلفاته، من مصنفاته (عجالة ذوي الحاجة) شرح لسنن ابن ماجة، و (التعريف بما في التهذيب من قوي وضعيف) ، قتله أحد القرامطة في داره بمدينة (زبيد) سنة (١٢٦٤هـ) ٣.

стр. 30

المبحث السادس: (تَوَلِّيه القضاء وموقفه منه) في شهر رجب سنة (١٢٠٩هـ) ، اختار والي اليمن - إذ ذاك - علي بن عباس بن حسين (ت ١٢٢٤هـ) ١- الإمام الشوكاني لشغل منصب قاضي اليمن، وكان عمره- إذ ذاك- ستا وثلاثين سنة. وقد ذكر الشوكاني كيفية تولِّيه القضاء، وَوَصَف ذلك بأنه ابتلاء، يقول: لما كان شهر رجب سنة (١٢٥٩هـ) ، مات القاضي يحيى بن صالح الشجري السحولي٢، وبعد موته بأسبوع لم أشعر إلا بطلاب من الخليفة، فذهبتُ إليه، فذكر لي أنه قد رجَّح قيامي مقام القاضي المذكور، فاعتذرت له بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالأمرين ممكن، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلي في يومين فقط، فقلت: سيقع مني الاستخارة لله، والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله ففيه الخير، فلما فارقته، مازلت مترددا نحو أسبوع، ولكنه وفد إليَّ غالبُ من ينتسب إلى العلم في مدينة (صنعاء) ، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل

стр. 31

في هذا المنصب- الذي إليه مرجع الأحكام الشرعية ني جميع الأقطار اليمنية- من لا يوثق بدينه وعلمه، وأكثروا من هذا، وأرسلوا إليَّ الرسائل المطوَّلة، فقبلت مستعينا بالله تعالى، ومتكلا عليه١. لقد كان الشوكاني يعتقد أن الاشتغال بالقضاء سيحول بينه وبين ما كان يقوم به من التعليم، والتدريس، والتصنيف، ويرى أن عملا كالقضاء يحتاج إلى خبرة بمجالس القضاء وأعمالهم، وهو لا يملك تلك الخبرة ابتداءً، ولكن استخارته لله ، ثم إلحاح جُلِّ ذوي العلم، والرأي، والمعرفة، قد دفع به إلى قبول ذلك العمل، الذي لو انصرف عنه أهل الدين والعلم، لأصبح في أيدي الجهلة، والظلمة والمقلدين، والمتعصبين٢. ولم يقتصر عمله في القضاء، وفضِّ المنازعات بين الخصوم على يومين فقط كما حدَّد له الأمير عند عرض هذا المنصب عليه، بل شَغَل هذا العمل الجديد جل وقته. يقول الشوكاني: ولم يقع التوقف على مباشرة الخصومات في اليومين فقط، بل انثال٣ الناس من كل محل، فاستغرقتُ في ذلك جميع الأوقات إلا لحظات يسيرة، قد أفرغتها للنظر في شيء من كتب العلم، أو لشيء من التحصيل، وتتميم ما قد كنت شرعت فيه، واشتغل الذهن شُغْلَةً

стр. 32

كبيرة، وتكدّر الخاطر تكدرا زائدا، لاسيما وأنا لا أعرف الأمور الاصطلاحية في هذا الشأن، ولم أحضر عند قاض في خصومة ولا في غيرها، بل كنت لا أحضر في مجالس الخصومة عند والدي- ﵀ من أيام الصغر فما بعدها، ولكن شرح الله الصدر، وأعان على القيام بذلك الشأن١. وقد حلَّل الشوكاني- ﵀ شخصية القاضي العادل، فحدد له مواصفات وضوابط معينة، فرأى أن على القاضي أن لا يسعى بنفسه ولا بالواسطة، لشغل هذا المنصب، وأن يكون على دراية بالكتاب والسنة، وكيفية استنباط الأحكام منهما، وأن يكون مجتهدا وأن لا يهدف من وراء ذلك جمع المال، أو الحصول على الشرف أو السمعة٢. وقد وصف الشوكاني تهافت قُضاة زمانه على مناصبهم دون توفر المواصفات السابقة، بأنهم إنما أقدموا على شغلها حبًّا للثواب الأخروي. يقول: إن الحامل للمقصِّرين على التهافت على القضاء، والتوثب على أحكام الله بدون ما شرطه، ليس إلا الدنيا لا الدين، فإياك والاغترار بأقوال قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فإذا لبسوا لك أثواب الرياء والتصنع، وأظهروا شعار التغرير والتدليس- والتلبيس، وقالوا: مالهم بغير الحق حاجة، ولا أرادوا إلا تحصيل الثواب الأخروي، فقل لهم: دعوا الكذب على أنفسكم يا قضاة النار، بنص

стр. 33

المختار ﷺ ، فلو كنتم تخشون الله وتتقونه حق تقاته، لما أقدمتم على المخاطرة بادئ ذي بدء، بدون إيجاب من الله، ولا إكراه من السلطان، ولا حاجة من المسلمين١. ولأن الشوكاني قد وجد حاجة المسلمين إليه قائمة، وإلحاح الحاكم والعلماء عليه بقبول المنصب، وانشراح قلبه لذلك بعد صلاة الاستخارة، ودعائها، فقد قبل ذلك العمل، ومع ذلك فقد سلك مسلك العدل القائم على الورع الشديد، ويوضح ذلك تطبيقه الشديد لمبدأ عدم قبول الهدايا بعد توليه للقضاء، حتى وإن كانت الهدية من أقاربه الذين تعودوا تقديمها له قبل شغله لذلك المنصب، مفسرا موقفه هذا بأن الإنسان مجبول على حب من أحسن إليه٢. يقول ﵀: فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه، المستعد للوقوف بين يدي ربه، من قبول هدايا من أهدى، إليه، بعد توليه للقضاء، فإن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المُهْدِي وبين غيره. والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادة على هذا، ومن هذه الحيثية امتنعتُ عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إليَّ قبل الدخول فيه، بل من الأقارب، فضلا عن سائر الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا

стр. 34

يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه١

стр. 35

المبحث السابع: (مصنفاته وآثاره العلمية) على الرغم من أن العلامة الشوكاني- ﵀ قد كان يشغل نهاره ومعظم ليله في الإفتاء، والتدريس، وفض المنازعات، وفصل الخصومات بين الناس في مجلس القضاء، فإن ذلك كلَّه لم يحل بينه وبين الانخراط في ميدان التأليف، والخوض في غمار التصنيف، فقدَّم للمكتبة الإسلامية العشرات من مؤلفاته القيِّمة، ومصنفاته النيِّرة، في شتى الفنون، فكتب في التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه، واللغة مصنفاتٍ تدل على سعة إطلاعه، وغزارة معلوماته، وطول باعه في هذا الميدان الفسيح، وقد ذكر كثيرا من تآليفه في كتابه (البدر الطالع) ١، وترك ذكر الكثير منها. وسأورد فيما يلي عناوين مؤلفاته المطبوعة أولا، ثم أردفها بذكر المخطوط منها، ومكان وجوده، ورقمه، إن شاء الله تعالى: أولا: المؤلفات المطبوعة٢: أ- إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع. ٢- إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.

стр. 36

٣- أدب الطلب ومنتهى الأرب. ٤- إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات. ٥- إرشاد السائل إلى دليل المسائل. ٦- إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول. ٧- إشكال السائل إلى تفسير ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ .١ ٨- أطفال المسلمين في الجنَّة. ٩- الإعلام بالمشايخ الأعلام والتلامذة الكرام. ١٥- أمناء الشريعة. ١١- الإيضاح لمعنى التوبة والإصلاح. ١٢- بحث في الاستدلال على كرامات الأولياء. ١٣- بحث في الإضرار بالجار. ١٤- بحث في أن إجابة الدعاء لا ينافي سبق القضاء. ١٥- بحث في وجوب محبة الله تعالى. ١٦- البحث المسفر عن تحريم. كل مسكر ومفتِّر. وهو هذا الكتاب، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الباري جل وعلا٢ ١٧- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. ١٨- بلوغ السائل أمانيه بالتكلم على أطراف الثمانية. ١٩- التحف في الإرشاد إلى مذاهب السلف. ٢٠- تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين.

стр. 37

٢١- تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل. ٢٢- جواب على معنى حديث١ "أنا مدينة العلم وعليُّ بابها"٢. ٢٣- جواب سؤال عن الصبر والحلم، هل هما متلازمان أم لا؟. ٢٤- جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) ٣. ٢٥- جواب سؤال كيف أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ٤، واقعة في موقع الدليل. ٢٦- جواب سؤال يتعلق بما ورد في الخضر ﵇. ٢٧- الدَّراري المضيَّة شرح الدرر البهيَّة. ٢٨- الدُّرر البهيَّة في المسائل الفقهيَّة. ٢٩- درُّ السَّحابة في مناقب القرابة والصحابة. ٣٠- الدر النَّضيد في إخلاص كلمة التوحيد. ٣١- الدواء العاجل في دفع العدو الصائل. ٣٢- رفع الريبة عما يجوز ومالا يجوز من الغيبة.

стр. 38

٣٣- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. ٣٤- شرح الصدور في تحريم رفع القبور. ٣٥- العِقْد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين. ٣٦- فتح القدير الجامع بين فنِّي الرواية والدراية من علم التفسير. ٣٧- فتح القدير في الفرق بين المعذرة والتعذير. ٣٨- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. ٣٩- قطر الولي على حديث الولي. ٤٥- القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. ٤١- كشف الشبهات عن المشتبهات. ٤٢- اللُّمعَة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة. ٤٣- المباحث الوفيَّة في الشركة العرفيَّة. ٤٤- المسك الفائح في حطِّ الجوائح. ٤٥- نُزُل من اتقى بكشف أحوال المنتقى. ٤٦ نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار. ثانيا: المؤلفات المخطوطة: ا- الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى أحكام الشريعة١. منه نسخة ضمن مجموع رقم (١٥٠) من (ص ٢٤٦-٢٧٠) ٢. ٢- الأبحاث الحسان المتعلقة بالعاريَّة والتأجير والشركة والرهان٣

стр. 39

ضمن مجموع رقم (١٥٠) من (ص ١٠٦- ١٠٩) ١. ٣- الأبحاث الوضيَّة في الكلام على حديث: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"٢ ضمن مجموع من (ص ١٤٧-١٦٢) ، في مكتبة يحيى كوكبان٣. ٤- إتحاف المهرة بالكلام على حديث: "لا عدوى ولا طيرة"٤. ضمن مجموع رقم (١٣٧) من (ص ٦- ١٢) ٥، وفي مكتبتي مصورة منه. ٥- الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات٦.مجموع رقم (١) من (ص ١١٤- ١٢٠) ٧. ٦- إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقود الجمان٨. مجموع رقم (١٢١) من (ص٤- ١٠) ، ومجموع رقم

стр. 40

(١٥٠) من (ص١٦٢-١٧٣) ١. ٧- إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي٢. ضمن مجموع رقم (٥٨) من (ص ١٥٩- ١٦٧) ، ورقم (٨٣) من (ص ٨٠- ٩١) ٣. ٨- إرشاد المستفيد إلى دفع كلام ابن دقيق العيد في الإطلاق والتقييد٤. ضمن مجموع في مكتبة يحيى كوكبان٥. ٩- إشراق النيِّرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين٦. ضمن مجموع رقم (١٥٠) من (ص ٢٢٢- ٢٣٠) ٧. ١٠- إفادة السائل في العشر المسائل٨. ضمن مجموع رقم (٥٩) ٩. ١١- إقناع الباحث بدفع ما ظنَّه دليلا على جواز الوصية للوارث١٠.
следующие страницы →