← Акыда

Акыда · id 7568

البيان المبدي لشناعة القول المجدي

سليمان بن سحمان

Полный текст (159 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله تعالى وعفى عنه، قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويراً إلهياً، وكرما ونصحاً للأمّة وأمر بالمعروف ونهياً عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصله غيره وبرع في تفسير القرآن وغاص في دقائق معانيه بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميّال واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث مع شدة استحضاره له وقت الدليل وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين وأتقن العربية أصولاً وفروعاً ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم وبنه على خطئهم وحذر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين وأوذي في الله تعالى من المخالفين وأخيف في نصر السنة المحفوظة حتى أعلى الله تعالى مناره وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له وكبت أعداءه وهدى به رجالاً كثيرة من أهل الملل والنحل وجبل قلوب الملوك والأمراء

стр. 72

على الانقياد له غالباً وعلى طاعته وأحيي به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم خصوصاً في كائنة التتار وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي فلو حلفت بين الركن والمقام إني ما رأيت بعيني مثله وأنه ما رأى هو مثل نفسه لما حنثت" انتهى. فانظر إلى ما قاله هذا الإمام من أنّ الله أحيي به الشام بل الإسلام وأن الله جمع قلوب أهل التقوى على محبته والد عاله وأنه أكبر من أن ينبه الذهبي على سيرته، ثم انظر إلى ما قاله المكي وما نقله عن ابن حجر وما قاله عن علوي نقلاً عن الذهبي، فالله المستعان. وقال الحافظ العماد بن كثير رحمه الله تعالى في رجب سنة ٧٠٤ سبعمائة وأربع راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد التاريخ وأمر أصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت هناك بنهر فلوحا تزار وينذر لها فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها فأراح من المسلمين شبهة كان شرها عظيماً وبهذا وأمثاله أبرزوا له العداوة وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه فحسد وعودي ومع هذا لا تأخذه في الله لومة لائم ولم يبال بمن عاداه ولم يصلوا إليه بمكروه وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه

стр. 73

لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه كما سيأتي إن شاء الله انتهى، فانظر إلى كلام الحافظ ابن كثير ﵀ أنه إنما حسد وعودي لأجل إزالة معابد الشرك والكلام في ابن عربي. وقال ابن الوردي في تاريخه ـ وقد عاصره ورآه وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ولكن الإحاطة لله تعالى غير أنه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي وأما التفسير فسلم له قال وله الباع الطويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين: قل أن يتكلم في مسألة ألا ويذكر فيها مذاهب الأربعة وقد خالف الأربعة في مسائل معرفة وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة وبقي سنين يفتى بما قام الدليل عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، وكان دائم الابتهال

стр. 74

كثير الاستغاثة قوى التوكل ثابت الجاش له أوراد وأذكار يديمها لا يداهن ولا يحابي محبوبا عند العلماء والصلحاء والأمراء والتجار والكبراء" انتهى ملخصاً فانظر إلى ما قاله ابن الوردي وقد عاصره ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية وهذا المعترض الجاهل وأضرابه يقولون أنه قد تحقق ضلاله وخروجه عن قواعد الشريعة فبعداً للقوم الظالمين. وقال العلامة الشيخ عماد الدين الواسطي ﵀ في حقه بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: "فوالله ثم والله لم يُر تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علماً وعملاً وحالا وخلقاً واتباعاً وكرماً وحلماً وقياماً في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته أصدق الناس عقدا وأصحهم علما وعزماً وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة وأسخاهم كفا وأكملهم اتباعاً لسنّة محمد ﷺ ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة" فانظر إلى كلام العلامة الشيخ عماد الدين الواسطي وهو ممن عاصره ورآه فرحمه الله وعفى عنه

стр. 75

ونقل في الشذرات عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد وقد سئل عن الشيخ ابن تيمية بعد اجتماعه به كيف رأيته قال: رأيت رجلاً سائر العلوم بين عينيه يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء فقيل له: فلم تتناظران قال لأنه يحب الكلام وأحبّ السكوت. وقال ابن مفلح في طبقاته كتب العلامة تقي الدين السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما نصه فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده وأنه بلغ في ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف والمملوك يقول ذلك دائماً وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل مع ما جمعه الله تعالى لي من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجرمه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى وغرابة مثله في هذا الزمان بل في أزمان" انتهى. فانظر إلى ما قاله السبكي مع أنه ممن وقع فيه وعاداه والحق ما شهدت به الأعداء. وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له وقد

стр. 76

أثنى عليه جمهور معاصريه، وجمهور من تأخر عنه وكانوا خير مناصريه وهم ثقاة صيارفة حفاظ، عريفهم في النقد دونه عريف عكاظ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه أو لأجل المعاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه، فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد ورماه بعظائم موجبة للتعزير أو الحد، ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها الستنا لنجا من هذا العناء، وقول الآخر لما سئل عن ذلك فأجاب ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ الآية [البقرة: من الآية١٣٤] ، وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى وأطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى فما وجدوا فيها عقيدة زائغة، ولاعن الحق رائفة كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف، ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف شهد له الأقران بالاجتهاد، ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد، وذكر

стр. 77

كلاماًَ حسناً تركناه خشية الإطالة. وقال حافظ الإسلام الحبر النبيل استاذ أئمة الجرح والتعديل شيخ المحدثين جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الركن عبد الرحمن المزي الشافعي فيما نقله عنه الحافظ ابن ناصر الدين: "ما رأيت مثله يعني ابن تيمية ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا أتبع لهما منه" انتهى. وقال الشيخ شيخ الإسلام العيني الحنفي فيما كتبه قال: وما هم أي المنكرون على ابن تيمية رحمه الله تعالى الا صلقع بلقع سلقع، والمكفر منهم صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان، وهي بن بي وضل بن ضل وضلال بن التلال، ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شم عرانين الأفاضل ومن حبهم براهين الأماثل قال: وهو الذاب عن الدين طعن الزنادقة والملحدين والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين وللمأثورات عن الصحابة والتابعين فمن قال إنه كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف ذلك وقد صارت تصانيفه إلى الآفاق، وليس فيها شيء مما يدل على

стр. 78

الزيغ والشقاق إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. وقال الشيخ محمد ابن الشيخ جمال الدين اليافعي الشافعي اليمني في رده على السبكي في أبيات له قال فيها: وما رددت عليه في الطلاق ... حققت عقلاً ولا نقلاً ظفرت به بل فاسد القصد أعتى الذهن منك ... هو عادة الله في قال لمذهبه نزلت حول حماه كي تنازله ... فما علوت عليه بل علوت به وقد أجابك فيها خير أجوبة ... كالسيف حالت منايا عند مضربه أخذت منه علوما فانتصرت به ... على سواه وكانت من مهذبه وحزتها مجملات من مفصّله ... ففصّل الآن ما أجملت تحظ به وهكذا كل من سارت ركائبه ... يقفوا خطان فسائل من مجربه وإن يتمحت في رد فلست له ... كفوا ولا أهل هذا العصر فانتبه كم بحر علم أتاه صار ساقية ... وكم أزال صدى جهل بصيّبه وما نرى لكموا في الخلف فائدة ... غير التنعم في النعماء من شبه أين الثريا مكانا في ترفعها ... من الثرى قال هذا كل منتبه من ذا يقيس نقي الجلد من درن الـ ... ـدنيا وأمراضها يوما بأجربه لو كان عندكموا إنصاف مكرمة ... أو نقد معرفة أوذهن منتبه

стр. 79

لكنت تقفوا ورآه قفو مجتهد ... علماً وديناً وأمراً تفلحنّ به لو وفق الله أهل الأرض قاطبة ... إلى الصواب لساروا خلف مذهبه وما نسبتم إليه عند ذكركموا ... ترك الزيارة أمرا لا يقول به فقد أجابكموا فيها بأجوبة ... أزال فيها صدى الإشكال والشبه وقد تبين هذا في مناسكه ... لكل ذي فطنة في القول والنبه رميتموه ببهتان يشان به ... فالله ينصفه ممن رماه به وفي الجواب أمور من تدبرها ... سقى الأنام بها من صفو مشربه ولم يكن مانعاً نفس الزيارة بل ... شد الرحال إليها فوق مركبه مستمسكاً بصحيح القول متبعا ... خير القرون الأولى جاءوا بمذهبه مع الأئمة أهل الحق كلهموا ... قالوا كما قال قولاً غير مشتبه وقد علمت يقينا حين وأفقه ... أهل العراق على فتياه فانتبه ومن أحسن ما قيل من المراثي فيه ما قاله عمر بن الوردي وهي: عثا في عرضه قوم سلاط ... لهم من نصر جوهره النقاط تقي الدين أحمد خير حبر ... خروف المعضلات به تخاط توفي وهو محبوس فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساط

стр. 80

ولو حضروه حين قضى لألفوا ... ملائكة النعيم به أحاطوا قضى نحبا وليس له قرين ... ولا لنظيره لفّ القماط فتى في علمه أضحى فريدا ... وحلّ المشكلات به نياط وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فرقة فسقوا ولاطوا وكان الجن تفرق من سُطاه ... بوعظ للقلوب هو النباط فيا لله ما قد ضمّ لحدٌ ... ويا لله ما غطّى البلاط هموا حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط وحبس الدّر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ في السجن اغتباط بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا بنوا تيمية كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط ولكن يا ندامة حابسيه ... فشك الشرك كان به يُماط ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخباط ألم يك فيكموا رجل رشيد ... يرى سجن الإمام فيستشاط أمام لا ولاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رباط

стр. 81

ولا جاركموا في كسب مال ... ولم يعهد له بكموا اختلاط ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما الجزاء أذيته اشتراط وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لقدر مثلكموا انحطاط إلى أن قال: فها هو مات عنكم فاسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تعاط وحلوا واعقدوا من غير رد ... عليكم وانطوى ذاك البساط والمقصود مناقضة هذا المعترض بمن أثنى عليه لا لغرض من الأغراض ومن قدح فيه فإنما ذاك لحظ نفسه شنع بما شنع من الاعتراض وإلا ففضل شيخ الإسلام ومناقبه أكثر من أن تذكر وأشهر من أن يحاط بها ويحصر وقد أثنى عليه من الأئمة من تقدم ذكرهم ومن لم نذكرهم فأكثر وأكثر وكلهم حفاظ نقاد وأئمة ثقات زهاد وممن أثنى عليه وبرأه مما نسب إليه من متأخري العلماء الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني المدني الشافعي وأمير المؤمنين في الحديث علامة دهره الشيخ على أفندي السويدي البغدادي الشافعي والشيخ

стр. 82

شهاب الدين محمود الآلوسي ذكر ذلك الشيخ نعمان خير الدين ابن شهاب الدين محمود الآلوسي، وجمهور من ذكرنا ممن أثنى عليه أئمة مذهب هذا المعترض وقد خالفهم وانتحل طريقة عباد القبور، وانتصر لهم بما لا يجدى عنه ولا ينفعه يوم يبعثر ما في القبور، ويحصّل ما في الصدور، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] ، وليت هذا المكي راقب ولاحظ فيما كتبه من الانتصار، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] ، وجعل نصب عينيه إذا رأى محصول ما له وما عليه وظنه دليلاً، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ـ٢٩] . فصل: قال المعترض: فمن تلك الأمور أن السندي المذكور يقول في رسالته أن الأحاديث التي أوردها يعني استدل بها شيخنا السيد دحلان لمذهب أهل الحق منقولة عن التقي السبكي في "شفاء

стр. 83

الأسقام" ليست فيها أحاديث صحاح ولاحسان إلى آخر كلامه. قال المكي وحاصل ما يجاب به عن شيخنا أن تلك الأحاديث كثيرة مشهورة مسندة إلى مخرجيها قال: وليس المقصود بها تأسيس أيجاب شيء بل المقصود بيان استحباب زيارته ﷺ وجواز التوسل به ثم ذكر كلاماً حاثله أنّ الأحاديث الضعيفة يعمل بها وأن معارضته محمد بن عبد الهادي لها في الصارم المنكي غير مقبولة؛ لأنّه من اتباع ابن تيمية وأن كلامه فيها لأجل الهوى. والجواب أن هذا المعترض أجنبي عن معرفة الحديث ورجاله ولا خبرة عنده بما قاله الحفاظ النقاد أهل الجرح والتعديل ولو كان عنده خبرة ومعرفة بهذا الفن لم يكن هذا حاصل ما عنده ومن كان بهذه المثابة سقط الكلام معه اللهم إلا أن يكون لديه معرفة ولكن أراد التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر وما أظن ذلك وما أحسن ما قيل: وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع

стр. 84

وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بإهوائها لا تستفيق وتع ومما يبين لك عدم معرفته بالحديث ورجاله أنه ظن أنه لم يطعن في هذه الأحاديث إلا الحافظ محمد بن عبد الهادي فإنها كلها موضوعة مكذوبة على رسول الله ﷺ وأمثل ما فيها الحديث الذي رواه الإمام الدارقطني وقد تكلم فيه أئمة من حفاظ الإسلام وعلماء السنة الأعلام كالبخاري والبيهقي والنسائي والدارقطني والجوزجاني والعقيلي وأبو حاتم والنووي وغيرهم من العلماء الأعلام ولو سلمنا تسليماً جدلياً أنها أحاديث ضعيفة وأن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فإنما ذلك إذا لم تخالف حديثاً صحيحاً وكيف وقد خالفت ما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد" الحديث، فبطل الاستدلال بها والعمل بها لمعارضتها للحديث الصحيح الصريح ولو أضرب هذا الجاهل عن الكلام في هذه المسألة لكان خيراً له ولكن ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة: من الآية٤١] .

стр. 85

وأين أنت يا هذا الجاهل المركب ومعرفة الحديث وأهله فلست من أهل هذه الصناعة ولا ممن يتجر في تلك البضاعة. دع العيس وحاديها ... واعط القوس باريها وقد ذكرت فيما كتبته في المواهب الربانية في رد أضاليل الشبه الدّحلانية ما نصّه من أبيات: وأمّا أحاديث الزّيارة كالتي ... شعبت بها في الرّق واهيته العقد فمحض أكاذيب في أوضاع أفك ... ملفقة أضحت عن الصدق في بعد فلم ترو في شيء من الكتب التي ... عليها اعتماد الناس في الحل والعقد فأما حديث الدارقطني فإنه ... لامثل ما فيها وإن كان لا يُجدي ولم يروه إلا لتبيين ضعفه ... هناك الإمام الدارقطني على عمد وقد طعن الحفاظ فيه فمنهموا ... أبو حاتم والبيهقي في ذوي النقد كمثل البخاري والنووي ومسلم ... وكابن معين والنسائي ذي الجد وكالجوزجاني والعقيلي وغيرهم ... من النبلاء الأثبات من كل مستهد فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي في رسالة السمدي أن الأئمة متفقون على كراهة دعاء الزائر لنفسه مستقبلا للحجرة

стр. 86

الشريفة، والجواب أن يقال: ما ذكره السندي من أنّ الأئمّة اتفقوا على كراهة دعاء الزائر لنفسه مستقبلاً للحجرة الشريفة ثابت عن الأئمة كما نقله الثقات الأثبات ولا يمكن لأحد أن يكابر في دفع ذلك لا بنقل صحيح ولا سقيم، قال شيخ الإسلام قدّس الله روحه في منسك له صنفه في آخر عمره: "ويسلم عليه مستقبلاً الحجرة مستدبر القبلة عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأما أبو حنيفة فإنه قال: يستقبل القبلة فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة ومنهم من قال يجعلها عن يساره واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة؛ فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الناس كراهية لذلك والحكاية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك بل ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإنّ هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده" انتهى. وقال أيضاً: "وكره السلف ﵃ قصدها بالدعاء متأولين في ذلك قوله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيداً" كما ذكرنا ذلك

стр. 87

عن علي بن الحسن، والحسن بن الحسن ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما المجاورتهما الحجرة النبوية نسباً ومكاناً وقد ذكرنا عن أحمد وغيره إنه أمر من سلم على النبي ﷺ وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو أنه ينصرف ويستقبل القبلة وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره من المتأخرين مثل أبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي، وما أحفظ لا عن صاحب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحدٌ منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم، فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به" انتهى. وقوله: ثم ذكر عن ابن تيمية، وعن ابن عبد الهادي مثل ما ذكر وزاد أن دعاء الزائر لنفسه إذا كان تبعاً للدعاء

стр. 88

لأصحاب القبور لا ينهى عنه أحد من المسلمين لكن زيادتهما المذكورة بعد أن ذكرا أحاديث تدل على ذلك على عادة التابعين لابن تيمية إذا أنكروا شيئاً، ثم ورد عليهم ما يغاير إنكارهم جاهدوا بنحو لم يصح النقل أو بنحو إنما جاز لأجل كذا كدعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به إنه لأجل التبعية إلى آخر ما قال. فيقال: في جوابه هذا كله هوس وتخليط وليس لك فيه راحة ولا يفيدك شيئاً فإن الأحاديث الواردة في زيارة القبور الزيارة الشرعية ليس فيها إلاّ الدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار كما في حديث عائشة ﵂ الذي رواه مسلم، وكذلك حديث بريدة عن أبيه عند مسلم وغيره من الأحاديث الصحيحة الثابتة بنقل العدل الضابط عن مثله، وقوله بعد أن ذكر أحاديث تدل على ذلك على عادة التابعين لابن تيمية إذا أنكروا شيئاً ثم ورد عليهم ما يغاير إنكارهم. فيقال: نعم هي عادة اتباع ابن تيمية يذكرون الأحاديث ويعتمدون عليها ويستدلون بها على موارد النزاع ويتركون قول من خالفها

стр. 89

كائنا من كان فإنه لا قول لأحد مع سنة سنّها رسول الله ﷺ فهلا ذكرت ما يغاير إنكارهم إن كنت من أهل العلم والمعرفة ولو كان عندك من الحق ما يغاير إنكارهم لما أهملته ولجبهت به من أنكر ذلك ونقل عن الأئمة خلافه، ولكنها عنقاء مغرب ومن الدعاء ما ليس عنده كذبته شواهد الامتحان. قوله: جاهدوا بنحو لم يصح النقل أو بنحو إنما جاز لأجل كذا كدعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به أنه لأجل التبعية، فيقال: نعم كل حكم وشرع لم يأذن به الله ورسوله ولا صح به نقل عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة والتابعين لا يعملون به ولا يثبتونه ويردونه على من قال به كائنا من كان لقوله ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ودعواه جواز الدعاء بعد صحة الحديث به أنه لأجل التبعية فقد صح الحديث كما تقدم عند مسلم وغيره وكونه إنما جاز تبعاً وضمنا صريح في نفس الحديث بقوله: "اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"، فالدّعاء

стр. 90

بهذا ونحوه لا يكره مطلقاً بل يؤمر به كما جاءت به السنة ضمنا وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيئ إلى القبر للدعاء عنده كما ذكره الحافظ محمد بن عبد الهادي وكما تقدمت الإشارة إليه في حديث علي بن الحسين، والحسن بن الحسن ابن عمه. وقوله: وحقيقة الأمر منع ابن تيمية للدعاء ونحوه تجاه قبر النبي ﷺ لما هو معتقده ومعتقد متابعيه أن النبي ﷺ بعد موته لا جاه له. فيقال: إنما منع ذلك الأئمة الأربعة المقلدون المتفق على هدايتهم ودرايتهم وجلالتهم وعلمهم فاتبعهم ابن تيمية في المنع من ذلك وأنت خالفتهم وتركت طريقتهم وهديهم وما أمروا به، وما نهوا عنه فإن كان منع ابن تيمية من ذلك يلزم منه اعتقاد أن النبي ﷺ لا جاه له فكذلك هو لازم للأئمة الأربعة حيث منعوا من ذلك وهذا لا يقوله من يدري ما يقول وأين هذا من قولك عند ردّ كلام السندي ثبوت توسّل الإمام الشافعي بأبي حنيفة وهو كذب محض فقلت: وكفى بقولك تعني السندي أقوال من

стр. 91

ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قبحا وسوء أدب مع الإمام الشافعي وأضرابه وإذا لم تقتد وتعتبر بأقوال وأفعال من ذكر في مثل هذه الفضائل مع كونهم أئمة الشريعة والمجمع على تحققهم بمرتبة الاجتهاد المطلق فيمن يحسن الاقتداء فقد نقضت أصلك وعدت عليه بالهدم والرد في هذا الموضع بالرد على ابن تيمية واتباعه حيث اتبعوا ما صح عن الأئمة الأربعة ولم تذكر ما ينقض ذلك عنهم وإني لك بذلك فكان داؤك هو الداء العضال الذي قد ختم بالطبع والأقفال وأيضاً قوله: أن معتقده ومعتقد متابعيه أن النبي ﷺ بعد موته لا جاه له كذب بحت، بل هم من أعظم الناس رعاية لحقه واحتراما له يأتمرون بأمره وينتهون عما نهى عنه ولا يشرعون في دين الله ما لم يأذن به فيزورون القبور لأمره بذلك ولا يشدون الرحال إليها لنهيه عن ذلك ويدعون لأهل القبور ولا يدعونهم ويستغفرون لهم ويطلبون لهم العافية ولا يطلبون منهم بخلاف الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم بدلوا الدعاء لهم بدعائهم والطلب

стр. 92

لهم بالعافية بالطلب منهم فالله المستعان. شعراً: نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيدآء أبعد منزل فصل: قال المعترض فيما اعترض به على كلام محمد بن إسماعيل الصنعاني: إنّ الذين ينادون الأموات وينحرون لهم وينذرون لهم كذب وزور، فإن المعرفة من عوام مكة أن من كان عنده مريض مثلاً نوى أنه يتقرب إلى الله تعالى بصدقه لأجل أنه تعالى يتفضل عليه بعافية مريضه فقد يقول لله عليّ صدقة كذا أن شفى الله مريضي وإما كون أحد يذبح للميت الفلاني فلا سمعنا قط به وأمّا تخصيصهم الصدقة بكونها عند ذلك الميت الولي الصالح فغرضهم أن الصدقة للفقراء الحاضرين عنده أولى وأحسن؛ لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم من ربهم لا منه، فلو سألت صغيرهم وغبيهم وعبدهم هل الميت الولي ينفعك أو يضرك أو يشقى مريضك لصاح لك وأنكر ذلك واعترف أن الضار والنافع هو الله تعالى لا غير إلى آخر ما

стр. 93

اعترض به، فالجواب أن يقال: إن الصدقة بهذا النذر للسدنة والمجاورين نذر معصية لا يجب الوفاء به باتفاق العلماء والمعصية تصدق بالعبادة للمنذور له ومعلوم أن إخراجه على وجه القربة والتعظيم لأهل القبور عبادة وشرك وتقرب إلى غير الله وشرع لما لم يأذن به الله ولم تأت به شريعة ولم يكن من هدي السلف والقرون المفضلة، ولأن العكوف عند القبور وسدانتها أصل عبادة الأصنام كما ذكره ابن عباس وغيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية [نوح: من الآية٢٣] . وأما قوله: لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه فجوابه أن التوسل بالولي بعد موته والطلب منه أن يتوجه إلى ربه مصادمة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] ، فأخبر تعالى أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ما استجابوا لهم لأن ذلك ليس لهم فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم لا استقلالا ولا

стр. 94

واسطة وأخبرنا أن هذا الدعاء شرك بقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: من الآية١٤] ، وهذا الطلب والتوجه إلى الأموات في قضاء الحاجات وتفريج الكربات هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ﷺ فإنهم كانوا يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ليقربوهم إلى الله زلفي كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس:١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: من الآية٣] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الاحقاف:٢٨] . ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات، وإنما عبدوهم والتجأوا

стр. 95

إليهم ودعوهم على وجه التوسل بجاههم وطلب الشفاعة منهم، فقول هذا المكي أنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه هو كقول جاهلية العرب الذين نزل القرآن بتكفيرهم سواء بسواء. وقوله: وأما كون أحد يذبح للميت الفلاني فلا سمعنا قط به فيقال: ولا سمعت أحداً منهم يقول: يا رسول الله، يا كعبة الله، يا مقام إبراهيم، وهل هذا إلا مكابرة محضة فإن من لم ينكر هذا وهو ينادي به على رؤس الأشهاد ولا رآه شركاً كيف ينكر الذبح لغير الله عند ضرائح الأموات ولا سمعت أيضاً ما يقال عندها في المعلات ولا رأيت ما فيها من المساجد المبنية على القبور ولا ما يصرف إليها من النذور ولا رأيت إيقاد السرج فيها وقد قال ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" والذي رأيت في المعلات أكثر من مائة قنديل. وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وأيضاً قوله لأنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه إلى آخره مراد هؤلاء الملاحدة أنهم يجعلونهم وسائط

стр. 96

بينهم وبين الله كالمجاب الذين بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فيسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط انفع من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطّالب فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء المشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا لله أنداداً وفي القرآن من الرّد على هؤلاء ما تتسع له هذه الفتوى فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة: أما لأخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفون ومن قال: إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السّر وأخفى لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله

стр. 97

سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين. الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعاديهم الأباء وأن يعينونه فلا بدّ له من أعوان وأنصار لذله وعجزه والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الاسراء:١١١] ، وكل ما في الوجود من الأنساب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما فإن من يشفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلب منه والله سبحانه

стр. 98

وتعالى لا شريك له بوجه من الوجوه ويسمى الشفيع شفيعاً لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعاً، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾ [النساء: من الآية٨٥] ، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه. الوجوه الثالث: أن يكون الملك ليس مريد النفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته أما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهوذا أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب

стр. 99

هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له"، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء: من الآية٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: من الآية٢٣] ، بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك أو يكون شريكاً لهم في الملك وقد يكون مظاهرا لهم معاوناً على ملكه وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك والملك يقبل شفاعتهم تارة على وجه إنعامهم عليه حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك إلى أن قال والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله تعالى و

стр. 100

بين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان" إلى آخر ما قال ﵀، فانظر رحمك الله إلى ما قاله الشيخ ﵀، ثم تأمل كلام المكي أنهم إنما يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم من ربهم لا منه هل بين كلامه وبين ما ذكره شيخ الإسلام فرق والله المستعان. وقوله: ويعتقدون فيهم ما يعتقده العلماء إن الميت لا تفنى روحه بل هو سميع عليم معارفه باقية وبركته باقية. فالجواب أن يقال: وهذه أيضاً وهلة عظيمة وبليته أخرى فإنها مصادمة ومكابرة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ الآية [فاطر:١٤] ، ولقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الاحقاف:٥ـ٦] ، وقد سوى هذا المعترض بين من نفى الله التسوية بينهما وهل هذا إلا مصادمة ومعارضة للقرآن فليهنأ معارضة كلام الله والجمع بين ما فرق الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ

стр. 101

وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: من الآية٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢٠ـ٢١] ، وقد تقرر أنّ الأموات لا يساوون الأحياء في وجه من الوجوه إذ الموت غير الحياة المعهودة وما ثبت لهم من الحياة فهي برزخية غير الحياة المعهودة في الدنيا فمن أراد بها الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا خطأ ظاهر والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص وأما من أراد حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره ويرد السّلام على المسلمين فهذا حق ونفيه خطأ وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهذه الحياة متفاوتة فحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء وحياة الشهداء أكمل من حياة غيرهم وهذه الحياة حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله فقول هذا الجاهل المركب إنهم يتوسلون بالولي إلى ربه ويطلبون منه أن يتوجه إلى ربه في قبول دعواتهم قول غير معقول وضلال عند

стр. 102

أهل الحق غير مقبول فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً بنص رسول الله ﷺ حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث، فإذا كان قد انفطع عمله لنفسه فكيف يطلب منه أن ينفع غيره أو يشفع له هذا من أمحل المحال وأضل الضلال. وقوله: إن الميت لا تفني روحه بل هو سميع عليم معارفه باقية وبركته باقية إلى آخره. فالجواب: أن يقال: إن سماع الميت مقيد بحال دون حال لا في جميع حالاته كما يشير إليه قول قتادة في أهل القليب وسماع الميت خفق نعال من يدفنونه إذا ولوا عنه وحال الأموات تختلف اختلافاً عظيماً وللأرواح بعد مفارقة هذا الجسم شأن لا يحيط بتفصيله إلا الله ومن زعم أن الاستمداد منهم جائز لا يفرق بين القريب والبعيد كما هو مشاهد ممن يدعو الأنبياء والصالحين ويستمد منهم وأفضل الخلق ﷺ قد ثبت عنه أنه يبلغ صلاة أمته مع البعد عن قبره ولا يسمعه فكيف بغيره فإذا ثبت أنه لا يسمعه من بعيد بل يبلغه فغيره أولى فكيف يعتقد في الأموات أنهم يسمعون

стр. 103

وينفعون ويضرون وهم جثث بالقبور صارت أجسامهم إلى الفنا والبلا فكيف ذهب الشيطان بعقول هؤلاء المشركين إلى أن بلغ بهم إلى أن نزلوا المخلوق منزلة الخالق والعبد العاجز منزلة المعبود القاهر فوق عباده ونزلوا الميت منزلة الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فجعلوهم شركاء لله في الإلهية والربوبية والملك وفي علم الغيب واعتقدوا فيهم أنهم يسمعون من دعاهم من الأماكن البعيدة وهم أموات رفات وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الآية [النحل:٢٠ـ٢١] فترك هؤلاء المشركون الإيمان بالقرآن ونبذوه وراء ظهورهم واعتقدوا المحال الذي أحالته العقول الصحيحة وأنكرته الفطر السليمة المستقيمة وإذا كان المدعو في حال حياته واجتماع حواسه وحركاته لا يسمع من دعاه على البعد ولو مسيرة فرسخ فكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أنه إذا مات وفارقت روحه جسده وذهبت حواسه وحركته بالكلية وصار رهينا في الثرى جسداً بلا روح أنه والحالة

стр. 104

هذه يسمع من دعاه وإذا كانت أرواح الأنبياء والصالحين في أعلى عليين فيمتنع عقلاء وشرعاً وفطرة وقدر أن الأرواح التي فوق السموات السبع وفي أعلى عليين أنها تسمع دعاء أهل الأرض وتنفعهم وتتصرف فيهم هذا محال قطعا وضلال مبين بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الاحقاف: من الآية٥] ، فكل من دعى من الأموات والغائبين والأنبياء والصالحين فمن دونهم غافل عن دعاء داعية بنصوص القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فسبحان من أنزل كتابه روحاً وهدى ونورا وبرهانا يهتدى به من هداه الله إلى صراطه المستقيم فمن قال: إنهم بعد مماتهم يسمعون دعاء من دعاهم لأنّ أرواحهم لا تفنى وهم في أعلى عليين فقد سوى بين الأرواح وبين الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يشغله سمع عن سمع وبين الأموات والحي الذي لا يموت ونسبته اعتقاد ذلك إلى العلماء كذب بحث وتمويه على الجهال فلم يعتقد هذا أحد من

стр. 105

العلماء المعروفين المشهورين بالعلم والصلاح والدين الذين لهم قدم صدق في العالمين وإنما يعتقد هذا من يجوز دعاء الصالحين والالتجاء إليهم في الحياة وبعد الممات وبهذا تعرف خطأ هذا المعترض في اعتراضه على الصنعاني رحمه الله تعالى. فصل: قال المعترض ومن تلك الأمور التي ذكر عبد الله السندي في رسالته قوله في حال زائر قبور الصالحين لكن لأي معنىً قام يمشي إلى القبر إلى آخر ما ذكره ثم قال وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص أثم إلى آخر كلامه نقلاً عن محمد بن إسماعيل الصنعاني هذا ما نقله المكي قال وهو صريح في أن الصنعاني المذكور من التابعين لابن تيمية في معتقد هم الفاسد أن الولي الصالح لا يبقى له قدر ولا تشريف بعد موته إلى آخر ما ذكره وهذا المكي جاهل لا يعرف الرجال بالحق بل من كان معتقده معتقد أهل السنة والجماعة فهو من أتباع ابن تيمية ونعما هي من خصلة سنيته، وحينئذ فالجواب أن يقال: قد تقدم قريباً نفى مساواة الميت بالحي فلا نطيل بإعادته فلم يبق إلاّ

стр. 106

ما ذكره العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى وهو أن مشيك إلى القبر لتسمع الميت توسلك به وتعطف قلبه عليك وتتخذ عنده يداً بقصده وزيارته والدعاء عنده والتوسل به إذ قد تقدم أنه قد انقطع عمله فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً فكيف بغيره وهذا المعترض ما وجد ما يرد به كلام الصنعاني إلا أنه من التابعين لابن تيمية ولم يأت بدليل يرد ما ذكره إلا أن معتقد أهل السنة والجماعة المعتصمين بكتاب الله وسنة رسوله معتقد فاسد وذاك لجهله بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يشدون الرحال لزيارة المشاهد ويقصدونهم لتفريج الكربات وإجابة الدعوات هذا لم ينقله أحد عنهم ولم يفعله أحد منهم وليس عند هذا المعترض إلا ما عند عبدة القبور والصالحين من الأكاذيب الموضوعة والحكايات المصنوعة والحكايات المصنوعة وتمويهات من كانت أفئدتهم بالشر مطبوعة. قال المعترض: ومما يرد قوله: فهو عاصٍ آثم ما نقله عبد الله السندي عن الشيخ حسين بن

стр. 107

غنام الإحسائي وهو من علمائهم المرضين عندهم إلى آخر ما نقله المعترض. والجواب: أنّ هذا المعترض أسقط من كلام الشيخ ابن غنام ما يهدم أصله ويوافق الصنعاني ﵀ وذكر ما لا يغني عنه عند التحقيق وجعله مناقضة وأنا أذكر كلام الصنعاني ﵀ وكلام ابن غنام على أصله ليتبين لك تمويه هذا المعترض وعدم علمه ومعرفته بكلام العلماء والمتوافق المؤتلف والمتناقض المختلف قال الصنعاني ﵀: "ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم فقل له فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع فإن دعاك للميت عند نزول أمر ربّك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فإن كنت تهذوا بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك وهكذا إن كنت تنحر لله وتندر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره فإنّ الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته

стр. 108

وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فراراً عن أن يلزمك ما لزم عبّاد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ الآية [الأنعام:١٣٦] ، فتأمل كلامه ﵀ وأن هذا فعل عاقل مختار قاصد معتقد لذلك ثم قال: بعد ذلك في حال الزائر وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص إثم. وأما كلام ابن غنام ﵀ فقال: "العاشرة: قولهم في الاستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين وقول أحمد يتوسل بالنبي ﷺ خاصة مع قولهم أنه لا يستغاث بمخلوق فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام فما نحن فيه فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه هذه المسألة من مسائل الفقه ولو كان الصواب عندنت قول

стр. 109

الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه" أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين" أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين فأين هذا مما نحن فيه فانظر رحمك الله كيف أسقط من كلام ابن غنام مما يهدم أصله وذكر منه ما ظن أنه مناقضة وهو عين الموافقة فإن قوله ﵁ لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات موافق لكلام الصنعاني ﵀ في قوله فإن دعائك للميت عند نزول أمر ربك لا يكون ألا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فأين المناقضة بين هذين الكلامين. وأما قول الصنعاني في حال الزائر

стр. 110

وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم وقول ابن غنام فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك إلى آخره فإن كلام الصنعاني ﵀ في شد الرحال لزيارة المشاهد وشد الرحال إليها بدعة محرمة ومن فعل ذلك ولم يكن له اعتقاد في البيت فهو عاص آثم لقوله ﷺ : "لا تشد الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد" الحديث. وأما شد الرحال إلى المشاهد فبأي دليل ومن فعل ذلك كان عاصيّا آثما لارتكابه ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وكلام ابن غنام في التوسل. وقد اختلف العلماء في جوازه ومنعه كما ذكروا إذا كانت المسألة اجتهادية فهولاء إنكار في مسائل الاجتهاد فأين المناقضة بين هذين الكلامين هذا في التوسل وهذا في شدّ الرحال، وابن غنام ﵀ من أشد الناس منعاً من شد الرحال إلى المشاهد وليس في كلامه هذا ما يشعر بجوازه لا لفظا ولا معنى إنما كلامه في الفرق بين من يدعو الصالحين ويطلب منهم تفريج الكربات
следующие страницы →