← Акыда

Акыда · id 7568

البيان المبدي لشناعة القول المجدي

سليمان بن سحمان

Полный текст (159 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ما ذكره العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى وهو أن مشيك إلى القبر لتسمع الميت توسلك به وتعطف قلبه عليك وتتخذ عنده يداً بقصده وزيارته والدعاء عنده والتوسل به إذ قد تقدم أنه قد انقطع عمله فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً فكيف بغيره وهذا المعترض ما وجد ما يرد به كلام الصنعاني إلا أنه من التابعين لابن تيمية ولم يأت بدليل يرد ما ذكره إلا أن معتقد أهل السنة والجماعة المعتصمين بكتاب الله وسنة رسوله معتقد فاسد وذاك لجهله بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يشدون الرحال لزيارة المشاهد ويقصدونهم لتفريج الكربات وإجابة الدعوات هذا لم ينقله أحد عنهم ولم يفعله أحد منهم وليس عند هذا المعترض إلا ما عند عبدة القبور والصالحين من الأكاذيب الموضوعة والحكايات المصنوعة والحكايات المصنوعة وتمويهات من كانت أفئدتهم بالشر مطبوعة. قال المعترض: ومما يرد قوله: فهو عاصٍ آثم ما نقله عبد الله السندي عن الشيخ حسين بن

стр. 107

غنام الإحسائي وهو من علمائهم المرضين عندهم إلى آخر ما نقله المعترض. والجواب: أنّ هذا المعترض أسقط من كلام الشيخ ابن غنام ما يهدم أصله ويوافق الصنعاني ﵀ وذكر ما لا يغني عنه عند التحقيق وجعله مناقضة وأنا أذكر كلام الصنعاني ﵀ وكلام ابن غنام على أصله ليتبين لك تمويه هذا المعترض وعدم علمه ومعرفته بكلام العلماء والمتوافق المؤتلف والمتناقض المختلف قال الصنعاني ﵀: "ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم فقل له فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع فإن دعاك للميت عند نزول أمر ربّك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فإن كنت تهذوا بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك وهكذا إن كنت تنحر لله وتندر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره فإنّ الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته

стр. 108

وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فراراً عن أن يلزمك ما لزم عبّاد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ الآية [الأنعام:١٣٦] ، فتأمل كلامه ﵀ وأن هذا فعل عاقل مختار قاصد معتقد لذلك ثم قال: بعد ذلك في حال الزائر وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص إثم. وأما كلام ابن غنام ﵀ فقال: "العاشرة: قولهم في الاستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين وقول أحمد يتوسل بالنبي ﷺ خاصة مع قولهم أنه لا يستغاث بمخلوق فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام فما نحن فيه فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه هذه المسألة من مسائل الفقه ولو كان الصواب عندنت قول

стр. 109

الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه" أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين" أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين فأين هذا مما نحن فيه فانظر رحمك الله كيف أسقط من كلام ابن غنام مما يهدم أصله وذكر منه ما ظن أنه مناقضة وهو عين الموافقة فإن قوله ﵁ لكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات موافق لكلام الصنعاني ﵀ في قوله فإن دعائك للميت عند نزول أمر ربك لا يكون ألا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك فأين المناقضة بين هذين الكلامين. وأما قول الصنعاني في حال الزائر

стр. 110

وإذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم وقول ابن غنام فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك إلى آخره فإن كلام الصنعاني ﵀ في شد الرحال لزيارة المشاهد وشد الرحال إليها بدعة محرمة ومن فعل ذلك ولم يكن له اعتقاد في البيت فهو عاص آثم لقوله ﷺ : "لا تشد الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد" الحديث. وأما شد الرحال إلى المشاهد فبأي دليل ومن فعل ذلك كان عاصيّا آثما لارتكابه ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وكلام ابن غنام في التوسل. وقد اختلف العلماء في جوازه ومنعه كما ذكروا إذا كانت المسألة اجتهادية فهولاء إنكار في مسائل الاجتهاد فأين المناقضة بين هذين الكلامين هذا في التوسل وهذا في شدّ الرحال، وابن غنام ﵀ من أشد الناس منعاً من شد الرحال إلى المشاهد وليس في كلامه هذا ما يشعر بجوازه لا لفظا ولا معنى إنما كلامه في الفرق بين من يدعو الصالحين ويطلب منهم تفريج الكربات

стр. 111

وإغاثة اللهفات وبين من لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً لكن يقول في دعائه أسألك بكذا وكذا فإن فعل الأول عنده كفر وخروج من الإسلام والثاني فعله مكروه عنده ومن فعله باجتهاد فلا ينكر عليه ولكن هذا المعترض أراد بهذا التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر وإن كلام هؤلاء متناقض فالله يجزيه الذي هو أهله. فصل: قال المعترض ـ بعد أن ذكر كلام الشوكاني في قوله: إن التوسل بأهل الفضل هو في التحقيق توسل بأعمالهم إذ لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله ورد السندي على الشوكاني هذا الكلام بأربعة وجوه ذكرها قال المكي: فانظر كيف أنكر على الشوكاني تقدير المضاف واستدلّ بالرّد عليه بوجوه أربعة كما نقلته آنفاً ثم وقع في تقدير المضاف في قوله، فإن المراد بالتوسل بالنبي ﷺ هو التوسّل بدعائه إلى كلامه. ومقصوده بهذا أنهما من اتباع ابن تيمية وقد ناقض أحدهما الآخر، والجواب أن يقال: إذا كان السندي من أتباع ابن تيمية والشوكاني كذلك من أتباع ابن تيمية

стр. 112

واختلفا في مسألة فاختلافهم لا يسقط الحق مع من كان والحق أحق أن يتبع والصواب هو ما قاله السندي فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجازا لا لمانع فلا يتم له الدليل على أن التوسل بذواتهم إنما هو باعتبار ما قام بهم من الأعمال الصالحة فإن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة لم يتوسلوا إلا بأعمالهم الخارجة عن حقيقة الذات ولم يتوسلوا بذواتهم وكونه أعني هذا المعترض جعل كلام السندي متناقضاً لأنه قال في آخر الكلام فإن المراد بالتوسل بالنبي ﷺ وبعم النبي ﷺ في هذا القول هو التوسل بدعاء النبي ﷺ وبدعاء عمّه هذا ليس بتناقض فإن التوسل بالنبي في عرف الصحابة هو التوسل بدعائه وكذلك لما توسل عمر بالعباس إنما هو بدعائه لقوله: "قم يا عباس فادع الله"، وكقول معاوية ليزيد بن الأسود الجرشي: "قم يا يزيد فادع الله"، وليس هذا توسلاً بالذوات لأن التوسل بالذوات لم يرد إلا بلفظ غير ثابت لا يصح والتوسل بالأعمال قد ثبت بالكتاب

стр. 113

والسنة الصحيحة وليس هذا من تقدير المضاف في شيء حتى يكون تناقضاً. فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها عبد الله السنديّ بعد أن نقل عن شيخنا السيد دحلان أن العلامة ابن جماعة نقل عن الإمام أبي حنيفة استقبال القبر الشريف أي للزائر عند السلام عليه ﷺ ، قوله: أقول راجعت منسك ابن جماعة فلم أجد أثراً من هذا النقل وإنما فيه في ذلك الباب إن الذي صححه الحنفية أنه يستقبل القبلة عند السلام عليه والدعاء إلى آخره قال: والجواب: أولاً: أن شيخنا فيما نقله عن ابن جماعة من الأوضاع التي ملأ بها رسالته الوضيعة ومقالاته الواهية الشنيعة فإنه رجل كذاب وضاع لا يستحيي من الكذب على أهل العلم وقد قال ﷺ : "إن مما أدرك الناس من أمر النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت". والذي يدل على كذبه ما قاله ابن جماعة في منسكه: أن الذي صحّحه الحنفية أنه يستقبل

стр. 114

القبلة عند السلام عليه والدعاء وإطلاق دحلان ما نقله عنه ولم يقيده بمنسك ولا باب غير مسلم له صحة ذلك؛ لأنه معروف بالوضع والكذب وإذا كان ذلك كذلك فالمثبت للكذب لا يقدم على النافي له فإن المتقرر عند العلماء إن الجرح مقدم على التعديل فمالك ولهذه الصناعة وأنت لست ممن يتجر في هذه البضاع ولا ممن يسرح النظر في تلك الفياض ويسيم في فيح تلك المطاوح والرياض. فقل لغليظ القلب ويحك ليس ذا ... بعشك فادج طالباً عشك البال ولا تك ممن مد باعا إلى جنا ... فقصر عنه قال ذا ليس بالمجال وقول المعترض: أن في رد هذه المقالة الخاطئة سوء أدب في حق علامة زمانه فهذا من عدم معرفته بما كان عليه أهل الحديث من الجرح والتعديل ونفيهم ما لم يصح نقله عن أهل العلم بالبرهان والدليل إذ نفى الكذب عنهم من نصرهم والذب عنهم والقيام بحقوقهم وبتبرئتهم من الكذب المنسوب إليهم وأما دحلان فهو لا حرمة له لأنه من الدعاة إلى عبادة القبور وطلب الحوائج من الأموات والالتجاء إليهم في كشف الشدائد في الملمات والمهمات ومن كان بهذه المثابة

стр. 115

فلا حرمة له ولا كرامة قال: وأرجو بفضل الله إن لم تتب وتندم أن يجازيك الله على سؤضيعك تباً ليفك هذه الرسالة في الرد على شيخنا السيد أحمد دحلان بالذل والهوان في الدنيا والآخرة سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار. والجواب أن يقال: نعم إذا انكشف الغبار، وافترق الناس فريقين فريق إلى الجنة وفريق إلى النار، هل تحته فرس أجراه لنصر الله ورسوله وأئمة المسلمين أو حمار، وستعلم حينئذ من كان على نهج الرسول وطريقه ومن نحى طريقة أبي جهل وكان من فريقه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] ، و ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] ، وليس من نصر الله ورسوله وأئمة المسلمين وذب عنهم وأمر بتوحيد الله بإخلاص العبادة له بالدعاء والخوف والرّجاء والخشية والرغبة والرهبة والخضوع والخشوع والمحبة والتعظيم والتوكل والإنابة والاستغاثة والاستعانة وغيرها من أنواع العبادات كمن ذب عمن صرفها لغيره من المعبودات الأحياء منهم والأموات فأحبهم محبة تأله وخضوع ودعاء مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا

стр. 116

يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسموات وعكف حول أجداثهم وقبل أعتابهم وتمسح بآثارهم طلبا للغوث واستجابة الدعوات. والله لن يستويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان وما أحسن ما قيل شعراً: وما يستوي الشخصان هذا مصعد ... إلى المرقب الأعلى وهذا مصوب وما يستوي البرقان هذا مبشر ... بغيث وهذا كاذب للمع خلّب ولولا العيون الرمد ما كان يستوي ... على حالة ضدان نور وغيهب فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها السندي بعد أن نقل عن شيخنا عن ابن حجر أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسّل بالإمام أبي حنيفة إلى آخر قوله: لا بد فيما ذكر من سند يعتمد عليه وبعده أقوال من ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قال: فيقال لعبد الله السندي مثل هذا المطلب لا يتوقف على سند الأحكام إلى آخر ما قال. والجواب إنما قاله عبد الله السندي هو الحق والصواب لما قدمنا أن الناقل لها معروف بالوضع والكذب وهي كما ذكر في إغاثة اللهفان

стр. 117

من أن الحكاية المنسوبة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر بل قد ثبت عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: "أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء ذكره شيخ الإسلام ﵀ وأما كون هذا المطلب لا يتوقف على سند فهذا لا يقوله من له أدنى إلمام بالعلوم ولا معرفة له بالمنطوق والمفهوم بل لا بد في نقل ذلك من سند يعتمد عليه وإلا فهو كذب والكذب مردود على من افتراه وافترعه. وقول المكي: وكفى بقولك أقوال من ذكروا فعالهم ليست من الحجة في شيء قبحا وسوء أدب مع الإمام الشافعي وأضرابه وإذا لم تقتد بأقوال وأفعال من ذكر في مثل هذه الفضائل فيمن يحسن الاقتداء إلى آخر ما قال، فيقال: لو صحت هذه الحكاية وحاشى وكلاً إن تصح وكان الشافعي ﵁ قد فعلها ولم يفعلها مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد فضلاً عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفكان فعله حجة على مالك وأبي حنيفة وأحمد

стр. 118

وعلى كل من خالفه في هذه المسألة والصحابة ﵃ لم يذكر عن أحد منهم أنه فعل هذا ولا جاء به خبر عن رسول الله ﷺ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ومن نقل هذا عن أحد من الصحابة فعليه الدليل بنقل العدل الضابط عن مثله وإذا لم ينقل فهو مردود على من قال به أو فعله لأن العبادات مبناها على التوقيف وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب عليهم. قال أبو حنيفة ﵀: "هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه"، ومالك كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، أو كلاماً هذا معناه والشافعي يقول: "إذا صح الحديث فأضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق" فهي قولي والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري وتعلم كما تعلمنا". فإذا كان الأئمة الأربعة ﵃ قد نهونا عن تقليدهم إلا فيما وافق الكتاب والسنة ولم يكن مع الإمام الشافعي سنة فيما فعله على سبيل الفرض والتقدير

стр. 119

لم يكن حجة كيف وقد قال: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط"، وحسن الأدب معه أن يتمثل أمره في المعروف وسوء الأدب معه أن يرتكب ما نهى عنه مما خالف الحق ويكفيك من سوء معتقد هذا المكي وعدم بصيرته أنه جعل هذه الأوضاع التي لا تصح عن أحد من الأئمة فضائل فالله المستعان. فصل: قال المعترض: ومن تلك الأمور التي ذكرها عبد الله ترجمته لمحمد بن عبد الوهاب ناقلاً عن الشيخ حسين بن غنام الأحسائي مما يفيد الثناء على محمد بن عبد الوهاب، قال: فيقال لعبد الله السندي عندنا معاشر أهل الحق من أهل المذاهب الأربعة ومقلديهم أن ثناءك على ابن عبد الوهاب من أعظم عيوب رسالتك وكيف تثني على من طبق البقاع خبره الشنيع وملأ الأسماع وصفه الوضيع، وقد ذمّه من علماء عصره عدد كثير فذكر منهم عبد الله بن داود الحنبلي، وأحمد بن علي القباني صاحب البصرة وعطاء المكي وأحمد المصري الأحسائي، ومحمّد بن عبد الرحمن بن عفالق، وعلوي بن أحمد الحداد. والجواب أن يقال: إن معاشر أهل الحق ولله الحمد والمنة على خلاف ما زعمت وعلى غير

стр. 120

طريقتك التي انتحلت وقد أثنوا عليها وارتضوها وأقروا ما فيها من الثناء الجميل ويتقنوا فضل الشيخ وعلمه وتحقيقه، وصنفوا مصنفات أوضحوا فيها معتقده وتصديقه وأنه كان على ما كان عليه السلف الصالح في باب العلم والإيمان، والتحقيق والعرفان، ولا عبرة بمن خالفهم وإن كانوا عديد الشاء والبعران وأما من ذمه ممن ذكرت فإن كل هؤلاء ممن شرق بهذا الدين وعصفت عليهم عواصف الشقوة فسفتهم إلى أسفل السافلين، وماذاك إلا لما ألفوه من عادات أهل الزمان من عبادة الطواغيت والأوثان و ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: من الآية٢٣] . وحسداً منهم وبغيا حيث من الله على هذا الشيخ بإظهار هذه الدعوة كما قال إخوانهم ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: من الآية٥٣] ، وكل من هؤلاء قد أدحض الله حجته وألقم حجراً بالعلم والبرهان وصارت مصنفاتهم وردودهم ضحكة للساخرين وشماتته لمن نظر فيها من أهل المعرفة والدين؛ لأنهم إنما نقلوا فيها منكراً من القول وزوراً، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: من الآية٥] وعدلوا عن منهج

стр. 121

الإصابة والصدق فهم بما لفقوه يموهون، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] ، وأظنوا أنهم بما كتبوه حازوا قصب السبق والغناه وعجوا وضجوا وما أبقوا ممكنا، وحسبوا أنهم لهذا الدين يطفؤن ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: من الآية٣٢] . فلما طلع عليهم باسم هذا النور، وعصفت عليهم عواصف الهوان والدبور، تسنموا غارب البهتان والفجور، وأظهروا أنهم لهذا الدين ينصرون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ـ١٢] . وزينوا للناس سلوك مناهج الضلال والهلاك وزجوهم إلى ما يوقعهم في شبائك الإشراك، وأوهموا الجهّال والطغام أنهم يهدون بالحق وبه يعدلون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] ، وقد دعاهم الشيخ إلى دين الله ورسوله وأشادلهم المنار والمعالم عن فروعه وأصوله وبين لهم كيف الطريق إلى وصوله وكشف لهم القناع ولكنهم به يستهزؤون ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [لأنفال:٢٣] فمزقهم الله تعالى: أيادي سبا، وأظهر الله من أظهر دين وأحبتي، و

стр. 122

مكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم وحبا فهم بجبله مستمسكون ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ـ٦] . وقول هذا المعترض: أفتريد أيّها السندي أن تروج برسالتك هذه ضلال من اتضح لمن ذكر حاله وحال متبعيه مثلم بل قد زدنا بوصول رسالتك ورسالة التابع لك عبد الكريم بصيرة بأحوالكم وأعمالكم. فالجواب أنه ولله الحمد ما أراد برسالته غير نصر الحق وإدالته وإدحاض الباطل وإزالته، وبيان هوس هذا المكي وجهالته، وسوء معتقد وضلالته ما أراد الترويج كما حرر هذا الجاهل بمقالته الشنيعة، وأظهره في اعتراضاته الوضيعة، وهذا هو الواجب على من أعطاه الله العلم ومنحه بكرمه وفضله الدراية والفهم ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: من الآية١٠٨] ، و ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [لأنفال: من الآية٤٢] ، ثم ذكر بعد هذا ما لخصه من تأليف علوي بن أحمد الحداد فيما جمعه من أقوال من عاصر شيخ الإسلام

стр. 123

ابن تيمية ﵀ من حاسديه ومعاديه لأجل حظوظ نفوسهم وبغيا منهم أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وما أحسن ما قيل، وما ضرّ عين الشمس إن كان ناظراً، إليها عيون لم تزل دهرها عميا. فأما ما نقله عن الذهبي ﵀ وهو ممن أثنى على شيخ الإسلام ونشر فضله وعلمه، وهو من أجل تلامذته ففيه بعض الألفاظ المخالفة لما تقدم عنه في ترجمته لشيخ الإسلام ولا آمن أن تكون من تحريفات هؤلاء الوضاعين. وأما كلام الشعراني عن أبي الحسن الشاذليّ فشنشنة أعرفها من أخزم فلا جرم أنه ممن تظاهر بعداوة الشيخ وما علمنا أن الشيخ ﵀ أنكر على أحد من العارفين المعروفين بالصلاح والولاية ولكنه بين كفر ابن عربي وأمثاله كابن الفارض وغيرهما من الملاحدة وهم عند هؤلاء من أولياء الله العارفين وهم من أكفر أهل الأرض عند العلماء المحققين، ومن شكّ في كفرهم فهو كافر كما ذكره الإمام ابن المقرئ الشافعي ﵀، وأما ما قال عبد الرحمن الأشموني في حاشيته نقلاً من فتاوى العراقي فقد أثنى عليه إلا في قدر ستين مسألة فروعية ذكر أنه وافقه

стр. 124

عليها غير واحد من الأئمة وحينئذ فلا مطعن عليه ولا لوم يتوجه إليه دون غيره من العلماء وقد تقرر عند أهل العلم أن لا إنكار في مسائل الاجتهاد ثم إنهم ولله الحمد لم يستطيعوا أن يحصروا حسناته كما حصروا لو سلم لهم بزعمهم سيئاته والعصمة إنما هي للرسل ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها، كفى المرأ نبلاً أن تُعدّ معائبه. قال المكي: وإذا تبين مازدناك هنا مما نقله الثقات في بيان حاله علمت واتضح لك أن وصف محمد بن عبد الوهاب، وحاله مبني ومتفرع على ما أصله ابن تيمية فهو ضلال وفساد متفرع على ضلال وفساد إلى آخر ما هذا به. والجواب أنا قد بينا فيما مضى من حال شيخ الإسلام ﵀ وما قاله أهل العلم والتحقيق ما يعلم به فضله وعلمه وورعه وزهده وسمته وهديه وأنه على ما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول من حسن السيرة وسلامة المعتقد وأنه برئ مما نسب إليه أعداؤه مما خالف الكتاب والسنة والسلف الصالح فلا نطيل بإعادته. وكذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بينا أصل ظهوره ودعوته وما كان عليه أهل الأقطار من الشرك

стр. 125

وعبادة الأولياء والصالحين والطواغيت والأوثان خصوصاً أهل نجد قبل دعوته وذكرنا شيئاً من سيرته وأخباره وعقيدته وشيئاً من كلامه في رسائله والعجب كل العجب أن هذا المعترض قد تصفح رسالة السندي من أولها إلى آخرها وهي مملوءة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وتلامذته فلم يفرح على لفظة واحدة من كلامهم بحق يحقه أو باطل يبطله ولو وجد باطلاً وهو ذو علم ما أهمله ولكنه عدل إلى هذه المعارضة والمناقضة للسندي التي هي أوهن من بيت العنكبوت وقد خصم نفسه في أول وهلة من كتابه حيث قال في رده على السندي وعبد الكريم ولم التفت لمعارضته كل واحد منهما في رد مقالته ببرهان عقلي وشرعي وإذا تبين لك أنه لم يرد مقالتهما ببرهان عقلي أو برهان شرعي كان رده وكلامه من جنس كلام المجازيب الذين ينطقون بما لا يعقلون ومن كلام من يقول على الله بلا علم إذا الكلام الخالي من البرهان الشرعي قول بلا علم والعلم، قال الله وقال رسوله، والكلام الخالي من البرهان العقلي لا يقيم حجة ولا يهدى إلىمحجة بل مجرد هوس وتخليط فالحمد لله الذي جعلهم بهذه المثابة وحرمهم

стр. 126

ببغيهم وعدوانهم طريق الإصابة، ثم ذكر بعد هذا فصلا فقال فصل، ما كتبته على ما ذكره عبد الله السندي يغني في الرد على رسالة عبد الكريم إذ هي صغيرة كالفرع عن رسالة عبد الله السندي لكني رأيت عبد الكريم في رسالته قال: فإثبات علم المسؤلات مع البعد في المسافات من قبيل إثبات العلم بالمغيبات إلى آخر ما أطال به مما يفيدان من زعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب يكفر وأن من ادعى علم الغيب كان كافراً. والجواب أن يقال: إن هذا المعترض قد حذف من كلام عبد الكريم بعضاً وتصرف فيه وإنا أسوقه بحروفه فال عبد الكريم: "ويمكن كونه كناية عن أعلامه بأن فلانا صلى عليك فإثبات علم المسؤلات بناء على الحياة من غير فرق في القرب والبعيد من المسافات ولو في شأن أشرف الكائنات من قبيل العلم بالمغيبات" فحذف هذا المعترض من كلامه قوله: "بناء على الحياة من غير فرق في القريب والبعيد من المسافات ولو في شأن أشرف الكائنات"، وكلام عبد الكريم هذا حق فإن من زعم أن النبي ﷺ أو غيره كان بعد موته

стр. 127

يعلم ما يقع في الأقطار والجهات على بعد المسافات بناء على أنه كان في الحياة كذلك من غير فرق بين البعيد والقريب فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله كما قالت عائشة ﵂ من زعم أن محمداً رأى ربه فد كذب ومن زعم أن أحداً يعلم الغيب فقد كذب وهل في الوجود أفسد، ومن هذا البناء فما كان في حيوته ﵊ وهو في المدينة يعلم ويسمع ما يقع في أقطار الأرض من العرب والعجم بل روى عنه ﷺ أنه يسمع سلام المسلم من قريب ويبلغه من بعيد إذا تقرر هذا فقد قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: من الآية٥٩] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: من الآية٥٠] ، وقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: من الآية٦٥] ، وقال لنبيه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: من الآية١٨٨] ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النحل: من الآية٧٧] ، وقال له: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الكهف: من الآية٢٦] ، قال المسيح: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ

стр. 128

الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: من الآية١١٦] ، وقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، فمدح نفسه وأثنى عليها بانفراده وتخصيصه بعلم الغيب دون خلقه فإن كما العلم وإحاطته بجميع المعلومات كلياتها وجزئياتها وصف كمال استحق به تعالى أن يطاع ويتقي ويرجى ويعبد وعلم الخلائق أجمعين بالنسبة إلى علمه كنسبة ما يأخذه العصفور في منقاره من البحار كما في قصة موسى والخضر لأنهما لما ركبا في السفينة جاء عصفور فنقر في البحر فقال الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر فمن تقرر هذا لديه وأمن بما دل عليه لم يلتفت إلى إطلاق ما أطلقه هذا المعترض بقوله اعتراضاً على عبد الكريم أن كلامه يفيد أن من زعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب يكفر وأن من ادعى من المؤمنين علم الغيب لا يكفر بذلك وهل هذا إلا مصادمة ومصادرة لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: من الآية٦٥] ، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ

стр. 129

مِنَ الْخَيْرِ﴾ [لأعراف: من الآية١٨٨] ، ومن قال ذلك فقد انسلخ من الإسلام والعياذ بالله ولا يمر على سمع الموحد اسمج من هذا واشنع منه فتأمل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: من الآية٥٩] ، ثم تأمل إطلاق من أطلق أن النبي ﷺ أو غيره يعلم الغيب فإن صريح الآية نفى علم مفاتح الغيب عن غيره تعالى وكذلك قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: من الآية٦٥] ، فيه نفى علمه عن كل من في السموات والأرض إلا الله تعالى، وهي صريحة في النفي عن غيره، وكذلك قوله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: من الآية٥٠] صريح في نفي علم الغيب عن سيد ولد آدم فضلا عن غيره، وكذلك قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود: من الآية١٢٣] تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص والحصر، فعلم الغيب له تعالى لا لسواه، وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] هذا يفيد اختصاصه تعالى وانفراده بعلم الغيب لأن السياق لبيان الكمال والمدح والثناء على نفسه تعالى ولو ثبت ذلك لغيره لفات المقصود من السياق وكذلك قول المسيح يشير إلى هذا كما يدل عليه إقحام

стр. 130

الضمير بين خبر إن واسمها وكما يفيده التأكيد بأنّ، وفي الخبر أن جارية تغنت بقوله: "وفينا رسول الله يعلم ما في غد، فسمعها النبي ﷺ فقال لها: دعي هذا وقولي غيره"، وفي حديث عمر في سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة أن النبي ﷺ قال له: "في خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤] ، وقالت عائشة ﵂: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ومن زعم أن أحداً يعلم الغيب فقد كذب"، وتأمل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ الآية [سبأ:١ـ٢] كيف تجد تحتها من إثبات الحمد والثناء المطلق على نفسه المقدسة بما دلت عليه هذه الآيتان الكريمتان ولو قيل بمشاركة غيره في ذلك لفات الحمد المقصود ولما تأتى هذا الثناء بما يشاركه فيه مخلوق ضعيف، قال مالك بن أنس ﵀: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبرئيل على محمد ﷺ لأجل جدله". قال المعترض:

стр. 131

وحاصل ما ينبغي في تحقيق هذه المسألة من غير أن أطول بنصوص كثيرة بل أقتصر فيما يتعلق بما ذكر على صورة سؤال وملخص جوابه من خاتمة الفتاوى للشهاب ابن حجر الهيثمي، قال فيها: "سئل ـ أي الشهاب ابن حجر ـ بما لفظه: من قال: إن المؤمن يعلم الغيب هل يكفر، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن:٢٦] . أو يستفصل لجواز العلم بجزئيات من الغيب فأجاب بقوله: لا يطلق القول بكفره لاحتمال كلامه ومن تكلم بما يحتمل الكفر وغيره وجب استفصاله كما في الروضة وغيرها ومن استفصل فقال: أردت بقولي المؤمن يعلم الغيب أن بعض الأولياء قد يعلمه الله ببعض المغيبات قبل منه ذلك لأنه جائز عقلا وواقع نقلا إذ هو من جملة الكرامات الخارجة عن الحصر على ممر الأعصار فيعضهم يعلمه بخطاب وبعضهم يعلمه بكشف حجاب وبعضهم يكشف له عن اللوح المحفوظ حتى يراه إلى آخر ما قال. فالجواب أن يقال: إن العلم بجزئيات الغيب لا يفيد أن من علمه فقد علم الغيب أو أنه ناسخ للنصوص العامة المطلقة غاية ما هناك إثبات ما دلّ عليه الاستثناء في الآيات

стр. 132

الآتي بيانها كبعض الأفراد الجزئية وهو لا يمنع العموم بل العام باق على مفهومه كم لا يخفى على من له أدنى مفهوم وبهذا تعلم بطلان دعوى من ادعى أن الأموات يعلمون الغيب فإن هذه الدعوى مصادمة ومصادرة لما مر من النصوص ولأن الغيب اسم يقع على كل ما غاب عن الخلق من العلوم والمعارف وما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون فمن عرف هذا عرف أنه لا يجوز إطلاق القول بجواز حصول علم الغيب لأحد من الخلق وإما ما جاء من الاستثناء في بعض الآيات كقوله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ـ٢٧] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: من الآية٢٥٥] وهكذا قال ههنا أنه يعلم الغيب والشهادة وأنه لا يطلع أحداً من خلقه على شيء من علمه إلا بما أطلعه الله تعالى عليه ولهذا، قال: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فهذا يعم الرسول الملكي والبشرى ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن:٢٧] أي يختصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله ويساقونه على ما معه من وحي الله ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا

стр. 133

رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآية [الجن:٢٨] " انتهى. وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ فهذا يدل على أمرين تأكيداً لنفي وتحققه وإخراج بعض الأفراد التي يعلمها من شاء الله تعالى كما يعلم بالوحي ونحوه كذلك أخباره ﷺ عن أشياء وقعت فيما مضى وأخباره عن أشياء تقع في أمته فهذا ونحوه أمر جزئي بالنسبة إلى ما اختص الله بعلمه كما في حديث موسى وقول الخضر له ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر وهذا بالنسبة إلى علم الله وإن كثر واتسع بالنسبة إلى علوم الخلق فإنما يحصل لرسل الله من العلوم والمعارف لا نسبة بينه وبين علم الله الذي أحاط بكل شيء وأحصاه عدداً إذا علمت هذا وتحققته فعبد الكريم لا ينفى وجود الجزئيات في حد الكرامة وخرق الله العادة لوليه كما في قصة عمر وقصته آصف وقصة مريم وكما يذكر عن أبي إدريس الخولاني وعن العلاء بن الحضرمي وأمثالهم وذلك ونحوه داخل في عموم قوله إلا بما شاء وقد دخل فيه ما يحصل للإنبياء ﵈ بواسطة وبغير واسطة ولكن لا يقال: إن أحداً ثبت له هذا بجميع أنواع الغيب كلية وجزئية لأن ذلك لا يكون إلا لله كما

стр. 134

قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآية [لأعراف:١٨٨] ولا عبرة هنا بالمكابرة والدعوى المجردة عن الدليل والبرهان كقول بعض الضالين أن ذلك ثبت للأولياء على سبيل الكرامة فإن هذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة بل ولا قاله من يعتد به من هذه الأمة وإنما يعرف عمن غلظ عن معرفة الله ومعرفة حقه حجاب هم وكثر في دينه وخبره ريبهم واضطرابهم وعجزت عن معرفة قدره وعظمته وعموم علمه إلبابهم وإنما ينكر هو وكل مسلم إطلاق علم الغيب كما هو مصرّح به في كلامه وكما مر وذكره آنفا، وما قاله ابن حجر من أن بعضهم يكشف له عن اللوح المحفوظ حتى يراه وهله عظيمة وقوله مرفوضة ذميمة فما أعظم هذه من فرية وهل يجوز في خلد من يؤمن بالله واليوم الآخر إلا أنها كذب بلا مرية سبحانك هذا بهتان عظيم وهذا لا يقوله إلا أفراخ الجهمية والاتحادية الذين يزعمون أن الولي ارفع منزلته من الرسول لأن الرسول يأخذ عن الله بواسطة الملك والولي يأخذ عن الله بلا واسطة وينشدون في ذلك.

стр. 135

مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي وقد جاء في الحديث الصحيح أنه لا ينظر فيه غير الله في حديث أبي الدرداء واللوح المحفوظ فوق السموات كما جاء في الحديث: "أن الله كتب كتاباً فهو عنده على العرش" فسبحان الله ما أعظم هذا الإفتراء وما أجراهم على الله وما حصل هذا لأفضل خلق الله وأكرمهم عليه سيد ولد آدم فكيف بغيره من الأولياء. وما جرى للخضر فإنما هو كما قال لموسى: "إنك على علم من الله علمك إياه لا أعلمه وأنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه" أو كما قال، لا يقال أنه أخذه عن اللوح المحفوظ إلا بدليل ولا دليل على ذلك لا من كتاب ولا سنة ولا عن أحد من أهل العلم. وخبر أبي بكر من قبيل الفراسة، وما ذكر عن عمر ﵁ فهو على سبيل الكرامة والكشف وتقدم أن هذا الجزئي لا يفيد أن من علمه فقد علم الغيب أو أنه ناسخ للنصوص العامة المطلقة غاية ما هناك إثبات ما دل عليه الاستثناء في الآيات كبعض الأفراد الجزئية وهو لا يمنع العموم بل العام باق على مفهومه فسبحان الله ما أجهل من أطلق علم الغيب على غير الله تعالى من حيّ

стр. 136

أو ميت وما أضله عن سوآء السبيل كيف يعارضون النصوص بهذا الكلام المموه المزخرف ويعتمدون عليه وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم وذلك أن من علم شيئاً من جزئيات الغيب بنوع من الكرامات أو المكاشفات يقال: إنه يعلم الغيب ومن قال إنه يعلم الغيب لا يكفر وهل هذا لا تكذيب ومكابرة للقرآن، وأعظم من هذا من يزعم أن الولي يكشف له عن اللوح المحفوظ فيراه وقد قال بعض العلماء المحقيقين، فمن ادعى أنه إذا راض نفسه يرى ما كتب في اللوح المحفوظ ويعلم الغيب فهو كافر وبما ذكرناه يعلم كذب هذا المكي على عبد الكريم وعلى غيره من العلماء وهم إنما يكفرون من يطلق علم الغيب لغير الله لمصادمته للآيات الواردة في ذلك واختصاصه بالله دون غيره نبيا كان أو وليا وفي كلام ابن حجر ما يرد اعتراض هذا المكي وذلك قوله وحينئذ لا يطلق أنهم يعلمون الغيب والله أعلم. فصل: قال المعترض: اعلم أنه من مدة سنين جاء على خاطري أن أهل الحق والصلاح وإن كانت لهم سيما وعلامات كثيرة لكن ظهر أن من أحسن العلامات وأقربها

стр. 137

وضوحا أن أهل الحق والصّلاح يحبون الإمام حجة الإسلام الغزالي ويحبون مصنفاته كإحياء علوم الدين ومنهاج العابدين والأربعين الأصل، ويحبون المطالعة فيها ويرغبون في العمل بمقتضاها وأهل الباطل والضلال على ضد وصف من ذكر فلا يحبون الإمام الغزالي ولا يحبون مصنفاته المذكورة ولا يقرؤنها ولا يرغبون في العمل بمقتضاها فمن كان على الوصف الأول فهو إن شاء الله تعالى من أهل الحق والصلاح ومن أهل السنة والجماعة ومن السواد الأعظم التابعين لرسول الله ﷺ ومن كان على الضد من ذلك فهو من أهل الباطل والضلال، ثم ذكر شيئاً من سيرته وشيئاً من الترهات السامجة الباردة في فضل كتب الغزالي ومنها قوله: وأما تعظيم السّادة آل ابن علوي للأحياء فكثير جداً، فقد كان سيّدنا تاج العارفين عبد الله بن أبي بكر العيدروس يكاد يحفظه نقلا ويحث على التزام مطالعته والعمل بقوله وفعله ويقول عليكم يا إخواني بمتابعة الكتاب والسنة أعني الشريعة المشروحة في الكتب الغزالية وشرح الكتاب والسنة مستوفى في كتاب الإحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وقال أيضاً

стр. 138

وبعد فليس لنا طريق ومنهاج سوى الكتاب والسنة وقد شرح ذلك كله سيّد المصنفين وبقية المجتهدين حجة الإسلام الغزالي في كتابه العظيم الشأن الملقب بأعجوبة الزمان إحياء علوم الدين الذي هو عبارة عن شرح الكتاب والسنة والطريقة وهو موضع نظر الله تعالى وموضع نظر رسول الله فمن أحبه وطالعه وعمل بما فيه فقد استوجب محبة الله تعالى ومحبة رسوله وملائكته وأنبيائه وأوليائه وجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة وصار عالما في الملك والملكوت ولو بعث الله تعالى الموتى لما وصفوا الأحياء إلا بما في الأحياء إلى آخر ما هذا به، وقد تركنا أسمج من هذا وسقنا هذا بحروفه لتعرف حقيقة ما عند هذا المكي وما هو عليه وأنه جعل كتب الغزالي معيارا فمن عمل بها وبمقتضاها فهو من أهل الحق عنده وليس على هذا الهوس من مزيد ولا عن مناقضته بالحق من محيد وإن كان ليس من غرضنا رد ما فيه لكن لما ذكر أن من لم يعمل به فهو من أهل الضلال وقد تكلم العلماء الأجلاء في كتب الغزالي وبينوا ما فيها من الأمور المخالفة للشريعة. ونذكر منها طرفا ليعلم به نسبته أهل

стр. 139

العلم إلى الضلال. قال شيخنا شيخ الإسلام: وقدوة العلماء الأعلام الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ عبد الله بن معيذر، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: قد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية وغيرة دينية على الملة الحنيفية وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة والتأويلات الضالة الخاسرة والشقاشق التي اشتلمت على الداء الدفين والفلسفة في أصل الدين وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله وأن يلتزموا سبيل المؤمنين وحرم اتخاذ الولائج من دون الله ورسوله ومن دون عباده المؤمنين هذا الأصل المحكم لأقوام للإسلام إلا به وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين وكسى الفلسفة لحاء الشريعة حتى ظنها الأغمار والجهال

стр. 140

بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ودخل به الناس في الإسلام وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة يعرفها ألوا الأبصار ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها ومطالعة خافيها وباديها بل أفتى بتحريفها علماء المغرب ممن عرف بالسنة وسمها كثير منهم إماتة علوم الدين وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع وزيف ما فيه من التمويه والترقيع وجزم بأن كثيراً من مباحثه زندقة خالصة لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل قال شيخ الإسلام: "ولكن أبو حامد دخل في أشياء من الفلسفة وهي عند ابن عقيل زندقة وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة ورد عليه شيخ الإسلام في السبعينية وذكر قوله في العقول والنفوس وأنه مذهب الفلاسفة فأفاد وأجاد ورد عليه غيره من علماء الدين وقال فيه تلميذه ابن العربي المالكي: "شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسلفة ثم أراد الخروج فلم يحسن وكلام أهل العلم معروف في هذا لا يشكل الأعلى من هو مزجي البضاعة أجبني عن تلك الصناعة إلى أن قال: إذا سمعت بعض

стр. 141

عباراته المزخرفة قلت: كيف ينهانا عن هذا فلان أو يأمر بالأعراض عن هذا الشأن كأنك سقطت على الدرة المفقودة والضالة المنشودة وقد يكون ما أطربك وهز إعطافك وحركك فلسفة منتنة وزندقة مبهمة أخرجت في قالب الأحاديث النبوية والعبارات السلفية إلى أن قال: ثم جمعت بعض أقوال العلم وما أفتوا به في هذا الكتاب وتحذيرهم للطالب والمسترشد ثم ذكر كلاما طويلاً للذهبي في ترجمته للغزالي قال: ومن معجم أبي علي الصدفي في تأليف القاضي عياض له قال الشيخ: أبو حامد ذو الأبناء الشنيعة والتصانيف العظيمة غلا في طريقة التصوف وتجرد لنصر مذهبهم وصار داهية في ذلك والف فيه تواليفه المشهورة أخذ عليه فيها مواضع وساءت به ظنون أمه والله أعلم بسره ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها فامتثل ذلك، وقال الذهبي أيضاً: قد ألف الرجل في ذمّ الفلاسفة كتاب التهافت وكشف عوارهم ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق أو موافق للملة ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل

стр. 142

إخوان الصفا وهو داء عضال وجرب مردي وسم قاتل ولولا أن أبا حامد من الأذكياء وخيار المخلصين لتلف فالحذر الحذر من هذه الكتب وأهربوا بدينكم من شبه الأوائل والأوقعتم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية ولكيثر الاستغاثة بالله واليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادات التابعين والله الموفق فيحسن قصد العالم يغفر له وينجو إن شاء الله" انتهى. قلت: فتأمل كلام الذهبي ﵀ وهو من أئمة الشافعية المشهورين بالصّلاح والمعرفة والدين حيث قال ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن البنوية القاضية على العقل ثم تأمل ما ذكره المكي من أن كتاب الإحياء هو عبارة عن شرح الكتاب والسنة والطريقة وهو موضع نظر الله تعالى وموضع نظر رسول الله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: من الآية١٦] ، وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمد القرطبي: "إن بعض من يعض ممن كان ينتحل رسم الفقه ثم بترا منه شغفا بالشرعة الغزالية والنحلة الصوفية أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام برعتهم فأين هو من تشنيع مناكيره وتضليل أساطيره المباينة للدين وزعم أن

стр. 143

هذا من علم المعاملة المفضى إلى علم الكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعة ولا يفوز بإطلاعه إلا من تمطى إلى شيخ ضلالته التي رفع لهم أعلامها وشرع أحكامها قال أبو حامد وأدنى من هذا العلم التصديق به وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر فيه شيئاً فأعرض من قوله على قوله ولا تشتغل بقراءة قرآن ولا بكتب حديث لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جيبه والتدثر بكسائه فيسمع نداء الحق فهو يقول ذروا ما كان السلف عليه وبادروا ما آمركم به ثم إن القاضي أقذع وسب وكفر وقال أبو حامد وصدور الأحرار قبور الأسرار ومن أفشى سر الربوبية كفر ورأمثل قتل الحلاج خير من إحياء عشرة لإطلاقه ألفاظا ونقل عن بعضهم قال للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم وللعلم سر لو كشف لبطلت الأحكام. قلت: سرّ العلم قد كشف بصفة أشقياء فانحل النظام وبطل لديهم الحلال والحرام قال ابن حمد ثم قال الغزالي بهذا إن لم يرد إبطال النبوة في حق الضعفاء فما قال ليس بحق فإن الصحيح لا يتناقض وإن الكامل لا يطفى نور معرفته نور ورعه وقال الغزالي العارف يتجلى له أنوار الحق وتنكشف له العلوم المرموزة المحجوبة عن الخلق

стр. 144

فيعرف معنى النبوة وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة التي نحوه منها على ظاهرها قال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية قلت: صديقا فإذا ذرأيته في النهاية، قلت: زنديقا ثم فسره الغزالي فقال: إذ اسم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض لا بمعطل النوافل وقال: ذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول الله الله الله على الدوام فيفرغ قلبه ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث فإذا بلغ هذا الحد التزم الخلوة ببيت مظلم ويدثر بكسائه فحينئذ يسمع نداء الحق ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] . قلت: إنما سمع شيطانا أو سمع شيئاً لا حقيقة له من طيش دماغه والتوفيق في الاعتصام بالكتاب والسنة والإجماع. وقال أبو بكر الطرطوشي: "شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ وما على بسيط الأرض أكذب منه شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا وهم قوم يرون النبوة مكتسبة وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق" انتهى. قلت: والمقصود أنه ذكر في ترجمته للغزالي أن من لم يقرأ في كتبه ويعمل بمقتضاها فهو من أهل الباطل وقد رأيت ما ذكره هؤلاء الأئمة الأفاضل من ذم كتب الغزالي وعلى زعم هذا المكي أن الهدي

стр. 145

لا يؤخذ من الكتاب والسنة ولا يعمل بمقتضاهما ويكفي من ذلك النظر في الإحياء والعمل بمقتضاه وهل هذا إلا نبذ للكتاب والسنة وراء الظهر فالله المستعان ويلزم من كلامه هذا أن أئمة الإسلام المذكوربن أهل ضلال وليسوا من أهل السنة والجماعة لأنهم حذروا عن النظر في كتبه ونبهوا على ما فيها من الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية والطريقة المحمدية وإنه شحن كتابه الأحياء بالكذب على رسول الله ﷺ وشبكه بمذاهب الفلاسفة وأما أبو حامد نفسه فذكر شيخ الإسلام أنه في آخر عمره استقر أمره على الحيرة والوقوف بعد أن نظر فيما كان عنده من طرق النظار أهل الكلام والفلسفة وسلك ما تبين له من طرق العبادة والرياضة والزهادة وفي آخر عمره اشتغل بالحديث البخاري ومسلم" انتهى. وليس المراد بما نقلناه إلا التنبيه على ما في كتبه من التأويلات الجائرة ليكون المسلم على حذر من تلك الورطات ولعله أن يهرب بدينه من شبه الأوائل كما ذكر ذلك الثقات الأثبات وبما ذكرناه تعرف ضلال هؤلاء المتنطعين المتهوكين الحيارى المفتونين وأنهم عن معرفة الهدى وحقائق المعارف ومدارك الأحكام بمعزل وليس عندهم إلاّ
следующие страницы →