← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

افتراء الملحد عليهم في الصفات والرد عليه ... وأما قول هذا الملحد الجهمي: "ومن مذهبهم: القول بالتجسيم للباري جل وعلا، وقرروه في دروسهم". فأقول: أجمل هذا الملحد فريته، فلم يذكر وجه هذا التجسيم الذي قرره الوهابيون في دروسهم مفصلاً، كما زعمه، وقصده في هذا التدليس: إخفاء مذهبه الباطل، فهو جهمي معطل، ويعني بالتجسيم إثبات صفات الباري جل وعلا، كما هي واردة في الكتاب والسنة وكما عليه سلف الأمة، من الإيمان بالله وربما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى، الآية: ١١] فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء ولا ند، ولا يقاس بخلقه : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص، الآيات: ١ – ٤] . فأما هؤلاء المبتدعة من الجهمية والمعتزلة، ومن قابلهم في بدعتهم من المجسمة أمثال هذا الملحد فإنهم فهموا مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ التشبيه والتجسيم، ثم شرعوا في رد الكتاب والسنة بالتأويلات المستنكرة والتحريفات المزورة وضلوا ضلالين لأنهم شبهوا أولاً ثم عطلوا ثانياً. وأما السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف: فمسلكهم مسلك بين مسلكين وهدى بين ضلالين، أثبتوا بغير تشبيه ولا تمثيل ونزهوا بغير تحريف ولا تعطيل، فأنكروا مذهب الجهمية والمعتزلة، وردوا على من قابلهم من

стр. 142

المجسمة والممثلة. فالأولون كالجهم والجعد والمريسي ومن تبعهم من أئمة التعطيل، والآخرون كمحمد بن كرام وهشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي أئمة التشبيه والتمثيل. وقد حمى الله السلف عن هذين الطريقين، وبرأهم عن مسلك الفريقين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – في سياق كلام له عن هؤلاء المبتدعة-: فإن السلف ﵃ إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات للصفات، قالوا: هذا جهمي معطل. قال: وهذا كثير في كلامهم جداً، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبتن شيئاً من الصفات مشبهاً، كذباً وافتراء، حتى إن منهم من غلا حتى رمى بعض الأنبياء بالتشبيه، وهو ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية، وحتى إن أكثر المعتزلة يدخل عامة الأئمة في قسم التشبيه، مثل الإمام مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد وغيرهم. وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءاً سماه "تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة" ذكر أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ﷺ بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم "نواصب" والقدرية تسميهم "مجبرة" والمرجئة تسميهم "شكاكا" والجهمية تسميهم "مشبهة" وأهل الكلام يسمونهم "حشوية، ونوابت، وغثاء، وغثرا" إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي الرسول ﷺ تارة مجنوناً، وتارة شاعراً، وتارة كاهناً، وتارة مفترياً، قالوا: وهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة. فإن السنة هي مات كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، اعتقاداً واقتصاداً قولاً وعملاً، فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة فكذلك التابعون له على بصيرة لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً، فيذمونهم بأسماء مكذوبة، انتهى. وقال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الشافعي

стр. 143

صاحب الترغيب والترهيب وشرح الصحيحين وغيرهما- وقد سئل عن صفات الرب جل وعلا – فقال: مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية: أن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من السمع والبصر، والوجه واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير تكييف يتوهم، ولا تشبيه ولا تأويل. قال سفيان بن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، أي على ظاهره ولا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل. انتهى. إذا تبين هذا، فاعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأتباعه مذهبهم في صفات الله تعالى مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، مثل هؤلاء الأئمة الذين ذكرهم الحافظ أبو القاسم، لا يخالفونهم في شيء من هذه العقيدة، وكلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى في تحقيق عقيدة السلف الصالح في جميع مصنفاته: أشهر من أن يذكر فمن نسب إليه وإلى أتباعه قولاً أو مذهباً خلاف ما عليه هؤلاء الأئمة – الذين ذكرهم الحافظ أبو القاسم – فقد افترى عليهم وسيجزيه الله تعالى بما توعد به من أمثاله من المفترين.

стр. 144

الوهابيون لم ينبشوا القبور بل سووها اتباعا لسنة الرسول ﵇ ... وأما قول المعترض: "وفي مدة تسلطهم على الحرمين نبشوا قبور آل البيت والصحابة ودثروها". فأقول: دلس الملحد، وحاد عن الحقيقة، فإن كان قصده بالنبش والتدثير هو هدم القباب التي كانت على القبور، فقد دلس بذلك ليخفي مصادمته لأمر الرسول ﷺ بهدم البناء على القبور، وخص قبور آل البيت والصحابة لتضخيم الوهم على الجهال الذين لا يعلمون أن الأمة متساوية في أحكام الدين من حلال وحرام، لا ميزة في ذلك لرفيع فمن دونه. ولما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء، الآية: ٢١٤] قال ﷺ لابنته فاطمة ﵂: "يا

стр. 145

فاطمة، أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئاً" فالمعترض ينكر ما يثبت من سنة الرسول ﷺ في هدم البناء على القبور ويشنع بالباطل على من أطاعه واتبع أمره ويفتري على الوهابيين الكذب بأنهم يقولون: "كل ما جاء في الحديث ويسميه المسلمون سنة واجبة فهو باطل، ولا يجوز العمل به" أليس أيها الملحد هدم البناء على القبور من سنة الرسول ﷺ وأنه أمر بهدمها؟ قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه ورسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه". قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثنا ابن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة ابن شفي حدثه قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره يسوى، فسوي. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها" وقال الترمذي: باب ما جاء في تسوية القبور: حدثنا محمد بن بشار – وساق بسنده – عن أبي وائل أن علياً ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". قال: وفي الباب عن جابر، وقال ابن ماجة: باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها، حدثنا أزهر بن مروان – وساق بسنده عن جابر ﵁ – قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور" حدثنا عبد الله بن سعيد – بسنده – عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء" حدثنا محمد بن يحيى – بسنده – إلى أبي سعيد عن النبي ﷺ : "نهى أن يبنى على القبر" وقال أبو عيسى الترمذي أيضاً: باب ما جاء في التجصيص والكتابة عليها. حدثنا عبد الرحمن بن الأسود – وساق بسنده – عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول

стр. 146

الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ" هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: باب البناء على القبور. قال: حدثني أبو الزبير: أنه سمع جابراً يقول: "سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه" قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: قال الشافعي رحمه الله تعالى: رأيت الأئمة في مكة يأمرون بهدم ما بني. ويؤيد الهدم قوله: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" وقال الأذرعي ﵀ في قوت المحتاج: ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء على القبور. وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. قال القاضي عياض: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها. والوصية عليه باطلة. وقال الأذرعي ﵀: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي، بل هو القياس الحق. والوجه في البناء على القبور: المباهاة ومضاهاة الجبابرة الكفار والتحريم يثبت من دون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة علي القبور وإنفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه. والعجب كل العجب ممن يلزم بذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل الوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي رحمه الله تعالى. وفي هذا كفاية لدحض شبهات هذا الملحد وأكاذيبه، وبه انتهى الكلام على وقاحة دحلان، ومفترياته التي سقناها جملة واحدة، وفندنا جميع مزاعمه الباطلة بالمعقول والمنقول، الذي لا يبقى معه شبة لطالب الحق وقد ضلل دحلان بأكاذيبه هذه كثيراً من الجهلة الحمقى أمثال هذا الملحد. فانظر ماذا يقول:

стр. 147

قول الملحد ببطلان مذهب الوهابية لأنه كمذهب الصحابة والتابعين ... قال: "قلت: ترى في أصول هذا المذهب كثيراً من المكفرات بإجماع المسلمين ومخالفتها للنص: الأول: حصر الدين في القرآن العظيم، وجحود ما جاءت به السنة. الثاني: قولهم بسقوط أحكام الرسالة، وانقطاعها.

стр. 148

الثالث: جعلهم الرسل والأنبياء كسائر الناس والطعن بهم. الرابع: تكفيرهم كل من خالفهم في مذهبهم من المسلمين. الخامس: استبحاة دماء المسلمين عموماً والعلماء خصوصاً وجعل قتلهم من الدين، ولو اطلعت على ما فعلوه مراراً بعلماء الحجاز والزوار، والدماء التي سفكوها في الحرم المكي وفي عرفات لوجدته أعظم وأقبح من أعمال القرامطة والتتر، فأنى لمسلم أن يجمع بين الإسلام وبين عقائد هذا المذهب؟ هل يمكن الجمع بين الكفر والإيمان؟ ". أقول: إن هذا الزنديق قد تمادى في غوايته، فلم يكفه ما نقله عن دحلان مقلداً له بل زاد عليه في قباحته وافترائه الكذب، ففرع على كلام دحلان بكلام أقبح منه وأظلم، فالأصل والفرع ظلمات بعضها فوق بعض، وقد بسطنا الرد على أكاذيبه هذه فيما تقدم بالدلائل التي لا تقبل الجدل، فأغنى عن إعادتها هنا والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل. قال الملحد: "فانتبه أيها العاقل الذي أغراك الشيطان على انتسابك أو اعتقادك لمذهب أشد كفراً من الوثنية وأنت لا تعرف من فروعه – فضلاً عن أصوله – شيئاً، بل غاية علمك منه أنه كمذهب الصحابة والتابعين يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة، من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم، وأنت تحسب أنك تحسن صنعاً. فلو هداك الله للوقوف على أصوله وفروعه، وترجمة حال أهله، ونبذ هوى النفس لوجدت نفسك على شفا جرف من الكفر من حيث لا تدري، فإنا لله وإنا إليه راجعون". أقول في كلام هذا الملحد: إنه منكر من القول، ظاهر التناقض والبطلان، فكيف يخاطب بالعاقل: من أغراه الشيطان، فاعتقد بمذهب أشد كفراً من الوثنية أنه كمذهب الصحابة والتابعين يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم؟ وقبل الجوال على مخرقة هذا الملحد نسجل عليه إقراره هذا، ونثبت اعترافه بأن مذهب الصحابة والتابعين

стр. 149

يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم. ثم نقول لهذا الأحمق: إن الوثنيين قد كذبوا بالرسل وقالوا لهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] فعبدوا الأموات بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وأشركوهم في عبادة الله تعالى، فاطر الأرض والسموات، تقليداً لآبائهم ومشايخ ضلالهم، كافرين بالكتاب والسنة وبمن جاء بهما. كذلك حال من قلدوهم في أعمالهم الشركية، وإن ادعوا الإسلام فإنهم من الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. أما الصحابة ﵃ فقد آمنوا بنبيهم فاتبعوه وصدقوه فيما جاء به من كتاب ربهم العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قرآن عربي غير ذي عوج، وسنة مطهرة جاء بها من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو ﷺ أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء، وقد أعطاه الله تعالى جوامع الكلم، فلا يستحق الإمامة على الحقيقة غيره ﷺ ، وقد اتبعهم التابعون على سلوك هذا الصراط المستقيم فكيف يلتبس على عاقل الفرق بين مذهب الصحابة والتابعين وبين مذهب هو أشد كفراً من الوثنية؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. فما لهؤلاء الملحدين لا يفقهون حديثاً؟ أمثال المقلد الأعمى "الحاج مختار" الذي جعل التوسع بالأخذ من الكتاب والسنة من دون تقليد بقول إمام أو عالم غير رسول الله ﷺ ؟ فهل من قلدهم يكون أشد كفراً من الوثنيين؟ بل ما يقول فيمن جاءوا من بعدهم من أئمة المسلمين المجتهدين وغيرهم من الذين لم يدعوا الاجتهاد المطلق، ولكنهم لم يتقيدوا بقول إمام أو عالم، بل إن الله تعالى أعطاهم عقولاً وفهماً في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ ، واستعانوا أيضاً على فهمهما بكلام أئمة المفسرين، وأئمة أهل الحديث وبكلام فقهاء الأمة، حيث اجتمع عندهم ما لم يجتمع لمن سبقهم من تدوين جميع علوم الكتاب والسنة مصححة منقحة، لا يزيغ عنها إلا هالك؟ أفترى هذا الملحد يقول عمن ذكرنا: إنهم وثنيون أو ملفقون؟ أو يزيد على ذلك – كما هو مذهبه الباطل من القول على الله بغير علم – والطعن في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ فقد قال: "إن استخراج

стр. 150

الأحكام من نصوص الكتاب والسنة متعذر بعد بعد الأئمة الأربعة وأنه لا يجوز الرد إلى الكتاب والسنة" وهذا نص كلامه في هذه الرسالة الضالة. قال: "الوجه الثالث: أن الكتاب والسنة فيهما الناسخ والمنسوخ، وهذا منه المنسوخ من الكتاب بالكتاب. ومنه المنسوخ من الكتاب بالسنة، ومنه المنسوخ من السنة بالسنة، وهذه الأقسام أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، وفيهما العام والخاص، والمقيد والمطلق، والمجمل والمفصل، والظاهر والمضمر إلى آخره. فهذه كلها أحاط الأئمة الأربعة وأصحابهم بأطرافها، وما تركوا فيها زيادة لمستزيد حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها فإذا وجدتم حديثاً في البخاري أو غيره في مسألة ومثله في موطأ مالك مثلاً، أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ، فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها، وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والترخص؟ فهذه زندقة لا إسلامية – إلى أن قال – وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع فهذا هو المغالطة، لأننا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث، ومع هذا فأخبرونا: متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أفتى في حكم البخاري أو غيره؟ ". انتهى كلام الملحد بحروفه، فهل بعد هذا محادة لله ولرسوله ﷺ وطعن في كتابه تعالى وفي سنة نبيه ﷺ ، وفي حملتها من أهل الحديث؟ وهل حمل هذا الملحد على تكفيره لخلاصة الموحدين من أهل نجد، وجعل مذهبهم أشد كفراً من الوثنية إلا ما ذكره عنهم من الأخذ بالكتاب والسنة واتباع الصحابة والتابعين من دون أن يتقيدوا بقول إمام أو عالم؟ هذا على زعمهم الباطل وإلا فإنهم في الفروع: على مذهب الإمام أحمد متقيدين به.

стр. 151

وبعد، فهل الواجب على المكلفين أن يتقيدوا بقول إمام أو عالم، أم بقول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ؟ والله ﵎ يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ [النحل، الآية: ٨٩] وهذا الملحد يقول: إن في الكتاب والسنة الناسخ والمنسوخ – إلى آخر ما قال. ثم يقول: إن هذه الأقسام هو أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، وأن كتب الحديث ليس فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب ونحن نقول: سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم. وقد تقدم الكلام في بيان مذهب الوهابيين وبيان أصوله وفروعه بما أغنى عن إعادته هنا. قال المعترض: "ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة وبالله الاستعانة". فأقول: قد أتى المعترض في أول رسالته هذه على مسائل زعمها من أصول الدين وقد تمادى في الخوض فيها من غير تحقيق لها ولا بحث أو تدقيق عن وجه الحق فيها مع أن في عدم التثبت فيها مزلة أقدام، قد تفضي بصاحبها إلى المروق من الإسلام، وذلك بأن يرتكب أموراً تناقض أصل الإسلام مع زعمه أنه من المحافظين عليه. وشر هذه الأمور أن يتخذ العبد إلهه هواه ثم يعتمد على جهله وتقليده لساداته وكبرائه من أهل الضلال، الداعين إلى سبل الشيطان، المفضية بسالكها إلى ارتكاب الشرك والبدع في دين الله تعالى والدعوة إليها، ومعاداة حزب الله ورسوله ﷺ وتكفيرهم، ورميهم بما هم براء منه بمجرد الزور والبهتان، كما عليه هذا الملحد صاحب هذه الرسالة وشيخه دحلان. فإن الملحد قد افتتح رسالته هذه في أول صحيفة منها في مناقشة علماء أهل السنة والجماعة المعاصرين له، كالشيخ الإمام محمد عبده بمصر، والشيخ العلامة جمال الدين القاسمي بالشام، والإمام الجليل الشيخ محمود شكري الألوسي في بغداد وأتباعهم من أهل السنة والجماعة. وقد تغالى هذا الملحد في هذه المناقشة التي وجهها إليهم، حيث أخرجهم من الإسلام، وختم

стр. 152

مناقشته لهم بأن قال لهم: "إن مذهبكم مشابه لمذهب الوهابيين" وهو الذي يقول فيه المعترض: "إسلام ووهابية لا يجتمعان" ثم شرع يبين لهم مذهب الوهابيين فيما نقله عن دحلان في تكفيره لأهل نجد، الذين يسميهم بالوهابيين وهم من خيار المسلمين وصفوة الموحدين فقد كفرهم هذا الملحد من غيرما برهان إلا ما قلد فيه دحلان سالكاً هذا المسلك الوخيم في تكفيره للمسلمين وكأن هذا الذي بدا منه في حق من رماهم بالكفر لغو من القول، لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما جاء به تمهيداً لمقصود رسالته الضالة. وهو بحث الاجتهاد مع أنه لا يحسن البحث ولا غيره بل هو جهول مخلط متناقض وقد جاريناه في ردنا هذا، على ما بنا من مضض في متابعته على تخليطه وتكرير خزعبلاته وسوء تعبيره.

стр. 153

ادعاؤه أن الوهابيين ينكرون الإجماع ودحض مفترياته ... قال المعترض: "المسألة الأولى في الاجتهاد قد تبين لك فيما تقدم أن من أصول الوهابيين إباحة التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم وإنكار الإجماع الذي اتخذه علماؤنا أصلاً من الأصول التي تنبني عليها الأحكام، وحيث إن هذا الأصل من أصول مذهب دعاة الاجتهاد في هذا الزمان، فإيضاحاً لفساد قولهم هذا أتكلم إن شاء الله عن كل فرع منه على حدة". فأقول: في كلام هذا الأحمق الجهول من الخلط وسوء التعبير ما هو اللائق بحماقته وجهله، فأما ما نسبه هنا إلى الوهابيين من الكذب فقد تقدم رده قريباً بما شفى وكفى من بيان الحق ورد الباطل. وأما قوله: "إن الوهابيين ينكرون الإجماع وأن إنكار الإجماع أصل من أصول مذهب دعاة الاجتهاد في هذا الزمان" ويعني بهم من ذكرنا أسماءهم آنفاً من الأئمة، فهذا كذب من المعترض عليهم. ونحن لا ننكر الإجماع، ومذهبنا فيه مذهب إمامنا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وإنما ننكر الإجماع الذي يزعمه المقلدون المحرفون. وهو الذي لا يستند إلى كتاب الله وسنة

стр. 154

نبيه ﷺ وما لم تتفق جميع أئمة المسلمين المقتدى بهم على صحته، وقد قال الإمام الشيرازي الشافعي في كتابه "اللمع في أصول الفقه" باب ذكر ما ينعقد به الإجماع وما جعل حجة فيه. اعلم: أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، فإذا رأينا إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلاً جمعهم سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: فنشير إلى ما يدل على صحة الإجماع فنقول: أولاً ما من حكم اجتمعت الأمة عليه إلا وقد دل عليه النص فالإجماع دليل على نص موجود معلوم عند الأئمة، ليس مما درس علمه والناس قد اختلفوا في جواز الإجماع عن اجتهاد، ونحن نجوز أن يكون بعض المجتهدين قال عن اجتهاد، ولكن لا يكون النص خافياً على جميع المجتهدين. وما من حكم يعلم أن فيه إجماعاً إلا وفي الأمة من يعلم أن فيه نصاً وحينئذ: فالإجماع دليل على النص. انتهى. قال المعترض: "الفصل الأول في الإجماع قال في متممات التعريف: الإجماع اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﵊ في عصر على حكم شرعي، والمراد بالاتفاق: الاشتراك في القول أو الفعل" انتهى. أقول: ليس في تعريف الإجماع لغة واصطلاحاً ما يدعونا إلى الرد على المعترض، وإنما الغرض: بيان حقيقة الإجماع الذي يضلل المخالف فيه، لا ما يدعيه هذا الملحد من الإجماع الفاسد، وتضليله الأئمة القائلين باستحالة وقوع الإجماع بعد إجماع الصحابة ﵃، ولو اهتدى المعترض بما ذكره من تعريف الإجماع لكفاه، ولكنه منحرف عن الحقائق متعلق بمجرد الأسماء، وسنبين ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. وقد عرف الإجماع علماء الأصول، فقال الإمام المجتهد محمد بن علي الشوكاني ﵀ في كتابه "إرشاد الفحول" – بعد أن عرف الإجماع لغة – قال: وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور، والمراد

стр. 155

بالاتفاق: الاشتراك، إما في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل. ويخرج بقوله: "مجتهدي أمة محمد" اتفاق العوام. فإنه لا عبرة بوفاقهم ولا بخلافهم، ويخرج منه أيضاً اتفاق بعض المجتهدين، وبالإضافة إلى "أمة محمد ﷺ " اتفاق الأمم السالفة، ويخرج بقوله: "بعد وفاته" الإجماع في عصره، فإنه لا اعتبار به، ويخرج بقوله: "في عصر من الأعصار" ما يتوهم أن المراد بالمجتهدين جميع مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، فإن هذا توهم باطل، لأنه يؤدي إلى عدم ثبات الإجماع. إذ لا إجماع قبل يوم القيامة، وبعد يوم القيامة لا حاجة للإجماع، فالمراد "بالعصر" عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة فلا يعتد بمن صار مجتهداً بعد حدوثها، وإن كان المجتهدون فيها أحياء. وقوله: "على أمر من الأمور" يتناول الشرعيات، والعقليات، والعرفيات، واللغويات. ومن اشترط في حجية الإجماع: انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر زاد في الحد قيد "الانقراض" ومن اشترط عدم سبق خلاف مستقر زاد في الحد "عدم كونه مسبوقاً بخلاف" ومن اشترط عدالة المتفقين لا بلوغهم عدد التواتر زاد في الحد ما يفيد ذلك. ثم قال: البحث الثاني في إمكان الإجماع في نفسه، فقال قوم منهم النظام وبعض الشيعة: بإحالة إمكان الإجماع، قالوا: إن اتفاقهم على الحكم الواحد الذي لا يكون معلوماً بالضرورة محال، كما أن اتفاقهم على الحكم الواحد الذي لا يكون معلوماً بالضرورة محال، كما أن اتفاقهم في الساعة الواحدة على المأكول الواحد، والتكلم بالكلمة الواحدة، محال. وأجيب بأن الاتفاق إنما يمتنع فيما يستوي فيه الاحتمال، كالمأكول المعين، والكلمة العينة. أما عند الرجحان بقيام الدلالة والأمارة الظاهرة فذلك غير ممتنع، وذلك كإتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد ﷺ ، قالوا، ثانياً: إن اتفاقهم فرع عن تساويهم في نقل الحكم إليهم، وانتشارهم في الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم. وأجيب بمنع كون الانتشار يمنع ذلك مع جدهم في الطلب وبحثهم عن الأدلة. وإنما يمتنع ذلك على من قعد في قعر بيته لا يبحث ولا يطلب. قالوا، ثالثاً: الاتفاق إما عن قاطع أو ظني. وكلاهما باطل. أما القاطع: فلأن العادة تحيل عدم نقله فلو كان

стр. 156

لنقل فلما لم ينقل: علم أنه لم يوجد. كيف؟ لو نقل لأغنى عن الإجماع. وأما الظني: فلأنه يمتنع الاتفاق عادة لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار. وأجيب بمنع ما ذكر في القاطع إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذي هو أقوى منه. وأما الظني: فقد يكون جلياً لا تختلف فيه الأفهام، ولا تتباين فيه الأنظار. فهذا – أعني منع إمكان الإجماع في نفسه – هو المقام الأول. والمقام الثاني – على تقدير تسليم إمكانه في نفسه – منع إمكان العلم به. فقالوا: لا طريق لنا إلى العلم بحصوله، لأن العلم بالأشياء: إما أن يكون وجدانياً، أو لا يكون وجدانياً. أما الوجداني: فكما يجد أحدنا من نفسه، من جوعه، وعطشه، ولذته، وألمه. ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد ﷺ ليس من هذا الباب. وأما الذي لا يكون وجدانياً: فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها، إذ كون الشخص الفلاني قال بذلك القول أو لم يقل به: ليس من حكم العقل بالاتفاق. ولا مجال أيضاً للحس فيها لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته. فإذاً العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعاً. ومن ذا الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب وسائر البلاد الإسلامية؟ فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم، فضلاً عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو منهم من أهل الإجماع، ومن لم يكن من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم. فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة فضلاً عن الإقليم الواحد، فضلاً عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام. ومن أنصف من نفسه: علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب، والعكس. فضلاً عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه. وبما يقول في تلك المسألة بعينها. وأيضاً قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف: التقية، والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام فإنهم قد يعتقدون شيئاً إذا خالفهم

стр. 157

فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم، وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر، فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلد آخر. بل لو فرضنا حتماً إجماع العالم بأسره في موضع واحد، ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين: قد اتفقنا على الحكم الفلاني فإن هذا – مع امتناعه – لا يفيد العلم بالإجماع، لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفاً فيه، وسكت تقية وخوفاً على نفسه. وأما ما قيل: من أنا نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة نبينا محمد ﷺ فإن أراد: الاتفاق باطناً وظاهراًن فذلك مما لا سبيل إليه البتة، والعلم بامتناعه ضروري، وإن أراد ظاهراً فقط استناداً إلى الشهرة والاستفاضة. فليس هذا هو المعتبر في الإجماع، بل المعتبر فيه: العلم بما يعتقده كل واحد من المجتهدين في تلك المسألة، بعد معرفة أن لا حامل له على الموافقة، وأنه يدين لله بذلك ظاهراً وباطناً، ولا يمكنه معرفة ذلك منه إلا بعد معرفته بعينه. ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا، فقد أسرف في الدعوى، وجازف في القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذراً ظاهراً واضحاً ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب. والعجب من اشتداد نكير القاضي أبي بكر على من أنكر تصور وقوع الإجماع عادة، فإن إنكاره على المنكر هو المنكر، وفصل الجويني بين كليات الدين. فلا يمتنع الإجماع عليها، وبين المسائل المظنونة، فلا يتصور الإجماع عليها عادة. ولا وجه لهذا التفصيل. فإن النزاع إنما هو في المسائل التي دليلها الإجماع وكليات الدين معلومة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة. جعل الأصفهاني الخلاف في غير إجماع الصحابة ﵃ وقال: الحق تعذر الاطلاع على الإجماع، لا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون – وهم العلماء منهم – في قلة. وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء: فلا مطمع للعلم به. قال وهو اختيار الإمام أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية. قال: والمصنف يعلم أن لا خبرة له من الإجماع إلا ما يجده مكتوباً في الكتب. ومن البين: أنه لا يحصل

стр. 158

الاطلاع عليه إلا بإسماع منهم، أو بنقل أهل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة ﵃. وأما من بعدهم: فلا – إلى أن قال – البحث السابع: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف. ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة: أن إجماعهم ليس بحجة. وقد ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة ﵃ داود الظاهري وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. فإنه قال في رواية أبي داود عنه: الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه وهو في التابعين مخير. وقال الإمام أبو حنيفة: إذا أجمعت الصحابة على شيء سلمنا وإذا أجمع التابعون زاحمناهم. قال أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل: النقل عن داود فيما إذا أجمعوا عن نص كتاب أو سنة، فأما إذا أجمعوا على حكم من جهة القياس فاختلفوا فيه. وقال ابن وهب: ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط، وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة ﵃ هم الذين شهدوا التوقيف. فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم؟ قلنا: لا يجوز، لأمرين. أحدهما: أن النبي ﷺ أنبأ عن ذلك فقال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين". الثاني: أن سعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم ومن ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه. انتهى. وقال الإمام علي بن حزم ﵀ في كتابه: "المحلى" مسألة. والإجماع: ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله ﷺ عرفوه وقالوا به، ولم يختلف منهم أحد كتيقننا أنهم كلهم ﵃ صلوا معه ﵊ الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك وأنهم كلهم صاموا، وعلموا أنه صام مع الناس رمضان في الحضر، وكذلك سائر الشرائع التي تقبل هذا اليقين، والتي من لم يقل بها لم يكن من المؤمنين. وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع. وهم كانوا حينئذ جميع المؤمنين لا مؤمن في الأرض غيرهم. من ادعى أن غير هذا إجماع كلف

стр. 159

البرهان على ما يدعيه، ولا سبيل له إليه. وقال في موضع آخر: ولكن لا سبيل إلى تيقن إجماع جميع أهل عصر بعد الصحابة ﵃، لكثرة أعداد الناس بعدهم، ولأنهم طبقوا الأرض ما بين المشرق والمغرب، ولم يكن الصحابة ﵃ كذلك بل كانوا عدداً ممكناً حصره وضبطه وضبط أقوالهم في المسألة وبالله التوفيق. وقد قال بعض الناس: يعلم ذلك من حيث رضى أصحاب مالك، وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي ﵏ بأقوال هؤلاء. قال علي: وهذا خطأ لأنه لا سبيل إلى أن تكون مسألة قال بها أحد هؤلاء الفقهاء إلا وفي أصحابه من يمكن أن يخالفه فيها وإن وافقه في سائر أقواله. انتهى. وقال الإمام أبو عبد الله شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين" في الكلام على أصول فتاوى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، قال: ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً، ولا رأياً ولا قياساً، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس "إجماعاً" ويقدمونه على الحديث الصحيح. وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسوغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي ﵁ أيضاً نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه خلاف لا يقال إجماع، ولفظه "ما لا يعلم فيه خلاف، فليس إجماعاً" وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، مايدريه ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا ولم يبلغني ذلك هذا لفظه، انتهى. وهذا طرف من كلام بعض الأئمة المقتدى بهم في حقيقة الإجماع، وإنكارهم لما يدعيه هذا المعترض المبتدع وأمثاله من الإجماعات الباطلة. وأما ما نقله المعترض عن ابن نجيم فكقول غيره من غلاة المقلدين. فليس قوله حجة بل ليس له قيمة مع ما قدمنا من أقوال الأئمة كأبي حنيفة

стр. 160

والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من المجتهدين، وما اشتهر عن الأئمة الأربعة ﵏ من النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم يكفي في رد قوله وإبطاله، بل يكفي في رده ما نقله المعترض عن الشيخ عبد الغني النابلسي، وعن الشيخ المناوي بعد نقله عن ابن نجيم، حيث يقول: قال الشيخ عبد الغني النابلسي في المقصد الأول من كتابه "خلاصة التحقيق في حكم التقليد والتلفيق" ما نصه: اعلم أن مذاهب السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين كثيرة لا تكاد تنحصر عدداً وكلها اجتهادات استوفت الشروط، ولا يجوز الطعن في شيء منها. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في شرح الجامع الصغير: يجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين، والأوزاعي وداود وإسحاق، وسائر الأئمة على هدى وفي جمع الجوامع وشرح المحلى مثل ذلك. انتهى. هذا ما نقله المعترض بحروفه. وهذا نص صريح في الرد على ابن نجيم فيما نقله عنه المعترض، ودحض لما زعمه من الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم، فالمعترض حاطب ليل لا يعرف ما له مما عليه.

стр. 161

قول الملحد بعدم جواز تقليد الصحابة والتابعين والرد عليه ... ثم قال المعترض: "قال المناوي في شرح الجامع الصغير: لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين كما قال إمام الحرمين أيضاً من كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأئمة الأربعة، لأن المذاهب الأربعة: انتشرت وتحررت، بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم" انتهى. أقول: وهذا النقل أيضاً ليس مما نحن فيه من بحث الإجماع، ولكنه قول باطل يتعين علينا رده بالحجة والبراءة منه، فنقول: إذا كان النقل صحيحاً وسالماً من تحريف المعترض وكذبه – لعدم أمانته واحترامه لأهل العلم – فإنا نقابله برده على صاحبه واحتقاره. ومما زادني شكاً في عدم صحة نقله: ما رأيته في كتاب "الرد على من أخلد إلى الأرض" لجلال الدين السيوطي نقلاً عن الطبقات الكبرى للسبكي في ترجمة إمام الحرمين. قال: الإمام لا يتقيد بالأشعري، ولا بالشافعي، وإنما يتكلم على حسب تأدية

стр. 162

نظره واجتهاده. وقال في موضع آخر: وذكر إمام الحرمين في البرهان: أنه إذا خلا الزمان عن مجتهد صار كزمان الفترة. انتهى. وهذا يخالف ما نسبه الإمام المناوي لإمام الحرمين، بل يكذبه، وهو عدم جواز تقليد الصحابة ﵃ والتابعين من بعدهم، وإذا كان الخطأ والتناقض جائزاً في حق غير المعصوم ﷺ فإن كل قول يخالف أمر الرسول ﷺ مردود على صاحبه. فما زعمه المناوي رد لأمر الرسول ﵊ حيث يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" إلى آخر الحديث. وقوله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" إلى آخر الحديث. وقوله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" إلى آخر الحديث، وكيف يجوز تقليد الخلف ولا يجوز تقليد الصحابة الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ونصرة دينه؟ وقد نزل القرآن بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وعلى قصص كانوا فيها، فعرفوا منطوقه ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله، وقد شرفهم الله بصحبة نبيه ﷺ فما شاهدوه من أفعاله، وما نقلوه من أقواله أعظم دليل على فضلهم وعلو قدرهم وسبقهم وثبات قدمهم في العلم والفقه الذي لا يطاولهم فيه غيرهم ممن جاءوا بعدهم. وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه الذين اتبعوهم بإحسان. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة، الآية: ١٠٠] .

стр. 163

أقوال العلماء في وجوب اتباع الصحابة ... قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين": وقد استدل الإمام مالك ﵁ بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة ﵃. وقال في موضع آخر: قال جعفر الفرياني حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله "إن عندنا قوماً وضعوا كتباً، يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم النخعي بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم؟ قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح

стр. 164

عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون" وقال في موضع آخر: وفي الصحاح من وجوه متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة" وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان متأسياً فليتأس بأصحاب محمد رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قول اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" انتهى. وقال الإمام ابن القيم أيضاً في "إعلام الموقعين": فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابع التابعين. وهلم جراً، وكما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس، لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين- وأن كان أفضل من عصر تابعيهم- فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم: أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم، فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين، ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة، ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم، بل يترك قول ابن مبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن

стр. 165

زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم. بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب، والزهري والليث بن سعد وأمثالهم، بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر بن محمد وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به. بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم. ما عذره غداً عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم؟ فكيف إذا رجحها عليها؟ فكيف إذا عين الأخذ بها إفتاء ومنع الأخذ بقول الصحابة. واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفته أهل العلم، وأنه يكيد الإسلام. تالله لقد أخذ بالمثل المشهور "رمتني بدائها وانسلت" وسمى وراثة الرسول ﷺ باسمه هو ومن كساهم أثوابه ورماهم بدائه وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح، ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا. ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغير هم من الصحابة ﵃. وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولأه الله ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى، والذي ندين لله به ضد هذا القول، والرد عليه. ثم أخذ الشيخ ﵀ يتكلم في رد هذا القول. فقدم القول في اختلاف الصحابة ﵃، وأن الشق والذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم أولى أن يؤخذ به من الشق الآخر ثم بين ما هو من قولهم حجة وإجماعاً وما هو حجة لا إجماعاً. وبعد أن أطال الكلام في ذلك قال: فنقول الكلام في مقامين. أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة ﵃. الثاني: الجواب عن شبه النفاة. ثم أورد ستة وأربعين وجهاً من الكتاب والسنة والآثار الدالة دلالة واضحة صريحة على وجوب اتباع الصحابة ﵃ ونفي كل شبهة أو

стр. 166

اعترض يدلي به المخالف. فجاء رحمه الله تعالى بما شفى وكفى وجلا بنور الحق ظلمة الباطل فهفى. قال الشيخ رحمه الله تعالى في الوجه السادس والأربعين من رد هذا القول: وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ونزل القرآن بموافقة ما قاله لفظاً ومعنى: قول متأخر بعده، ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها؟ وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من آراء المتأخرين أرجح من الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التأويل؟ وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم، وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم. قال جابر: "والقرآن ينزل على رسوله ﷺ وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء عملنا به" في حديث حجة الوداع، فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه، الذي يفصل القرآن ويفسره، فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين المحال. انتهى المراد منه. وقال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول" وعين بقية بن الوليد: قال لي الأوزاعي: "يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجىء عن أصحاب محمد فليس بعلم". وقال الشعبي: إذا جاءك الخبر عن أصحاب محمد ﷺ فضعه علي رأسك، وإذا جاءك عن التابعين فاضرب به أقفيتهم. وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتابه "الاعتصام" في الكلام على حديث افتراق الأمة، وبيان الفرقة الناجية منها، قال: فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي" ووقع ذلك جواباً للسؤال الذي سألوه، إذ قالوا: "من هي يا رسول الله؟ " فأجاب: إن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه ﵇، وأوصاف أصحابه وكان ذلك معلوماً عندهم غير مخفي، فاكتفوا به. وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعدهم في تلك الأزمان.

стр. 167

وحاصل الأمر: أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد ﷺ ، وإنما خلقه ﷺ القرآن. فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، الآية:٤] فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة وجاءت السنة مبينة له. فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة ﵃ كانوا أولى الناس بذلك. فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة الجنة بفضل الله، وهو معنى قوله ﵇: "ما أنا عليه وأصحابي" فالكتاب والسنة هم الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله "وهي الجماعة" لأن الجماعة في وقت هذا الإخبار: كانوا على ذلك الوصف. انتهى ما أردت نقله. وفيما أشرت إليه كفاية في بطلان ما زعمه هذا الملحد، وهو عدم جواز تقليد الصحابة ﵃ فلو أردت استقصاء كلام علماء السلف في إبطال هذه الدعوى لاحتاج ذلك إلى مجلد ضخم. فنسأل الله تعالى أن ينظمنا في سلك ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر، الآية:١٠] الآية، فإن هذا المعترض الملحد وشيخه دحلان في قلوبهم غل على أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلى أئمة أهل الحديث الذين دونوا سنة الرسول ﷺ ، وحفظوها من تلاعب هؤلاء الضلال المبتدعة بها ومن كذبهم على رسول الله ﷺ ، وتحريفهم لآيات الكتاب العزيز، كما هي طريقتهم التي لا تخفى على كل من يطلع على ما لفقوه من شبههم الفاسدة. قال المعترض: "فهذا كلام حبر من علماء الظاهر والباطن عن أجلة من علماء الدين، فأنى يؤفك الضالون؟ روى الشعراني في كشف الغمة بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" فنحن أهل السنة والجماعة اعتماداً على ما بلغنا عن رسولنا الذي لا ينطق

стр. 168

عن الهوى، إن إجماعنا مقبول وحسن عند الله فلا نبالي بمن يخالفه". أقول: يشير المعترض إلى ما نقله عن المناوي من قوله بعدم جواز تقليد الصحابة ﵃، وحصر التقليد في المذاهب الأربعة وإسناد هذا القول أيضاً إلى إما الحرمين. فهو حبر من علماء الظاهر والباطن على زعم المعترض، فالمعترض يومي من خالف هذا القول بالإفك والضلال، وقد عرفت بما قدمناه من تفنيدنا لهذا القول بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين يدعي الملحد تقليدهم: بطلان ما زعمه من هذا القول الفاسد، وأن المعترض قد وصف بالضلال هؤلاء الأئمة الذين أنكروا هذا القول كالإمام مالك وغيره ﵏، بل المعترض يرد أمر الرسول، حيث قال ﷺ : "وعضوا عليها بالنواجذ" ومع ذلك يزعم أنه من أهل السنة والجماعة هو وشيعته المبتدعة دعاة الضلال، وأن لهم إجماعاً وجماعة وأن من خالفهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وهذه طريقة أهل الضلال يتشبعون بما ليس فيهم وتعلقون بالأسماء دون الحقائق. ونحن نشير إلى ما ذكره علماء السلف المحققون في تفسير حديث الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة حتى يتبين بطلان ما يدعيه هذا الملحد. قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتاب "الاعتصام" في الكلام على حديث الفرقة الناجية – المسألة السادسة عشرة إن رواية من روى في تفسير الفرقة الناجية – وهي الجماعة – محتاجة إلى التفسير، لأنه إن كان معناه بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى وهي قوله: "ما أنا عليه وأصحابي" فمعنى "الجماعة" من حيث المراد به في إطلاق الشرع محتاج إلى التفسير، فقد جاء في أحاديث كثيرة منها الذي نحن في تفسيره ومنها ما صح عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شيئاً فمات مات ميتة جاهلية" – وذكر الأحاديث الواردة في ذلك – ثم قال: فاختلف الناس في معنى "الجماعة" المرادة في هذا الحديث على خمسة أقوال – ثم عدها، وأورد حجة كل قائل بقول منها، مما

стр. 169

لا يسعه ردنا هذا – وقد أبرز زبدة ما قيل في هذه الأقوال الخمسة فاكتفينا به من الإطالة. قال رحمه الله تعالى: فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلاً. وينبني عليه معنى آخر وهي المسألة السابعة عشرة وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، سواء ضموا إليهم العوام أم لا، فإن لم يضموهم إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وإن ضموا إليهم العوام. فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة. فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حددوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم. ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم؟ أجاب بأن قال: "أبو بكر وعمر" قال: فلم يزل يجيب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري، وهو محمد بن ميمون المروزي، فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق وعلى هذا لو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد لم يكن اتباع العوام لأمثالهم، ولا عد سوادهم أنه السواد الأعظم، المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فميتته جاهلية بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين. فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهدين. وأيضاً فاتباع نظر من لا نظر له، واجتهاد من لا اجتهاد له: محض ضلالة، ورمي في عماية، وهو مقتضى الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً" الحديث. روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت إسحاق بن

стр. 170

راهويه – وذك في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال: "إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة" – فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم. فقال رجل: يا أبا يعقوب، من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم ثم قال: سأل رجل ابن المبارك عن السواد الأعظم فقال: أبو حمزة السكري. ثم قال: إسحاق في ذلك الزمان وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه، ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم؟ لقالوا: جماعة الناس. ولا يعلمون أن "الجماعة" عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كنا معه وتبعه فهو الجماعة، ثم قال إسحاق: لم أسمع عالماً منذ خمسين سنة كان أشد تمسكاً بأثر النبي ﷺ من محمد بن أسلم. فانظر في حكايته تتبين غلط من ظن أن "الجماعة" هي أي جماعة، وإن لم يكن فيهم عالم وهو وهم العوام لا فهم العلماء، فليثبت الموفق في هذه المنزلة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل ولا توفيق إلا بالله. انتهى. وبهذا يتبين معنى "الجماعة" المذكورة في الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ ، لا كما زعمه هؤلاء الملاحدة الضلال.

стр. 171

الوهابيون متبعون لا مبتدعون ... قال المعترض: "وأما الوهابية وإخوانهم الذين سول لهم الشيطان التكبر عن الأئمة العظام وأفاضل العلماء كما سولت له نفسه التكبر عن آدم ﵇ وزين لهم عدم التقيد بمذهب من مذاهب أهل السنة، والخروج من بينهم كما هو خرج من بين الملائكة ورأوا أن المخالفة تخرجهم من الإجماع والخروج من الإجماع يدخلهم تحت خلع ربقة الإسلام. عمدوا للمكابرة والمغالطة بإنكار الإجماع فزعموا أن الإجماع غير حاصل بل غير ممكن واستدلوا على زعمهم بما بين الأئمة الأربعة من الاختلاف، وزعموا أن الإجماع لا يصح إلى بأن لا يوجد بوقت ما وعصر ما اختلاف بين اثنين في الحكم المجمع عليه، وهذا لم يكن قط، فالإجماع لم يكن قط". أقول: لقد أسرف هذا الملحد فيما زعمه من الفجور وقول الزور، الذي

стр. 172

رمى به الوهابيين وإخوانهم من أهل السنة. وذلك بأنهم خارجون عن تقليد أحد المذاهب الأربعة، منكرون للإجماع، مع ما تهوس به من الكلام الذي يستحيل صدوره من عاقل. ونحن نبين بطلان ما ادعاه هذا الملحد بالأدلة الصحيحة الصريحة التي لا تحتمل المغالطة. فأما دعواه على الوهابيين بأنهم ينكرون الإجماع: فهذا كذب محض، وفي الكلام على الإجماع تفصيل قد استوفيناه فيما تقدم، وخلاصته: أن الإجماع الذي يضلل المخالف فيه هو إجماع الصحابة ﵃، وما عداه من دعوى الإجماع فمذهب الوهابيين فيه هو مذهب إمامهم أحمد بن حنبل ومن وافقه من الأئمة ﵃. وأما ما ادعاه الملحد على الوهابيين بأنهم لا يتقيدون بأحد المذاهب الأربعة، فهذا أولاً كذب على الوهابيين، وثانياً: تقول على الله وعلى وسوله ﷺ وإلزام لأمته بشرع لم يأمرهم به الله ولا رسوله، وهو إلزامهم بالتقليد في دينهم لإنسان بعينه، دون رسول الله ﷺ . فجوابنا لهذا الملحد على دعواه هذه من وجهين: الوجه الأول: أن ما نسبه هذا المعترض إلى الوهابيين وإخوانهم من علماء أهل السنة كذب وافتراء، فالوهابيون حنابلة المذهب في الفروع. يعرف ذلك كل مطلع على مذاهب أهل السنة. وهذه كتبهم مشهورة منشورة بين العالم، وفيها البيان الكافي لا ينكرها إلا معاند. وللشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كتاب في فقه الحنابلة اختصره من الشرح الكبير ومن الانصاف، وكتاب آخر اختصره من الإقناع سماه "آداب المشي إلى الصلاة" وقال الشيخ في رسالة أرسلها إلى العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن السويدي البغدادي رحمه الله تعالى: وأخبرك أنني ولله الحمد متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين لله به هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة. وقال أيضاً في رسالة أرسلها إلى علماء مكة قال فيها: فنحن بحمد الله

стр. 173

متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وقال أيضاً في رسالة كتبها إلى عبد الله بن سحيم قال فيها جواباً على المسائل التي شنع بها بعض أعدائه: وأما قوله إني مبطل كتب المذاهب، وقوله إني أدعي الاجتهاد، وقوله إني خارج عن التقليد – وعد بقية المسائل – قال: فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. ولكن قبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين وتشابهت قلوبهم ... إلى آخره. وقد تقدمت هذه الرسائل بجملتها في ردنا هذا، ما عدا رسالة عبد الله بن سحيم، اقتصرنا على الشاهد منها. وفي تاريخ الشيخ عثمان بن بشر قال: وكان الشيخ – يعني محمد بن عبد الوهاب – كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات: بأي لسان أشكر الله؟ إنه ... لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر هداني إلى الدين القويم تفضلاً ... عليّ، وبالقرآن نور البصائر وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليه اعتقادي يوم كشف السرائر وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى في رسالة أيضاً – تقدم ذكرها – إن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف. ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ولا ننكر على من قلد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، فلا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة ولا نستحق بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة، غير منسوخ ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة: أخذنا به، وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة. فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة ولا نفتش على أحد في

стр. 174

مذهبه ولا نعترض إلا إذا اطلعنا على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة. وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمامة الصلاة. فنأمر الحنفي والمالكي – مثلاً – بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، وشتان بين المسألتين فإذا قوي الدليل أشرنا لهم إلى النص، وإن خالف المذهب وذلك إنما يكون نادراً جداً. ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، ولا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب، ملتزمين تقليد صاحبه. ثم إنا نستعين على فهم كتب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن أجلها لدينا تفسير الإمام ابن جرير الطبري، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البيضاوي والبغوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم. وعلى فهم الأحاديث بشروحها، كالقسطلاني والعسقلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحوهم على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون، أصولاً وفروعاً، وقواعد وسيراً، وصرفاً ونحواً، وجميع علم الأمة. انتهى الشاهد منه. وقال الإمام عبد الكريم بن فخر الدين الهندي: في كتابه "الحق المبين" في رده على دحلان قال في الصواعق الإلهية بالفارسية ما تعريبه: قد علم برواية الثقات أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان إماماً من أئمة الطريقة، آمراً بالمعروف المشروع، ناهياً عن المنكر الممنوع، وحاز قصبات السبق على كبراء المعاصرين له قدم في الدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالسنة والاجتناب من الشرك والبدعة. وقال في موضع آخر: ومعلوم أن محمد بن عبد الوهاب كان حنبلياً في المذهب، ومتبعاً للسنة في المشرب، وكذلك أتباعه إلى الآن فالله المستعان على ما قالوا فيه من البهتان. انتهى.

стр. 175

الوجه الثاني: على تسليم دعوى المعترض بأن الوهابيين وإخوانهم لم يتقيدوا بأحد المذاهب الأربعة، فقد أسرف فيما رماهم به وعام في بحر جهل لا ساحل له، وخاض في دين الله كخوض الذين خاضوا من قبله. وقال في حق عبادة قول من لا يرى عليه محتسباً في الدنيا ولا محاسباً في الآخرة، حيث جعل خروجهم عن تقليد أحد المذاهب الأربعة- على دعواه – كخروج إبليس من بين الملائكة. مع أن المعترض لم يدل بحجة عن الله ولا عن رسوله ﷺ ولا عن الأئمة الأربعة ولا أئمة المسلمين من بعدهم الذين يعتمد عليهم ويعتد بأقوالهم. بل قد جاء بما لم يأت به أحد قبله من الغلو الذي هو سبب المروق من الدين. وهكذا الجهل واتباع الهوى يؤولان بصاحبهما. فقد جعل من يدعي العلم من المتعصبين للتقليد ومن تبعهم من العوام أهل السنة والجماعة من خالفهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فاسترسل مع خيالاته الشيطانية حتى كفر من خرج عن تقليد المذاهب الأربعة، وهذا عين الجهل والوقاحة، بل غاية في الفضيحة والقباحة، فليتقدم لمقابلة جيوش الكتاب والسنة وليتذرع بما لفقه من الشبه عن بواتر الحق وحداد تلك الأسنة.

стр. 176

أقوال الأئمة والعلماء في النهي عن التقليد والحض على الاجتهاد ... قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض" الباب الثالث في ذكر من حث على الاجتهاد وأمر به، وذم التقليد ونهى عنه. اعلم أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه. وقد صنف جماعة لا يحصون في ذم التقليد – ثم عد منهم جملة- إلى أن قال: وهذه نصوص العلماء في ذم التقليد. وقد تقدم نقل المزني عن الشافعي ﵁ أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره إلى أن قال: وقال الشيخ تقي الدين السبكي ومن خطه نقلت فيما انتخبه من أصول الفقه للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني – ما نصه: استدل الأستاذ فيه على عدم التقليد بإجماعنا على أنه لو حفظ مذهب الأئمة من دفترهم، ثم أراد أن يحكم ويفتي لم يكن له ذلك. لأنه جاهل بدليل هذا المذهب، فكما حرم

стр. 177

عليه تقليد الميت لجهله بدليل قول حرم عليه تقليد الحي. ثم ذكر عن أبي طالب المكي في كتاب "قوت القلوب" كلاماً طويلاً بهذا المعنى- إلى أن- قال: قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب"جامع بيان العلم" ما نصه: باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والإتباع. التقليد عند جماعة العلماء غير الإتباع، لأن الإتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وقد ذم الله التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية:٣١] قال حذيفة وغيره: "لم يعبدوهم من دون الله، ولكن أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم" وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف، الآيتان:٢٣-٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم عن قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ، الآية: ٣٤] وفي هؤلاء ومثلهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال، الآية:٢٢] وفي القرآن كثير في ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقال ابن مسعود: "ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً" وقال علي ﵁: إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر ولست بإمعة في الرجا ... ل أسائل هذا، وذا، ما الخبر؟ وقال أبو عمر رحمه الله تعالى: وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له لمن فهمه، وهدى لرشده، وقد قال عبيد الله بن المعتز: "لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد" قال: وقد نظمت في التقليد أبياتاً وهي هذه -فذكر الأبيات- ثم قال: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية فأحسن ما رأيت في ذلك قول المزني رحمه الله تعالى، وأنا أورده: قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هلي لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن

стр. 178

قال: نعم. أبطل التقليد، وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس، الآية: ٦٨] أي من حجة بهذا. فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي. قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى، حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبى ذلك نقض قوله. وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي – وإن كان أصغر- فقد جمع علم مت فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ، وأعلم بما ترك. قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك، وعلم من هو فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإن أعاد قوله: فقد جعل الأصغر-وما يحدث من صغار العلماء- أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع. والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى للأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً. هذا كلام المزني. قال ابن عبد البر: وقد اتفق العلماء على أن المقلد لا علم له ولا يسمى عالماً ولم يختلفوا في ذلك، ومن هنا قال البحتري: عرف العالمون فضلك بالعـ ... ـلم وقال الجهال بالتقليد إلى أن قال: وقال القاضي عبد الوهاب –أحد أئمة المالكية- في أول كتابه " المقدمات

стр. 179

في أصول الفقه" الحمد لله الذي شرع وكلف، وبين ووقف، وفرض وألزم، وأوجب وحتم، وحلل وحرم، وندب وأرشد، ووعد وأوعد، ونهى وأمر، وأباح وحظر، وأعذر وأنذر، ونصب لنا الأدلة والأعلام، على ما شرع لنا من الأحكام وفصل الحلال من الحرام، والقرب من الآثام، وحض على النظر فيهما والتفكر، والاعتبار والتدبر، فقال جل ثناؤه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر، الآية: ٢] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء، الآية:٨٢] وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت، الآية:٤٣] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص، الآية: ٢٩] وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء، الآية:٨٣] وقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة، الآية: ١٢٢] الآية. والتفقه: من التفهم والتبين، ولا يكون ذلك إلى بالنظر في الأدلة، واستيفاء الحجة دون التقليد، لأن التقليد لا يثمر علماً، ولا يفضي إلى المعرفة. وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء، واتباع السادات والكبراء، تاركاً بذلك ما ألزمه الله من النظر والاستدلال، وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٧٠] وقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية:٢٢] في نظائر من هذه الآيات، تنبيهاً بها على علة خطر التقليد بأن فيه ترك اتباع الأدلة. والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنه فيما تقلد فيه مصيب أو مخطئ. فلا يأمن من التقليد لغيره كون ما يقلده فيه خطأ وجهلاً، لأن صحة المذهب لا تتبين من فساده باعتقاد المعتقد له وشدة تمسكه به، وإنما يتميز صحيح المذاهب من فاسدها، وحقها من باطلها، بالأدلة الكاشفة عن أحوالها والمميزة بين أحكامها وذلك معدوم في المقلد لأنه متبع لقول لا تعرف صحته من فساده وإنما اعتقده لقول مقلده به. فإن زعم صاحب التقليد أنهم يعرف صحة القول

стр. 180

الذي قلد فيه، ويعلم أنه حق وأن اعتقاده واجب فذلك باطل منه. لأن العلم بذلك لا يكون إلا بالنظر في الأدلة التي هي طريق العلم، فإذا عدل عنها علمنا بطلان دعواه للعلم بصحة ما قلد فيه. فإن قال: علمت صحة القول الذي قلدت فيه بدليل وحجة قلنا: فأنت غير مقلد لأنك عارف بصحة القول الذي تعتقده، والتقليد هو اتباع القول لأن قائلاً قال به من غير علم بصحته من فساده. ثم قال: فإن قيل: فإذا كنتم تمنعون التقليد وتدعون إلى النظر، فيجب أن تبينوا صحته وتثبتوه طريقاً للعلم بالمنظور فيه. فالجواب: أن القرآن قد حض على النظر والاعتبار في الآيات السابقة، ولا يجوز أن يحض على النظر فيما لا يثمر علماً، ويأمر باعتقاد ما يؤدي إليه، وإن لم يكن حقاً مع قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية:٣٦] وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٦٩] وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء، الآية:١٧١] مع ما ورد به القرآن من الاستدلال على مدلولات والتنبيه على تصحيح إفساد مقالات وذلك في القرآن كثير يطول استيفاؤه. ومن الظاهر في ذلك المشهور ما جرى بين الصحابة ﵃ من الاحتجاج والاستدلال في مسائل الأحكام، ومناظرة بعضهم لبعض. وذلك أظهر وأشهر من تكلف الإطالة بتقصيه، فبان بما أوردناه صحة النظر والاستدلال وثبوته طريقاً للعلم بالمنظور فيه. فإن قيل: أخبرنا عن مريد التفقه، ما الذي يلزمه؟ قلنا: لا يسوغ لمن فيه فضل للنظر والاجتهاد، وقوة على الاستدلال والاعتبار أن يعتقد التفقه إلا من طريق الاستدلال الصحيح العاري عن آفات النظر المانعة له من استعماله على وجهه وترتيبه في حقه. فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درس مذهب الإمام مالك بن أنس واعتقاده، والتدين بصحته، وفساد ما خالفه قلنا: هذا ظن منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك إلا إلى أمر قد عرفنا
следующие страницы →