أقوال الأئمة والعلماء في النهي عن التقليد والحض على الاجتهاد
...
قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض" الباب الثالث في ذكر من حث على الاجتهاد وأمر به، وذم التقليد ونهى عنه. اعلم أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه. وقد صنف جماعة لا يحصون في ذم التقليد – ثم عد منهم جملة- إلى أن قال: وهذه نصوص العلماء في ذم التقليد.
وقد تقدم نقل المزني عن الشافعي ﵁ أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره إلى أن قال: وقال الشيخ تقي الدين السبكي ومن خطه نقلت فيما انتخبه من أصول الفقه للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني – ما نصه: استدل الأستاذ فيه على عدم التقليد بإجماعنا على أنه لو حفظ مذهب الأئمة من دفترهم، ثم أراد أن يحكم ويفتي لم يكن له ذلك. لأنه جاهل بدليل هذا المذهب، فكما حرم
стр. 177
عليه تقليد الميت لجهله بدليل قول حرم عليه تقليد الحي. ثم ذكر عن أبي طالب المكي في كتاب "قوت القلوب" كلاماً طويلاً بهذا المعنى- إلى أن- قال: قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب"جامع بيان العلم" ما نصه: باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والإتباع. التقليد عند جماعة العلماء غير الإتباع، لأن الإتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وقد ذم الله التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية:٣١] قال حذيفة وغيره: "لم يعبدوهم من دون الله، ولكن أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم" وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف، الآيتان:٢٣-٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم عن قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ، الآية: ٣٤] وفي هؤلاء ومثلهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال، الآية:٢٢] وفي القرآن كثير في ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقال ابن مسعود: "ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً" وقال علي ﵁:
إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر
ولست بإمعة في الرجا ... ل أسائل هذا، وذا، ما الخبر؟
وقال أبو عمر رحمه الله تعالى: وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له لمن فهمه، وهدى لرشده، وقد قال عبيد الله بن المعتز: "لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد" قال: وقد نظمت في التقليد أبياتاً وهي هذه -فذكر الأبيات- ثم قال: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية فأحسن ما رأيت في ذلك قول المزني رحمه الله تعالى، وأنا أورده: قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هلي لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن
стр. 178
قال: نعم. أبطل التقليد، وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس، الآية: ٦٨] أي من حجة بهذا. فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي. قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى، حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبى ذلك نقض قوله. وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي – وإن كان أصغر- فقد جمع علم مت فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ، وأعلم بما ترك. قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك، وعلم من هو فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإن أعاد قوله: فقد جعل الأصغر-وما يحدث من صغار العلماء- أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع. والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى للأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً. هذا كلام المزني.
قال ابن عبد البر: وقد اتفق العلماء على أن المقلد لا علم له ولا يسمى عالماً ولم يختلفوا في ذلك، ومن هنا قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعـ ... ـلم وقال الجهال بالتقليد
إلى أن قال:
وقال القاضي عبد الوهاب –أحد أئمة المالكية- في أول كتابه " المقدمات
стр. 179
في أصول الفقه" الحمد لله الذي شرع وكلف، وبين ووقف، وفرض وألزم، وأوجب وحتم، وحلل وحرم، وندب وأرشد، ووعد وأوعد، ونهى وأمر، وأباح وحظر، وأعذر وأنذر، ونصب لنا الأدلة والأعلام، على ما شرع لنا من الأحكام وفصل الحلال من الحرام، والقرب من الآثام، وحض على النظر فيهما والتفكر، والاعتبار والتدبر، فقال جل ثناؤه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر، الآية: ٢] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء، الآية:٨٢] وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت، الآية:٤٣] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص، الآية: ٢٩] وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء، الآية:٨٣] وقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة، الآية: ١٢٢] الآية.
والتفقه: من التفهم والتبين، ولا يكون ذلك إلى بالنظر في الأدلة، واستيفاء الحجة دون التقليد، لأن التقليد لا يثمر علماً، ولا يفضي إلى المعرفة. وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء، واتباع السادات والكبراء، تاركاً بذلك ما ألزمه الله من النظر والاستدلال، وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٧٠] وقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية:٢٢] في نظائر من هذه الآيات، تنبيهاً بها على علة خطر التقليد بأن فيه ترك اتباع الأدلة. والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنه فيما تقلد فيه مصيب أو مخطئ. فلا يأمن من التقليد لغيره كون ما يقلده فيه خطأ وجهلاً، لأن صحة المذهب لا تتبين من فساده باعتقاد المعتقد له وشدة تمسكه به، وإنما يتميز صحيح المذاهب من فاسدها، وحقها من باطلها، بالأدلة الكاشفة عن أحوالها والمميزة بين أحكامها وذلك معدوم في المقلد لأنه متبع لقول لا تعرف صحته من فساده وإنما اعتقده لقول مقلده به. فإن زعم صاحب التقليد أنهم يعرف صحة القول
стр. 180
الذي قلد فيه، ويعلم أنه حق وأن اعتقاده واجب فذلك باطل منه. لأن العلم بذلك لا يكون إلا بالنظر في الأدلة التي هي طريق العلم، فإذا عدل عنها علمنا بطلان دعواه للعلم بصحة ما قلد فيه. فإن قال: علمت صحة القول الذي قلدت فيه بدليل وحجة قلنا: فأنت غير مقلد لأنك عارف بصحة القول الذي تعتقده، والتقليد هو اتباع القول لأن قائلاً قال به من غير علم بصحته من فساده.
ثم قال: فإن قيل: فإذا كنتم تمنعون التقليد وتدعون إلى النظر، فيجب أن تبينوا صحته وتثبتوه طريقاً للعلم بالمنظور فيه.
فالجواب: أن القرآن قد حض على النظر والاعتبار في الآيات السابقة، ولا يجوز أن يحض على النظر فيما لا يثمر علماً، ويأمر باعتقاد ما يؤدي إليه، وإن لم يكن حقاً مع قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية:٣٦] وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٦٩] وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء، الآية:١٧١] مع ما ورد به القرآن من الاستدلال على مدلولات والتنبيه على تصحيح إفساد مقالات وذلك في القرآن كثير يطول استيفاؤه. ومن الظاهر في ذلك المشهور ما جرى بين الصحابة ﵃ من الاحتجاج والاستدلال في مسائل الأحكام، ومناظرة بعضهم لبعض. وذلك أظهر وأشهر من تكلف الإطالة بتقصيه، فبان بما أوردناه صحة النظر والاستدلال وثبوته طريقاً للعلم بالمنظور فيه.
فإن قيل: أخبرنا عن مريد التفقه، ما الذي يلزمه؟ قلنا: لا يسوغ لمن فيه فضل للنظر والاجتهاد، وقوة على الاستدلال والاعتبار أن يعتقد التفقه إلا من طريق الاستدلال الصحيح العاري عن آفات النظر المانعة له من استعماله على وجهه وترتيبه في حقه.
فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درس مذهب الإمام مالك بن أنس واعتقاده، والتدين بصحته، وفساد ما خالفه قلنا: هذا ظن منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك إلا إلى أمر قد عرفنا
стр. 181
صحته، وعلمنا صوابه بالطريق التي بيناها، فلم نخالف بدعائنا إليه ما قررناه وعقدنا الباب عليه.
هذا كلام القاضي عبد الوهاب، وهو نظير قول من قال من أصحابنا: ما قلدنا الشافعي، ولكن طابق اجتهادنا اجتهاده.
وقال القاضي عبد الوهاب أيضاً في كتابه الملخص في أصول الفقه.
فصل في فساد التقليد. التقليد: لا يثمر علماً، فالقول به ساقط، وهذا الذي قلناه قول كافة أهل العلم، وذهب قوم من ينتمي للعلم وممن يفرع على نفسه من استيفاء النظر على وجهه حتى أن ينكشف له به فساد مذهب قد تمت له معه رئاسة، أو حصل له نشوة أو عادة او عصبية إلى صحة التقليد، وأنه يثمر العلم بالمقلد فيه. والدليل على فساد ذلك: أن المقلد لا يخلو إما أن يكون عالماً بصحة قول من يقلد، أو غير عالم بذلك فإن كان عالماً فهذا ليس بمقلد، لأنه متبع لقول قد عرف صحته بالطريق الذي به عرف كون قائله محقاً، وإن كان غير عالم بصحته لم يأمن أن يكون خطأ وجهلاً. فيقدم على اعتقاده ومعتقد الجهل والخطأ ليس بعالم، ولا يقال: إن اعتقاده علم. فبطل بذلك كون التقليد علماً وقد دل القرآن على فساد التقليد في غير موضع وعلى ذم من صار إليه ودان به.
وقال الغزالي في المستصفى: التقليد هو قبول قول بلا حجة، وليس ذلك طريقاً إلى العلم، لا في الأصول ولا في الفروع. وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد، وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام ويدل على بطلان مذهبهم، مسالك:
الأول: أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة فلا بد من دليل، ودليل الصدق المعجزة فيعلم صدق الرسول ﷺ بمعجزته، وصدق كلام الله بإخبار الرسول عن صدقه، وصدق أهل الإجماع بإخبار الرسول عن عصمتهم، فحيث لم تقم حجة ولم يعلم الصدق بضرورة ولا دليل، فالاتباع فيه اعتماد على الجهل.
стр. 182
المسلك الثاني: أن يقال: أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه؟ فإن جوزتموه فأنتم شاكون في صحة مذهبكم، وإن أحلتموه فبم عرفتم استحالته؟ أبضرورة، أم بنظر أم بتقليد؟ ولا ضرورة ولا دليل، فإن قلدتموه في قوله: إن مذهبه حق، فبم عرفتم صدقه في تصديق نفسه؟ وإن قلدتم غيره، فبم عرفتم صدق المقلد الآخر؟ وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله: فبم تفرقون بين سكون نفوسكم وسكون نفوس النصارى واليهود؟ وبم تفرقون بين قول مقلدكم: إني صادق محق وبين قول مخالفيكم، ويقال لهم أيضاً في إيجاب التقليد: هل تعلمون وجوب التقليد أم لا؟ فإن لم تعلموا فلم قلدتم؟ وإن علمتم فبضرورة أو نظر أو تقليد؟ ويعود عليهم السؤال في التقليد، ولا سبيل لهم إلى النظر والدليل، فلا يبقى إلا إيجاب التقليد بالتحكيم.
فإن قيل: عرفنا صحته بأنه مذهب الأكثرين، فهو أولى الاتباع قلنا: وبم أنكرتم على من يقول: الحق دقيق غامض، لا يدركه إلا الأقلون، ويعجز عنه الأكثرون؟ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر واتقاد القريحة، والخلو عن الشواغل ويدل عليه أنه ﷺ كان محقاً في ابتداء أمره، وهو في شرذمة يسيرة على خلاف الأكثرين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام، الآية:١١٦] كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر؟ ثم يلزمكم أن تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين. كيف وهو على خلاف نص القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ، الآية:١٣] ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون، الآية:٧٠] قال ولهم شبه:
الأولى: أن النظر مفروض في شبهات، وقد كثر ضلال الناظرين فترك الخطر وطلب السلامة أولى. قلنا: وقد كثر ضلال المقلدين من اليهود والنصارى فبم تفرقون بين تقليدكم وتقليد سائر الكفار؟ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة. ثم يقال: إذا وجبت المعرفة كان التقليد جهلاً وضلالاً. فكأنكم
стр. 183
اخترتم الجهل خوفاً من الوقوع في الجهل، كمن يقتل نفسه عطشاً وجوعاً خوفاً من أن يغص بلقمة، أو يشرف بشربة لو أكل وشرب. وكمن يترك التجارة والحراثة خوفاً من نزول صاعقة، فيختار الفقر خوفاً من الفقر.
الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر، الآية:٤] والنظر فتح باب الجدل. قلنا: نهي عن الجدل بالباطل كما قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر، الآية:٥] بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل، الآية:١٢٥] ، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت، الآية:٤٦] ثم إنا نعارضهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية:٣٦] ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٦٩] ، ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف، الآية:٨٦] ، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف، الآية:٨١] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة، الآية:١١١] هذا كله نهي عن التقليد، وأمر بالعلم. ولذلك عظم شأن العلماء، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة، الآية:١١] وقال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين" ولا يحصل هذا بالتقليد، بل بالعلم. وقال ابن مسعود: "ولا تكونن إمعة. قيل: وما الإمعة؟ قال: أن يقول: أنا مع الناس إن ضلوا ضللت وإن اهتدوا اهتديت، ألا لا يواطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس"هذا كلام الغزالي.
قلت: وقد أشار إلى حمل الحديث المذكور على المجتهدين، فإن كان خيراً –كما هو ظاهر اللفظ واحد القولين في الحديث- دل على أنه لا يخلو العصر عن مجتهد، وإن كان أمراً بتقدير اللام، أي ليحمل، كما هو قول جماعة في الحديث دل على أن الاجتهاد في كل عصر فرض، وأنه لا يجوز شرعاً خلو عصر من الأعصار عنه. وعن ابن مسعود أثر أصرح في ذم التقليد من الأثر المذكور، وهو ما أخرجه البيهقي في سننه عنه، قال: "لا تقلدوا دينكم الرجال".
стр. 184
وقال الإمام ابن حزم في كتابه " النبذ الكافية في علم الأصول": التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله ﷺ بلا برهان لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف، الآية:٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آباءنا﴾ [البقرة، الآية:١٧٠] . وقال في حق من لم يقلد: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألباب﴾ [الزمر، الآية:١٧-١٨] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء، الآية:٥٩] فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة. وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل، لأنه غير القرآن والسنة وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم، وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم، أو ممن قبلهم فيأخذه. فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة، أو جميع أقوال مالك, أو جميع أقوال الشافعي، أو جميع أقوال أحمد ﵃. ولم يترك من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف لذلك إلى قول إنسان بعينه: أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها، بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفاً، ولا إنساناً في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة.
وأيضاً: فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم، فقد خالفهم من قلدهم، وأيضاً فما الذي جعل رجلاً من هؤلاء – أو غيرهم - أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود، أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو عائشة أم المؤمنين ﵃. فلو ساغ التقليد لكان كال واحد هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره.
وذكر في كتاب التلخيص نحو ذلك ومن عبارته فيه: وهل أباح مالك وأبو
стр. 185
حنيفة والشافعي ﵃ قط لأحد تقليدهم؟ حاشا الله من هذا، بل والله قد نهوا عن ذلك ومنعوا منه، ولم يفسحوا لأحد فيه.
وقال في كتابه الدرة: وعلى كل أحد مقدار ما يطيق من الاجتهاد في الدين. ولا يحل لأحد أن يقلد أحداً لا حياً ولا ميتاً ولا أن يتبع أحداً دون رسول الله ﷺ لا قديماً ولا حديثاً. ومن التزم بطاعة إنسان بعينه بعد رسول الله ﷺ كان قائلاً بالباطل، ومخالفاً لما عليه جماعة الصحابة وجميع التابعين أولهم عن آخرهم. وجميع تابعي التابعين بلا خلاف من احد منهم، وما كان في الإعصار الثلاثة احداً فما فوقه أخذ قول إنسان فوقه فنصره كله، واعتقده بأسره، وانتسب إليه. فهذه بدعة خالف الإجماع التام صاحبها.
وقال في كتابه "إبطال التقليد" إنما حدث التقليد في القرن الرابع، والتقليد هو أن يفتي في الدين فتيا لأن فلاناً الصاحب أو فلاناً التابع أو فلاناً العالم أفتى بها بلا نص في ذلك. وهذا باطل، لأنه قول في الدين بلا برهان، وقد يختلف الصحابة والتابعون والعلماء في ذلك. فما الذي جعل بعضهم أولى بالاتباع من بعض؟ قالك ويكفي في إبطال التقليد: أن القائلين به مقرون على أنفسهم بالباطل. لأن كل طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية مقرة بأن التقليد لا يحل وأئمتهم الثلاثة قد نهوا عن تقليدهم ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم وهذا عجب ما مثله عجب، حيث أقروا ببطلان التقليد ثم دانوا الله بالتقليد.
وأيضاً: فإنهم مجمعون معنا على أن جميع أهل عصر الصحابة لم يكن فيهم واحد فما فوقه يقلد صاحباً أكبر منه، فيأخذ قوله كله، وأن جميع أهل عصر التابعين لم يكن فيهم واحد يقلد صاحباً أو تابعاً أكبر منه فيأخذ بقوله كله فصح بقيناً أن هؤلاء المقلدين الذين لا يخالفون من قلدوه قد خالفوا إجماع الأمة كلها بيقين، وهذا عظيم جداً. وأيضاً: فما الذي خص أبا حنيفة ومالكاً والشافعي بأن يقلدوا دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعائشة، ودون
стр. 186
سعيد بن المسيب والزهري والنخعي والشعبي وعطاء وطاووس والحسن البصري رحمة الله على جميعهم؟
وأيضاً: فإن هذه الطوائف كلها مقرة بأن عيسى ابن مريم ﵇ سينزل ويحكم في أهل الأرض، فهل يحكم إذا نزل برأي أبي حنيفة، أو مالك أو الشافعي؟ معاذ الله، بل يحكم بما أوحى الله إلى أخيه محمد ﷺ وهذا هو الذي ندعوا إليه، والذي لا يحل لأحد أن يحكم، ولا أن يفتي ولا يدين بسواه.
فإن قالوا: لا نقدر على الاجتهاد. قلنا: يأخذ كل أحد جهده في الطريق الموصلة إلى ذلك.
ثم قالك ذكر الآثام في ذم التقليد، فأخرج بأسانيده آثاراً استوفيتها في تيسير الاجتهاد. فمنها: ما أخرجه عن معاذ بن جبل، قال: "أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه رجاءكم" وأخرج عن ابن عباس قال: "ويل للأتباع من غمرات العالم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يبلغه عن النبي ﷺ فيأخذ به، ويمضي الأتباع بما سمعوا" وأخرج عن ابن مسعود قال: "لا تكونن إمعة، تقول: أنا مع الناس" وأخرج مجاهد قال: "ليس أحد من الناس إلى وأنت آخذ من قوله وتارك، إلا النبي ﷺ " وأخرج عن أحمد بن حنبل أنه ذكر له قول مالك وترك ما سواه، فقال: لا يلتفت إلا إلى الحديث. قوم يفتنون هكذا، يتقلدون قول الرجل، ولا يبالون بالحديث. وأخرج عن سعيد بن أبي عروبة قال: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً" وأخرج عن قبيصة بن عقبة قال: "لا يفلح من لا يعرف الاختلاف" واخرج عن ابن القاسم قال: "سئل مالك لم تجوز الفتيا؟ قال: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه. قيل له: اختلاف أهل الرأي؟ قال أصحاب رسول الله ﷺ وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن، وحديث النبي ﷺ ، فذلك يفتي "قال ابن حزم: هذا قول مالك في أنه لا يجوز لأحد أن
стр. 187
يقتضي ولا أن يفتي، إلا أن يكون عالماً بالحديث والفقه والاختلاف. فإن كان عالماً بأحدها لم يجز له أن يقضي، ولا أن يفتي. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي بلا خلاف. قال: فلينظر حكامهم مفتوهم اليوم هل هذه صفتهم أم لا؟ فإن كانوا ليسوا كذلك فقد خالفوا من ادعوا تقليده وحصلوا على لا شيء.
وقال في رسالة أخرى: قد دل الكتاب والسنة وحضا على النظر والاجتهاد وترك التقليد، ووجدنا أصحاب رسول الله أولهم عن آخرهم، ليس منهم أحد أتى من هو فوقه في القرب والسابقة والعلم، فأخذ قوله كله فتقلده في دينه، بل رأينا كل امرئ منهم يجتهد لنفسه، ثم بحثنا عن عصر التابعين فوجدناهم على تلك الطريقة ليس منهم أحد أتى إلى تابع أكبر منه أو إلى صاحب فتقلد قوله كله. وكذلك أتباع التابعين ليس منهم أحد أتى إلى تابع أو صاحب أو فقيه من أهل عصره أكبر منه، فأخذ قوله كله ولم يخالفه في شيء منه، ولا أمروا بذلك عامياً ولا خاصياً وهذه القرون المحمودة الثلاثة. فعلمنا يقيناً أنه لو كان أخذ قول عالم بأسره فيه شيء من الخير والصواب ما سبقهم إليه ما حدث في القرون المذمومة. ولو كان ذلك فضيلة ما سبقناهم إليها، وهذا العصر الثالث: هو الذي كان فيه ابن جريج وسفيان بن عيينة بمكة، وابن أبي ذئب، ومحمد بن إسحاق، وعبد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز الدراوردي، وإبراهيم بن سعد بالمدينة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومعمر بن راشد، وأبو عوانة، وشعبة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وهشام الدستوائي، وزكريا بن أبي زائدة، وحبيب بن الشهيد، وسوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وعثمان بن سليمان بالبصرة. وهشام بن بشر بواسط. وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن يحيى، وشريك، وأبو حنيفة، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن حازم بالكوفة. والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والزبيدي، والقاضي حمزة بن يحيى، وشعيب بن أبي حمزة بالشام. والليث بن سعد، وعقيل بن
стр. 188
خالد بمصر. كلهم على الطريقة التي ذكرت. ما منهم أحد أخذ بقول إمام ممن قبله فقبله كله دون أن يرد منه شيئاً.
ثم حدث بعدهم من اعتصم بهداهم وسلك سبيلهم في نحو ذلك، نحو: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن المفضل، وخالد بن الحارث، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، والوليد بن مسلم، والحميدي، والشافعي، وابن المبارك، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبي داود الطيالسي، وأبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وعبد الوارث بن سعيد، وابنه عبد الصمد، ووهب بن جرير، وأزهر بن أسد، وعفان بن مسلم، وبشر ابن عمر، وأبي عاصم النبي، والمعتمر بن سليمان، والنضر بن شميل، ومسلم بن إبراهيم، والحجاج بن منهال، وأبي عامر العقدي، وعبد الوهاب الثقفي، والفريابي، ووهب بن خالد، وعبد الله بن نمير وغيرهم. ما من هؤلاء أحد قلد إماماً كان قبله.
ثم تلاهم على مثل ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن الحسين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وقتيبة، ومسدد، والفضل بن دكين، ومحمد بن المثنى، وبندار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن العلاء، والحسن بن محمد الزعفراني، وسليمان بن حرب، وعارم، وغيرهم. ليس منهم أحد قلد رجلاً. وقد شاهدوا من قبلهم ورأوهم. فلو رأوا أنفسهم في سعة من أن يقلدوا دينهم أحداً منهم لقلدوا.
ثم أتى بعد هؤلاء: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومحمد بن سنجر، ويعقوب بن أبي شيبة، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، وابن
стр. 189
النذر، ومحمد بن جرير الطبري، وبقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهم. ما منهم أحد أتى إلى إمام قبله، فأخذ قوله كله فتدين به بل كل هؤلاء نهى عن ذلك وأنكره ولم أجد أحداً ممن يوصف بالعلم قديماً وحديثاً يستجيز التقليد، ولا يأمر به. وكذلك ابن وهب، وابن الماجشون، والمغيرة بن أبي حازم، ومطرف، وابن كنانة لم يقلدوا شيخهم مالكاً في كل ما قال بل خالفوه في مواضع واختاروا غير وقوله. وكذلك الأمر في زفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وبكار بن قتيبة، والطحاوي. وكذلك القول في المزني، وأبي عبيد بن حربويه، وابن خزيمة، وابن سريج فإن كلاً منهم خالف إمامه في أشياء واختار منها غير قوله. ومن آخر من أدركنا على ذلك شيخنا أبو عمر الطلمنكي فما كان يقلد أحد وذهب إلى قول الشافعي في بعض المسائل والآن محمد بن عوف لا يقلد أحداً، وقال بقول الشافعي في بعض المسائل، إلى كثير من سلف وخلف لو ذكرتهم لطال الخطب بذكرهم، ثم أنشد لنفسه قصيدة في الاجتهاد قال في آخرها:
واهرب عن التقليد فهو مضلة ... إن المقلد في سبيل الهالك
تأبونه في العقل، وهو مقالكم ... في الدين يا له من ضلال فاتك
هذا ما نقلته من كلام ابن حزم.
وقوله في أوله: لا يقلد أحد غير رسول الله ﷺ سبقه إليه الشافعي ﵁، فقال في مختصر المزني في باب القضاء: ولا يقلد أحداً دون رسول الله ﷺ .
وقال عوض بن أحمد الشرواني من أصحابنا في خطبة كتابه "المعتبر في تعليل المختصر" وهو شرح لمختصر المختصر، للشيخ أبي محمد الجويني ما نصه: سألني بعض من شغف بهذا الكتاب أن أشرحه بالدليل والتعليل، ليعرف الأدلة ومعانيها، ليكون على هدى البصيرة لا على عمى القلب، فسمى التقليد عمى.
стр. 190
وقال أبو جعفر محمد بن الحسن الأرسابندي من الحنفية، في كتاب "أصول الفقه" القول في أسماء الحجج التي هي مضافة إلى أربعة أنواع: التقليد، والإلهام، واستصحاب الحال، والطرد. وهذه أسماء مستحسنة المبادئ، مستقبحة العواقب، ومداخلها هدى، ومخارجها ضلال لا ينجو من تمسك بمبادئها عن عواقبها، إلا بتأمل ونظر ودوام على حذر. فنقول وبالله التوفيق، التقليد: هو أن يقلد غيره ويتبعه من غير دليل ظهر له، وأنه من أفعال الكفرة. قال الله حاكياً عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] وقال حاكياً عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت، الآية: ١٢] وقال الحشوية: التقليد حق، واحتجوا بأن الأصل في بني آدم العقل، والأصل في العقلاء العمل الحق، لأن العقل يدعوهم إليه، وبأنا جوزنا تقليد الصحابي لأنه صاحب من يجب اتباعه وهكذا إلى قيام الساعة. ونقول: التقليد باطل، لأن الله تعالى ذم الكفرة على التقليد، فقال حاكياً عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] فلا يجوز أن يشتغل الإنسان بما يستحق الذم عليه، ولأن فعله يحتمل الخطأ والصواب. والمحتمل: لا يصلح حجة ولأنك تقول لهذا الرجل: قلدت فلاناً لأنه عاقل، فقلدني أيضاً، فإن قلدك فقد ترك مذهبه، وإن لم يقلدك، نقول له: الموجب لتقليده عقله. وقد وجد هنا. ولأنا نقول له: قلدته لعلمك بكونه حقاً أولاً؟ فإن قال: لا، بالجهل. لا يصلح حجة، وإن قال: نعم، فعلمه يستند إلى دليل. فلم يكن مقلداً.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "القواعد الكبرى" ومن العجب العجيب: أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جموداً على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلده. قال: وقد
стр. 191
رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطن نفسه عليه تعجب منه غاية العجب من غير استرواح إلى دليل، بل لما ألفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه، ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره، فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر، من غير فائدة يجدها. قال: وما رأيت أحداً رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصر عليه مع علمه بضعفه وبعده. فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولا يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح، والبرهان اللائح.
فسبحان من أكثر (١) من أعمى التقليد بصره، حتى حمله على ما ذكرته.
قال: وسأفرد إن شاء الله تعالى كتاباً أبين فيه أقرب العلماء إلى مراعاة مقاصد الشرع في كل ورد وصدر. قال: مع أني لا أعتقد أحداً منهم انفرد بالصواب في كل ما خولف فيه بل أسعدهم وأقربهم إلى الحق من كان صوابه فيما خولف فيه أكثر من خطئه. قال: ولم يزل الناس يسألون من اتفق مع العلماء من غير تقليد لمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها عن المقلدين. فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلداً له فيما قاله، كأنه نبي أرسل إليه. وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب. هذا كلام الشيخ عز الدين ﵀.
وقال الإمام أبو شامة في "خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول": ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام معين بأن يرفع نفسه عن هذا المقام وينظر في مذهب كل إمام، ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا كان قد أتقن معظم العلوم المتقدمة، وليتجنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة،
стр. 192
فإن مضيعة للزمان ولصفوه قال: وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" قال: فما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظاً على الناس. فإن هذه الأزمنة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا. قال: ولم يزل علم الفقه كريماً يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين: الكتاب والسنة، مستظهرين بأقوال السلف على فهم ما فيهما من غير تقليد، فقد نهى إمامنا الشافعي ﵁ عن تقليده وتقليد غيره. وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى وتعقب بعضهم بعضاً، مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة، وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة، ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة، ثم استظهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها، فقصرت همم أتباعهم إلا قليلاً منهم. فقلدوا ولم ينظروا فيما نظر فيه المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة، فقل المجتهدون، وغلب المقلدون، حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد: يعجبون ويزدرون. ثم قال: ولم أزل مذ فتح الله عليّ بالاشتغال بعلم الشريعة، وفهم ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ودلالات الكتاب والسنة مهتماً بجميع ذلك أو ما يقاربه، توفيقاً من الله لمعاودة الأمر الأول وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين، مستظهرين بأقوال السلف فيها، طلباً لفهم معانيها، ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة. ثم قال: وإنما وضع الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة الكتب، إرشاداً للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صواباً، لا أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت، فقد صح أن الشافعي ﵁ نهى عن تقليده وتقليد غيره، قال صاحبه المزني في أول مختصره: "اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقر به على من أراده. مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه" أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي؛ نهى الشافعي له عن
стр. 193
تقليده وتقليد غيره، هذا أحسن ما أول به هذا الكلام وانظروا رحمكم الله إلى قوله: "لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه" أي: ليسترشد بذلك إلى الحق. قال الماوردي في الحاوي: وقوله "ويحتاط لنفسه" أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب، وترك التقليد بطلب الدلالة.
قال أبو شامة: فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان، ويجتهدون في طلبه، وينهون عن التقليد – ثم ذكر المؤلف كلاماً طويلاً ونقلاً عن بعض الأئمة إلى أن قال:
وقال الدمنهوري من أصحابنا في أول كتاب "الإرشاد": لا ينتفع إلا من رفع عن قلبه حجاب التقليد، فإنه سبب لحرمان كل خير وسائق لكل عواقة، بل أكثر ما أوقع الخلق في الكفر والنفاق منه، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] ولما قالت لهم رسلهم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٤] وذلك إنما هو من ربط الجهل على قلوبهم، وربط التقليد على أفهامهم، حتى لا يتدبروا ما يقال لهم، ويستنكفوا عمن يرشدهم، لظنهم الفاسد أنه لا يمكن أن يكون المتأخر أفضل من المتقدم. ويعتقدون أن ذلك عندهم من قبيل المستحيل، ولم يعلموا أن مواهب الله تعالى لا تنقطع، وفيض جوده لا ينفد، وإنما حرم ذلك من حرمه، إما لفساد طبعه وخلل في عقله أو لعدم تدبره وتفهمه لما بينه الله تعالى من الآيات الواضحة، والدلائل الرجحة، وإلا فكل من له طبع سليم، وفهم مستقيم، إذا رفع عن قلبه حجاب التقليد، وادرع جلباب الاجتهاد والتجريد، وتعرض لنفحات ربه أفاض بجوده عليه التأبيد والتسديد، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت، الآية: ٦٩] .
وقال ابن القيم الجوزية في كتاب "ذم التقليد": قد حذر النبي ﷺ من محدثات الأمور، وأخبر: "أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ومن المعلوم بالضرورة أن ما عليه هؤلاء – من التقليد الذي يترك له كتاب الله وسنة
стр. 194
رسوله، ويعرض القرآن والسنة عليه، ويجعل معياراً عليهما – من أعظم المحدثات والبدع التي بدأ الله سبحانه منها القرون التي فضلها وخيرها على غيرها. قال: ومن أظهر الحجج على بطلان التقليد: ما كتبه عمر إلى شريح "أن اقض بما في كتاب الله. فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله. فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون" وهكذا كان سير السلف المستقيم، وهداهم القويم، فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير. قال: وقد صح عن ابن مسعود النهي عن التقليد وأن لا يكون الرجل إمعة، انتهى ما نقله من كتاب الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى.
стр. 195
هل على العامي أن يتمذهب بمذهب معين؟ رأي الإمام ابن القيم في ذلك
...
وقال الإمام أبو عبد الله شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين" وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ﷺ ، ولم يوجب الله ورسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة أهلها من هذه النسبة. بل لا يصح للعامي مذهب، ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراً بالمذاهب على حسبه. أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول. كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يكن كذلك بمجرد قوله. يوضحه: أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنبلي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه. وهذا إنما يصح إذا سلك سيبله في العلم والمعرفة والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام، وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور له ذلك لم يلزمه ولا غيره ولا يلزم أحداً قط أن يتمذهب بمذهب رجل بعينه من الأمة، بحيث يأخذ
стр. 196
أقواله كلها، ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء. وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة، فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس من بين سائر الأئمة والفقهاء. وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل. وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز، والزمان والمكان والحال، فذلك أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله.
ومن صحح للعامي مذهباً قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وهذا الذي قاله هؤلاء – لو صح – للزمه تحريم استفتاء أهل غير هذا المذهب الذي انتسب إليه. وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه.
وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم. ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة. كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به حجازياً كان أو عراقياً أو شامياً أو مصرياً أو يمنياً. انتهى.
وقال العالم الأصولي الفقيه الشيخ محمد بن عبد العظيم المكي الحنفي
стр. 197
في كتابه "القول السديد" الفصل الأول: اعلم أنه لم يكلف الله أحداً من عباده بأن يكون حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به نبيه محمداً ﷺ والعمل بشريعته. انتهى.
فهذا ما وسع المقام نقله من كلام الأئمة المقتدى بهم في كل زمان ولو أردت استقصاء كلامهم في هذه المسألة لاحتمل مجلداً ضخماً. وفيما نقلته كفاية لبيان جهل هذا الملحد وتوغله في الضلالة. فقد رمى أئمة المسلمين من السلف والخلف بالإفك والضلالة. فقد رمى أئمة المسلمين من السلف والخلف بالإفك والضلال لأنهم لم يتقيدوا – على زعمه – بتقليد أحد الأئمة الأربعة، ولكنهم تقيدوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، ولم يتبعوا إلا من قال بهما لأنهم يعلمون أن ما وسع الصحابة ﵃ ومن بعدهم من القرون المفضلة – وفيهم الأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين المقتدى بهم، وما جاز في حقهم من عدم تقليدهم لأحد غير من فرض الله عليهم طاعته واتباعه – يسع غيرهم ممن جاءوا من بعدهم إلى يوم القيامة. ومن لم يسعه ما وسع أصحاب نبيه ﷺ من القرون المفضلة من بعدهم فلا وسع الله عليه.
وهذا الملحد يكفر من قلد محمد بن عبد الله الذي أرسله الله تعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكذا من قلد أصحابه ﵃ ومن رد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ويدعي أن الأمة أجمعت – أولها عن آخرها – على تقليد الأئمة الأربعة والرد عند التنازع إلى أقوالهم. أن كتب الحديث "ليس فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب" وقد أوردنا من أقوال أئمة المسلمين من جميع المذاهب سلفاً وخلفاً ما يبطل دعوى هذا الملحد، ويدرأ في نحره. وها هي بين يديك ومن أقربها إليك ما نقلناه عن الإمام ابن القيم ﵀ حيث يقول: ولا يلزم أحد أن يتمذهب بمذهب رجل معين من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة المسلمين.
وقال الإمام أبو شامة في كتابه "المؤمل": وسئل بعض العارفين عن معنى
стр. 198
المذهب؟ فأجاب: إن معناه دين مبدل. قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الروم، الآيتان: ٣١- ٣٢] انتهى.
وقال ابن العز في حاشية الهداية: فمن يتعصب لواحد من الناس غير رسول الله ﷺ ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة المتأخرين فهو ضال جاهل بل قد يكون كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قتل. انتهى.
стр. 199
افتراء الملحد على الوهابيين في الإجماع على القراءات
...
ثم إن المعترض – بعد أن لفق ما لفقه من الكذب على الوهابيين وإخوانهم بشأن الإجماع – قال: "فهذا ما سمعته من كثير منهم فقلت لبعض علمائهم: إن هذا القول يتناول القرآن العظيم من وجه اختلاف القراءات قال: لا أصرح بعدم توفر التواتر لكني أقول: فيه نظر. فقلت: أعوذ بالله من هذا الغلو، وأي نظر يا عدو نفسه في تواتر القرآن المحفوظ باللفظ والحرف، والأداء بالرواية الصحيحة في صدر لا أقل من ألف ألف حافظ؟ قاتلكم الله على هذا التمحل البارد، والاعتساف السخيف، والاستدلال الفاسد".
أقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات، الآية: ٦] وهذا المعترض فاسق ملحد في دين الله تعالى، وقد كذب على الله وعلى رسوله ﷺ فكيف لا يكذب على عباده المؤمنين وكيف نصدق عدواً ألد، قد اشتهر بعداوته لمن اتبع الكتاب والسنة وقد اختلق هذه الفرية على بعض علماء الوهابيين كما زعمه مع أن هذه الفرية ملفقة تلفيقاً لا تقبله العقول السليمة، ولا يتصورها إلا أحمق جاهل مثل هذا الغبي المفتري. أما الوهابيون: فإن العامي منهم – فضلاً عن العلماء – تنفي فطرهم وعقولهم هذه الخرافات وتجل علومهم عن هذه الجهالات. فقاتل الله من استحل الكذب في دينه وعلى عباده وجزاه بما جزى به أمثاله من الكاذبين.
ثم ذكر المعترض كلاماً بناه على ما زعمه من أن الوهابيين يعللون عدم
стр. 200
صحة الإجماع بأن لا يكون في الحكم المجمع عليه خلاف بين اثنين.
قال: "وهذا يتناول القرآن العظيم" وقد بينا كذبه في هذه الدعوى فيما مضى.
وأما ما يتعلق بالإجماع فقد مضى أيضاً بيانه وما قاله المعترض من رفع الحرج واختلاف الصحابة والتابعين والأئمة وما جاء به من الخبط والتخليط. فهذه هي بضاعته الكاسدة التي لا تستحق النظر فيها، ولا الالتفات إليها، وليس لما يقوله قيمة إلا عند الأغبياء أمثاله وليس من قصدنا تتبع هفواته في مثل هذه المسائل إنما قصدنا الرد عليه فيما غيره من أصول الدين، ودعا إليه من الشرك والبدع وما افتراه من الكذب على أئمة المسلمين.
стр. 201
ادعاء الملحد بأن الإجماع عرف بعد عصر الأئمة الأربعة
...
إلى أن قال الملحد: "وكل ذي قلب طاهر وعقل سليم يعلم يقيناً أن اختلاف الأئمة في بعض الفروع، لا يجوز جعله حجة على أن الدين كان واحداً فجعلوه أربعة. ولو جاز هذا القول لتعدى إلى الصحابة ﵃ لأن الاختلاف بينهم في بعض الفروع ثابت بالتواتر، بل يستطرد للرسول ﵊ وهذا كفر يتبرأ المسلمون منه".
أقول: إن ما زعمه هذا المعترض الملحد وما لفقه من القول الساقط ورتبه عليه من تعديته إلى الصحابة ﵃، بل نسبه إلى مقام النبوة قول مخترع وكذب مصطنع، أوحته إلى هذا المعترض شياطينه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام، الآية: ١٢١] أما الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى: فإن مقامهم بحمد الله محفوظ عند جميع المسلمين من أهل السنة لا يختلف فيه منهم اثنان، وذلك لفضلهم وعلو قدرهم في العلم والإمامة. فأما من ينتسب إليهم وليس هو على طريقتهم فهذا من الذين فرقوا الدين وفارقوا طريق الأئمة الأربعة. وإذا كان ما يزعمه هذا المعترض من القول في حق الأئمة زوراً وبهتاناً فهو في تعديته إلى الصحابة ﵃ أولى وأحرى. وليت هذا الملحد وقف في هذا القول عند هذا
стр. 202
الحد من الخوض في حق الصحابة الأئمة الأربعة بل تعداه إلى مقام الرسول ﷺ . فزعم أن الخلاف يتطرق إلى أعماله وأقواله فما هو هذا الخلاف الذي يستطرد إلى الرسول أيها الملحد الشاك المرتاب؟ أخزاك الله.
قال المعترض: "ولو نصحتم أنفسكم لعرفتم أن الإجماع الذي أنعم الله به علينا معشر أهل السنة لم يكن مثله لأمة من الأمم أو نحلة من النحل. فنحن أهل السنة – البالغ عددنا نحو ما ئتين وخمسين مليوناً منتشرين في كل جهة من كرة الأرض – لم نزل تفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأبعة العظام وبواسطتهم إلى نبيناً ﵊. لا فرق في تصديق روايتهم وإخلاص مقاصدهم وبراءة ذمتهم بين علمائنا وعوامنا ولو أن سائلاً سأل كل فرد منا عن إمامه وجمع أجوبتهم لما وجد بينهم واحداً ينتسب إلى إمام خامس، فأي إجماع من عهد آدم إلى الآن أعظم من هذا الإجماع؟ الذي لا يحاول إنكاره إلا من ران على قلبه وختم الله على بصره وسمعه".
أقول: إن هذا المعترض أحق بنصح نفسه، فإنه ممن قال الله فيهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: الآية: ٤٤] مع أنه ليس من الداعين إلى البر، بل هو من الدعاة إلى الشرك بالله، والبدع في الدين. فقد أعماه الهوى وغلب عليه الجهل، فصار يخوض في دين الله بهواه ووحي شيطانه، وليس له فيه سند من كتاب ولا سنة ولا مستند يرجع إليه من أقوال أئمة أهل السنة. فقد زعم أن إجماع العوام وأهل البدع والأهواء على مخالفة الكتاب والسنة، والانحراف عن طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، نعمة أنعم الله بها على هذه الأمة لم تكن لأمة غيرها من الأمم، وهذا قول معتوه جاهل لا يصدر إلا من مثل هذا المعترض الأحمق الذي يعتقد أن الإجماع شرع قائم بنفسه، قد شرعه الله ورسوله توسعة لهذه الأمة فكل فرد منها أو طائفة يستحسنون عملاً لم يرد به الشرع، أو يبتدعون بدعة في الدين بشرط أن يتبعهم عليها العوام والجهلة الطغام، فعلمهم هذا يكون إجماعاً شرعياً على مذهب الحاج مختار وشيخه دحلان المتلاعبين بدين الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . فإنهم لا يعتنون بشيء من
стр. 203
علوم الشريعة الصحيحة فيتقيدون به ولا يقفون عند حدودها وإنما هو من أهل الأهواء الذين لم يعتمدوا في أخذ دينهم كتاب ربهم، ولا سنة نبيه ﷺ بل اعتمدوا على غرورهم واستحسان عقولهم الفاسدة، فقد جمعوا بين المتناقضات فزعموا أن الاجتهاد قد انقطع من بعد عصر الأئمة الأربعة، وأن من خرج عن تقليدهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. ومع ذلك يقولون بصحة وقوع الإجماع في كل زمان مع إقرارهم بأن تعريف الإجماع المتفق بصحة وقوع الإجماع في كل زمان مع إقرارهم بأن تعريف الإجماع المتفق عليه بين جميع أهل المذاهب أنه اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ على حكم شرعي. فكيف يتصور وقوع الإجماع مع القول بانقطاع الاجتهاد، وعدم وجود المجتهدين من بعد عصر الأئمة الأربعة؟ هذا هو غاية التناقض.
وأغرب من هذا: أن المعترض قد ذكر في محل آخر من رسالته هذه كلاماً يقول فيه: "إن الشرع عندنا مبني على ثلاثة أركان، وهي: الأصول، والفروع، والقياس – ثم يقول بعد ذلك – وبعد قرن الأئمة الأربعة وظهور البدع والمنحل: أضاف العلماء للأركان الثلاثة ركناً رابعاً وهو الإجماع".
فزعم أن علماءهم هم الذين جعلوا الإجماع ركناً رابعاً للشرع. وذلك بعد عصر الأئمة الأربعة، أما قبل عصر الأئمة الأربعة فلم يكن هناك إجماع على زعمه وليس هو بحجة. وهذا منتهى الجهل والغباوة اللذين لا ينازع الحاج مختار فيهما أحد قبله ولا بعده من البله الذين هم كسائمة الأنعام.
وقد تقدم الكلام على الإجماع وتفصيل القول فيه، بما أغنى عن إعادته. وحاصله: أن كل إجماع لا يستند إلى دليل من الكتاب والسنة فليس بإجماع، بل الإجماع دليل على وجود نص شرعي، وإن خفي على بعض المجتمعين فلا يخفى على الباقين. وهذا ينطبق على عصر الصحابة ﵃. أما بعد عصرهم فقد يتعذر العلم بوقوع الإجماع ممن ينعقد بهم لما ذكر في محله من الموانع التي يتعسر معها – بل يستحيل – معرفة صحة وقوع الإجماع من جميع علماء الأمة المجتهدين الذين تفرقوا في الأقطار البعيدة المتنائية الأطراف. وهي
стр. 204
التي من ادعى الإحاطة بها، ومعرفة مذاهب أهلها، وأحوال علمائها ودرجاتهم في حمل علوم الكتاب والسنة، وبلوغهم درجة الاجتهاد فهو كاذب كما كذبه الأئمة المقتدى بهم، كالإمام أحمد وغيره من الأئمة. فليس المعول عليه في الشرع الإجماع نفسه فقط إنما المعول عليه هو المجتمعون أنفسهم، بل هو من الذين يصح الاقتداء بهم في مسائل الشرع علماً ودراية وتقوى لله تعالى؟ فتوليهم الأمة ثقتها فيما أجمعوا عليه من أحكام الدين. وتعلم أن لهم فيه مستنداً من الكتاب والسنة دل عليه إجماعهم. وهذا هو المطلوب، أما المقلدون ومن شاكلهم من العوام فليسوا من أهل العلم فضلاً عن أن ينعقد بهم إجماع وإن كثر عددهم فإنهم غثاء.
стр. 205
زعمه أن الأمة كلها على السنة وتفنيد مفترياته
...
وأما قول المعترض: "فنحن أهل السنة البالغ عددنا نحو مائتين وخمسين مليونا ً، منتشرين في كل جهة من كرة الأرض لم نزل متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة العظام. وبواسطتهم إلى نبينا ﵊ الخ".
فنقول: هذه دعوى كاذبة منكرة، ولمدعيها حظ وافر من قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود، الآية: ١٨] وقد تقدم الكلام في تكذيب ما يدعيه هذا الملحد لنفسه ولإخوانه الملاحدة من أنهم من أهل السنة والجماعة. وقد دللنا على البطلان دعواه هذه بما أوردناه من كلام الأئمة المحققين في تعريفهم لأهل السنة والجماعة بأنهم المتبعون لطريق الرسول ﷺ وأصحابه، وإن قلوا. وأن هذا المعترض وأشياعه من الملاحدة ضلال مبتدعون لا متبعون فليسوا من أهل السنة والجماعة لما اشتهروا به من مخالفتهم لطريق الرسول وأصحابه.
وأما زعم المعترض فيمن قدر عددهم بمائتين وخمسين مليوناً منتشرين في كل جهة من كرة الأرض: أنهم كلهم من أهل السنة، وأنهم قد اتفقوا على أخذ أصول دينهم عن الأئمة الأربعة، وبواسطتهم إلى نبينا عليه الصلاة
стр. 206
والسلام – فهذا الزعم من أكذب الكذب، وأبطل الباطل، فإن هذا العدد المذكور قد يستغرق أكثر ممن يدعون الإسلام فضلاً عن كونهم كلهم من أهل السنة مع ما هو معلوم مشهور لكل منصف، مطلع على أحوال من يدعون الإسلام أن الكثرة الكاثرة منهم ليس معهم غير الاسم، وأن ما عليه الأمة المحمدية اليوم – من كثرة الملل والنحل والتفرق في الدين – شاهد لصدق ما أخبر به النبي ﷺ من وقوع ذلك في أمته، كما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي".
وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية: "ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". وأخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم – وصححه – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" زاد في رواية: "كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة".
فانظر إلى جرأة هذا الملحد، الذي يزعم أن هذه الفرق – التي أخبر عنها رسول الله ﷺ أنها من أمته وأنها كلها في النار إلا واحدة – قد أخذت أصول دينها وفروعها عن الأئمة الأربعة، وبواسطتهم إلى نبينا ﵊ سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هذه فرق شاقت الله ورسوله، واتبعت غير سبيل المؤمنين ولم تهتد بهدى سيد المرسلين، وعلى رأس هذه الفرق الخاسرة فرقة الحاج مختار وشيخه دحلان، دعاة الشرك في عبادة الله تعالى، والصد عن كتابه وسنة نبيه ﷺ والكذب على عباده الموحدين، ويدعون أنهم من أتباع الأئمة الأربعة – مع أن الأئمة الأربعة بريئون منهم، ومما هم عليه من الإلحاد في دين
стр. 207
الله تعالى – ويغالطون باسم التقليد والإجماع والقياس لأن هذه أسماء يدخلها التمويه والمغالطة على الجهال ونحن قد رددنا على ما زعموه من وجوب التقليد وانقطاع الاجتهاد.
والآن نبين فساد ما ادعاه هذا الملحد من أن جميع أهل السنة المتفرقين في الكرة الأرضية قد اتفقوا على تقليد الأئمة الأربعة مبينين أن التقليد رخصة لمن احتاج إليه، وأن الفرض على المكلفين هو اتباع الرسول ﷺ ، ثم اتباع أصحابه الذين أمرنا ﷺ باتباع سنتهم. وقد اشتهر عن الأئمة الأربعة ﵃ النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم، وما زال الأئمة من أصحابهم الملتزمين لمذاهبهم، يخالفونهم في بعض المسائل، إذا ترجح عندهم الدليل من الكتاب والسنة ويقولون: هذا هو حقيقة الاتباع للأئمة، وقبول نصحهم. روى ذلك عن المزني والبويطي من أصحاب الشافعي، وكذلك نبه على هذا الأئمة المتضلعون بعلوم الحديث، الباحثون عن فقهه ومعانيه، الذاكرون لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد بواحد بعينه كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم. ونبه عليه أيضاً البغوي في التهذيب وإمام الحرمين في النهاية ذكر هذا أبو شامة وروى أيضاً عن كثير من أصحاب الأئمة الأربعة ﵃.
وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض" الباب الثالث في ذكر من حث على الاجتهاد وأمر به وذم التقليد ونهى عنه، اعلم: أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد، ويحضون عليه، وينهون عن التقليد، ويذمونه ويكرهونه. وقد صنف جماعة لا يحصون في ذم التقليد، فمن صنف في ذلك: المزني، صاحب الإمام الشافعي ألف كتاب "فساد التقليد" نقل عنه ابن عبد البر في كتاب "العلم" والزركشي في "البحر" ولم أقف عليه. وألف ابن حزم ثلاثة كتب في إبطال التقليد، وقفت عليها. وألف ابن عبد البر كتاب "العلم" في ذلك، وقفت عليه. وألف أبو شامة في ذلك كتابه المسمى "خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول" وقفت
стр. 208
عليه. وألف ابن دقيق العيد كتاب "التسديد في ذم التقليد" لم أقف عليه. وألف ابن قيم الجوزية كتاباً في ذم التقليد، وقفت على كراسين منه. وألف المجد الشيرازي صاحب القاموس كتاب "الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد" لم أقف عليه.
وهذه نصوص العلماء في ذم التقليد، قد تقدم نقل المزني عن الشافعي ﵁ أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره.
وقال الشافعي ﵁ في كتابه "الرسالة" فكل ما أنزل الله تعالى في كتابه رحمة وحجة، علمه من علمه، وجهله من جهله، لا يعلمه من جهله، ولا يجهله من علمه. وللناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر حاجتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم بلوغ جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على عارض عرض دون مطلبه. وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه، فإنه لا يدرك خير بلا عونه. فإنه من أدرك علم أحكام الله تعالى في كتابه نصاً واستنباطاً وفقه الله للقول والعمل بما علم منه، وفاز بالفضل في دينه ودنياه، وانتفت عنه الريب، ونورت قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة. فنسأل الله المبتدى لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمها علينا مع تقصيرنا في الإتيان بما أوجبه من شكرها، إذ جعلنا من خير أمة أخرجت للناس أن يرزقنا فهماً في كتابه، ثم سنة نبيه، قولاً وعملاً، نؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي – ومن خطه نقلت – فيما انتخبه من أصول الفقه للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني ما نصه: استدل الأستاذ فيه على عدم التقليد بإجماعنا على أنه لو حفظ مذهب الأئمة من دفترهم، ثم أراد أن يحكم به ويفتي لم يكن له ذلك، لأنه جاهل بدليل هذا المذهب فكما حرم عليه تقليد الميت لجهله بدليل قوله حرم عليه تقليد الحي.
وقال أبو طالب المكي في كتاب "قوت القلوب": اعلم أن العبد إذا كاشفه الله بالمعرفة واليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء، وكذلك كان المتقدمون إذا
стр. 209
أقيموا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم، ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد ويقولون: لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف العلماء – أي فيختار منها الأحوط للدين، والأقوى باليقين – فلو كانوا يحبون أن يفتي العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف، ولكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه، من قبل أن العبد يسأله غداً: ماذا عملت فيما علمت؟ ولا يقال له: فيما علم غيرك؟ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ﴾ [الروم، الآية: ٥٦] فقرن بينهما. فدل على أن من أوتي إيماناً ويقيناً أوتي علماً، كما أن من أوتي علماً نافعاً أوتي إيماناً. وهذه أحد الوجوه في معنى قوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة، الآية: ٢٢] أي قواهم بعلم الإيمان، فعلم الإيمان هو روحه. وتكون الهاء عائدة على "الإيمان" لأن العالم هو الذي تأهل للاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنة، ومعرفة أدوات الصنعة، وآلة الصنع، لأنه ذو تمييز وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة.
стр. 210
الفرق بين التقليد والاتباع
...
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب العلم ما نصه: باب فساد التقليد ونفيه والفرق بن التقليد والاتباع، "التقليد" عند جماعة من العلماء: غير الاتباع، لأن "الاتباع" هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله، وصحة مذهبه. و"التقليد" أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وقد ذم الله التقليد في غير موضع من كتابه. فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] قال حذيفة وغيره: "لم يعدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لم وحرموا، فاتبعوهم" وقال عدي بن حاتم: "أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب، فقال لي: يا عدي، ألق هذا الوثن من عنقك. وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] قال: قلت: يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أرباباً، قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم الله عليكم، فتحلونه. ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، فقال: تلك عبادتهم". وعن أبي البحتري في قوله : ﴿اتَّخَذُوا
стр. 211
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] قال: أما أنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم: فجعلوا حلال الله حرماً وحرامه حلالاً، فأطاعوهم. فكانت تلك الربوبية. وقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف، الآيتان: ٢٣- ٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فـ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٤] وفي هؤلاء ومثلهم قال الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال، الآية: ٢٢] ، وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة، الآيتان: ١٦٦- ١٦٧] وقال جل وعز عائباً على أهل الكفر وذاماً لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء، الآيتان: ٥٢ – ٥٣] ، وقال عنهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب، الآية: ٦٧] . ومثل هذا في القرآن كثير في ذم تقليد الآباء والرؤساء. وقد احتج العلماء بهذه الآيات على إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها: كان كل واحد ملوماً على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك يشبه بعضه بعضاً، وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة، الآية: ١١٥] وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضاً. فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا، وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.
ثم ساق أحاديث عن الرسول ﷺ ، وآثاراً عن الصحابة ﵃ فيها
стр. 212
الأمر والحث على اتباع الكتاب والسنة والتحذير عن آراء الرجال، وزلات العلماء، وأطال في ذلك – إلى أن قال – وثبت عن النبي ﷺ مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: "يذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساً جهالاً يسألون فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون" وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده. قال: وقال عبيد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. وهذا كله لغير العامة. فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك لأن العلم درجات، لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم. ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، الآية: ٤٣] .
قال: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، بعد ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀ وأنا أورده، قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم، أبطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس، الآية: ٦٨] أي من حجة بهذا، قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت عليَّ، قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك. فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر منك وأقل علماً ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا
стр. 213
متناقض. فإن قال: لأن معلمي – وإن كان أصغر – فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذن وأعلم بما ترك. قيل له: وكذلك من تعلم منه معلمك فهو جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك. فإن أعاد قوله: جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه، في قياس قوله والأعلى الأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً.
قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين، وإدراك العلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه، وقالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك ومن ههنا – والله أعلم – قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعـ ... ـلم وقال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على فضـ ... ـلك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والإتباع: ما ثبتت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده. والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ. والتقليد ممنوع. وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن سحنون قال: كان مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لم يجبهم. فتعرض له ابن دينار يوماً، فقال له: يا أبا بكر، لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وإذا سألتك أنا وذويّ فلا
стр. 214
تجيبنا. فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقاً قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزله من القلوب منزلة القرآن.
стр. 215
مناقشة المقلدين
...
قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلدوا. فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب، أو حكاية سنة عن رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه. ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله: أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه. فإن قال: قلدته لأني علمت أنه على صواب، قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: علمت بدليل. فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال: قلدته لأني أعلم أنه أنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً ولا تخص من قلدته إذا علتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذاً أعلم من الصحابة ﵃. وكفى بقول مثل هذا قبحاً، وإن قال: أنا إنما أقلد بعض الصحابة، قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولاً – وإن كان له فضل – يتبع عليه. يقول الله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر، الآية: ١٨] فإن قال: قصر نظري وقلة علمي يحملني على التقليد. قيل له: أما من قلد فيما ينزل به