← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جمل من رسالة الملحد في محاربته لمذهب السلف ... فنحن نعرض أمام القراء شيئاً مما جاء في رسالتك هذه على كتب الأئمة الأربعة ونسبتك له: أنه مذهب لهم، هلي يتفق معها أو ينطبق على مذاهبهم؟ حتى يتبين الهدى من الضلال. فقد قال المعترض في أول صحيفة من رسالته: "بأن الاجتهاد بدعة في الدين" وقد أتفق الأئمة من جميع المذاهب على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات. وقال في صحيفة (١٠، ١١) : "أنه لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين" وهذا مخالف لأمر الرسول ﷺ . وفي صحيفة (٣٦) : "يدعي أن الأمة أطبعت في مشارق الأرض ومغاربها على تقليد المذاهب الأربعة، حتى إن العلماء القادرين على الاجتهاد تركوه تقليداً لهم" قال: "وقد تجد عدداً وافراً من الأولياء الذين كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها ﵇ – الذي لا خلاف بحياته – ولا تجد واحداً منهم غير متقيد بأحد الأئمة الأربعة". وقال في صحيفة (٤٦) : "إن أئمة الحديث لم يتتبعوا فيها أحوال الصحابة والتابعين لأجل العمل بها، بل دونوها لأجل حفظها".

стр. 37

وقال في صحيفة (٤٩) : "أن أئمة الحديث سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها. فإذا وجدتم حديثاً في البخاري وغيره في مسألة ومثله في موطأ مالك مثلاً: أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص فأنى لكم معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها، وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب، أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والتخرص؟ فهذه زندقة لا إسلامية – إلى أن قال – ومع هذا فأخبرونا: متى اجتمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ ".

стр. 38

افتراؤه الكذب: أن التوسل بالموتى في القرآن والحديث ... وفي صحيفة (٨٣) قال: إن علماءنا ما قالوا بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك وهم أمناء الدين، وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله وكلام رسول أمراً وفعلاَ". انتهى ما أردت عرضه من كلام هذا الملحد الأحمق، وهذا قليل من كثير مما جاء في رسالة هذا المعترض، ليعتبر المعتبرون وينظر فيها أهل العلم والتحقيق من أتباع الأئمة الأربعة. فهل يجوز نسبة هذا مذهباً للأئمة الأربعة أو واحد منهم؟ وهل يتفق مع الكتب المدونة في مذاهبهم في أصل أو فرع، كما زعمه المعترض؟ حماهم الله من ذلك ومن دعوى هذا المفتري فهم بريئون منه ومما نسبه إلى مذاهبهم، بل هم منه كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب

стр. 39

كذبه على الأئمة الأربعة بأنهم دعوا الناس إلى تقليدهم ... ثم قال المعترض: "وأما قولكم – مغالطة للجهال – إن هذا الشيء ما قاله السلف أو ما فعلوه وأن الدين كان واحداً فجعلوه أربعة، فهذا افتراء منكم عليهم من دون دليل، بل قول منشؤه الجهل والحسد والعداوة سترون إن شاء الله من أدلة إبطاله وإسقاطه ما لم يكن بحساب". فالجواب: أن كلام الملحد هذا ضرب من الهذيان، بل هو وسوسة من

стр. 40

الشيطان، مع ما اشتمل عليه من الكذب لزعمه أن من وجه اعتراضه إليهم: يستعملون المغالطة مع الجهال في إرشادهم لما كان عليه السلف الصالح من تجريدهم الاتباع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وأنهم يقولون لهم: إن الدين كان واحداً فجعلوه أربعة. فمع ما تضمنه كلام المعترض من سوء التعبير وفساد التركيب، فمراده – والله أعلم – أن الضمير في "جعلوه" راجع إلى الأئمة الأربعة وهذا منه بناء على أنه من أتباعهم المتعبدين بمذهبهم. فنقول: إن هذه الدعوى هي عين المغالطة، حيث جعل الأئمة رحمهم الله تعالى جنة لاتباع هواه لا لاتباعهم، ونسب مذهب أئمة أهل البدع إلى الأئمة الأربعة ترويجاً لباطلهم على الجهال المقلدين لكل ناعق أمثالهم. ورمى أتباعا الأئمة والسلف الصالح على الحقيقة بأنهم يفترون على الأئمة ويعادونهم ويحسدونهم وهذه دعوى لا تروج إلا على أجنبي عن دين الإسلام ومعرفة أئمته الأعلام، ومكانتهم من أهل السنة والجماعة على الحقيقة. إذ لا يوجد أحد من المسلمين يقول: بأن واحداً من الأئمة ﵃ أمر الناس بتقليده أوتقليد غيره، فإن ادعى ذلك احد من المسلمين فهو المفتري عليهم، كما لا يوجد احد من المسلمين ينكر أن الأئمة الأربعة ﵃ نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم فإن أنكر ذلك أحد من المسلمين فقد افترى عليهم وعاداهم فكيف ينسب إليهم من يدعي الإسلام أنهم فرقوا الدين، ويفتري عليهم ويحسدهم ويعاديهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ونحن نورد من كلام الأئمة ﵃ في هذا المعنى ما بيبين ضلال هذا المعترض.

стр. 41

نقل ابن القيم عن الأئمة النهي عن التقليد ... قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين: فصل. وقد نهى الأئمة الأربعة ﵃ عن تقليدهم، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة. فقال الشافعي ﵀: "مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري" ذكره البيهقي.

стр. 42

وقال إسماعيل بن يحيى المزني في مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقر به على من أراده، مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء. ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعد: الرجل مخير فيهم وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع. فقال أبو داود سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخير. وقال أيضاً: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الثوري ولا الأوزاعي. وخذ من حيث أخذوا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بمقالتنا حتى يعلم من أين قلنا. وقد صرح مالك رحمه الله تعالى بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي: إنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله وقول رسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ وقال جعفر: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً وضعوا كتباً يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا ويأخذون بقول إبراهيم؟ قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح عندهم قول إبراهيم. فقال مالك: هؤلاء يستتابون. انتهى. فهذا كلام الأئمة ﵃ صريح في النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم ما عدا الصحابة ﵃ الذي لا يجوز المعترض تقليدهم. فما هو وجه الاعتراض على الأئمة، كما زعم المعترض؟ وأي لوم يوجه إليهم كما يدعيه هذا الجاهل ومن قلدهم من أهل البدع الذين ينسبوه ما هم عليه من الضلال مذهباً للأئمة الأربعة؟ وهذا من أعظم الظلم والعدوان والمغالطة.

стр. 43

فالأئمة رحمهم الله تعالى بريئون منهم ومن مذهبهم فحجة أهل البدع داحضة عند ربهم وسيجزيهم بما وعد به المفترين أمثالهم.

стр. 44

تكفير الملحد لعلماء السلف ... وأما قول المعترض الملحد: "وحيث لا حاجة لإطالة البحث في فروع مذهبكم فأكتفي بالبحث في مسألتي الاجتهاد والتوسل، وما يتعلق بهما وحيث لهاتين المسألتين علاقة بمذهب الوهابية فاقتضى تقديم بيان فيه ليرى الناس ما بين مذهبكم ومذهبهم من التشابه". فالجواب: أن هذا المعترض ما زال يتخبط في ظلمات جهله وضلاله. فقد رمى من خاطبهم من هؤلاء من هؤلاء العلماء الأعلام فيما أسنده إليهم ووصفهم به من أعمال المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن أعمال أهل الكتاب الذين ذمهم الله تعالى بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون: ﴿هذا من عند الله وما هو من عند الله﴾ ومن الذين يخلطون الحق بالباطل والظن باليقين، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون – إلى آخر ما رماهم به من أمثال هذه الموبقات التي يقول عنها: إنها من فروع مذهبهم، وأنه لا حاجة له في إطالة البحث معهم في فروعه. فهو يريد البحث معهم في الأصول وأنه سيكتفي في بحث مسألتي الاجتهاد والتوسل وما يتعلق بهما. قال: "ولما كان لهاتين المسألتين علاقة في مذهب الوهابية فإ نه سيقدم فيه بياناً ليرى الناس ما بين مذهبهم ومذهب الوهابية من التشابه". ومذهب الوهابيين عند هذا المعترض الملحد: هو المذهب الذي يقول فيه "إسلام ووهابية لا يجتمعان، وأنى يجتمع الكفر والإيمان؟ ". وبهذا فقد زاد هؤلاء العلماء على ما تقدم مما رماهم به: أن أفصح عن تكفيره لهم، كما كفر الوهابيين. وذلك بعدما خاطبهم بالأخوة وشهد لهم بأنه متفق معهم على أصول الإيمان وأركان الإسلام. فلا عجب من تناقض هذا الرجل وتخليطه فقد غلب عليه الجهل واتباع الهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية: ٥٠] .

стр. 45

وأما ما يزعمه المعترض من البحث في مسألتي "الاجتهاد والتوسل" فإنه زعم باطل لا حقيقة له. فلم يأت في بحث هاتين المسألتين إلا بما كشف عن جهله وإفلاسه من العلم، وأنه ليس من أهل البحث والتحقيق حيث سمى الاجتهاد بدعة في الدين بل هو كما قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا وسنأتي إن شاء الله تعالى على تحقيق هاتين المسألتين بما يحق الحق ويبطل الباطل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام علماء أهل السنة بما يدرأ في نحر هذا المعترض ومن قلدهم من أهل الزيغ والضلال. قال المعترض: "المذهب الوهابي كان الناس في اختباط وتردد من حقيقة مذهب الوهابيين ومقولاتهم، بسبب ما كانوا يتسترون به من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة، حتى طغوا وبغوا على الحجاز وناظرهم العلماء فكشف الله عنهم الستر، وسلط عليهم إبراهيم باشا المصري. فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد. وقد تصدى لتحرير مذهبهم وتقرير مقالاتهم والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز منهم السيد أحمد زيني الملقب بالدحلان نزيل مكة المكرمة، المتوفى في المدينة المنورة سنة ١٣٠٣هـ وبسط ذلك في تاريخه المسمى "خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" وأنا إن شاء الله آخذ عنه ما يتعلق بموضوعنا بدون تصرف وبالله المستعان". أقول: يزعم هذا الملحد أن الناس كانوا في اختباط وتردد في حقيقة مذهب الوهابية بسبب ما يستترون به من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة. فهذا الملحد جاهل أعمى أو متجاهل متبع لهواه، لذلك لم يعلم أن أهل البصائر من جميع الناس الذين أعطاهم الله هدى ونوراً يفرقون به بين الحق والباطل لم يترددوا في معرفة حقيقة مذهب الوهابية، ولم يكتموا الحق بل نصروه وقرروه وردوا على من أنكره، أو شوه حقيقته من أهل الزيغ والبدع أمثال

стр. 46

دحلان ومن قلده من الأغبياء أمثال الحاج مختار الذين لا يعلمون أن مظاهر التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة قولاً وعملاً لا يتركان سبيلاً لرواج الادعاءات الكاذبة إلى هذه الدعوة المحمدية، وإن سماها أعداء التوحيد "وهابية" فقد أعلا الله منارها، وجعل العاقبة لأهلها لأنهم في دعوتهم مخلصون لله تعالى فكيف يتهمون بالتستر، وقد جاست جيوشهم أنحاء الجزيرة العربية شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً رافعين راية التوحيد مطالبين بالعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ في إقامة شعائر الدين وتوحيد رب العالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى دانت لهم جزيرة العرب كلها بالطاعة والتزام هذا الدين الحنيف، ملة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. فهذا الغبي الأحمق لا يدري من أخبار الناس شيئاً إلى ما عثر عليه من ضلالات دحلان. فقد صادفت منه محلاً خبيئاً يليق بتلك الضلالات والخبيثات للخبيثين، فعبر عن جميع الناس بأنهم في اختباط وتردد من مذهب الوهابية، ولم يهتد إلى ما ذكره المؤرخون وقرره العلماء المحققون في أنحاء الدنيا حتى مؤرخي الإفرنج الذين يحرصون على تمحيص الحقائق. وأما من باعوا الدين بالدنيا، وجرفهم جارف الأهواء الدنيوية والسياسة من فاسدي أدعياء العلم، أمثال دحلان ومن قلده قبله من الهمج أتباع كل ناعق فإنهم لا ينظرون إلى الحق والإنصاف، بل إلى ما يملأون به بطونهم من أكل السحت وذلك في مناصرتهم الباطل ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة، الآية: ٣٢] فماذا على الدعوة المحمدية وإن عاداها أو تجاهلها أهل البدع والضلال أعداء الرسل في كل زمان ومكان؟ وقد قيل: ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر فهذه تواريخ العلماء الأعلام وأقوال المحققين من أئمة الإسلام، شاهدة لحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بأنها هي دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمداً ﷺ .

стр. 47

أقوال ثقات المؤرخين في صحة عقيدة الوهابيين ... وها أنا أنقل من كلامهم ما يبطل دعوى هذا المفتري.

стр. 48

كلام العلامة المصري محمود فهمي ... فمنهم: العالم الفاضل والمؤرخ الشهير الكامل محمود فهمي المصري المتوفى بجزيرة سيلان سنة ١٣١١هـ قال رحمه الله تعالى في كتابه "البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر" المذهب الوهابي من أعظم الحوادث المشهورة التي شاهدتها بلاد العرب من عهد نبينا محمد ﷺ . الثورة التي حصلت من الوهابيين وذلك أنهم أثبتوا حماستهم العسكرية وشجاعتهم البدوية شجاعة العرب القديمة، وتعصبهم في الدين، وسيرهم في أقوم طريق مبين. وكان مؤسس هذه الدعوة وصار اسم أبيه لقباً عليها وعلى نفس ما بينه ودعا إليه من العقيدة الدينية. هو شخص اسمه محمد بن عبد الوهاب من نسل قبيلة تميم في نواحي نجد، ومن عائلة اسمها الوهابية (١) . وأطلق على ما كان متمسكاً به من العقيدة اسم "المذهب الوهابي" أو "الدين الوهابي" وكان أبوه شيخ هذه العائلة وكبيرها، وكان مولد محمد بن عبد الوهاب المذكور في سنة ١٦٩١ بعد الميلاد (٢) ، في قرية تسمى "العيينة" من إقليم العارض، فجاور في أثناء شبابه بمكة والمدينة، ونزل البصرة وبغداد، وجاور في مدارس المدن المشهورة في الشرق. ولما رأى في أثناء سياحاته العديدة أن الدين الحقيقي للإسلام دخله الفساد الكلي وتسلطت عليه الخزعبلات والمنكرات في القول والفعل وأن معظم الترك والعجم صاروا من الروافض وأهل البدع، عزم وصمم في نفسه على إصلاح ما أفسده العجم المفسدون والترك المجرمون. وكانت أعماله بغاية التؤدة والرزانة وتدبيره وذكاؤه وما هو عليه من العلم والحكمة، كان حافظاً له احترام أهل بلاده فأدخل في مذهبه منهم جملة بكونه نشر عقيدة هذا الدين في مؤلفات ومصنفات اشتهرت بين أيدي أهل بلاده بالفضل الكامل، والقبول الشامل. وكان الوهابيون في عقيدتهم ومذهبهم على طريق أهل السنة والجماعة والأساس الأصلي لدينهم هو توحيد الله ، لا يشركون به شيئاً. ويعتقدون أن النبي ﷺ بشر، أدى ما يجب عليه من إبلاغ الرسالة

стр. 49

الإلهية ورفضوا جميع تفاسير القرآن الخرافية المكذوبة وقرروا أحاديث أهل السنة والجماعة وبما أنهم يرون أن عموم الناس مستوون، وأن ليس لهم من العبادة والأمر شيء، وأن الأمر كله لله والعبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، رأوا أن الاستمداد والاستغاثة بشفاعة الذين توفوا من الأولياء والصلحاء والأنبياء وطلبها منهم بعد الموت: إثم وخطيئة. ورأوا أن احترام وتعظيم رممهم البالية وعظامهم الخالية بأي نوع من العبادة زيادة عن احترام أي بشر، من الأمور المبتدعة. ومن أجل هذا رأوا أن الشواهد والقباب والأبنية المصنوعة على مقابرهم هي رجس من عمل الشيطان، وأمور مبتدعة من بني الإنسان. وأما في الآداب: فهم على نقاء وصفاء وصلابة فإنهم يحرمون الموائع الطيارة، وجميع المواد المخدرة، ويحرمون كافة أنواع الخمور والفسق، والعدول عن العدل والإنصاف، ومنع الصدقات، والعمل بالحيل والخداع والاغتصاب، ولعب الشطرنج والنرد والعيوب الأخرى المتسلطنة في المدائن المقدسة، وأما في شهامة التعصب الحقيقي للدين: فإنهم يغيرون على كل مادة صغيرة مخلة بالدين الحق، ويجعلونها مادة كبيرة في الشرع. انتهى ما أردت نقله متوخياً الاختصار.

стр. 50

كلام العلامة محمد بن علي الشوكاني في مدح الإمام عبد العزيز بن سعود ... وقال الإمام الشيخ المجتهد، قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي بن محمد الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود. ولد تقريباً سنة ألف ومائة وستين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل (١) ، في وطنه ووطن أهله القرية المعروفة "بالدرعية" من البلاد النجدية. وكان قائد جيوش أبيه عبد العزيز وكان جده محمد شيخاً لقريته التي هي فيها، فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى الوحيد، المنكر على المعتقدين في الأموات. فأجابه وقام بنصره، وما زال يجاهد من يخالفه. وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية وصار الإسلام فيها غريباً، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية وقام ولده العزيز مقامه فافتتح جميع الديار

стр. 51

النجدية والبلاد العارضية والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية، ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة وغالب جزيرة العرب وغالب هذه الفتوح على يد ولده سعود ثم قام بعده سعود فتكاثرت جنوده واتسعت فتوحه ووصلت جنوده إلى اليمن، بلاد أبي عريش وما يتصل بها، ثم تابعهم الشريف حمود بن محمد شريف أبي عريش – وقد تقدمت ترجمته – وأمدوه بالجنود ففتح البلاد التهامية كاللحية والحديدة وبيت الفقيه وزبيد وما يتصل بهذه البلاد. وما زال الوافدون من سعود يفدون إلينا، إلى صنعاء، إلى حضرة الإمام المنصور وإلى حضرة ولده الإمام المتوكل بمكاتيب إليهما بالدعوة إلى التوحيد، وهدم القباب المشيدة والقبور المرتفعة، ويكتب إلي أيضاً مع ما يصل من الكتب إلى الإمامين ثم وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها، وفي جهة ذمار وما يتصل بها. ثم خرج باشة مصر إلى مكة بعد إرساله بجنود افتتحوا مكة والمدينة والطائف وغلبوا عليها. وهو الآن في مكة، والحرب بينه وبين سعود مستمر ومات سعود في هذه السنة سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين وقام بالأمر ولده عبد الله بن سعود وقد أفردت هذه الحوادث العظيمة بمصنف مستقل، وسيأتي في ترجمة الشريف غالب شريف مكة إشارة إلى طرف من هذه الحوادث، انتهى. ثم قال في ترجمة الشريف غالب – بعد ما ذكر من حروبه مع الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وذكر فشله فيها وما لحقه من الهزائم والقتل. ناقماً على الشريف غالب تحرشه بقتال ابن سعود – قال: ولو ترك ذلك واشتغل بغيره لكان أولى له. فإن من حارب من لا يقوى لحربه جر إليه البلوى، فإن صاحب نجد تبلغنا عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة. فقد سمعنا أنه استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز، ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام، وسائر شعائر الإسلام. ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة. وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئاً،

стр. 52

ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بهما من عوج. وبالجملة: فكانوا جاهلية جهلاء، كما تواترت بذلك الأخبار إلينا، ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها – إلى أن قال – فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان حنبلياً، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة، فعاد إلى نجد، وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة، كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات. وقد رأيت كتاباً من صاحب نجد – الذي هو الآن صاحب تلك الجهات – أجاب به على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده. فرأيت جوابه مشتملاً على اعتقاد حسن، موافق للكتاب والسنة: فالله أعلم بحقيقة الحال. وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه ويطلقون عليه اسم الكافر. وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين. وفي سنة ألف ومائتين وخمسة عشر: وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله. أحدهما يشتمل على رسائل للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة، ثم ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة ﵃، فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة، تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة. وقد هدم عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزياً عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة. وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه. وأرسل صاحب نجد مع الكتابين

стр. 53

المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى الإمام فدفع حفظه الله جميع ذلك إلي. فأجبت عن كتابه الذي كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه: إن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندري من هم، وكلامهم يدل على أنهم جهال والأصل والجواب موجودان في مجموعي الأمير. انتهى.

стр. 54

قصيدة العلامة محمد بن الأمير الصنعاني في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... وللإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، قصيدة في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما اشتهر به من الدعوة إلى توحيد الله تعالى، واتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ . نقتطف منها ما يدرأ في نحر الحاج مختار، ويفضح ما افتراه وما جحده من هذه الدعوة المحمدية الحنيفية. قال رحمه الله تعالى: سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي لقد صدرت من سفح صنعا، سقى الحيا ... رباها وحياها بقهقهة الرعد سرت من أسير ينشد الريح إن سرت ... ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟ يذكرني مسراك نجداً وأهله ... لقد زادني مسراك وجداً على وجدي قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فياحبذا الهادي، وياحبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صَدَر في الحق منهم ولا ورد وما كان قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الطرد والرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل ياذا عن الرد وأما أقاويل الرجال: فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهراً ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه، فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد، ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود، بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن باليد

стр. 55

انتهى المقصود منها.

стр. 56

كلام الشيخ عبد الكريم الهندي في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... وقال الشيخ الإمام عبد الكريم بن فخر الدين الهندي رحمه الله تعالى في كتابه "الحق المبين": فأما الذي جاء في ذم الشيخ محمد بن عبد الوهاب فمن أعدائه وعامة عداوتهم له لأنه هدم أسباب الشرك، وخرب بنيان الباطل، ودعا إلى التوحيد مصداق ذلك: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج، الآية: ٨] وكتاب "التوحيد" له: شاهد على ذلك ومفيد، وإن كان هو من نوع البشر غير معصوم. لكن كلام الأعداء فيه غير مقبول – إلى أن قال- قال في الصواعق الإلهية بالفارسية ما تعريبه: قد علم برواية الثقات أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان إماماً من أئمة الطريقة، آمراً بالمعروف المشروع، ناهياً عن المنكر الممنوع، وحاز قصبات والسبق على كبراء المعاصرين له في الدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالسنة والاجتناب عن الشرك والبدعة، ولم يكن في مشام خاطره رائحة من طلب الرياسة نعم كان يدعو الناس إلى بيعة الطريقة والإرادة، فكانوا يدخلون في صحبته وينسلكون في سلسلته من كل جهة، ويفوزون بالاستفادة وأئمة العرب ومشايخ اليمن أنشدوا في مدائحه نشائد، وعملوا في مناقبه الجميلة قصائد منها قصيدة الإمام محمد شارح الجامع الصغير أستاذ أساتذة علماء صنعاء وزبيد مطلعها: سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي فمطاعن الطاعنين فيه محض افتراء وليس مقتضيه إلا اتباع الهوى، انتهى. وقال في موضع آخر: ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان حنبلياً في المذهب، ومتبعاً للسنة في المشرب وكذلك أتباعه إلى الآن، فالله المستعان على ما قالوه فيه من البهتان وهذا من العادة المستمرة للمشركين، كانوا يقولون لأصحاب محمد ﷺ "صابئين" ويقولون له "مذمم" عوض "محمد" كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يسمونني مذمماً ويلعنون، وأنا محمد"

стр. 57

انتهى ما أردت نقله لتكذيب دعوى هذا المفتري ففيما أشرت إليه من بيان علماء مصر واليمن والهند كفاية لطالب الحق.

стр. 58

نقض ما زعمه الملحد من طغيان الوهابيين وبغيهم بالحجاز ... وأما قول المعترض: "حتى طغوا وبغوا وتغلبوا على الحجاز وناظرهم العلماء، فكشف الله الستر عنهم". فنقول: هذا محض افتراء من المعترض، وقلب للحقائق. بل هذا من جملة بهته وادعاءاته الباطلة. ونحن نورد من كلام العلماء المحققين والأئمة المؤرخين ما يكذب دعواه هذه. وأن الوهابيين لم يبدأوا أحداً بالقتال ولم يعتدوا على جيرانهم بالحجاز والعراق حتى غزاهم جيرانهم في عقر دارهم ومنعوهم من حج بيت الله الحرام حتى آل الأمر إلى تجذيب النساء مع النساء من تحت أستار الكعبة في وقت الشريف مسعود وبعده، فلما حيل بينهم وبين أداء ركن من أركان الإسلام تعين عليهم الجهاد فلما مكن الله لهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لا كما يقول المعترض المفتري.

стр. 59

كلام المؤرخ المصري في أن الوهابيين طهروا الحجاز من الشرك والفساد ... وهذا ما ذكره العلامة محمود فهمي المصري في كتابه البحر الزاخر: قال رحمه الله تعالى: ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم، وهما حكومة بغداد والحجاز، وكانت قوافل الحجاج تمر من وسط أراضيهم من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة. وفي سنة ١٧٨١ (١) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة فتولد من زيادة قوتهم ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الغيرة والحسد في قلب الشريف غالب. وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف بعد الشريف سرور أعلن حرباً على الوهابية. وكانت طرائق هذا الحرب مثل طرائق حرب البدو متقطعة بهدنات صغيرة قصيرة المدة. ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة

стр. 60

يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من إدخال عساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها وادعى أنهم من الملحدين الكافرين، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة بالدين. وبمثل هذه الأقوال عرض للدولة العثمانية بعض ولاة بغداد من الباشوات الحكام بما أنهم يشاهدون في كل سنة غارة وهجوماً على الأراضي المجاورة لبغداد من هؤلاء الثائرين، وكونهم ضربوا سنوياً ضرائب وعوائد يجمعونها من قوافل الأعجام الذين يتوجهون إلى الحج نظير مرورهم من أرضهم وخفارتهم في الصحارى – ثم ذكر تجهيز سليمان باشا والي بغداد حملة للهجوم على الدرعية ورجوعها بالفشل والتعاسة. ثم ذكر غزوة سعود لكربلاء ومحاصرته للطائف واستيلاءه على جميع أرض الحجاز، ومن بعد عدة وقائع مع الشريف غالب وحصاره في مكة – قال: وكانت مخازن المأكولات تحت يد الشريف غالب وعساكره فقط، ولما فرغت هذه المأكولات تقهقر إلى جدة مع جميع عائلته وأتباعه ومتاعه، وقبل خروجه من سرايته أضرم النار فيها لأجل حرق ما فيها من الأدوات والأمتعة التي ما أمكنه حملها معه. وبهذه الحالة خلصت مكة من شره وعاقبة أمره. وفي اليوم الثاني خرج وجوه أهل مكة وعمدها لملاقاة الوهابي والخضوع إليه، وتسليمه مكة لما يعلمون فيه جيداً من حسن النظام واعتمدوا على عدله في عدم ضررهم وخراب أملاكهم. وصدرت الأوامر في الحال من رئيس هؤلاء المنصورين للأهالي والسكان بفتح دكاكينهم، وكل شيء يطلبه العساكر يباع لهم، ويدفع ثمنه في الحال نقداً. ولا ريب أن هذه الحركة هي رأس الإدارة والسياسة – ثم ذكر هدمه لجميع القباب المبنية على القبور وإبطاله جميع القهاوي والخمارات وجميع محال المشروبات والمسكرات، وكسر أوانيها وإراقة مائعاتها، وأمر بجمع الشيش والجوز وعيدان الدخان وأحرقها بحضوره وحرم شرب الدخان والتنباك وجازى شاربهما بأشد العقاب. فانجبر الأهالي رغم أنفهم على الانقياد لهذا الأمر من دون حصول أدنى مجاملة وقلد زمام حكومة مكة إلى عبد المعين أخي الشريف غالب، وأرسل بهذا الفتح

стр. 61

الجدير بالثناء إلى القسطنطينية في مكتوب كتبه، وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. من سعود إلى سليم، إني دخلت مكة في يوم ٤ محرم سنة ١٢١٨هـ وأبقيت على حياة الأهل والسكان، وهدمت القبور والقباب المشبهة بعبادة الأوثان، وأبطلت الضرائب والعوائد الزائدة عن اثنين ونصف بالمائة، وقررت القاضي المعين من طرفكم لفصل الأحكام في هذه الناحية بالموافقة والمطابقة لأوامر نبينا محمد ﷺ وشريعته، وأرغب منك: أنك في السنة القابلة تصدر الأوامر إلى باشوات الشام ومصر بأن لا يرسلوا مع المحامل طبولاً ولا زموراً إلى مكة والمدينة لأن الدين لا نفع له بهذه الأشياء المحرمة، والسلام بيننا. وسلام الله عليك تحريراً في ١٠ محرم سنة ١٢١٨. انتهى الشاهد منه مختصراً عن الإطالة.

стр. 62

كلام الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في تطهير الوهابيين الحجاز من الشرك والفساد ... وقال الإمام الجليل الشيخ عبد الرحمن الجبرتي رحمه الله تعالى في تاريخه "عجائب الآثار" وفي هذه الأيام – من سنة إحدى وعشرين ومائتين – (١) وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين. وذلك لشدة ما حصل من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الإردب من الأرز المصري خمسمائة ريال، والإردب من البر ثلاث مائة وعشرة قروش. وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك. فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم وسلوك طريقتهم وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة. وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات، وأبطل المكوس والمظالم وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حالته وإن لم يدفع أهله الذي يتقرر عليه فلا يقدر على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرة الناس في أموالهم ودورهم، فيكون الشخص من

стр. 63

سائر الناس جالساً بداره فما يشعر على حين غفلة منها إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر. فعاهده على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول ﷺ وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله تعالى من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبائح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها ليكون الدين كله لله. فعاهده على منع ذلك كله وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده ﷺ وذلك بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة، وإذعانهم لذلك. فعند ذلك أمنت السبل، وسلكت الطرق بين مكة والمدينة وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار وكثر وجود المطعومات وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال، حتى بيع الإردب من الحنطة بأربعة ريالات واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين لا الموحدين. انتهى. وفيما أوردته كفاية لبطلان زعم هذا المعترض.

стр. 64

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... وأما قوله: "وناظرهم العلماء فكشف الله الستر عنهم". فهو قول مغالط، بل معاند لا يخشى معرة الكذب، ولا يتقي وعيداً ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود، الآية: ١٨] فقد كشف الله بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ظلمات الشرك ومزق بها غياهب البدعة التي عمت وطمت. فكشف عورات أهلها ودعاتها وبين جهلهم وضلالهم.

стр. 65

ونادى بها عليهم منادي الفلاح ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء، الآية: ٨١] فانتبه إلى حقيقة دعوة الشيخ ﵀ من نور الله بصيرته وسبقت عند الله سعادته فرأى حقيقة غربة الدين، وما طرأ عليه من البدع والضلالات التي شوهت وجهه وغيرت معالمه. فعلم يقيناً أن هذا الشيخ من الأئمة المتقين الداعين إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وإلى هدى سيد المرسلين. فقد تحمل الشيخ محمد رحمه الله تعالى أعباء هذه الدعوة وصبر على ما أصابه بسببها من المحنة والجفوة حيث شرق بهذه الدعوة الحنيفية أئمة الضلال، كدحلان وأمثاله، فهاجوا وماجوا وأدبروا واستكبروا وضلوا فأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، وألبوا عليه ما استطاعوا وقالوا له كما قال أسلافهم لرسول الله ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص، الآية: ٥] فأشاعوا عنه الكذب الصراح، وكتبوا إلى الأمصار يشنعون بالشيخ وبدعوته، وينسبون إليه من عظيم القبائح مات تنبو عنه الأسماع، فرد الله كيدهم في نحرهم وأظهر دينه ولو كره المشركون. وقد وردت على الشيخ محمد ﵀ أسئلة من الشام والعراق ومن الحجاز واليمن ومن نجد ونواحيها يسألونه فيها عما يعتقده وما يدعو الناس إليه؟ ويطلبون الحجة والدليل عليه. فأجابهم بأجوبة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، ما بمثلها يهتدي المهتدون وبها يأخذ المستدلون وعليها يعتمد المنصفون، فهدى الله من اهتدى وخاض في لجج طغيانه من آثر العمى على الهدى. وها أنا أورد بعضاً من رسائل الشيخ محمد رحمه الله تعالى إلى أشراف مكة وعلمائها، وطرفاً مما جرى بين علماء مكة وعلماء الوهابيين من المناظرة بين يدي الشريف بمكة.

стр. 66

كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى والي مكة الشريف أحمد بن سعيد ... قال الشيخ الإمام حسين بن غنام الإحسائي ﵀ في تاريخه "روضة الأفكار والأفهام" ثم دخلت السنة الخامسة والثمانون بعد المائة والألف (١) وفيها أرسل الشيخ محمد وعبد العزيز بن محمد آل سعود إلى والي مكة الشريف

стр. 67

أحمد بن سعيد هدايا. وكان قد كاتبهم وراسلهم وطلب منهم أن يرسلوا فقيهاً وعالماً من جماعتهم يبين له حقيقة ما يدعو إليه من الدين ويحضر عند علماء مكة. فأرسل إليه الشيخ وعبد العزيز رحمها الله تعالى الشيخ عبد العزيز الحصين، وكتب معه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة وهذه نسختها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. المعروض لديك أدام الله أفضل نعمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدراين وأعز به دين جده سيد الثقلين، إن الكتاب لما وصل إلى الخادم، وتأمل ما فيه من الكلام الحسن، رفع يديه بالدعاء إلى الله تعالى بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها. وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل إليكم، ويحضر في مجلس الشريف أعزه الله تعالى هو وعلماء مكة فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة والواجب على الكل منها ومنهم أن يقصد بعلمه وجه الله تعالى ونصر رسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ – إلى قوله – ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران، الآية: ٨١] فإن كان الله سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدكوا محمداً ﷺ على الإيمان به ونصرته فكيف بنا يا أمته؟ فلا بد من الإيمان به، ولا بد من نصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر وأحق الناس بذلك وأولاهم به أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته ﷺ ، وغير ذلك يعلم الشريف أعزه الله تعالى أن غلمانك من جملة الخدام. ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته. فلما وصل الشيخ عبد العزيز الحصين إلى الشريف الملقب بالفِعْر، واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحيى بن صالح الحنفي، وعبد الوهاب بن حسن التركي مفتي السلطان، وعبد الغني بن هلال وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقت المناظرة فيها.

стр. 68

الأولى: ما نسب إلينا من التكفير بالعموم. والثانية: هدم القباب التي على القبور. والثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشفاعة. فذكر لهم الشيخ عبد العزيز أن نسبة التكفير بالعموم إلينا زور وبهتان علينا وأما هدم القباب فهو الحق والصواب، كما هو مسطور في غير ما كتاب. وليس لدى العلماء فيه شك ولا ارتياب. وأما دعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم والاستغاثة بهم في النوازل فقد نص على تحريمه الأئمة وقرروه من الشرك الذي كفر الله به المشركين ولا يجادل في جوازه إلا كل ملحد جاهل. فأحضروا من كتب الحنابلة "الإقناع" قرأوا فيه عبارته في الوسائط وحكاية الإجماع فأقروا بموافقة الشيخ، وتفوهوا بأن هذا هو دين الله وهو مذهب الإمام المعظم وانصرف الشيخ عبد العزيز مبجلاً مكرماً. انتهى.

стр. 69

كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى علماء مكة ... وقال في موضع آخر: ثم دخلت السنة الرابعة بعد المائتين والألف (١) ، وفيها أرسل غالب الشريف إلى الإمام عبد العزيز – حرسه الله تعالى – كتاباً وذكر في أثنائه: أنه يريد إنساناً عارفاً من أهل الدين حتى يعرف حقيقة هذه الدعوة، ويكون على بصيرة ويقين من أمره. فأرسل إليه الإمام الشيخ عبد العزيز الحصين وكتب معه الشيخ رسالة بين فيها حقيقة دعوته، ونصها بعد البسملة: من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم دين سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمة الأعلام. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين. ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله تعالى. فلما أظهرنا هذه المسألة – مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور الذي أمر الرسول ﷺ بهدمه – كبر على

стр. 70

العامة وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب ما تخفى على مثلكم. أعظمها: اتباع الهوى مع أسباب أخر. فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب على أناس متظاهرين بمذهبهم عند الخاص والعام. فنحن – ولله الحمد – متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀. وتعلمون – أعزكم الله – أن المطاع في كثير من البلدان لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا – هم وآباؤهم – على ضد ذلك وأنتم تعلمون رحمكم الله أنه في ولاية الشريف أحمد بن سعيد وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، وأشرفتم على ما عندنا بعدما أحضروا كتب الحنابلة التي هي عندنا عمدة، كالتحفة والنهاية عند الشافعية. فلما طلب منا الشريف غالب – أعزه الله ونصره – امتثلنا وهو إليكم واصل. فإن كانت المسألة إجماعاً فلا كلام وأن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد. فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه. وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم أني على دين الله ورسوله ﷺ ، وأني متبع لأهل العلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلما قدم الشيخ عبد العزيز الحصين إلى مكة المشرفة أكرمه الشريف غالب واجتمع معه مرات عديدة، وعرض عليه رسالة الشيخ إلى العلماء بمكة فعرف ما بها من الحق الهدى وما نفته من الباطل والردى. فأذعن لذلك وأقر به، ثم بعد ذلك بمدة أبى واستكبر، وتمسك بقديم مذهبه وأصر. فطلب منه الشيخ عبد العزيز الحصين أن يحضر العلماء معه ليناظرهم أمامه في أصول التوحيد فأبوا عن الحضور وقالوا: هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا أدلة تبطل نهج آبائك وأجدادك، وترفع يدك عن عوائدك وجوائز بلادك، فطار لبه وارتعش قلبه. انتهى.

стр. 71

المناظرات التي كانت بين علماء نجد وعلماء مكة ... وقال في موضع آخر: وفي السنة الحادية عشرة بعد المائتين والألف (١) أرسل الشريف غالب رسلاً إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود يطلب منه أن يرسل إليه علماء من أهل الدين والتوحيد، ويحرض على قدومهم مع رسله الذين أرسلهم بهذا البريد. ويزعم بذلك أنه يريد تحقيق هذه الدعوة حتى يقف على حقيقة الحال عن يقين. فأجابه عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى ذلك وأرسل إليه من علماء الذين من يكشف عنه شبه المبطلين، وكبيرهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر فلما وصلوا إلى بلد الله الحرام ودخلوها معتمرين فطافوا وسعوا وأتوا بالعمرة، ونحروا الجزر التي أرسلها الأمير سعود هدياً لبيت الله الحرام، فقابلهم الشريف بالإقبال والإجلال ووالى عليهم حشمته وإكرامه، وأحضرهم لديه مع علماء مكة عدة ليال عقدوا فيها للمناظرة مجالاً. وصفة ما جرى منهم: أنهم حضروا ببيت الشريف غالب. فأول ما افتتحوا به الكلام وحصلت فيه المحاورة والمفاوضة في تلك المجالس هي مسألة قتالهم للناس، وطلب الدليل عليها من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة. فأجابهم الشيخ حمد بن ناصر ببيان الحجة والدليل والنص القاطع للاحتمال والتأويل من الكتاب والسنة, وما عليه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون. فلما أوقفهم على تلك النصوص الصحيحة الصريحة لم يسعهم إلا الإقرار والإذعان، بعدما حملهم الهوى على كون تلك النصوص لم تكن في الكتب الموجودة عندهم. ثم تفاوضوا بعد ذلك في مجالس عديدة في دعوة الأموات، وأنها شرك مع الله تعالى فأبدى لهم على ذلك من نصوص الكتاب والسنة وأقوال كبار الأئمة ما أدهش عقولهم وحير أفكارهم. فلم يكن لهم من حجة إلا أن أنكروا وقوع ذلك في أقطارهم، مع أنه موجود عندهم مشاهد. وقد قال كبيرهم- وهو أول من حضر وتأهب للمناظرة للشيخ حمد بن ناصر – إعلم أني لا أخاصمك ولا أناظرك وإن أتيتني بالدليل من الكتاب والسنة وبما قاله علماء المذاهب سوى ما قاله إمامي أبو حنيفة ﵀ لأني مقلد له فيما قال، فلا أسلم لسوى قوله، ولو

стр. 72

قلت: قال الله، أو قال رسوله ﷺ لأنه أعلم مني ومنك. وهذا مقال يقضي صدوره بالعجب من رجل يدعي العلم. فلما انقضت أيام تلك المناظرات طلبوا من الشيخ حمد بن ناصر أن يكتب لهم ما احتج به عليهم في هذه المسائل التي حصلت فيها المناظرة. فأجابهم الشيخ إلى ذلك، ثم طلب منهم إحضار كتب سماها لهم من جميع المذاهب الأربعة فلما حضرت هذه الكتب لديه حرر لهم منها رسالة أوجز فيها مقاله، وأتى فيها بما فيه كفاية على ما طلبوه من الحجة والدلالة، يذعن بعد سماعها كل منصف عاقل، وتقطع لسان كل معاند جاهل. وتتضمن هذه الرسالة لثلاث مسائل هي التي جرت فيها المجادلة والمناظرة. المسألة الأولى: ما قولكم فيمن دعا نبياً أو ولياً واستغاث به في تفريج الكربات كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب، أو غيرهم من الأولياء الصالحين؟ وأما المسألة الثانية: وهي من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولم يصل ولم يزك: هل يكون مؤمناً؟ وأما المسألة الثالثة: وهي مسألة البناء على القبور. فأجاب رحمه الله تعالى عن هذه المسائل الثلاث بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة من كل المذهب. وتسمى هذه الرسالة "بالفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب". انتهى ما نقلته باختصار لعدم التطويل على ما يقتضيه المقام. وقد تقدم قريباً ما نقلته من تاريخ الإمام الجبرتي رحمه الله تعالى، وذلك فيما ذكره عن دخول الإمام سعود لمكة المشرفة، ومسالمة الشريف غالب له، وما حصل من إبطال المظالم والمكوس وما يتبعها، وأن الشريف غالباً عاهد الإمام سعوداً على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، واتباع سنة الرسول ﷺ ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى أخر القرن الثالث، وترك

стр. 73

ما حدث في الناس من الالتجاء إلى غير الله تعالى من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبائح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل لمقاتلة من خالفها، ليكون الدين كله لله تعالى، فعاهده على منع ذلك كله وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن على عهده ﷺ . وذلك بعد المناظرة مع علماء تلك الناحة وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك – إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. وفيما نقلناه كفاية لرد قول الملحد: "وناظرهم العلماء فكشف الله سترهم".

стр. 74

سرور الملحد من ظهور أهل الباطل على أهل الحق والتوحيد ... وأما قول الملحد: "وسلط الله عليهم إبراهيم باشا المصري فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم، لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد". فنقول: إن هذا الملحد مسرور بظهور الباطل على الحق، متبجح بأن سلط الله إبراهيم باشا على أهل التوحيد من أهل نجد المتمسكين بكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ ، ويتأسف هذا الملحد الظالم لبقاء بقية منهم في بلاد نجد تعبد الله تعالى لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، مقيمة لحدود الله تعالى، محققة لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج، الآية: ٤١] متحلية بأعمال الفرقة الناجية من اتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان من القرون المفضلة، لا تأخذهم في اتباع الحق والدعوة إليه لومة لائم، محتسبة لما يصيبها في ذات الله تعالى من الابتلاء والامتحان، متأسية بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين الصابرين الذين قص الله علينا

стр. 75

خبر ابتلائه وامتحانه لهم في كتابه الكريم، وما أخبر به نبيه محمد سيد المرسلين. فلو كان هذا الملحد ممن يؤمن بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما جاء فيهما من أخبار هذا الابتلاء والامتحان لأوليائه ومن اقتفى أثرهم بالدعوة إلى دين الله تعالى: ما كان يتخذ ما امتحن الله به عباده الموحدين من أهل نجد – بتسليط إبراهيم باشا عليهم – دليلاً على فساد أعمالهم وصلاح أعمال إبراهيم. فقد خرج أيضاً إبراهيم باشا على سيده وهو ما يسمونه خليفة المسلمين وأمعن في مملكته يستولي عليها فاتحاً بلداً بعد بلد، حتى وقف على أبواب عاصمة ملكه. فما يقوله الملحد بعد ذلك؟ إن الهوى يعمي ويصم. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] أفلا يستحي هذا الملحد المغرور بنفسه فينظر في تاريخ من هو من ضئضئهم فيتذكر وقعة الحرة وما فعلوه من استباحة حرم الرسول ﷺ وقتل أصحابه في جوار حرمه وقبره الشريف ونهب أموالهم؟ ثم استباحتهم الحرم الشريف المكي، ونصب المنجنيق على الكعبة الشريفة، وقتل خيار أصحاب الرسول ﷺ في حماها؟ ألا يذكر هذا الملحد أعمال أجداده هذه تحت راية فاسقهم فيخجل؟ فيا له من امتحان لنا فيه أكبر عبرة وعزاء فيما يصيبنا في ذات الله تعالى. فإن أهل نجد يحمدون الله تعالى أن جعل ابتلاءهم وامتحانهم في دنياهم لا في دينهم. وكانت العاقبة بحمد الله تعالى لهم. والذي يسعنا أمام هذه الفتنة العمياء أن نطوي صحيفة التاريخ، ونقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة، الآية: ١٣٤] .
следующие страницы →