المناظرات التي كانت بين علماء نجد وعلماء مكة
...
وقال في موضع آخر: وفي السنة الحادية عشرة بعد المائتين والألف (١) أرسل الشريف غالب رسلاً إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود يطلب منه أن يرسل إليه علماء من أهل الدين والتوحيد، ويحرض على قدومهم مع رسله الذين أرسلهم بهذا البريد. ويزعم بذلك أنه يريد تحقيق هذه الدعوة حتى يقف على حقيقة الحال عن يقين. فأجابه عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى ذلك وأرسل إليه من علماء الذين من يكشف عنه شبه المبطلين، وكبيرهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر فلما وصلوا إلى بلد الله الحرام ودخلوها معتمرين فطافوا وسعوا وأتوا بالعمرة، ونحروا الجزر التي أرسلها الأمير سعود هدياً لبيت الله الحرام، فقابلهم الشريف بالإقبال والإجلال ووالى عليهم حشمته وإكرامه، وأحضرهم لديه مع علماء مكة عدة ليال عقدوا فيها للمناظرة مجالاً.
وصفة ما جرى منهم: أنهم حضروا ببيت الشريف غالب. فأول ما افتتحوا به الكلام وحصلت فيه المحاورة والمفاوضة في تلك المجالس هي مسألة قتالهم للناس، وطلب الدليل عليها من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة. فأجابهم الشيخ حمد بن ناصر ببيان الحجة والدليل والنص القاطع للاحتمال والتأويل من الكتاب والسنة, وما عليه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون. فلما أوقفهم على تلك النصوص الصحيحة الصريحة لم يسعهم إلا الإقرار والإذعان، بعدما حملهم الهوى على كون تلك النصوص لم تكن في الكتب الموجودة عندهم. ثم تفاوضوا بعد ذلك في مجالس عديدة في دعوة الأموات، وأنها شرك مع الله تعالى فأبدى لهم على ذلك من نصوص الكتاب والسنة وأقوال كبار الأئمة ما أدهش عقولهم وحير أفكارهم. فلم يكن لهم من حجة إلا أن أنكروا وقوع ذلك في أقطارهم، مع أنه موجود عندهم مشاهد. وقد قال كبيرهم- وهو أول من حضر وتأهب للمناظرة للشيخ حمد بن ناصر – إعلم أني لا أخاصمك ولا أناظرك وإن أتيتني بالدليل من الكتاب والسنة وبما قاله علماء المذاهب سوى ما قاله إمامي أبو حنيفة ﵀ لأني مقلد له فيما قال، فلا أسلم لسوى قوله، ولو
стр. 72
قلت: قال الله، أو قال رسوله ﷺ لأنه أعلم مني ومنك. وهذا مقال يقضي صدوره بالعجب من رجل يدعي العلم. فلما انقضت أيام تلك المناظرات طلبوا من الشيخ حمد بن ناصر أن يكتب لهم ما احتج به عليهم في هذه المسائل التي حصلت فيها المناظرة. فأجابهم الشيخ إلى ذلك، ثم طلب منهم إحضار كتب سماها لهم من جميع المذاهب الأربعة فلما حضرت هذه الكتب لديه حرر لهم منها رسالة أوجز فيها مقاله، وأتى فيها بما فيه كفاية على ما طلبوه من الحجة والدلالة، يذعن بعد سماعها كل منصف عاقل، وتقطع لسان كل معاند جاهل. وتتضمن هذه الرسالة لثلاث مسائل هي التي جرت فيها المجادلة والمناظرة.
المسألة الأولى: ما قولكم فيمن دعا نبياً أو ولياً واستغاث به في تفريج الكربات كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب، أو غيرهم من الأولياء الصالحين؟
وأما المسألة الثانية: وهي من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولم يصل ولم يزك: هل يكون مؤمناً؟
وأما المسألة الثالثة: وهي مسألة البناء على القبور.
فأجاب رحمه الله تعالى عن هذه المسائل الثلاث بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة من كل المذهب. وتسمى هذه الرسالة "بالفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب".
انتهى ما نقلته باختصار لعدم التطويل على ما يقتضيه المقام. وقد تقدم قريباً ما نقلته من تاريخ الإمام الجبرتي رحمه الله تعالى، وذلك فيما ذكره عن دخول الإمام سعود لمكة المشرفة، ومسالمة الشريف غالب له، وما حصل من إبطال المظالم والمكوس وما يتبعها، وأن الشريف غالباً عاهد الإمام سعوداً على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، واتباع سنة الرسول ﷺ ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى أخر القرن الثالث، وترك
стр. 73
ما حدث في الناس من الالتجاء إلى غير الله تعالى من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبائح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل لمقاتلة من خالفها، ليكون الدين كله لله تعالى، فعاهده على منع ذلك كله وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن على عهده ﷺ . وذلك بعد المناظرة مع علماء تلك الناحة وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك – إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.
وفيما نقلناه كفاية لرد قول الملحد: "وناظرهم العلماء فكشف الله سترهم".
стр. 74
سرور الملحد من ظهور أهل الباطل على أهل الحق والتوحيد
...
وأما قول الملحد: "وسلط الله عليهم إبراهيم باشا المصري فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم، لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد".
فنقول: إن هذا الملحد مسرور بظهور الباطل على الحق، متبجح بأن سلط الله إبراهيم باشا على أهل التوحيد من أهل نجد المتمسكين بكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ ، ويتأسف هذا الملحد الظالم لبقاء بقية منهم في بلاد نجد تعبد الله تعالى لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، مقيمة لحدود الله تعالى، محققة لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج، الآية: ٤١] متحلية بأعمال الفرقة الناجية من اتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان من القرون المفضلة، لا تأخذهم في اتباع الحق والدعوة إليه لومة لائم، محتسبة لما يصيبها في ذات الله تعالى من الابتلاء والامتحان، متأسية بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين الصابرين الذين قص الله علينا
стр. 75
خبر ابتلائه وامتحانه لهم في كتابه الكريم، وما أخبر به نبيه محمد سيد المرسلين.
فلو كان هذا الملحد ممن يؤمن بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما جاء فيهما من أخبار هذا الابتلاء والامتحان لأوليائه ومن اقتفى أثرهم بالدعوة إلى دين الله تعالى: ما كان يتخذ ما امتحن الله به عباده الموحدين من أهل نجد – بتسليط إبراهيم باشا عليهم – دليلاً على فساد أعمالهم وصلاح أعمال إبراهيم. فقد خرج أيضاً إبراهيم باشا على سيده وهو ما يسمونه خليفة المسلمين وأمعن في مملكته يستولي عليها فاتحاً بلداً بعد بلد، حتى وقف على أبواب عاصمة ملكه. فما يقوله الملحد بعد ذلك؟ إن الهوى يعمي ويصم. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] أفلا يستحي هذا الملحد المغرور بنفسه فينظر في تاريخ من هو من ضئضئهم فيتذكر وقعة الحرة وما فعلوه من استباحة حرم الرسول ﷺ وقتل أصحابه في جوار حرمه وقبره الشريف ونهب أموالهم؟ ثم استباحتهم الحرم الشريف المكي، ونصب المنجنيق على الكعبة الشريفة، وقتل خيار أصحاب الرسول ﷺ في حماها؟ ألا يذكر هذا الملحد أعمال أجداده هذه تحت راية فاسقهم فيخجل؟ فيا له من امتحان لنا فيه أكبر عبرة وعزاء فيما يصيبنا في ذات الله تعالى. فإن أهل نجد يحمدون الله تعالى أن جعل ابتلاءهم وامتحانهم في دنياهم لا في دينهم. وكانت العاقبة بحمد الله تعالى لهم. والذي يسعنا أمام هذه الفتنة العمياء أن نطوي صحيفة التاريخ، ونقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة، الآية: ١٣٤] .
стр. 76
ثناء الملحد على دحلان لاتفاق روحيهما الخبيثتين
...
وأما قول المعترض: "وقد تصدى لتحرير مذهبهم وتقرير مقولاتهم والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز منهم السيد أحمد زيني الملقب بالدحلان – نزيل مكة المكرمة – إلى آخر ما ذكره" حيث وعد بأنه سيأخذ عن دحلان جميع ما يتعلق بموضوعه من دون تصرف وذلك دليل منه على تقليده الأعمى.
стр. 77
فأما موضوعه هذا فهو بهت الوهابيين والكذب عليهم وتكفيرهم تقليداً لدحلان. وعليه، فإني في كل ما أوجهه من الرد على ما ينقله هذا المعترض عن دحلان فيما ينسبه للوهابيين فإنما أرد به على هاتين الروحين الخبيثتين اللتين قد اتفقتا على هدم دين الإسلام، ونشر دين الوثنية التي بعث الله نبيه محمداً ﷺ بهدمها وجهاد أهلها، حتى يكون الدين كله لله.
وهذا المعترض يزعم أنه قد تصدى لتحرير مذهب الوهابيين والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز ولم يذكر منهم سوى دحلان.
فاعلم أن دحلان هذا هو منبع الزور والفجور، وهو الذي اعتمد المعترض على تقليده في تكفير الموحدين من أهل نجد، مع ما هو مشتهر به دحلان من عدم الثقة واتباع الهوى، وعدم المبالاة بالكذب الصريح الذي أسقطه عن النظر في تصانيفه البائرة عند جميع من عرفه من أهل العلم والفضل. وقد قال بعض الفضلاء من علماء مكة: تصانيف دحلان كالميتة، لا يأكلها إلى المضطر. وقد رد عليه كثير من علماء الهند والعراق ونجد وغيرهم ففضحوه وبينوا ضلاله. وقد سمعت غير واحد ممن يوثق بهم من أهل العلم يقولون: إن دحلان هذا رافضي لكنه أخفى مذهبه وتسمى بتقليد أحد الأئمة الأربعة ستراً لمقاصده الخبيثة، ولنيل المناصب التي يأكل منها. ومن أدل الدليل على رفضه الخبيث تأليفه لكتاب "أسنى المطالب في نجاة أبي طالب" الذي رد فيه بهواه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة. وكل من يطلع على تصانيف هذا الملحد ويستقرئ شيئاً من سيرته يعلم يقيناً صحة ما نسب إليه من مخالفة سبيل المؤمنين. فليس عنده من أدب العلم وورع العلماء ما ينظمه في سلكهم، بل هو صفر من الورع والتقوى اللذين يمنعان صاحبهما من الكذب واتباع الهوى. فإن كلامه إلى فشر السوقة والحمقى أقرب منه إلى كلام العقلاء فضلاً عن العلماء، فلا تغتر بدعاة الضلال أمثاله. وقد قال العالم العلامة الشيخ عبد الكريم بن فخر الدين الهندي في كتابه الذي سماه "الحق المبين في الرد على اللهابية المبتدعين"
стр. 78
داً على دحلان: فتأمل إن كنت من طالبي الحق ما في رسالة ابن دحلان وحال كثير من أهل الزمان تجده قد لبس تلبيساً وزخرف القول غروراً وتمويهاً للباطل وتشكيكاً منثوراً. فكان كما قيل في التمثيل:
جو كفراز كعبه برخيز ... دكجما ماند مسلماني
يعني: إذا برز الكفر من الكعبة وثار ... كيف يبقى الإسلام على قرار
فما باله يغمض عينيه عن الشركيات ولا يتعرض لما هم عليه من الكفريات كما بين ما فيهم الإمام الشوكاني وأظهر ما لديهم القاصي والداني؟ أفتعرفه ناصحاً للأمة المرحومة، كيف وقد صنع صنيعاً يهلكهم، ولا ينجيهم من المفاسد وخصال مذمومة؟ وإنما فعل ذلك خوفاً من الناس أن يقولوا في شأنه وهابي أو منكر الأولياء فيهان ويزال عن مرتبته ويخرج من الحرم كما أخرج كثير ممن يظهر الحق. وكيف لا؟ وقد كان يخاف في أدنى من ذلك فإنه قد كان يلبس لباساً فيه من الإسبال في الكمين وفي الذيل. فقيل له في ذلك، فقال: قد صار ذلك في عرف العامة من لباس الشرفاء، وتركه يعد دناءة ولم يبال بوعيد حديث "ما أسبل من الكعبين من الإزار فهو في النار" وهذا الخوف هو الذي منع علماء اليهود والنصارى من اتباع النبي ﷺ وهلم جراً. وقد ورد: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل" انتهى.
وقال العالم العلامة المحدث الشيخ محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" أما بعد، فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان (١) أنقذه الله من دحلان الخذلان وسماها "الدرر السنية في الرد على الوهابية" ورأيت مؤلفها يدعي في ديباجة رسالته الساقطة الدنيئة الرديئة أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة في زيادة النبي ﷺ والتوسل
стр. 79
به من الدلائل والحجج القوية من الآيات والأحاديث النبوية فتعجبت منه العجب الصراح، كيف؟ وليس في الباب حديث حسن، فضلاً عن الصحاح. فتأملت فيها تأمل الناقد البصير، لكي أعلم أنه هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب والباطل المهين. فإنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي في "شفاء السقام" وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام: إما موضوعة، عملتها أيدي الوضاع اللئام أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والخطأ والأوهام- إلى أن قال – ومن عجائب صنيعه: أن المؤلف – مع زعمه أنه من جملة المقلدين – يستدل بالأدلة الشريعة، وهو منصب المجتهدين. فعن لي أن أنبه على ما وقع فيها من ساوئ المفاهيم وزخارف الأقوال وأراجيف الاستدلال، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال. فالله أستعين وأقول- وبه أحول وبه أصول. انتهى.
فكتب مجلداً ضخماً في الرد على رسالة دحلان كسر به زجاج شهادته وكشف ما موه به من الباطل. فلم يقل عثراته خصوصاً فيما لبس به من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو ما غير معناه من الآيات والأحاديث المرفوعة. فأزاح عن محياها القتام ونفى وعصف على بيت عنكبوته نسيم الحق فهفى.
وبهذا تعلم أن دحلان ليس من أهل الجرح والتعديل، بل هو ضال مضلل عن سبيل المؤمنين. فلا يلتفت إليه بل هو ساقط العدالة بشهادة من ذكرناهم من علماء الهند الراسخين في علوم الكتاب والسنة من أهل الحديث حملة علوم الشريعة النبوية. وليس لهم صلة بالطرفين، ولا علاقة بينهم وبين الفريقين، إلا الأخوة في الدين وما توجبه بعلنونه. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران، الآية: ١٨٧] فجزاهم الله عن الإسلام ونصرة الحق على الباطل أفضل ما جزى به المجاهدين في سبيله لنصرة دينة.
стр. 80
قال المعترض: "ومن أعجب ما رأيت: انتساب أناس لهذا المذهب حماقة وجهلاً، ولو عرفوا حقيقته وأصوله لتبرأوا منه وقالوا كما نقول: إسلام ووهابية لا يجتمعان".
أقول: هذا عجب ليس له نصيب من العلم، بل العجب الذي لا ينقضي هو من هذا الملحد وشيخه دحلان، دعاة البدع والضلال، الداعين إلى مذهب الوثنيين من العكوف على القبور والتعلق على الأموات وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات من دون الله تعالى فاطر الأرض والسموات، زاعمين أنهم وسائط بين الله وبين عبادة يرفعون إليه حوائجهم كما يرفع الوزراء والمقربون من الملوك حوائج رعاياهم إليهم، ويشفعون فيهم عندهم يقولون: إن الواسطة لا تنكر على الإطلاق فما جاز في حق المخلوق جاز في حق الخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
والعجب الذي لا ينقضي من هذا المعترض هو إنكاره علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه وإنكار صفات كماله ونعوت جلاله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ .
والعجب الذي لا ينقضي من هذا المعترض تحريمه العمل بنصوص الكتاب والسنة، وقوله: "إنه لا يجوز أخذ الأحكام من الحديث التي هي في صحيح البخاري أو غيره من كتب الحديث" ويعد الأخذ بها زندقة لا إسلامية، كما قرر ذلك وأثبته في رسالته هذه التي نحن بصدد الرد عليها.
والعجب أيضاً من هذا الملحد: أن يحرم تقليد الصحابة ﵃ حتى الخلفاء الراشدين منهم. وقد حث الرسول ﷺ على الاقتداء بهم، حيث يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وهذا قليل من كثير مما يثير العجب العجاب من هذا الملحد وما هو عليه من مخالفته سبيل المؤمنين وسلوكه طريق الضالين، فإنه يعجب من
стр. 81
أناس يعملون على هدى من الله، حريصين على اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ ، ويرميهم بالجهل والحمق لزعمه أنهم ينتمون إلى مذهب الوهابيين. وهذا دليل على حماقته وجهله وعدم معرفته بحقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسوله محمداً ﷺ ، وأنه ممن قال الله فيهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان، الآية: ٤٤] فإن هذا الملحد وأشياعه أعداء لأتباع رسول الله ﷺ وأصحابه على الحقيقة. لأنهم ينكرون عليهم ما هم عليه من البدع والشرك في عبادة الله تعالى لذلك يسمونهم "وهابيين" وقد سمعنا كثيراً من مقلدة هؤلاء الضلال من يسمون الإمام أحمد ﵀ "وهابياً" وشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من المحققين "وهابية" ووالله لو خرج أبو بكر الصديق ﵁ بين هؤلاء الملاحدة ليسمونه "وهابياً". فيا لها من كرامة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فقد صار اتباع الكتاب والسنة في جميع أنحاء الدنيا وفي العصور السالفة علماً على مذهبه ينسب إليه من يعمل بهما وإن كان هذا العامل لا يعرف محمد بن عبد الوهاب ولا مذهبه فليهنأ الشيخ بشهادة أعدائه له بذلك، وليهنه الذكر الجميل على عمل كل سنة، ونسبه من عمل بها إليه وإماتة كل بدعة وعداوة من عمل بها له.
فلو كان هذا الملحد ممن أعطاهم الله نوراً يفرقون به بين الحق والباطل ما كان يأخذه العجب من أناس سائرين على الصراط المستقيم، فيرميهم بالحماقة والجهل فهو أولى بهما منهم زاعماً أنهم ينتسبون إلى مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب جهلاً منهم، مع أن الشيخ ليس له مذهب غير الكتاب والسنة ولا يدعو إلا إليهما، فالكتاب والسنة وما دلا عليه من جميع أنواع العبادات- عملاً واعتقاداً، أمراً ونهياً – هو مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لا يخرج عما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. خصوصاً منهم الأئمة الأربعة ﵃ ولا ينتسب لطريقة غير طريقتهم التي هي طريقة الرسول ﷺ ، لا يخالفهم في كثير ولا قليل، وفمن نسب إليه غير ذلك فهو من المفترين.
стр. 82
فقد شمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن ساعد جده واجتهاده، وأعلن بالنصح لله ولكتابه ورسوله وسائر عباده، وصبر على ما ناله من أعباء تلك الرتبة والدعوة، وما قصد به من أنواع المحنة والجفوة. وقرر رحمه الله تعالى أن حقيقة دين الإسلام وزبدة ما جاءت به الرسل الكرام هو إفراد الله تعالى بالعبادة وإسلام الوجه له بالعمل والإرادة، وترك التعلق على الأولياء من دونه والأنداد والبراءة من عبادة من سواه من سائر المخلوقات والعباد. وهذا معنى كلمة الإخلاص والتوحيد وهو الحكمة المقصود بخلق الكائنات والعبيد. وقرر رحمه الله تعالى أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادتين مع مخالفة ما دلتا عليه من الأصول المقررة ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام. إذ المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان من دونها، كمحبة الله وحده والخضوع له والإنابة إليه والتوكل عليه وإفراده بالاستعانة والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات كالدعاء والذبح والنذر والتقوى والخشية ونحو ذلك من الطاعات.
واستدل لذلك بنصوص قاطعة وبراهين ساطعة، وحكى الإجماع على ذلك عن الأئمة الفضلاء والسادة النبلاء من سائر أهل الفقة والفتوى. وذكر عبارة من حكى الإجماع من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. وألف في ذلك التآليف وقرر الحجة وصنف التصانيف وقد عارضه من الغلاة المارقين ومن الدعاة إلى عبادة الصالحين أناس من أهل وقته فباءوا بغضب الله ومقته وأظهره الله بعد الامتحان وحقت كلمة ربك على أهل العناد والطغيان. وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل. وحكمته التي يظهر بها ميزان الفضل والعدل، وقد جمع أعداؤه شبهات في رد ما أبداه وجحد ما قرره وأملاه واستعانوا بملئهم من العجم والعرب، ونسبوه إلى ما يستحي من ذكره أهل العقل والأدب فضلاً عن ذوي العلوم والرتب. وزعموا أنه خارجي مخالف للسنة والجماعة كمقالة أسلافهم لرسول الله: إنه صابئ صاحب إفك وصناعة. فجاء هذا الملحد يجدد ما قالوه ويبث من الشبه ما لفقوه وانتحلوه. ويزعم أنا لو عرفنا ما عرفوه لاتبعناهم على
стр. 83
ضلالهم وقلنا ما قالوه، ولكنا نقول: "وهابية ووثنية لا يجتمعان" خلافاً لما اعتقدوه وقالوه. وبالمثل السائر نقول:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فليس دين الإسلام هو دين عباد القبور الذين يتخذون من دون الله أنداداً يحبونهم كحبهم لله، ويصرفون لهم خالص العبادة من دون الله تعالى، من الدعاء والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والذبح والنذر وغيرها من أنواع العبادة التي لا تجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى، ويجعلون الأموات وسائط بينهم وبين الله في رفع حوائجهم إليه كما عليه هذا الملحد ومن قلدهم من أئمة الضلال. فإنهم يدعون على عبادة الأولياء والصالحين وإشراكهم مع الله تعالى في العبادة. وهذا ما ينكره الوهابيون ويحاربون أهله. لذلك يقول هذا الملحد الذي لا يعرف حقيقة دين الإسلام: "إسلام ووهابية لا يجتمعان" ومعلوم أن دين الوثنية لا يجتمع مع توحيد الله تعالى الذي أرسل به رسله من أولهم إلى آخرهم. وهو إخلاص العبادة له وحده لا شريك له يجميع أنواعها. فإن هذا هو دين الإسلام وهو الذي عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه. وإن سماه المشركون عباد الأصنام "مذهباً وهابياً" فإن الأسماء لا تغير الحقائق والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 84
تزوير الملحد ل تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب
تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب
...
قال المعترض: "مؤسس هذا المذهب هو محمد بن عبد الوهاب التيمي من يمامة نجد. ولد في سنة ١١٢١ هجرية، ومات في سنة ١٢٠٧ (١) كان أبوه عابداً فاضلاً ورعاً. وكان يتفرس في ابنه هذا الشقاوة، فأرسله إلى مكة ثم إلى المدينة المنورة لطلب العلم. فطلب وحصل، وأخذ عن كثير من علماء الحرمين، وكلهم كانوا يتفرسون فيه الشقاوة، ويحذرون الناس منه وكان يميل لمطالعة أخبار من ادعوا النبوة ويكتم هذا الفكر في نفسه".
أقول: إن ما ذكره الملحد عن مولد الشيخ وعن وفاته غلط لا يطابق
стр. 85
الحقيقة، كذلك نسبته الشيخ بأنه "تيمي" أيضاً خطأ. فالمعترض دائماً يتقلب بين الكذب والخطأ، ولا يهمه تمحيص الحقائق. وإنما هو مقلد أعمى ونحن نبين نسب الشيخ وسيرته إثباتاً للحق، ونفياً لما يختلقه أمثال هذا الملحد وشيخه دحلان من الزور والفجور. فنقول:
أما نسب الشيخ: فهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن إدريس بن علي بن محمد بن علوي بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيع بن ساعدة بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة بن تميم. ولد سنة خمس عشرة ومائة وألف، وتوفى ﵀ سنة ست ومائتين وألف. وكان مولده في بلد "العيينة" من البلدان النجدية. فأنبته الله نباتاً حسناً، وجلا به عن طرف الدهر وسنان كراه.
ذكر الشيخ العالم العلامة حسين بن غنام الإحسائي في تاريخ "روضة الأفكار والأفهام" قال: كان الشيخ سليمان يحدث عن أخيه محمد بن عبد الوهاب قال: كان أبوه عبد الوهاب يتعجب من فهمه وإدراكه، قبل بلوغه وإدراكه ومناهزته الاحتلام وإفراكه. ويقول أيضاً استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، أو قريباً من هذا الكلام. وقد كتب والده إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه يثني فيها عليه، وأن له فهماً جيداً ولديه، ولو يلازم الدرس سنة على الولاية لظهر في الحفظ والاتقان آية. وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، ورأيته أهلاً للصلاة بالجماعة والائتمام فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوجته بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف إلى ذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام، وأدى المناسك على التمام. ثم قصد مدينته ﵊، وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد ذلك فائزاً بأجر الزيارة والمناسك وأخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد، فسلك فيه الطريق الأحمد، ورزق مع الحفظ سرعة الكتابة. فكان يخبر عنه أصحابه أنه كان يخط
стр. 86
بالخط الفصيح في المجلس الواحد كراساً من غير سآمة، ولا نصب ولا التباس. ثم بعد ذلك رحل في طلب العلم وسار، وجد في الطلب إلى ما يليه من الأمصار، وما يحاذيه من الأقطار. فزاحم فيه الكبار وأشرق طالعه واستنار فصار لهلاله أقمار، فوطئ الحجاز والبصرة لذلك مراراً وإلى الإحساء لتلك الأوطار. وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وأجازه من طريقين، وأول حديث سمعه منه الحديث المسلسل بالأولية. نقلت من خطه ما نصه: حدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي – بمنزله بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – عن شيخ الإسلام ومفتي الشام أبي المواهب الحنبلي – إجازة – قال: أخبرنا والدي تقي الدين عبد الباقي الحنبلي – وهو اول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به المعمر الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به شيخنا جمال الدين يوسف الأنصاري الخزرجي – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به والدي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا الصلاح محمد بن محمد المكرمي الصوفي الخازن – وهو أول حديث سمعته منه – قال: اخبرنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به الصدر أبو الفتح الميدومي – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به الحافظ أبو الفرج بن عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به الحافظ إسماعيل بن صالح النيسابور – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا به أبو حامد صالح المؤذن – وهو أول حديث سمعته منه – قال أخبرنا به أبو طاهر محمد بن كعب بن محمد الزيادي - وهو أول حديث سمعته منه – قال أخبرنا عبد الرحمن بن تستر بن الحكم النيسابوري – وهو أول حديث سمعته منه – قال: أخبرنا سفيان بن عيينة – وهو
стр. 87
أول حديث سمعته منه – عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" تفرد به سفيان، ولا يصح سنده عمن فوق سفيان، والله أعلم.
وحدث أيضاً عنه بالمسلسل بالحنابلة قال ﵀: حدثني عبد الله بن إبراهيم الحنبلي بمنزله بظاهر المدينة النبوية عن شيخ الإسلام ومفتي الشام أبي المواهب تقي الدين عبد الباقي الحنبليان عفى الله عنهما إجازة عن والده تقي الدين المذكور قال: أخبرنا شيخنا عبد الرحمن البهوتي أخبرنا الشيخ تقي الدين بن النجار الفتوحي صاحب "منتهى الإرادات" أخبرنا والدي شهاب الدين أحمد قاضي القضاة الحنبلي أخبرنا بدر الدين الصفدي الظاهري الحنبلي أخبرنا عز الدين أبو البركات الحنبلي أخبرنا أبو علي حنبل بن عبد الله الرصافي قال أخبرنا أبو القاسم هبة الله الحنبلي قال: أخبرنا أبو الحسن بن علي الحنبلي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر الحنبلي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الإمام أحمد الحنبلي قال: حدثني أبي أحمد بن محمد بن حنبل إمام كل حنبلي عن ابن عدي عن حميد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله. قالوا: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته" هذا حديث عظيم قد وقع ثلاثياً للإمام أحمد ﵁.
وقد سمع الشيخ ﵀ الحديث والفقه من جماعة بالبصرة كثيرة، وقرأ بها النحو وأتقن تحريره وكتب الكثير من الفقه والحديث في تلك الإقامة، وبحث على طريق الهدى والاستقامة، وكان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة.
انتهى المراد منه.
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في كتابه "توحيد الخلاق، في أجوبة أهل العراق" في ترجمته للشيخ محمد بن عبد الوهاب: وقد أجازه أيضاً كل من الشيخ علي أفندي الداغستاني، وعبد الله بن إبراهيم، وعبد اللطيف العفالقي في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلماً وتعليماً
стр. 88
من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، وسنن الترمذي بسنده، وسنن ابن ماجه بسنده، وسنن النسائي الكبرى بسنده، وسنن الدارمي ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن أبي طالب ﵁، ومسانيد الأئمة الأربعة، وفقه الحنابلة، وكثير من كتب الأئمة المشهورين.
انتهى المراد منه.
والمقصود: أن المؤسس لهذه الدعوة المحمدية الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لم يكن قائماً بها على جهل، أو طلب جاه أو علو في الأرض أو التماس لحطام الدنيا، حماه الله من ذلك. بل قد جد واجتهد ﵀ في تحصيل علو الدين ورحل في طلبها إلى الأمصار، وزاحم فيها العلماء الكبار، فشهدوا له بتحصيلها وإتقانه وأجازه فيها الفحول من علماء زمانه فقد أدركته عناية أحكم الحاكمين "ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين" وقد قام بأعباء هذه الدعوة، وصبر على ما ناله فيها من المحنة والجفوة، حتى أظهره الله تعالى على أعداء الحق، فظهر الحق وبان، واستذل الباطل وأهله واستكان، فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه.
وقد ذكر العلامة المؤرخ محمود فهمي المصري المتوفى بجزيرة سيلان في سياق ما كتبه عن سيرة الوهابيين وشيخهم محمد بن عبد الوهاب، قال: ويحتمل أن المؤسس الأكبر لهذا المذهب لم يتقلد أدنى وظيفة أخرى، سوى أنه كان حاكمهم الدياني، وكان مقره الثابت في الدرعية بأرض نجدن حتى توفى في سنة ١٢٠٦هـ من بعد أن تقدم في العمر حتى بلغ خمساً وتسعين سنة، واستحوذ على الدرجة العالمية من القناعة وأسر القلوب بفصاحة كلامه وعذوبة منطقه، وكان له قوام عجيب في السياسة والحروب، وما يحصل من الوقائع والكروب. واستمر إلى أن بلغ السيادة القسوى بعلمه وسيفه في بلاد العرب، وكان فيه طوع ولين، أسوة برسول الله ﷺ انتهى.
стр. 89
وقد تقدم من كلامه ﵀ عن الوهابيين ما فيه كفاية.
وأما قول المعترض: "كان أبوه عالماً فاضلاً ورعاً" فهذا حق، فإن الشيخ عبد الوهاب والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، كان على جانب عظيم من العلم والفضل، مشهوراً بورعه وزهده. وقد قال الشيخ العلامة المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر (١) في تاريخه "عنوان المجد" وأما الشيخ عبد الوهاب فهو العالم العلامة الكامل الورع الزاهد له المعرفة الكاملة في علوم الشريعة وآلاتها، تولى القضاء في عدة أماكن من نجد منها العيينة وحريملا، وله مؤلفات حسنة، ورسائل مستحسنة، ورأيت له أسئلة وأجوبة أعجبني حسنها، وهي دالة في غزارة علمه وسعة اطلاعه، انتهى.
وأما قول المعترض: "وكان يتفرس في ابنه هذا الشقاوة. . . إلى آخره". فهذه دعوى كاذبة باطلة مرذولة، تحكي دين وأمانة من اخترعها. فإن الشيخ عبد الوهاب ﵀ قد أثنى على ولده محمد ثناء جميلاً بقوله فيه: إنه يتعجب من فهم ابنه محمد وإدراكه قبل بلوغه الاحتلام. ويقول أيضاً: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام. وقد كتب الشيخ عبد الوهاب رسالة إلى بعض إخوانه نوه فيها بشأن ابنه الشيخ محمد، وما هو حائز عليه من الفهم والحفظ والإتقان الذي يعد فيه آية من آيات الله. قال: وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكماله اثنتي عشرة سنة فرأيته أهلاً للإمامة في الصلاة بالجماعة فقدمته لمعرفته بالأحكام. . . إلى آخر ما ذكره.
فكيف يكون هذا الشيخ الجليل – مع علمه وفضله وورعه الذي أقر له به هذا المعترض – يتفرس في ابنه الشقاوة، ثم هو مع ذلك يثني عليه، وينوه بعلو شأنه في العلم والفهم، ويقدمه للإمامة في صلاة الجماعة بين يديه؟ هذا تناقض شنيع، محال أن يتصف به عالم فاضل ورع، وكذلك العلماء الذين قال عنهم المعترض: إنهم يتفرسون فيه الشقاوة، كيف تتفق هذه الفراسة مع طلبه العلم
стр. 90
عليهم وتحصيله له وإجازتهم له فيه؟ إن هذين ضدان لا يجتمعان، بل نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.
ثم يقال لهذا الملحد: ومن هذا الذي تفرس فيه الشقاوة؟ ومن هو الناقل عنه؟ وما وجه هذه الفراسة وما مصدرها غيرك أيها الكذاب؟ "ولو يعطى الناس بدعواهم لا دعى رجال دماء أقوام وأموالهم" فلا كل ناقل صادق، ولا كل طاعن مقبول، فالحق أحق أن يتبع.
وأما قوله: "وكان يميل لمطالعة أخبار من ادعوا النبوة، ويكتم هذا الفكر في نفسه".
فهذا من نمط ما قبله من الافتراء وقلة الحياء. وفي الحديث: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" فمن أين عرف هذا الملحد أن الشيخ كان يميل لمطالعة أخبار من ادعوا النبوة، ما دام يكتم هذا الفكر في نفسه؟ فهل عنده علم من الغيب، أم هو الذي يدعي النبوة ويزعم أن الوحي ينزل عليه من السماء يخبره عن بواطن العباد وما يسرونه في أنفسهم؟ أم هو محض الافتراء والكذب على الله وعلى عباده المؤمنين؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل، الآية:١٠٥] وهل قام هذا الملحد وأمثاله بعداوتهم للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتقولوا عليه الكذب إلا بسبب ما قام به الشيخ من الدعوة إلى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، لأن الخصومة بينه وبين معارضيه كانت في تحقيق هذين الأصلين اللذين جهل حقيقتهما كثير من الناس، فاكتفوا منهما باللفظ دون المعنى. فجاءوا من الأعمال بما يخالفهما من صرف أنواع العبادة لغير الله تعالى، واتباع غير رسوله ﷺ . فلما بين الشيخ رحمه الله تعالى أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادتين مع مخالفة ما دلتا عليه من أصول التوحيد، ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام إذ المقصود من لفظ الشهادتين: حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان بدونها، كمحبة الله وحده، والخضوع له والإنابة
стр. 91
إليه، والتوكل عليه، وإفراده بالاستعانة والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات، كالدعاء والخوف والرجاء، والذبح والنذر ونحو ذلك من العبادات التي هي معنى شهادة أن لا إله إلا الله. وأما شهادة أن محمداً رسول الله: فتصديقه فيما جاء به من عند الله، واتباعه فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية: ٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران، الآية: ٣١] فمن ابتغى طريقاً إلى الله غير طريقه ﷺ فإنه لم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله، فإن الطرق إلى الله تعالى من يوم بعثته ﷺ مسدودة إلا من طريقه، ومن طلب الهدى من غير هديه ضل سواء السبيل.
وقد كثرت الطرق المخالفة لطريقه ﷺ من أناس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله لفظاً فقط، مع مخالفة أعمالهم لما دلت عليه هاتا الشهادتان من أفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وفرض الاتباع لرسول ﷺ دون غيره. فلما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بالدعوة إلى تحقيق هذين الأصلين عارضه ورثة أبي جهل وقالوا له كما قال أسلافهم لرسول الله ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص، الآية: ٥] ورموه بالجنون والسحر ورموا أصحابه بأنهم صابئة وأنهم حثالة وغثاء. وكذلك أتباعهم على الحقيقة لهم قسط من إرثهم فسماهم هؤلاء الملاحدة خوارج ومشبهة ووهابية يميلون إلى أخبار من ادعوا النبوة وأمثال هذه المفتريات التي لا تروج إلى على كل جاهل لا يدرك الحقائق. وكيف تخفى الحقائق على من عنده أدنى اطلاع وبصيرة يفرق بهما بين الحق والباطل؟ فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أشهر مذهبه ودعوته التي يدعو الناس إليها في مصنفاته المطولة ورسائله المختصرة فلم يترك لمعارضيه شبهة إلا كشفها، ولا طريقاً توصل إلى الله وإلى اتباع رسوله ﷺ على بينهما وأوضحها. وقد جاهد بلسانه وقلمه وسارت الكتائب من جيوش الموحدين لجهاد المشركين والمعاندين بأمره لتكون كلمة الله هي العليا ودينه الظاهر، فقد حمى حما التوحيد لله تعالى علناً لم يخف في الله لومة لائم.
стр. 92
فأي شيء يخفيه في نفسه بعد ذلك أيها المضللون؟ فلو كان لهذه الفرية أدنى قيمة لأوردت من كلام الشيخ ﵀ ما يكفي ويشفي في ردها، ولكنها فرية تمثل الزور والفجور فلا تستحق رداً أكثر من احتقار صاحبها وكشف عورته، وليس أبلغ من رد هذا الملحد على نفسه. فاسمع إذاً ما يقوله بعد دعواه على الشيخ الكتمان:
قال المعترض: "فلما مات أبوه في نحو سنة ١١٤٣ (١) ابتدأ بإظهار مذهبه حتى سنة ١١٥١ فأشهر أمره وأظهر دعوته وعقيدته في نجد وأطرافها".
فنقول لهذا الملحد: إذاً فليس فيه كتمان كما افتريته على الشيخ. فقد أبطلت دعواك بإقرارك بنفسك. فإن ما أظهره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى واشتهر به من الدعوة إلى كتاب الله تعالى واتباع رسوله ﷺ ، واقتفاء أثر السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أئمة الهدى والدين قد ظهر واشتهر أمره فلا ينكره إلا معاند مثلك أيها المفتري الذي أكذب نفسه بنفسه. فالحمد لله على ظهور الحق وخذلان الباطل وأهله.
стр. 93
فصل - استطراد في سيرة الشيخ محمد عبد الوهاب وبعض أقواله
...
ونحن نسوق طرفاً من عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ليتبين الهدى من الضلال لمن يريد الاطلاع على الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، فلا يغتر أحد بدعاة الشرك الملحدين في دين الله ورسوله ﷺ .
قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى في كتاب"منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس".
فصل
ونقص عليك شيئاً من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفاً
стр. 94
من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان وأغراه وبالغ في كفره واستهواه، فنقول:
قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته: أنه على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز وصحت بها الأخبار النبوية وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها، كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطلحة بن عبيد الله وسليمان بن يسار وأمثالهم من الطبقة الأولى. ومن الطبقة الثانية: كمجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وابن سيرين وعامر الشعبي وجنادة بن أبي أمية وحسان بن عطية وأمثالهم. ومن الطبقة الثالثة: علي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسلم الزهري ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن الماجشون وكحماد بن سلمة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس الشافعي وإسحاق بن إبراهيم وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري وإخوانهم وأمثالهم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر. وأما توحيد العبادة والإلهية: فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه.
يوضح ذلك: أن أصل الإسلام وقاعدته "شهادة أن لا إله إلا الله" وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه كائناً من كان. وهذا هو الحكمة التي خلقت
стр. 95
لها الإنس والجن، وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب. وهي تتضمن كمال الذل والحب وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم. وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام. وهو يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية: ٢٥] وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف، الآيات: ٢٦- ٢٨] وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، الآيات: ٧٥- ٧٧] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة، الآية: ٤] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٤٥] وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف، الآية: ٥٩] وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف، الآيات: ١٣- ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء، الآية: ٤٨] في موضعين من كتابه وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة، الآية: ٧٢] .
قال رحمه الله تعالى: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين. فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ﷺ فإنهم كانوا يدعونها
стр. 96
ويلتجئون إليها ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية: ١٨] الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية: ٣] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف، الآية: ٢٨] .
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر، الآية: ٣٨] فهم معترفون بهذا مقرون به، لا ينازعون فيه. ولذلك حسن موقع الاستفهام وقامت الحجة عليهم بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة. ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأقل شيء وأدناه من ضر أو رحمة. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ – إلى قوله – ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون، الآية: ٢٣، والآية: ٨٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية: ١٠٦] ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته ولمكه، وفسر شركهم بعبادة غيره.
قال ﵀: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام. وقد رد عليهم جميعهم وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران، الآية: ٨٠] وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] الآية، وقال: ﴿لَنْ
стр. 97
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء، الآية: ١٧٢] ونحو ذلك في القرآن كثير. وبه يعلم المؤمنون أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
قال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه، كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستعانة والاستغاثة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلقاً للقلوب والآمال بفيضه وممده وإحسانه وكرمه. فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها، بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها. وكل عمل يخلو منها فهو خداج مردود على صاحبه، وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأليهه بذلك. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل، الآية: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الأنبياء، الآية: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان، الآية: ٣] الآية. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، الآيتان: ٩٧-٩٨] ومعلوم أنهم ماسووهم به في الخلق والتدبير والتأثير وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية. وما عدا هذا من الذنوب التي هي دونه في الرتبة والمفسدة لا نكفر بها ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور بالكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه وغلاء الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
стр. 98
قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلماً، بل هو حجة على ابن آدم، خلافاً لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار "كالكرامية"، ومجرد التصديق "كالجهمية". وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون، الآية: ١] فأكدوا بلفظ الشهادة و"إن" المؤكدة واللام والجملة الاسمية، فأكذبهم وأكد تكذبيهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مسمى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل. ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره، فلا شهادة له، وإن صلى وزكى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام. قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضاً: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة، الآية: ٨٥] الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء، الآية: ١٥٠] الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون، الآية: ١١٧] الآية. والكفر نوعان: مطلق ومقيد. فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ ، والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول، حتى إن بعض العلماء كفر من أنكر فرعاً مجمعاً عليه، كتوريث الجد والأخت، وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها؟ وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة، بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة ﵃ كفروا من منع الزكاة وقاتلوهم، مع إقرارهم بالشهادتين والإتيان بالصلاة والصوم والحج.
стр. 99
قال ﵀: وأجمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويصلون ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها. وذكر أن ابن الجوزي صنف كتاباً في وجوب غزوهم وقتالهم سماه "النصر على مصر" قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتشبيه عباد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم. ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع، ونحو ذلك من المقالات والنحل فهو فيها أيضاً على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الهدى والدين يبرأ مما قالته القدرية النفاء، والقدرية المجبرة وما قالته المرجئة والرافضة وما عليه غلاة الشيعة والناصبة، ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويكف عما شجر بينهم ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأنهم أقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما جرى على أيديهم منفتح القلوب بالعلم النافع والعلم الصالح، وفتح البلاد ومحو آثار الشرك وعبادة الأوثان والنيران والأصنام والكواكب ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام. ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء لئام ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر فعمر فعثمان فعلي ﵃ أجمعين. ويعتقد أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين كلام الله غير مخلوق منهم بدا وإليه يعود. ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق القرآن، ويحكى تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان، ويبرأ من رأي الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن مانزل به جبريل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي. ويقول: هذا من قول الجهمية. وأول من قسم هذا التقسيم: هو ابن كلاب وأخذ عنه الأشعري وغيره كالقلانسي. ويخالف الجهمية في كمل ما قالوه وابتدعوه في دين الله ولا يرى ما ابتدعته الصوفية من البدعة والطرائق، المخالفة لهدى رسول الله ﷺ وسنته في العبادات والخلوات والأذكار المخالفة
стр. 100
للمشروع. ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده أن تترك لقول أحد كائناً من كان. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ". نعم، عند الضرورة وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار، يصار إلى التقليد لا مطلقاً، بل فيما يتعسر ويخفى، ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلى بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة خلافاً لغلاة المقلدين. ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم من أهل الحديث والفقه والتفسير وأهل الزهد والعبادة. ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر. ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما جاء أباحه الشرع وأهدره الرسول ﷺ . ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين. انتهى.
فهذا طرف من عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي يقول عنه هذا الملحد: إنه بعد وفاة أبيه قد أشهر أمره وأظهر عقيدته، ولكن الملحد لم يذكر عن عقيدة الشيخ إلا ما يفتريه من الكذب والبهتان الذي لا أصل له، ولا سند له فيه يرجع إليه. أما العلم والبحث فيه، وتمحيص الحقائق فليس هو من أهلها. وما نقلناه عن عقيدة الشيخ محمد رحمه الله تعالى فإنه الحق، وهو ما اشتهر عنه ودعا الناس إليه بلسانه وقلمه، وأثبته في مصنفاته المطولة والمختصرة، وهو المرجع لكل من يطلب حقيقة ما عليه الشيخ رحمه الله تعالى من العقيدة في أصول الدين. وأما في الفروع فإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
وفي الذي أوردناه كفاية لبيان ضلال هؤلاء الملاحدة الصادين عن دين الله
стр. 101
ورسوله ﷺ ، والمجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ولكن الله تعالى حارس دينه وأهله، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره الكافرون.
стр. 102
طعن الملحد في آل سعود لنصرتهم للشيخ والرد عليه
...
قال المعترض: "فقام في نصرته وإظهار عقيدته محمد بن مسعود (١) أمير الدرعية الذي ما زال أولاده يعيثون فساداً في نجد، فحمل الناس على متابعته واتباع مذهبه".
أقول: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فإن الله تعالى لما من على هذا الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب بالعلم النافع والفهم الواسع في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وفقه للعمل بما علم، والوفاء بعهد الله الذي أخذه على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتموه. فلما رأى الشيخ رحمه الله تعالى ما عم وطم من الفساد في الأمة المحمدية، وخصوصاً في البلاد النجدية من ظهور الشرك والبدع، وعموم الجهل واتباع الهوى، بل الرجوع إلى الجاهلية الأولى صمم رحمه الله تعالى على القيام بالدعوة إلى تحقيق دين الله الذي أرسل به رسوله محمداً ﷺ والرجوع إليه، وترك ما خالفه من الجهل والضلال ومحاربة العادات التي ليست من دين الإسلام في شيء، بل هي من صميم الجاهلية فلما علم الله صدق نية هذا الشيخ وإخلاصه في الدعوة إليه وإلى دينه، يسر له أسباب الهداية والتوفيق، وأقام لنصرته من سبقت له من الله السعادة على التحقيق محمد بن سعود، رفع الله مقامه في جنات الخلود، وذلك بعد أن قام أعداء الله ورسوله على الشيخ فناصبوه العداء، وطلبوا قتله، وحرموه من القرار في واسع الفضاء، يعلم الناس ما جهلوه من أمر دينهم. فخرج مهاجراً على قدميه وحيداً يتلو آي القرآن، وتحفه ملائكة الرحمن حتى انتهى إلى معقل الإيمان وجنود الملك الديان. فقابلوه بالقبول والإحسان وأنزلوه منهم منزلة النظر بين الأجفان. وبنزوله عليهم نزل بهم خير الدنيا والآخرة فقد أغناهم الله بعد الفاقة، وكثرهم بعد القلة، وأعزهم بعد أن كانوا أذلة. فجعلهم ملوكاً دانت لهم الجزيرة العربية
стр. 103
بأجمعها بالطاعة، واجتمعت عليهم بعد الفرقة ومفارقة الجماعة، وذلك ببركة هذه الدعوة المحمدية، التي صارت شجى في حلوق الملحدين وعباد القبور الوثنيين من الدحلانيين ومن اتبعهم من مردة الشياطين، فقد عارضوا دعوة الشيخ بمحض افترائهم الكذب عليه، وتشويه سمعته وسمعة أتباعه، شأن أسلافهم الماضين المعارضين لرسول الله ﷺ وأتباعه إلى يوم الدين.
حيث إن هذا الملحد قد ادعى زوراً وفجوراً على إمام المسلمين محمد بن سعود وأولاده ﵏ بأنهم ما زالوا يعيثون فساداً في نجد، فإن هذا من أكبر البهت والمكابرة. وقد تقدم فيما نقلته من تاريخ العلامة محمود فهمي المصري وما نقلته من تاريخ الإمام الجبرتي رحمهما الله تعالى ما يفسد دعوى هذا المفتري من شهادة هذين العالمين الجليلين لإمام المسلمين، محمد بن سعود وأولاده بإقامة العدل، والسير على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ونزيد هذا المقام إيضاحاً بما ذكره العالم المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر في تاريخه "عنوان المجد" حيث يقول ﵀:
ثم إن هذا الدين الذي منَّ الله به في آخر هذا الزمان على أهل نجد، بعدما كثر فيهم الجهل والضلال والضلم والجور والقتال، فجمعهم إخواناً، فأمنت السبل، وحيث السنن، وماتت البدع، واستنار التوحيد بعدما خفي ودرس. وزال الشرك بعدما رسا في البلاد وغرس، وطفئت نيران الظلم والفتن، ورفعت مواد الفساد والمحن، ونشرت راية العدل على أهل الجور والعناد، وكان مظهر ذلك من يقول للشيء كن فيكون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء، الآية:١٠٥] وذلك بسبب من عمت بركة علمه العباد، وشيد منار الشريعة في البلاد قدوة المحققين وبقية العلماء المجتهدين، وناصر دين سيد المرسلين شيخ مشايخنا المتقدمين، الشيخ الأجل والكهف الأظل، محمد بن عبد الوهاب، أدخله الله فسيح جناته، وتغمده برحمته ورضوانه، فآواه من جعل عز الدين في تلك الديار على يديه، وجاد بنفسه وما
стр. 104
لديه، ولم يخش لوم اللائمين، ولا كيد المحاربين، محمد بن سعود وبنوه ومن ساعدهم على ذلك وذووه، خلد الله ملكهم مدى الزمان، وأبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان، فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد، وبذل الجد والجهد والاجتهاد، فقام في عداوته الأصاغر والأكابر، وجردوا عليه المدافع والقنابر، فلم يثن عزمه ما فعل المبطلون، وجاء أمر الله وهم كارهون. قال: فملأوا هذه الجزيرة بإدمان سيف نصرهم، كما ملأوها بسيل عدلهم وبرهم، واستبشرت بهم تلك البلدان لما أزالوا عنها من الجور والطغيان، والبناء على القبور والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. ونادوا في فجاجها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ [النحل، الآية: ٩٠] فمهدوا السبيل لحج بيت الله الحرام، فسارت الظعينة إليه من العراق والشام، واليمن والبحرين والبصرة وما حول تلك الأقطار. لا تخشى إلا الله الواحد القهار، فبطلت جوائز الأعراب على الدروب، ولم يتجاسر أحد من سراقهم وفسقتهم – فضلاً عن رؤسائهم – أن يأخذ عقالاً (١) فما فوقه من الأثمان، فسماها الأعراب "سنين الكمام" لأنهم كموا جميع المظالم الصغار والجسام، فلا يلقى بعضهم بعضاً إلا بالسلام عليكم وعليكم السلام، والرجل يجلس مع قاتل أخيه كالأخوين، وزالت سنين الجاهلية ببركة الدين، وسيبت الأبل والخيل والجياد والبقر وجميع المواشي في الفلوات فكانت تلقح وتلد في مواضعها آمنات مطمئنات، وليس عندها من يرعاها ويحميها إلا من يأتيها غبا فيسقيها، وسارت عمالهم إلى جميع الأعراب، في الشام والعراق واليمن وأقصى الحجاز إلى ما وراء الينبع إلى دون مصر إلى عدن وما دون البصره والبحرين، وأقصى عمان وما احتوت عليه هذه الجزيرة من العربان. فيقبضون منهم الزكاة بالكمال، ويضربون من تعدى أو تخلف عن الجهاد، ويأخذون من ماله النكال، وهدموا القباب والمواضع الشركية في تلك الأقطار، وعمروا المساجد بالصلوات والدروس والأذكار، وكسروا صنم "ذي الخلصة" في تبالة بعدما اضطربت عليه أليات نساء دوس في الضلالة، ورقعت
стр. 105
معجزة المصطفى المخصصة بقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" فهدموه وأعدموه وقرروا التوحيد في تبالة وبينوه، فحقيق لمن هذا حالهم وفعالهم أن يتشرف القرطاس والمداد بنشر فضائلهم في البلاد وبين العباد، انتهى.
وفيما ذكرته كفاية لرد كيد هؤلاء الملحدين، وبيان ضلالهم وتعمدهم البهت والافتراء على أهل العلم والفضل، الداعين إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل على كل ظالم.
стр. 106
طعنه في آل الشيخ والرد عليه
...
قال المعترض: "فرحل اللعين من بلده ونزل على ابن مسعود (١) في الدرعية، وما زال نسله فيها إلى الآن ويلقبون بأولاد الشيخ وكان يسمي جماعته من أهل بلده الأنصار ويسمي من يتبعه من غيرهم المهاجرين".
أقول: قد تكرر من هذا الزنديق نعته للشيخ محمد "باللعين" وسواء وجه اللعن إلى الشيخ رحمه الله تعالى بهذه الصيغة أو لعنه مباشرة فإن قصده واحد وهو استحلال لعن العلماء الذي منعه جمهور علماء أهل السنة، لكن هذا الملحد ليس منهم وليس له أصل يقف عنده، ولا رب يخشاه فيقف عند حده. وقد قدمنا قول من لا نشك في صدقه، وهو أن دحلان هذا رافضي خبيث قد أخفى أمره، فإنهم يستحلون لعن أصحاب رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر ﵄، أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ . وقد اشتهرت هذه الطائفة الملعونة بافتراء الكذب وبهت الأبرياء، فكان لهذا الملحد الزنذيق منهم الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر الأخسر، وقد قلده فرخ زندقته "الحاج مختار"المقلد الأعمى الذي قد غرق في لجة من الجهل والعجب بنفسه، حتى ألقياه في الحضيض الأسفل من الردى.
وأما قوله: "ونزل على ابن مسعود" فهذا المعترض لا يحسن حتى ضبط الأسماء المشهورة المعروفة لكل أحد، فكيف به في غيرها؟ فإن الفرق بين ابن
стр. 107
سعود وبين ابن مسعود ظاهر وقد يحيل المعنى، فقس على ذلك أمانته في النقل والإسناد، فإنه ليس محلاً للضبط والأمانة بل هو من أهل الخطأ والخيانة كما سنبين ذلك في محله من ردنا هذا على هذا النوع من هفواته.
وأما قوله: "وما زال نسله فيها إلى الآن ويلقبون بأولاد الشيخ" فنقول: إنه ليس في الدرعية "أحد" من أولاد الشيخ، بل قد تركوها من وقت دخول إبراهيم باشا إليها. فنزلوا في بلد "الرياض" عاصمة نجد كلها الآن وهي اليوم خير من "الدرعية" في هذه الدنيا وهم في الآخرة إلى رحمة أرحم الراحمين في جنات النعيم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص، الآية: ٨٣] وأما تلقيبهم "بأولاد الشيخ" فهو كذلك وكفى بهذا اللقب شرفاً لمن انحدر منه، وسلك طريقته في اتباع الكتاب والسنة والدعوة إليهما.
وأما قوله:"وكان يسمي جماعته من أهل بلده: الأنصار، ومن يتبعه من غيرهم المهاجرين".
فأقول: ليس لهذا المعترض زمام ولا خطام، يردعه عن الكذب وقول الزور. فإنه يدعي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يسمي جماعته بالمهاجرين والأنصار وهذا كذب محض لم يسمع به، ولا قاله غير هذا المفتري. ومع ذلك فنحن – على سبيل التنزل مع هذا الملحد لتفنيد مفترياته – نقول له: إذا كان الشيخ رحمه الله تعالى يسمي من نصر دين الله تعالى ورسوله ﷺ ومن جاء مهاجراً لذلك: بالمهاجرين والأنصار، مع علم الشيخ بأن الشرع إنما أطلق اسم "المهاجرين والأنصار"على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، فما على الشيخ بهذه التسمية إذا كانت على الحق مطابقة لحقيقة الحال؟ وإن أنكرها من أعماه الهوى عن الهدى.
والظاهر: أن هذا المعترض قد قاس بفهمه الفاسد، أن التسمية بالمهاجرين والأنصار كالتسمية باسم "النبوة أول الرسالة" فلا يجوز عنده لمن
стр. 108
اقتدى بالمهاجرين والأنصار وعمل عملهم في نصر دين الله ورسوله والهجرة في سبيله أن ينسب إليهم أو أن يسمى باسمهم مع أن التسمي بأسماء الأنبياء والتكني بكناهم جائز لما رواه الترمذي من حديث محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إن ولد لي ولد من بعدك، أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك. فقال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟ أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ ". وعلى هذا فجواز التسمية بالمهاجرين والأنصار أولى وأحرى لمن اقتدى بهم حقيقة. كيف؟ والعمل الذي تتحقق به النسبة إليهم محبوب على الله وإلى رسوله ﷺ بل واجب على كل مسلم قادر يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهاجر من البلد الذي لا يتمكن فيه من إقامة دينه إلى بلد يتمكن فيه من إقامته وإظهاره. وهذا المعترض يزعم أن الهجرة قد انقطعت ومضى وقتها، فلا ناصر للدين، ولا مهاجر إليه، حتى يقتدي بمن قبله وينسب إليهم. وما هذا من هذا المعترض وأمثاله إلا من غلبة الجهل وغربة الدين. وقد قال الإمام المحدث أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله المخثعمي السهيلي في كتابه "الروض الأنف" في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوة لابن هشام فصل – وذكر حديث أصحاب الهجرة مع النجاشي، وما قاله جعفر، إلى آخر القصة – وليس فيها إشكال. وفيه من الفقه: الخروج عن الوطن، وإن كان الوطن مكة على فضلها إذا كان الخروج فراراً بالدين، وإن لم يكن إلى إسلام. فإن الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح ولا يقولون: هو عبد الله. وقد تبين ذلك في هذا الحديث، وسموا بهذه "المهاجرين" وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى عليهم بالسبق، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة، الآية:١٠٠] وجاء في التفسير: أنهم الذين صلوا القبلتين وهاجروا الهجرتين. وقد قيل أيضاً: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار كفر،
стр. 109
لما كان فعلهم ذلك احتياطاً على دينهم ورجاء أن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين مطمئنين. وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد آخر، أي بلد كان، يخلى بينه وبين دينه، ويظهر فيه عبادة ربه. فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن، وهذه الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية:١١٥] انتهى.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم"وذكر ما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار. فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ إلى آخر الحديث. قال: فهذان الاسمان "المهاجرون والأنصار" اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما بهما كما سمانا بالمسلمين من قبل. وفي هذا أن انتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ﷺ ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه والملحق به، كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى. انتهى.
وبهذا تعرف أن هذا المعترض جاهل ضال، فهو يعترض على الأسماء الشرعية وتطيب لقلبه ونفسه الخبيثة: أسماء الفرق المبتدعة التي خالفت ما عليه رسول الله ﷺ أصحابه.
стр. 110
موقف سليمان بن عبد الوهاب من أخيه الشيخ محمد وكذب الملحد في روايته عنه
...
وأما قول المعترض: "فلما مات قام بالدعوة ابنه عبد الله، فلما مات قام ابنه سليمان بن عبد الله فقتله إبراهيم باشا".
أقول: هذا خطأ وتخليط كالذي قبله. فإن الشيخ ﵀ لما توفي ولي القضاء بعده ابنه حسين، ثم تولي القضاء بعد الشيخ حسين أخوه عبد الله، فنقله إبراهيم باشا فيمن نقل إلى مصر. وأما أولاد الشيخ عبد الله الشيخ سليمان وأخوه الشيخ علي، فقد قتلهما إبراهيم باشا الذي اشتهر بقتل العلماء في بلاد تجد وفي بلاد الأناضول حين خروجه على دوله خليفة المسلمين.