Полный текст (497 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
حديث "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" وبيان أنه واه
...
قال الملحد: "الثالث: أخرج ابن ماجه والحافظ والبيقهي عن أبي سعيد الخدري والسيوطي في الجامع الكبير عنه أيضاً وابن السّني عن بلال قال: "كان إذا خرج ﵊ إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا إليك، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة. خرجت اتِّقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" انتهى. في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا الأول: توسله ﵊ بالمؤمنين المعبَّر عنهم بالسائلين، وهم
стр. 457
أفضل خلق الله، وأغنى الخلق عن الخلق، فكيف لا نتوسل بجاهه ونحن أفقر الخلق إلى جاهه؟ وبهذا نص صريح بجواز التوسل بالأنبياء وما دونهم من كل مؤمن. الثاني: أبلغ بالتجوز توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج بنصب الميم والراء أو المخرج برفع الميم وكسر الراء. الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم، أي قوله: "بحق" فهذا أبلغ وأعظم بالتذلل على الله تعالى من صيغة الرجاء.
والجواب: أن هذا الحديث من رواية ابن السّني عن بلال ﵁. لا تقوم به حجة باتفاق أئمة أهل الحديث على ذلك لضعف إسناده. فقد قال الشيخ محمد بشير الهندي رحمه الله تعالى في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان": إن القول بصحة إسناد هذا الحديث خطأ بيِّن، وغلط فاحش. فإن هذا الحديث أشد ضعفاً من حديث أبي سعيد الخدري قال النووي في الأذكار: حديث ضعيف، أحد رواته: الوازع بن نافع العقيلي، وهو منفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث. قال الحافظ: والقول فيه أشد من ذلك. فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم وجماعة متروك وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. قال الحافظ: وقد اضطرب في هذا الحديث، فأخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة، من وجه آخر عنه فقال: عن سالم بن عمر عن بلال محل قوله في الطريق الأول عن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال. قال الحافظ: ولم يتابع عليه كذا في الفتوحات الربانية. وفي كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم: الوازع بن نافع العقيلي: أصله من المدينة، سكن الجزيرة، يروى عن سالم بن عبد الله، وأبي مسلمة بن عبد الرحمن. روى عنه أهل الجزيرة وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته. ويشبه أنه لم يكن المعتمد لذلك، بل وقع في روايته لكثرة وهمه. فبطل الاحتجاج بما انفرد به عن الثقات بما ليس من أحاديثهم. حدثنا الحنبلي: قال حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: وازع بن نافع ليس بثقة، ثم نقل عنه أحاديث تكلّم في إسناد بعضها بأنه موضوع أو مقلوب. كذا في الفتوحات الربانية. وقال الذهبي في الميزان:
стр. 458
الوازع بن نافع العقيلي الجزري، روى عن أبي سلمة وسالم بن عبد الله وعنه علي بن ثابت وبقية وجماعة. قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال: ليس بثقة. قال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ، وقال الدارقطني في سننه: الوازع بن نافع ضعيف الحديث، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وهو ضعيف. وقال أيضاً: وهو متروك، وقال: وهو مجمع على ضعفه. انتهى.
هذا من جهة إسناد هذا الحديث الذي قد اتفق أئمة أهل الحديث على ضعفه وعدم جواز الاحتجاج به.
وأما تحريف الملحد لمعناه: فهذا مما لا يخفى بل هو من غزير جهله وضلاله وإتباعه لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠]
стр. 459
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث
...
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على معنى هذا الحديث بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنّة.
قال رحمه الله تعالى: فتقدير ثبوت هذا الحديث فإن: "حق السائلين عليه " أن يجيبهم: "وحق المطيعين له" أن يثيبهم: فالسؤال والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته. فهو من التوسل به، والتوجه والتسبب به ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته تعالى. فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق. كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
وأما قول الملحد: "في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا: الأول توسله ﵊ بالمؤمنين إلى آخر ما قاله في هذا الدليل الباطل والفهم العاطل".
стр. 460
فنقول لهذا الملحد: كذبت. وكذّبت من قلدتهم من المحرفين أمثالك. فإن رسول الله ﷺ لم يتوسل بمخلوق، لا حي ولا ميت، بل أرسله الله تعالى بتحقيق توحيده ، في عبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك قليله وكثيره، وجهاده من أشرك معه أحداً من خلقه، وأحل دماءهم وأموالهم حتى يكون الدين كله لله، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر، الآيتان:٦٥-٦٦] ن وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] . ونصوص الكتاب والسنّة في ذلك كثيرة لا تخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة أمثال هذا الملحد الذي لا يعرف من العبادة مسماها، أو صورة الصلاة والصيام وهي التي خلق الله الخلق لأجلها، وأرسل الرسل لتحقيقها له وحده لا شريك له في جميع أنواعها. فهي ما أجمع عليه علماء أهل السنّة وأئمتهم بأنها أمر جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال. والرسول ﵊ يقول: "الدعاء مخ العبادة" وقد صرف دعاة الشرك لولائجهم من الأموات والغائبين، مخلصين لهم الدعاء من دون الله تعال، مسمين شركهم هذا توسلاً وتشفعاً بهم وقد قادهم هذا الغلو في الأموات إلى إشراكهم مع الله تعالى في خالص عبادته بما لم يصل إليه شرك المشركين قبلهم فقد سفكوا لهم الدماء، وخصوهم بالدعاء، خاشعين لهم، متذللين من دون الله رب العالمين.
وأما قول الملحد: "الثاني: توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج".
فقد جهل هذا الملحج أن المخرج والممشى إلى الصلاة حقيقي لا مجازي. ثم صار يمخرق بتصريف حروف المخرج ليوهم أنه من أهل اللغة، وحاشاها الله، فهو أعدمي أخرق لأنه لا يعرف المجاز من الحقيقة.
وأما قوله: "الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم".
فهذا قد تقدم جوابه قريباً في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
стр. 461
على معنى هذا الحديث. وأما قول الملحد: "فهذا أبلغ وأبلغ في التذلل على الله تعالى من صيغة الرجاء".
فجوابنا عنه: أن هذا ابلغ وأبلغ في وقاحة هذا الملحد وجهله وضلاله، وذلك فيما أسنده إلى سيد المرسلين ﷺ من التدلل على الله تعالى، وفيما تجاوز به حد الأدب نحو العزيز الجبار ﷻ . فهذا الملحد لا يستحق النظر في كلامه فليس عنده من العلم ولا من العقل ما يستحق به ذلك بل هو ضال مضل متبع لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠] .
стр. 462
تضعيف حديث قصة فاطمة بنت أسد
...
وأما قول الملحد: "الحديث الرابع: أخبرني الطبراني وابن حبان والحاكم وأبو نعيم والسيوطي في الجامع الكبير وكلهم عن أنس ﵁، وابن عبد البر عن ابن عباس ﵁: حديث حضوره ﵊ دفن فاطمة بنت أسد والدة علي ﵁، ونزوله في قبرها، وقوله: اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذي من قبلي. انتهى. فهذا رسول الله ﷺ يتوسل بنفسه وبالأنبياء كلهم وكانوا أمواتاً".
والجواب: إن هذا الملحد: ومن قلدهم من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى يتعلقون بالمتشابه بل بالأوهام وبتحريف الكلم عن مواضعه، وبالأحاديث الضعيفة والموضوعة، معرضين عن نصوص الكتابة والسنّة الصحيحة الصريحة عن رسول الله ﷺ في تجريد التوحيد لله تعالى وحده لا شريك له في جميع أنواع العبادة. فهذا الحديث الذي أورده الملحد من رواية الطبرني في الكبير والأوسط: فيه روح بن الصلاح ضعيف. قال الذهبي في الميزان: روح بن صلاح المصري، يقال له: ابن سبابه، ضعفه ابن عدي، يكنى أبا الحارث، ومما يزيد في ضعف هذا الحديث ما روى عن أمثاله في هذا الباب من حديث أبي أمامة، وفيه: "أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك" رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه فضالة بن جبير. وهو ضعيف مجمع على
стр. 463
ضعفه، قال الذهبي في الميزان: فضالة بن جبير أو الهند العداني صاحب أبي أمامة. قال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال يروي أحاديث لا أصل لها. وروى الكناني عن أبي حاتم الرازي قال: ضعيف الحديث. وفي الباب أيضاً حديث أن ابن عباس ﵁ قال: "سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؟ قال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي. فتيب عليه". قال الدارقطني: تفرد به عمرو بن ثابت. وقال يحيى: إنه لا ثقة ولا مأمون. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات. كذا في الفوائد المجموعة للشوكاني. قال الذهبي في الميزان: عمرو بن ثابت أبو المقدام ابن هرمز الكوفي. يكنى أبا ثابت قال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: رافضي. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال هَنَّاد: كتبت عنه كثيراً فبلغني أنه كان عند حبان بن علي، فأخبرني من سمعه يقول: كفر الناس بعد رسول الله ﷺ إلا أربعة. فقيل لحبان: ألا تنكر عليه؟ فقال حبان: هو جليسنا. ولما تكلم عمرو بهذا أخذ يتنادم- يعني حبان- وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت. فإنه كان يسب السلف. وقال الفلاس: سألت عبد الرحمن عن حديث لعمرو بن ثابت؟ فأبى أن يحدث عنه. وفي سؤالات الآجري: سألت أبا داود عنه؟ فقال: رافضي خبيث. وقد روى إسماعيل بن أبي خالد وسفيان عنه كذا. انتهى ملخصاً. قاله الشيخ محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان".
стр. 464
نقض دعوى الملحد أن النبي يتوسل بنفسه وبالأنبياء
...
وأما قول الملحد: "فهذا رسول الله ﷺ يتوسل بنفسه، وبالأنبياء كلهم وكانوا أمواتاً".
فالجواب: أن كلام هذا الملحد مفتاح من مفاتيح الشرك في عبادة الله تعالى يضللون به الجهلة من هذه الأمة. ومَنْ أغواهم الشيطان من الدعاة أمثالهم، فهذا الحديث لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، كما تراه في كلام أئمة الحديث على أسانيد هذه الحديث الثلاثة التي هي متفقة نصاً ومعنى. ولو قدر ثبوتها لكان معناها ما وافق نصوص الكتاب والسنّة، لا ما تأوله دعاة الأموات
стр. 465
المحرفون للكلم عن مواضعه. وقد أقر الملحد بموت الأنبياء، بعد ما كان ينكره هو وشيخاه دحلان والنبهاني. ويقولون: إنهم أحيوا بعد موتهم، وردوا إلى حياتهم الدنيا، إلا أنّا لا نراهم، وأنهم يسمعون دعاء من يدعوهم وسؤال من يسألهم. إلى آخر هذيانهم الباطل ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر، الآية:٢] .
стр. 466
نقض دعوى الملحد في حديث الأعمى والكلام على ضعفه ومعناه
...
قال الملحد: "الحديث الخامس: أخرج الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني عن عثمان بن حنيف ﵁: "أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال له: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، وهو خير لك. قال الرجل: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو الله بقوله: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي. اللهم شفعه في، فعاد الرجل، وقد أبصر". انتهى. وأخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه وابن ماجه والحاكم في المستدرك والسيوطي في الجامعين، وشاع هذا الدعاء بين الصحابة حتى استعملوه فيما بينهم.
والجواب: أن هذا الحديث غير صحيح فإن رواته مختلفون في سنده ومتنه، مع أنه لم يذكر في شيء من الكتب المعتمدة. بل جاء ذكره في بعض الكتب التي تذكر فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة على وجه التنبيه. وأيضاً في سنده أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: الأكثرون على ضعفه. وقال الفلاس: سيئ الحفظ. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال أبو زرعة: يهم كثيراً. هذا بعض ما قيل في سند هذا الحديث.
وأما ما قيل في معناه من القول الذي يفصل الباطل عن الحق: فهو ما ذكره العالم الجليل السيد محمود شكري الألوسي في كتابه "فتح المنان" تتمة منهاج التأسيس. قال رحمه الله تعالى في الكلام على حديث عثمان بن حنيف هذا.
والجواب: أن هذا الدليل لا يفيد العراقي شيئاً، بل هو من نمط ما قبله. وببيان معنى الحديث يعلم ذلك. فقوله: "اللهم إني أسألك" أي اطلب منك
стр. 467
"وأتوجه إليك بنبيك محمد" صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعاً منه، لكون التعليم من قبله. وفي ذلك قصر السؤال الذي هو الدعاء على الله تعالى الملك المتعال، ولكنه توسل بالنبي، أي بدعائه. ولذا قال في آخره: "اللهم شفعه فيَّ" إذ شفاعته لا تكون إلا بدعائه قطعاً، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى. إذ التوسل بقوله "بنبيك" كاف في إفادة هذا المعنى. فقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" قال الطيبي: الباء في "بك" للاستعانة. وقوله: "إني أتوجه بك" بعد قوله: "أتوجه إليك" فيه معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة، الآية:٢٥٥] فيكون خطاباً لحاضر معاين في قلبه، مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه، الذي هو عين شفاعته. ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك: أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه. فكأنه استحضره وقت ندائه ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية، والقرائن الاعتبارية. فقوله: "في حاجتي هذه، لتقضى له" أي ليقضيها لي ربي بشفاعته، أي بدعائه. وذلك مشروع مأمور به. فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه الدعاء، وكان يدعو لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلاً صالحاً فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلب من الأدنى الدعاء له، كما طلبه النبي ﷺ عن عمر بن الخطاب ﵁ في عمرته بأن قال له: "لا تنسانا يا أخي من دعائك" قال عمر ﵁: ""ما يسرُّني أن لي بها حمر النعم" قال العلامة المناوي: سأل الله أولاً أن يأذن لنبيّه أن يشفع. ثم أقبل على النبي ملتمساً شفاعته له، ثم كرَّ مقبلاً على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في "بنبيك" للتعدية وفي "بك" للاستعانة. وقوله: "اللهم فشفعه بي" أي اقبل شفاعته في حقي والعطف على مقدر. أي اجعله شفيعاً لي فشفعه. وكل هذه المعاني دالة على وجود شفاعته بذلك. وهو دعاؤه ﷺ له بكشف عاهته وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء، بل هو نداء الحاضر. والدعاء أخص من النداء إذ هو نداء عبادة شامل للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله. وإنما المحظور
стр. 468
السؤال بالذات، لا مطلقاً. بل على معنى: أنهم وسائل الله تعالى بذواتهم وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور. وإذا اعتقد أنهم وسائل لله بذواتهم يُسأل منهم الشفاعة للتقريب إليه، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون.
فتبين: أنه لا دلالة في الحديث على جواز الاستعانة بالنبي أصلاً. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" والميت لا يُطلب منه شيء، لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ ليدعو له، ليرد الله عليه بصره. فعلمه النبي ﷺ دعاء، أمره فيه: أن يسأل الله قبول شفاعه نبيِّه فيه. فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته. وأن قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وشفاعته. كما قال عمر ﵁: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ "التوسل" و"التوجه" في الحديثين بمعنى واحد. ثم قال: "يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها. اللهم فشفعه فيّ" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه ﷺ . وقوله: "يا محمد يا نبي الله" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيما يخاطب المشهود في القلب، كما يقول المصلي: "السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً، يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. فلفظ "التوسط" بالشخص، و"التوجه" به، و"السؤال به" فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة ﵃. يراد به التسبب به، لكونه داعياً وشافعاً مثلاً. ولكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره مقتدياً به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له وإتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته. فلا يكون التوسل منه ولا من السائل، بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك السؤال بشيء، قد يراد به: المعنى الأول. وهو التسبب لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام. إلى آخر ما قاله. انتهى.
стр. 469
كذب الملحد في دعوى عمل الصحابة بحديث الأعمى
...
وأما قول الملحد: "وشاع هذا الدعاء بين الصحابة حتى استعملوه فيما بينهم".
فهذا من تلفيق هذا الملحد وأكاذيبه التي لا يرى له عليها حسيباً في الدنيا، ولا محاسباً في الآخرة. لذلك لا يعصب عليه الافتراء على أصحاب رسول الله ﷺ . جازاه الله بما يستحقه.
وأما قول الملحد "السادس: روى البيهقي وابن أبي شيبة "أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁، فجاء بلال إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فإنهم هلكوا. فسقاهم الله في الحال".
стр. 470
تحريف الملحد للمنام بجعله حديثا
...
فالجواب: أن ما يسميه هذا الملحد حديثاً عن رسول الله ﷺ فليس هو بحديث عن المصطفى عليه ﷺ . بل هو رؤيا منام، وحلم من الأحلام فضلاً عن أن راويه متهم بالزندقة، وأن عامة أحاديثه التي يرويها منكرة، فلا تعارض بحديثه هذا نصوص الكتاب والسنّة وعمل الصحابة ﵃، حيث روى البخاري عدولَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الاستسقاء برسول اله ﷺ ، بعد وفاته، إلى الاستسقاء بعمه العباس ﵁. وتبعه على ذلك جميع الصحابة رضوان الله عليه أجمعين مما دل على أن الاستسقاء بدعائه لا يشخصه وعلى هذه السنّة درج جميع الصحابة ومن اقتفى أثرهم إلى يومنا هذا ولا يزال إلى يوم القيامة لمن اهتدى بهديهم.
стр. 471
قصة رؤيا بلال بن الحارث مكذوبة
...
وأما الكلام على سند هذا الحديث: فقد قال الشيخ الجليل محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان"- بعدما ساق هذا الحديث- أقول: قال الحافظ في الفتح: وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري- وكان خازن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استق لأمتك. فإنهم قد هلكوا. فأُتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر ... الحديث" وقد روى سيف في الفتوح: أن الذين رأى
стр. 472
المنام هو بلال بن الحارث المزني، أحد الصحابة. انتهى. فعلم أن ما روى بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة. وما فيه: أن الجائي "أحد الصحابة" ضعيف غاية الضعف. قال الذهبي في الميزان: سيف بن عمر الضبي الأسدي- ويقال التيمي البرجمي، ويقال السعدي الكوفي، مصنف الفتوح والردة وغير ذلك هو كالواقدي، يروى عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر، وجابر الجعفي وخلق كثير من المجهولين. كان إخبارياً عارفاً. روى عنه عبادة بن المغلس وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي وجماعة. قال عباس الدوري عن يحيى: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه منكرة. وقال مكحول البيروتي: سمعت جعفر بن أبان سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبي تميمي، وكان جميع ما يقول: حدثني رجل من بني تميم، وكان سيف يضع الحديث، وقد اتهم بالزنادقة. انتهى ملخصاً. وقال الحافظ في التقريب: سيف بن عمر التميمي صاحب الردة، ويقال له: غير ذلك، الكوفي ضعيف في الحديث عمدة في الأخبار، أفحش ابن حبان القول فيه. وقال الذهبي في الكاشف: قال ابن معين وغيره: ضعيف. وقال في الخلاصة: سيف بن عمر الأسدي الكوفي- صاحب الردة عن جابر الجعفي، وأبي الزبير، وعن: محمد بن عيسى الطباع وأبو معمر الهذلي- ضعفوه، انتهى.
هذا ما قيل في سند هذا الحديث، مع ما ثبت فيه من معنى التوسل الذي دل عليه عمل الصحابة ﵃. فبطل ما قصده هذا الملحد من التمويه والكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، وفتح أبواب الشرك في عبادة الله تعالى، فبعداً للقوم الظالمين.
стр. 473
تحريف الملحد في توسل عمر بالعباس
...
قال الملحد: "السابع: روى البخاري في الاستسقاء عن أنس ﵁: أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁، وهو عام الرَّمادة، فأخذ عمر بيد العباس ﵄، والناس خلفهما، فوقف وتوسل لله تعالى بحرمة نبيّه ﵊، فما قفلوا حتى سقاهم الله". قال
стр. 474
القسطلاني في شرح هذا الحديث: إن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فافتدوا به في عمه، واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى".
والجواب: إن هذا الملحد يتعمد الكذب والمغالطة، لترويج باطله الذي يدعو إليه، من إشراك المخلوق مع الخالق ﷻ ، في عبادته التي خلق الله الخلق من أجلها، فقد اختلق هذا القول من عنده وافتراه بمنتهى الوقاحة والفجور، وظن أن الناس كلهم على مثل جهله وضلاله وعمى قلبه، وتجاهل أن نسخ صحيح البخاري لا يكاد يخلو منها بيت. وأن من السهل اليسير على كل مسلم أن يفتح صحيح البخاري ليجد فيه في "باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا" ويقرأ ما يصفع هذا الملحد على وجهه الأسود الكالح، فيزيده سواداً. فإن نص الحديث فيه: عن أنس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن المطلب. فقال: اللهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون". وشتان بين هذا القول الصحيح وبين الظلمات التي افتراها هذا الملحد ونسبها إلى البخاري. فهذا الحديث في دعاء الأحياء بينهم حاضر لحاضر، فهو حدة لنا على بطلان دعاء الأموات، مقتدين بعمل أصحاب نبينا ﵊. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي: وقد أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فاستسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته. وهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه، كالإمام والمأمومين. من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما أنه ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق. ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستقوا به. وانتهى.
стр. 475
وقال الحافظ في الفتح: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك. فأخرج بإسناد له: "أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة. وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاستقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الحبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس" انتهى.
وأما ما ذكره عن القسطلاني فمردود عليه، إذ لم يذكره بسند يرجع إليه، ولم يذكره أيضاً عن أحد من المحققين يعتمد عليه، فلا يلتفت إليه.
стр. 476
كذب حديث توسل آدم برسول الله
...
قال الملحد: "الثامن: حديث استغائة آدم بالرسول ﷺ " وهذا الحديث من نوع المتواتر عند جمهور المفسرين والمحدثين بطرق عديدة عن عمر ﵁، والحجة البالغة في هذا الحديث: هي أن الرسول عليه الصلاة السلام كان في عالم الغيب، فهذا أبلغ في الحجة مما كان بعد وفاته".
والجواب: أن هذا الحديث وحديث قول الله تعالى لآدم: "لولا محمد ما خلقتك" وما في معناهما من هذه الروايات، كلها كذب موضوعة. ما أنزل الله بها من سلطان. فحقيقة الاستغاثة: هي الدعاء الذي هو مخ العبادة. وأما أصل خلق هذا العالم: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات، الآية:٥٦] والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] .
وأما قول الملحد في هذا الحديث: "إنه من نوع المتواتر عند جمهور المفسرين والمحدثين بطرق عديدة عن عمر ﵁".
فهو قول لا أصل له يرجع إليه. فلذلك لم يذكر الملحد سند هذا الحديث، ولا واحداً من رواته عن عمر بن الخطاب ﵁. فلو أفصح عن رواة هذا الحديث وطرقه- كما يقول- لنكص على عقبه. ولعرف أن له حظاً وافراً من قوله ﷺ : من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد
стр. 477
الكاذبين". فهذا الحديث وطرقه ورواته قد قابله أئمة أهل السنّة وأئمة أهل الحديث بالنبذ والسخرية كما ذكر ذلك الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: "اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح" وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه عن جده: أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم, فهذا عبد الرحمن بن زيد هو راوي حديث استغاثة آدم بمحمد، وحديث "لولا محمد ما خلقتك".
وأما ما قاله أئمة أهل الحديث في هذا الحديث أيضاً: فقد قال الشيخ محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" جواباً على هذا الحديث، أقول: العجب من المؤلف أنه ينقل عن الذهبي ما قال في وصف كتاب "دلائل النبوة" ولم يذكر ما قاله في حق هذا الحديث بالخصوص. قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً. فيه: "يا آدم لولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي في دلائل النبوة. قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لم أعرفهم. وقال أيضاً في " الصارم المنكي" وإني لأتعجب منه، كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل. وفيه قول الله لأدم: "لولا محمد ما خلقتك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل حديث ضعيف الإسناد جداً. وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع. وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه. ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه، وتناقض تناقضاً فاحشاً، كما عرف له ذلك في غير موضع. فأنه قال في كتاب الضعفاء- بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم- وقال: ما حكتيه عنه فيما تقدم: أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. وقال في آخر هذا
стр. 478
الكتاب: فهؤلاء الذي قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة. فهم الذين أُبيِّن جرحهم لمن طالبني به. فإن الجرح لا أستحله تقليداً والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذي سميتهم. فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ : "من حديث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك. وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ : "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين". ثم إنه ﵀ لما جمع المستدرك ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، بل والموضوعة، جملة كثيرة. وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء، وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل وذكر بعضهم: أنه حصل تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد. انتهى.
وأما قول الملحد: "والحجة المبالغة في هذا الحديث: هي أن الرسول ﵊ كان في عالم الغيب فهذا في الحجة مما كان بعد وفاته".
فالجواب: أن هذا الحديث ضعيف، بل محكوم عليه بالوضع. فحجة هذا الملحد فيه: أبلغ وأبلغ بالوضع والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ .
стр. 479
تحريف الملحد في استدلاله على دعاء الموتى بحديث الشفاعة
...
قال الملحد: "التاسع: رواه البخاري وجمهور أهل الحديث في حديث الشفاعة: أن الخلق بينما هم في هول يوم القيامة استغاثوا بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى، وكلهم يعتذرون، فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه فيقول: أنا لها. أنا لها ... الحديث" وقد سلم ابن تيمية بهذا الحديث وما كابر بإنكاره".
والجواب: أن هذا الحديث لا يحتج به على جواز دعاء الأموات والغائبين
стр. 480
وسؤالهم ما لا يجيب فيه المضطر إلا رب العالمين، إلا كل جاهل أحمق، ضال مضل عن سبيل المؤمنين. فإن هذا الحديث يخبر عن يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع فيه كل ذات حمل حملها. وترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، يوم تشخص فيه الأبصار إلى العزيز الجبار وحده، يوم يفزع العباد فيه جميعاً إلى ربهم الواحد الأحد، مخلصين له الدعاء مقدمين فيه إمامهم محمداً المصطفى عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل صلاة وسلامه، طالبين منه رفع هذا الدعاء إلى ربهم أرحم الراحمين، راجين منه كشف هول هذا الموقف العظيم، الذي تبيضّ فيه وجوه الموحدين، وتسودّ فيه وجوه دعاة الأموات والغائبين. موقف الفصل والجزاء، إما نعيم مقيم أو عذاب أليم. فأين حجة دعاة الأموات في هذا اليوم العظيم؟ فقد خاب تضليلهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه.
هذا هو جوابنا على استدلالهم بهذا الحديث على جواز دعاء الأموات والغائبين.
стр. 481
أقوال علماء السلف في حديث الشفاعة
...
وأما ما أجاب به بعض العلماء المحققين: فقد قال الشيخ الجليل محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان، عن وسوسة دحلان"- لما ساق حديث الشفاعة- أقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
أحدهما: أن يستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعاً صائلاً، أو لصاً أو نحو ذلك. ومن ذلك: طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض. وهذا لا خلاف في جوازه. والاستغاثة الواردة في حديث المحشر: من هذا القبيل. فإن الأنبياء الذين تستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم: أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب، والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على
стр. 482
الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.
والثاني: أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق: إنه منكر غير جائز. انتهى.
وقال الشيخ الجليل محمود شكري الألوسي في كتابه "فتح المنان" لما ساق حديث الشفاعة:
والجواب: أن استغاثة الناس بالنبي ﷺ وبآدم ثم بنوح، ثم بموسى- إلى آخر الحديث- فهذه شفاعة بالدعاء واستغاثة بما يقدر عليه المستغاث، مستحسنة عقلاً وشرعاً. ومن ذلك: الرفقة يستغيث بعضهم بعضاً، أي في مهماتهم التي يقدرون عليها. وكذلك ما طلب الناس من شفاعة النبي ﷺ التي هي الدعاء. ولذلك يقول سيد الشفعاء ﷺ في آخر الحديث: "فأجيء فأسجد" وأن الله تعال يلهمه من الثناء والدعاء شيئاً لم يفتحه لغيره ﷺ . فعند ذلك يأذن الله له في الشفاعة. ويقول له كما ورد في الحديث: "يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع" وهذا ظاهر جداً. انتهى.
وأما قول الملحد: "وقد سلم ابن تيمية بهذا الحديث وما كابر بإنكاره".
فنقول لهذا الملحد: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يكابر بإنكار الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ . بل يحميها عن تحريف المحرفين، وتأويل المبطلين أمثالك، وأمثال من قلدتهم على عمى، دحلان والنبهاني ويكابر أشد المكابرة في إنكار أحاديثكم الموضوعة التي لا أصل لها عن الله ولا عن رسوله ﷺ . بل هي دعاية شيطانية، لتشريك المخلوق مع الخالق دل جلاله في خالص عبادته. الذي هو الدعاء، ألست أيها الملحد العدو الألد لسنّة رسول الله ﷺ وحًملتها، إذ تحرم العلم بنصوصها؟ هل ترمي من يدعو إليها بالزندقة، ألست القائل في رسالتك هذه الضالة: "وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع فهذا هو المغالطة. لأنا بينما كنا نباحثكم على إجماع الفقهاء والتعامل، التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرونا متى أجمعت الأمة
стр. 483
على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم على البخاري، أو غيره؟ " ألست القائل: "إن أئمة أهل الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها. فإذا وجدتهم حديثاً في البخاري وغيره في مسألة، ومثله في موطأ مالك مثلاً أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص. فأنَّى لكم معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها. وأنتهم لا تجدون في كتب بالحديث بياناً، ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والتخرص؟ فهذه زنذقة لا إسلامية" انتهى. المراد منه للإشارة إلى عداوة هذا الملحد لأئمة أهل الحديث، وتحريمه أخذ الأحكام من نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي خص منها صحيح البخاري، جازاه الله تعالى بما يستحقه.
стр. 484
تحريف الملحد في استدلاله بحديث "يا عباد الله احبسوا "
...
قال الملحد: "العاشر: روى الطبراني عن زيد بن عقبة أن النبي ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً، أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله، أعينوني، فإن لله عباداً لا يراهم" انتهى.
والجواب: إن هذا الملحد مغالط، يتعلق بما ليس له به حجة. فإن ما يفيده هذا الحديث- على تقدير ثبوته- هو نداء حي حاضر لحاضر. إما من الملائكة الموكلين أو من مسلمي الجن، أو من غيرهم ممن سخرهم الله لذلك. وهذا النداء لما هم قادرون عليه، لا نداء على شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى. فأين هذا من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم ما لا يجيب المضطر فيه إلا رب العالمين؟ فإن هذا هو التحريف مع قلب الحقائق لا يخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى، أمثال صاحب هذه الرسالة الضالة.
وقد قال الشيخ العالم الجليل محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" لما ساق هذا الحديث أقول: قال في مجمع الزوائد: وعن
стр. 485
عتبة بن غزوان نبي الله ﷺ : "إذا أراد أحدكم شيئاً أو أراد عوناً، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله، أعينوني، يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، فإن لله عباداً لا نراهم" وقد جرب ذلك رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، لأن زيداً بن علي لم يدرك عتبة. انتهى.
فالحديث ضعيف بسبب الانقطاع، فادعاه المؤلف فيما تقدم صحته ليس بشيء، وعلى تقدير ثبوته: فليس فيه إلا نداء الأحياء والطلب منهم لما يقدر هؤلاء الأحياء عليه. وذلك مما لم يجحده أحد وذكر هذا الحديث أيضاً في نداء الجمادات دال على أن ذاكره ليس له حظ من العقل. انتهى.
فهذا الحديث ليس فيه حجة ولا أدنى شبهة لما يتعلق به هذا الملحد ومن قلدهم على جواز دعاء الأموات والغائبين، وتسميته توسلاً بهم.
وما أورده من هذه الأحاديث العشرة، كلها دائر بين الضعيف والموضوع، مع تحريف معانيها عن مواضعها. فدعوى هذا الملحد باطلة، مبنية على فهمه العاطل، وزعمه الباطل من إشراك المخلوق مع الخالق تعالى في خالص عبادته الذي هو الدعاء.
وأما قوله الملحد: "فهذه عشرة من مئات الأحاديث، في كل واحد منها معنى من معاني التوسل".
فالجواب: أن هذه دعوى كاذبة، لا أصل لها إلا المغالطة لإشراك المخلوق، مع الخالق ﷻ في خالص عبادته التي هي الدعاء.
стр. 486
كفر الحاج مختار بضربه الأمثال لله بخلقه
...
وأما قول الملحد: "وأزيدك إقناعاً بمثلٍ أضربه لك من نفسك" إلى آخر كلامه القبيح الوقح.
فقد تكرر منه ضر بالأمثال لله عز وجلاله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فإن أعمال هذا الملحد وأقواله تحقق له الوقوع فيما حذر عنه من الوقوع في الحفرة التي وقع فيها إبليس، وهو يحسب أنه يحسن
стр. 487
صنعاً. كما أنه أيضاً يحذر عن دسائس الشيطان، مع أنه هو أكبر دسيسة للشيطان يدعو إلى الشرك في عبادة الله تعالى. وهي التي خلق الله الخلق من أجلها. يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية:٥٦] ومخ العبادة هو الدعاء الذي يدعو هذا الملحد لصرفه للأموات الغائبين من دون اله رب العالمين.
стр. 488
ضلال الملحد وسادته في معاني الاستشفاع والاستغفار والتوسل
...
وأما ما نقله الملحد عن الشعراني عن الفتوحات المكية: فليس هو مما نحن فيه بل نقابله بالسخرية والتكذيب.
وأما قول الملحد: "البحث الرابع في الاستغفار والاستشفاع، وإن كان فيما تقدم عن التوسل كفاية لإثبات جواز الاستغفار والاستشفاع، لكني رأيت في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵊ ما انفرد معناه عن معنى التوسل الذي يذهب إليه العوام، فأفردته في هذا البحث.
стр. 489
نحريف الملحد لآيات القرآن في الاستشفاع والاستغفار والتوسل
...
سؤال: هل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف وقوع الاستغفار والاستشفاع من الأنبياء وغيرهم؟ فإن قلت: نعم، قلنا: حيث إن الوهابية وإخوانهم لا ينكرون هذا النوع لكنهم يحظرون طلبه بواسطة أحد. فهل جاء بالقرآن العظيم والحديث الشريف ما يبيح الطلب؟
الجواب: إن كلام النوعين وارد في القرآن العظيم والحديث الشريف. وفي بعض ما جاء فيهما ليس إباحة فقط، بل أمر بالطلب، ولا يخفاك أن كل ما جاء بصيغة الأمر ق يكون فرضاً وقد يكون واجباً، وإليك بيان كل نوع على الترتيب:
النوع الأول: الشاهد الأول. قال الله تعالى في سورة المؤمن: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر، الآية:٧] إلى آخر الآيات الثلاث. ففي هذه الآيات: جمع الأمور الثلاثة، التوسل بقولهم "ربنا وسعت كل شيء" وطب المغفرة بقولهم: "فاغفر" والشفاعة بقولهم "وأخلهم وقهم السيئات" فهذا ما أخبر الله به عن حملة عرشه
стр. 490
وغيرهم ومثل هذه في أول سورة الشورى.
والثاني: قال الله تعالى في سورة الشعراء على لسان خليله إبراهيم عليه السلم: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء، الآيتان:٨٦-٨٧] فهذا الخليل ﵇ مع علمه بإصرار أبيه على الشرك ما ترك الإلحاح على ربه بنجاة أبيه".
والجواب: إن كلام هذا الملحد لا يسمى تأويلاً ولا تحريفاً، بل هو تلفيق وقلب للحقائق، يليق بكل جاهل أعمى، أمثال هذا الملحد. فإنه يسمي ما يدعو إليه من الشكر الأكبر الذي هو دعاء الأموات والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، مع إخلاص الدعاء لهم ن دون الله تعالى توسلاً وتشفعاً واستغفاراً، وما شاء من المغالطات، متمسكاً بذكر الأسماء، مع قلب الحقائق متبعاً لهواه، ولنزعات شيطانه، الذي أعمى بصره وبصيرته عن سلوك الصراط المستقيم. فهذا الملحد من المجادلين بالباطل ليدحضوا الحق به.
انظر إلى خبطه وتخليطه فيما يصروه من السؤال والجواب، اللذين يريد بهما صرف نصوص الكتاب والسنة العزيز والسنّة المطهرة عن مواضعها رأساً على عقب، عامداً متعمداً لهذه المغالطة الباطلة لما يدعو إليه من الشرك في خالص عبادة الله تعالى، بل مخها الذي هو الدعاء، حيث يقول في هذا البحث الفاسد:
سؤال: "هل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف وقوع الاستغفار والاستشفاع من الأنبياء وغيرهم لأحد من الناس؟ فإن قلت: نعم، قلنا: حيث إن الوهابية وإخوانهم لا ينكرون هذا النوع لكنهم يحظرون طلبه بواسطة أحد. فهل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف ما يبيح الطلب؟ ".
الجواب: إن كلا النوعين وارد في القرآن العظيم والحديث الشريف. وفي بعض ما جاء فيهما ليس إباحة فقط، بل أمر بالطلب. ولا يخفاك أن ما جاء
стр. 491
بصيغة الأمر قد يكون فرضاً وقد يكون واجباً. إليك بيان كل نوع على الترتيب. النوع الأول، الشاهد الأول: قال الله تعالى في سورة المؤمن".
إلى آخر ما أورده من الآيات والأحاديث في بحثه هنا. فهذه الآيات والأحاديث ليس فيها حرف واحد يشهد لما زعمه هذا الملحد، بل كلها آيات محكمات مصدرة بذكر دعاء ملائكة الرحمن من حمله عرشه ومن حوله، وعن أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين. يخبر تعالى عنهم بأنهم يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، وعن خليله إبراهيم ﵇ ودعائه لأبيه. إلى آخر هذه الآيات التي كلها تشهد بخالص التوحيد لله تعالى من ملائكته وأنبيائه ورسله، وعباده المؤمنين، وبخالص العبادة لله تعالى. فلم يجعلوا بينهم وبين الله تعالى واسطة، ولا وسيلة، ولا شفيعاً، ولا ملكاً، ولا نبياً ولا ولياً، ولا سيداً ولا بدوياً بل وحدوا الله الواحد الأحد في خالص عبادته، كما حققتها أيضاً هذه الأمة المحمدية مستجيبة لقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] ولقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر، الآية:٦٠] فهذا ما أرسل الله به رسله إلى خلقه أجمعين، وعلمه لملائكته المقربين، وحملة عرشه الأقربين، ليدعوا به الحاضر للغائب، والآخر للأول، والفاضل للمفضول، موحدين الله تعالى لا يشركون معه أحداً من خلقه، حتى جاءنا مختار العظمى الجاهل الأحمق يقول في رسالته هذه الضالة الباطلة:
"سؤال: فهل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف ما يبيح الطلب؟ " ويعني بالطلب: دعاء الأموات والغائبين، وسؤالهم ما لا يجيب المضطر فيه إلا رب العالمين. يقول أيضاً في جوابه: "إن كلا النوعين ورد في القرآن العظيم والحديث الشريف" ويعني بالنوعين: ما يسميه توسلاً وتشفعاً.
стр. 492
ويزيد على ذلك قوله: "وفي بعض ما جاء في القرآن والحديث الشريف ليس إباحة فقط، بل أمر بالطلب. ولا يخفاك أن كل ما جاء بصيغة الأمر قد يكون فرضاً وقد يكون واجباً، وإليك بيان كل نوع على الترتيب. النوع الأول: الشاهد الأول: قوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر، الآية:٧] إلى آخر الآيات الثلاث، ففي هذه الآيات: جمع الأمور الثلاثة، التوسل بقولهم: "ربنا وسعت كل شيء" وطلب المغفرة بقولهم" "فاغفر" والشفاعة بقولهم: "وأدخلهم، وقهم السيئات".
هذا ما يقوله الملحد في تقسيمه لحروف هذه الآيات المحكمات إلى الأسماء التي يتعلق بها هو ومن قلدهم من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى.
فالتوسل والتشفع والاستغفار: هي من الألفاظ التي يموهون بها على الجهال، ويقلبون بها الحقائق على أمثالهم ممن استهوتهم الشياطين، والذين هم من سائمة الأنعام. وهكذا يتصرف هذا الملحد في جميع هذه الآيات والأحاديث التي أوردها في هذا البحث تحريفاً، وقلباً لحقائقها رأساً على عقب لما يدعو إليه من الشرك الأكبر في عبادة الله تعالى.
فكل مطلع على كلام هذا الملحد ممن أعطاهم الله تعالى علماً نافعاً، وإيماناً صادقاً، يعلم علماً يقيناً: أن هذا الملحد مسلوب العقل والإيمان لما أقدم عليه من قلب معاني كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ عن مواضعهما. ولولا التنبيه على زيغه وضلاله، لئلا يغتر به بض الجاهلين ما كان يستحق النظر في خرطه وتخليطه، الذي لم يسبقه إليه جاهل قبله. وقد شهد بذلك على نقسه حيث يقول: "وهذا استنباط لم أره في كلام أحد.
وفي هذا التنبيه كفاية لكشف ضلاله وافترائه على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ لمن هداه الله ونوّر بصيرته.
стр. 493
كذب الملحد وشيعته على الوهابيين بدعوى تحريم الصلاة على رسول الله
...
ثم قال الملحد: "البحث الخامس: في الصلاة على الرسول عليه الصلاة
стр. 494
والسلام. قد علمت مما تقدم: أن الوهابيين وإخوانهم قالوا بتحريم الصلاة على الرسول ﵊، وتكفير من يفعل ذلك. وهذا كفر صريح منهم". إلى آخر بحثه.
والجواب: أن نقول: سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم، لا يصدقه عاقل، ولا يسيغه من في قبله وزن ذرة من إيمان. فهو اختراع شيطان رجيم نبرأ إلى الله تعالى منه ومن مخترعه الأثيم، ونؤمن بالله وكتبه ورسله، ونشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمداً لصلى الله عليه وسلم أفضل خلق اله أجمعين، وسيد ولد آدم، وأن الله تعالى صلى الله عليه وملائكته، وأمر عباده المؤمنين بالصلاة والتسليم عليه، وأن من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، اللهم صل وسلم عليه، بعدد من صلى وسلم عليه، وبعدد من غفل عن الصلاة والتسليم عليه إلى يوم الدين، اللهم صلى وسلم على سيد المرسلين، وإمام الحنفاء الموحدين، صلاة دائمة إلى يوم الدين، وإن رغم أنف الحاج مختار العظمي، الكذاب الأثيم، والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.
وأما قول الملحد: "قال السيد أحمد دحلان: وحاصل مذهب أهل السنّة والجماعة والشيعة أيضاً: صحة التوسل وجوازه بالنبي ﵊ في حياته وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، كما دلت عليه الآيات والأحاديث التي لا تحصى، لأنا معاشر أهل السنّة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً، ولا نفعاً، ولا ضراً، لغير الله وحده. ولا فرق عندنا في التوسل بالنبي وغيره، كما لا فرق بين كونهم أحياء أو أمواتاً، لأنا نعلم أن لا تأثير لهم بشيء، وتوسلنا بهم هو لكونهم مقربين عند الله مكرمين لديه، ولا نرتاب بأن جاههم عند الله محفوظ بعد موتهم، كما كان في حياتهم، وهذا ليس منه شيء من الشرك، لكن الشرك المحض: هو عند من يحوزون التوسل بالأحياء دون الأموات. ويعتقدون أن لهم تأثيراً، وبيدهم نفع وضر، بل يعتقدون تأثير الأعراض والجمادات كالعَدْوَى والتوسل والتشفع والاستغاثة كلها عندنا بمعنى واحد، والفاعل المطلق: هو الله تعالى. انتهى".
стр. 495
والجواب: أن هذا الملحد: مقلد أعمى، فقد حشا رسالته هذه الباطلة بأكاذيب دحلان وضلالالته، التي كلها زور وافتراء على كتاب الله تعالى، وعلى سنّة رسوله صلى الله ليه وسلم، وعلى مذهب أهل السنّة والجماعة، فيما ينسبه إليهم من الأدلة على جواز دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء والصالحين، وتسميته توسلاً.
فيقال لهذا الملحد الكذاب: فأين من هذه الآيات والأحاديث التي تقول عنها: "أنها لا تحصى، وإنها تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين؟ " فهلا ذكرت آية واحدة أو حديثاً واحداً يدلان على جواز ما تدعيه من إشراك المخلوق مع الخالق، ﷻ ؟ فاقصر فَضَّ الله فاك، وكفى المسلمين شرَّك وشر كل أفاك أثيم.
следующие страницы →