← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كذبه على الله بأن الشرع أباح التوسل ... فقول هذا الملحد "والشرع ما أنكره بل أباحه" ويعني به: توسل عباد القبور الذي هو دعاء الأموات من دون الله تعالى: قول مكابر لا يخشى في الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ لومة لائم. فقد جهل هذا الملحد أو تجاهل أن ما أرسل الله تعالى به رسله من أولهم إلى آخرهم، إنما هو الدعوة إلى عبادته تعالى وحده، حيث يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] و"العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال. فالدعاء: عبادة، بل مخ العبادة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر، الآية:٦٠] كما أن العكوف حول القبور، وتقبيل الأبواب، والأعتاب، والجدران والنذر لساكنيها عبادة، وتقريب القرابين لهم عبادة، واعتقاد النفع والضر منهم وفيهم عبادة. وغيرها كثير من أعمال عباد القبور التي صرفوها لولائجهم من دون الله تعالى كلها عبادة، وإن سموها بما شاؤوا من

стр. 422

الأسماء التي منها التوسل والوسيلة، متعلقين بالأسماء، مع قبل الحقائق لتضليل الجهلة ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام، الآية:١٣٢] .

стр. 423

فصل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " ... وقد كتب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ننقل منها ما يلزم نقله لموضوعنا هذا. قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: (فصل) إذا عرف هذا: فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه، ويعطي كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنّة من ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به الصحابة ﵃ ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فضل الخطاب. فلفظ "الوسيلة" مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ﴿المائدة، الآية:٣٥] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء، الآيتان:٥٦-٥٧] فالوسيلة التي أمر الله بها. أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها، تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً. فالواجب والمستحب هو ما شرعه الله ورسوله ﷺ فأمر به أمر إيجاب، أو استحباب. وأصل ذلك: الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه بإتباع ما جاء به الرسول ﷺ لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : "سلوا الله لي

стр. 424

الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" وقوله: "من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت عليه الشفاعة" فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجوا أن يكون ذلك العبد وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول ﷺ وأخبرنا أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل. فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: "إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً". وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة ﵃: فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به، كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يٌعتقد فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ: "التوسل" يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين. ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنّة، فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء: فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني: دعاؤه وشفاعته، كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين. ومن هذه قول عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" أي بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة، الآية:٣٥] أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية:٨٠] فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.

стр. 425

وأما التوسل بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به بعد موته إلى التوسل بعمه العباس. ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس. فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته ﷺ ، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له. فإنه مشروع دائماً فلفظ "التوسل" يراد به ثلاثة معان: أحدها: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة، يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته: فهذا هو الذي لم تكن الصحابة ﵃ يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته عليه الصلاة السلام، لا عند قبره ولا قبر غيره. ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل بشيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: أنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل الله بمخلوق، ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك، قاله أبو الحسن القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة. وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقاً. انتهى المقصود منه. وبما أوردناه من تحقيق معنى "الوسيلة والتوسل" الوارد ذكرهما في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ لطالب الحق، وبيان لبطلان كل ما يتعلق به دعاة الوثنية ويغالطون به من ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق، وكشف لضلال هذا

стр. 426

الملحد المخلط المتناقض فكيف تحمد العصمة من ناموسه هذا وهو الذي ألبسه خيري الدنيا والآخرة؟ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر، الآية:٣١] . وأما قول الملحد: "فانظر ما أقبح تناقض الوهابيين وإخوانهم، فمن جهة تراهم يعتقدون تأثير الأعراض ومن جهة يمنعون التوسل بالأنبياء". والجواب: أن الوهابيين متمسكون بكتاب ربهم وسنّة نبيّهم ﷺ ومن تمسك بهما عصمه الله تعالى عن التناقض. فأما المتناقضون: فهم الذين يتلاعبون في دين الله تعالى بأهوائهم، محرفين لكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ أمثال هذا الملحد ومن قلدهم دينه من دعاة الوثنية، الذين جعلوا القبور مساجد، وأشركوا أهلها مع الله تعالى في خالص عبادته، بدعائهم وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. ويسمون شركهم بهؤلاء الأموات مع الله تعالى توسلاً واستغفاراً وتشفعاً، وغيرها من الأسماء التي هي قلب للحقائق وتحريف للكلم عن مواضعه.

стр. 427

افتراء الملحد بأن الوهابيين يعتقدون تأثير الأعراض ... فأما قول الملحد مفترياً علينا: "بأننا نعتقد بتأثير الأعراض" فهذا من ضمن أكاذيبه علينا فنحن لا نعتقد بتأثير من الأعراض، إلا ما جعله الله تعالى سبباً فيها لصالح عباده، مما أرشدنا إليه نبينا ﷺ ، مع اعتقادنا بأن النفع والضر كله بيد الله تعالى، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فلا نطلب إلا منه ولا نرجو أحداً سواه، ولا نتوسل إليه إلا بالأعمال الصالحة من الإيمان به تعالى وبكتبه ورسله، مع تجريدنا الإتباع لنبينا ﷺ في كل ما جاءنا به من عند الله ﵎. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله داء إلى أنزل له شفاء" وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله" وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أسامة بن شريك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" وفي لفظ: "لم

стр. 428

يضع داء إلا وضع له شفاء- أو دواء- إلا داءً واحداً. قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: الهرم". قال الترمذي: حديث صحيح. وأما قوله: "ذكرتُ قبلاً قول الوهابيين بتكفير من يتوسل بالرسول ﵊ وغيره واستدلالهم الباطل، فلا حاجة لإعادته، وكل ذي بصير يعلم أن هذا الاستدلال تحريف للفظ والمعنى. فالله تعالى سمى عمل أولئك عبادة، ما سماه توسلاً، ولا استغفاراً، ولا اشتراكاً في اللغة، ولا ترادف بين اللفظين. فتبديل حقائق كلام الله وتحريفه كفر محض، وتحريف منكر، أولئك كانوا يعبدون تلك الأشياء عبادة حقيقية، ويسمونها آلهة تسمية حقيقية، ويتقربون إليها بجميع أنواع العبادة، ويذكرون أسماءها على ذبائحهم، دون اسم الله تعالى ويعتقدون أن النفع والضر والخير والشر بيد تلك الآلهة وبأمرهم". والجواب: أن الوهابيين لا يكفرون بمجرد التوسل بالرسول ﷺ وغيره، وإنما يكفرون يدعون الرسول ﷺ وغيره من الأموات ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات وغيرها من أنواع العبادات التي لا يقدر على إجابتها إلا فاطر الأرض والسموات. ويسمون أعمالهم هذه: توسلاً واستغفاراً وتشفعاً وغيرها من الأسماء التي يموهون بها على جهلة المسلمين. فأما التوسل الذي ليس فيه ما ينافي توحيد الله تعالى في ربوبيته وإلهيته، وإنما فيه الإقسام على الله تعالى بأحد من خلقه: فإن الوهابيين لا يكفرون به، بل هو عندهم حرام، كما يقول به جمهور العلماء المقتدى بهم. فالوهابيون يستدلون عن بطلان أعمال هؤلاء الوثنيين بنصوص الكتاب والسنّة التي لا تقبل تحريفاً ولا تأويلاً، متبعين في ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

стр. 429

جهله بأن الدعاء هو العبادة ... فقول الملحد: "وكل ذي بصيرة يعلم أن هذا الاستدلال تحريف للفظ والمعنى، فإن الله تعالى سمى عمل أولئك عبادة، ما سماه توسلاً ولا استغفاراً،

стр. 430

ولا اشتراك في اللغة، ولا ترادف بين اللفظين، فتبديل حقائق كلام الله وتحريفه كفر محض وتحريف منكر". جوابنا عنه: أنه قول جاهل غبي مغالط، في ذكر الأسماء مع جهله بالحقائق التي لا تخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة أمثاله. فإن هذا الملحد لا يعرف معنى ما يقوله من الاشتراك في اللغة. ولا ترادف الألفاظ فيها، ولا شيئاً من تصريف ألفاظها، بل هو أجنبي عنها. لذلك جهل أن الله تعالى سمى الدعاء عبادة في كتابه العزيز، وأن الرسول ﷺ سمى الدعاء "عبادة" بل سماه "مخ العبادة" كما جهل اتفاق أئمة أهل الكتاب والسنّة على أن "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر، الآية:٦٠] ويقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] وعن النعمان بن يشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" فإن كان هذا الملحد قد جهل هذه النصوص التي هي في كتاب الله تعالى، وفي سنّة رسوله ﷺ وما اتفق عليه أئمة أهل الكتاب والسنّة في مسمى "العبادة" فقد ثبت أنه من الصم والبكم والذين لا يعقلون، وإن كان علم بهذه النصوص وتعمد تحريفها وتبديلها، منكراً ما دلت عليه مثل "العبادة" فقد حكم على نفسه بالكفر المحض، والتحريف المنكر بإقراره هذا الذي أثبته على من بدل كلام الله تعالى وحرفه. فقد اضطلع هذا الملحد بهذا التبديل والتحريف الظاهر الذي لا يجد عنه مفراً، وليس له منه مخرج وهكذا الهوى يعمي ويصم. كما أن الجهل المركب والتقليد الأعمى يقودان صاحبهما إلى الخذلان والضلال عن الهدى. نعوذ بالله من ذلك. وأما قول الملحد: "أولئك كانوا يعبدون تلك الأشياء عبادة حقيقية،

стр. 431

ويسمونها آلهة حقيقية، ويتقربون إليها بجميع أنواع العبادة، ويذكرون أسماءها على ذبائحهم دون اسم الله، ويعتقدون أن النفع والضر والخير والشر بيد تكل الآلهة وبأمرهم". فالجواب: أن هذه الملحد يعني بقوله أولئك المشركين الأولين، يقول عنهم: إنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لذاتها ولا يذكرون لهم إلهاً غيرها، صارفين لها جميع أنواع العبادة بأسمائها، لا يذكرون اسم الله تعالى- إلى آخر كلامه الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه- وليس الحق بالباطل، والمدافعة عن أعمال عباد الأوثان باسم القبور من هذه الأمة الذي سلكوا سبيل من قبلهم من المشركين الأولين، يقول عنهم هذا الملحد: "إنهم لا يسمون من يدعونهم من الأموات أصناماً كما يسميهم المشركون قبلهم، بل هم أولياء مقربون عند الله ولهم عنده كرامات فهم لهم وسيلة وشفعاء، ووسطاء بينهم وبين الله تعالى". وما إلى هذه الأسماء التي يصرفون لهم فيها مخ العبادة من دون الله تعالى من الدعاء وسفك الدماء، ونذر النذور وغيرها من الأعمال التي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، بل أشركوهم مع الله تعالى في توحيد ربوبيته، زاعمين أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون، وغير ذلك من العقائد التي فاقوا بها على شرك المشركين عباد الأصنام، وهذا كتاب الله تعالى يخبر عن المشركين عباد الأصنام: أنهم كانوا يقرون لله تعالى بأنه ربهم، وخالقهم ورازقهم، وأن الأرض وما فيها له وحده، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وأنهم ما عبدوا مَن عبدوا من تلك الأصنام إلا ليقربوهم إلى الله زلفى. ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] كما أخبر بذلك عنهم أصدق القائلين في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣] ويقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ

стр. 432

وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس، الآيتان:٣١-٣٢] ، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون، الآية:٨٤-٨٩] ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان، الآية:٣٢] إلى غير هذه الآيات التي جهلها هذا الملحد أو تجاهلها، وتعمد إلى جحدها محرفاً لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، لتضليل الجهلة عن سلوك صراط الله المستقيم. وأما قول الملحد: "فإذا علمت هذا وفهمت كيف دخلوا بالتحريف والمغالطة على العوام، فاعلم أن علماءنا ما قالوا١ بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك وهم أمناء الدين، وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسول أمراً وفعلاً، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وماذا عليهم إذا لم تفهم وعول نجد، وجواميس مصر وبقر الشام مقاصدهم ومآخذ أقوالهم؟ ". والجواب: أن كل مطلع على كلام هذا الملحد ممن أعطاهم الله علماً نافعاً، ونوراً يفرقون بهما بين الحق والباطل: يعلمون علم اليقين أن هذا الملحد ممن ضل عن سلوك صراط الله المستقيم، فهو غارق في ظلمات جهله وضلاله، وأنه من المحرفين لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ جهاراً، لا يخشى في ذلك حسيباً في الدنيا، ولا محاسباً في الآخرة. فقد سمى سادته وكبراءه- دحلان

стр. 433

والنبهاني ومن سلك سبيلهم- أمناء الدين، وخلفاء الرسل، مع أنهم قد اشتهروا بعمل كل قبيح من الأعمال، وبكل فجور من الأقوال، معارضين بهما كتاب الله وسنّة نبيّه، وناسبين إلى علماء أهل السنّة من الأقوال ما لم يقولوه، ومحرفين لكلامهم عن مواضعه. وهذا الملحد يقول: إن مضلليه- دحلان والنبهاني- ما قالوا بجواز التوسل، الذي هو دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك، بل أخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسوله أمراً وفعلاً. وهذا الكلام من هذا الملحد هو عين الكذب والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ . فأين من كلام الله تعالى أيها الملحد؟ وأين من كلام رسوله الأمر بدعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وطلب رحمتهم لغفران الذنوب دون رحمة الله أرحم الراحمين؟ فمن هو من الصحابة أيها الملحد دعا ميتاً أو غائباً، أو توسل به لجلب نفع أو دفع ضر، أو جعله واسطة بينه وبين الله تعالى؟ ومن هو من الصحابة جعل القبور مساجد؟ بل أين من التابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة: من قال بقول سادتك ومضليك أيها الملحد؟ فاقصر فَضَّ الله فاك. ومن قال بقولك وقول سادتك الضالين المضلين. وأما قول الملحد: "وقد فصلت كيفية عبادتهم وأقسامها في كتبي الثلاثة، رد الافتراء، ومظهر الإحسان، ومرشد الحيران، وهذه يتبرأ منها كل مسلم". فالجواب: أن كتب هذا الملحد الثلاثة كلها ظلمات بعضها فوق بعض، فهي كما قال مؤلفها الملحد "تبرأ منها كل مسلم" ونحن نسميها: محض الافتراء، ومظهر الخسران، والتائه الحيران. وأما قول الملحد في حق علمائه "وماذا عليهم إذا لم تفهم وعول نجد وجواميس مصر وبقر الشام مقاصدهم ومآخذ أقوالهم؟ ". فالجواب: أن الله تعالى لم يكلف وعول نجد، ولا جواميس مصر، ولا بقر الشام، بفهم شيء من العبادة التي كلف بها عباده من بني آدم، فتكليف هذا الملحد لها بفهم مقاصد سادته ومآخذ أقوالهم ظلم وعدوان ما أنزل الله به من

стр. 434

سلطان. فأما علماء نجد ومصر والشام: فقد قاموا بأداء ما أخذه الله تعالى من الميثاق على أهل العلم بأن يبينوه للناس ولا يكتموه فإنهم قد أظهروا الحق ونصوره، وأبطلوا الباطل وخذلوه. وفضحوا سادتك ومضلليك، ومن سلك سبيلهم من دعاة الشرك في عبادة الله رب العالمين وقد تقدم ذكر بعض مَن رد عليهم من علماء نجد والعراق والهند بما أغنى عن إعادته ههنا.

стр. 435

لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة إن التوسل هو دعاء الأموات ... وأما قول الملحد: "قد تقدم آنفاً أن التوسل من ضروريات حياة الإنسان الدنيوية وإباحة الشرع للمنافع الأخروية. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة، الآية:٣٥] وكذلك جاء عن الرسول ﷺ وأصحابه قولاً وفعلاً". والجواب: أنه قد تقدم الكلام على مسألة التوسل والوسيلة، وتحقيق القول في معناهما لغة وشرعاً وسنّة رسوله ﷺ قولاً واحداً بأنهما القربة والتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، ولم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من القرون المفضلة- وفيهم الأئمة الأربعة- إن التوسل والوسيلة: هما دعاء الأموات، وجعلهم وسيلة وواسطة بين الله تعالى وبين عباده، يرفعون إليه تعالى حاجاتهم كما يقوله هذا الملحد ومضللوه دعاة الوثنية، حيث يقولون: إن الأموات أقرب إلى الله تعالى من الأحياء، وأنهم يسمعون نداء من يناديهم، ويجيبون دعاء داعيهم وقد شبهوا الخالق ﷻ بخلقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فكلام هذا الملحد من هذر المجانين، وزخرفة الشياطين، الذين يلبسون الحق بالباطل، لترويج مذهب الوثنيين عبّاد الأموات، وإشراكهم في عبادة الله تعالى فاطر الأرض والسموات. فهم يتعلقون بالأسماء مع قلب الحقائق، ويقولون: هذا من عند الله، وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قاتلهم الله أنى يؤفكون.

стр. 436

وأما قول الملحد: "ومن المقرر ببديهة العقول السليمة أن العاقل يتحرّى في حوائجه الواسطة الأقرب مناسبة، وأنجح وسيلة للموسط إليه، والمطلوب منه ولا يرتاب مسلم: أن ما في الكون وسيلة أقرب مناسبة لله تعالى من حبيبه الأكرم نبينا محمد ﵊، بل كيف لا يكون هو أقرب الوسائل وكلام الله شاهد له بذلك؟ أما هو الذين قال الله له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء، الآية:١٠٧] أما هو الذي قال الله عنه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب، الآية:٦] أما هو الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة، الآية:١٢٨] أما هو الذي أمرنا الله على لسانه بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران، الآية:٣١] فانظروا يا من خذلهم الله أي مقام أعظم من هذا المقام الذي علق الله محبته ومغفرته على إتباعه ﵊؟ أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فانتظروا ما جاء بحقكم في هذه الآية أما هو الذي قال الله له: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء، الآية:٦٤] أما هو الذي قال الله له: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء، الآية:٦٥] ".

стр. 437

إن الله لم يتعبدنا باتباع عقولنا بل أرسل إلينا رسولا بالمؤمنين رؤوف رحيم ... والجواب: أن الله تعالى لم يتعبدنا بإتباع بديهة عقولنا السليمة، ولم يتركنا لها هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا عزيز عليه، ما يعنتنا، بالمؤمنين رؤوف رحيم. جداءنا بكتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت، الآية:٤٢] يقول الله تعالى فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة، الآية:١٢٨] ويقول تعالى فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة، الآية:٣] ويقول تعالى فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية:٧] فلم يأمرنا الله تعالى في كتابه

стр. 438

العزيز، ولا على لسان رسوله ﷺ فيما ثبت عنه في سنته المطهرة، بأن ندعو الأموات والغائبين بأهوائنا المضللين من سادتنا وكبرائنا ولا أن نجعلهم لنا وسيلة ولا واسطة بيننا وبينه تعالى، يرفعون إليه حاجاتنا. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. بل قال الله لنبيه ورسوله محمد ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] فهؤلاء المدعوون- وإن كانوا أنبياء أو أولياء أو ملائكة مقربين- فليسوا هم شركاء لله تعالى في عبادته فإن العقول التي ترى أن دعاء الأموات والغائبين من دون الله تعالى: أنجح وسيلة تقرِّب إلى الله تعالى، عقول ليست بسليمة، بل هي عقول مريضة شيطانية، بل هي أهواء زائفة، تدعو إلى محادة الله ورسوله والشرك في عبادة الله، ومخالفة جميع رسله، من أولهم إلى آخرهم، الذين أرسلهم الله تعالى بالدعوة إلى توحيده تعالى، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له. حيث يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر، الآية:٢-٣] ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر، الآيات:٦٤-٦٦] ويقول تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس، الآيتان:١٠٦-١٠٧] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل، الآيتان:٢٠-٢١] ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ

стр. 439

أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف، الآيتان:٥-٦] ويقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٢] ويقول تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم، الآيتان:٥٢-٥٣] ويقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ، الآيتان:٢٢-٢٣] ويقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر، الآيتان:١٣-١٤] ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر، الآيات:١٩-٢٣] ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر، الآية:٣٨] ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر، الآيتان:٤٤] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت، الآية:٦] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً. قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن، الآيات:٢٠-٢٣] ويقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٨٨] إلى غير ذلك من الآيات البينات المحكمات التي لا تقبل تأويلاً ولا تحريفاً، ولا معارضاً

стр. 440

في إفراد ربنا الباري جل وعلا في عبادته وحده لا شريك له، وهي العبادة التي مخها الدعاء، كما قاله المصطفى ﵊.

стр. 441

وأما ما جاء عن المصطفى ﷺ من حمايته لحمى التوحيد امتثالاً لأمر ربهن شرك المشركين الأولين: ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ حين أُنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء، الآية:٢١٤] فقال: يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا غنى عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، لا أعنى عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أغنى عنك من الله شيئاً" وروى الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين- ونحن حُدَثاء عهد بكفر- وللمشركين سِدْرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم سنن من كان قبلكم" وفي سنن أبي داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: قال: "أتى رسول الله ﷺ أعرابي. فقال: يا رسول الله، جهِدَتْ الأنفس، وضاعت العيال، ونُهِكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله، وسنتشفع بالله عليك. فقال رسول الله: ويحك، أتدري ما تقول؟ وسَبَّح رسول الله ﷺ . فما زال يسبّح، حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك، إنه لا يتشفع بالله على أحد من خلقه. شأنُ الله أعظم من ذلك. الحديث". وروى أبو داود عن عبد الله بن الشخِّير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎، قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض

стр. 442

قولكم، ولا يستجْرِينّكم الشيطان" وروى النسائي عن أنس ﵁: "أن أناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم هذا، ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " وعن ابن عباس ﵄: "أن رجلاً قال للنبي: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً؟ ما شاء وحده" وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" وروى أبو داود عن قيس بن سعد قال: "أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت لرسول الله ﷺ : أحق أن يُسجد له. فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم. فأنت أحق بأن يسجد لك. فقال لي: لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقلت: لا، فقال: لا تفعلوا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهن عليهن من حق" وروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأواه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا قليل من كثير مما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ من نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة الصرحية، التي لا تقبل تأويلاً ولا تحريفاً عما جاءت له من الأمر بتحقيق التوحيد لله تعالى وحده، لا شريك له في جميع أنواع العبادة، ونفي وإبطال كل ما يتعلق به دعاة الأموات من الشبهات والضلالات، وما يحرفونه من كتاب الله تعالى ومن سنّة نبيّه ﷺ عن مواضعهما، إتباعاً لأهوائهم الشيطانية فيما يدعون إليه من الغلو بالأنبياء والأولياء وغيرهم. ممن أشركوهم مع الله تعالى في خالص عبادته، من الدعاء والخوف والرجاء، ونذر النذور، وسف الدماء، وغيرها من أنواع العبادة. وما كفاهم هذا، بل

стр. 443

شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وكيف يكون مسلماً من يعارض نصوص الكتاب والسنّة جهاراً لا يخشى فيها لومة لائم، حتى ولا يتكلف لها تحريفاً ولا تأويلاً؟ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] ويقول هذا الملحد وسادته دحلان والنبهاني: "بل يسمعون ويجيبون من يدعوهم" ويقول الرسول ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" ويقول هذا الملحد وسادته "ليس بعبادة، بل هو توسل والله أمر به" ويسمون دعاءهم للأموات وعبادتهم إياهم بجميع أنواع العبادة: توسلاً. وهكذا يحرفون الكلم عن مواضعه فقد ضلوا وأضلوا كثيراً عن سواء السبيل.

стр. 444

وأما قول الملحد: "فانظروا يا من خذلهم الله، أي مقام أعظم من هذا الذي علق الله محبته ومغفرته على إتباعه ﵊ أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ ". والجواب: أن المخذول من اتخذ إلهه هواه، وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة. فهو لا يفرق بين الحق والباطل، بل يؤثر الباطل على الحق، إتباعاً لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة، الآية:٥١] إن المخذول: هو هذا الملحد المتناقض، الذي لم يحترم صاحب هذا المقام العظيم سيد الأولين والآخرين، من أرسله تعالى رحمة للعالمين بل عارضه في أصل رسالته التي أرسله الله تعالى بها إلى جميع خلقه: بأن يعبدوه الله تعالى وحده لا يشركون معه في عبادته أحداً من خلقه. فقام هذا الملحد ومن قلدهم بمعارضة هذا الرسول الكريم في أصل دعوته، التي أرسله الله بها، وجميع الرسل من قبله بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] : فقام هؤلاء الوثنيون يدعون إلى إشراك الخلق مع خالقهم في خالص عبادته تعالى. وما كفاهم فقد أشركوهم مع الله تعالى في ربوبيته. فقالوا: إنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون تعالى الله عما يقول الظالمون

стр. 445

ما جاء عن المصطفى ﷺ لحماية حمى التوحيد ... أشركوهم مع الله تعالى في توحيد الربوبية. فقالوا: إنهم يعلمون الغيب، ويتصرفون مع الله تعالى في تدبير ملكه، وغير هذا من العقائد الباطلة التي لم يسبقهم إليها عبدة الأصنام في الجاهلية الأولى وهذا هو محل الخلاف، بل مثار العداوة بيننا وبين هذا الملحد ومن قلدهم من سادته وكبرائه الضلال، دعاة الشرك في عبادة الله تعالى ومن سلك سبيلهم، ممن جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعون ويرجون لجلب الخير وكشف الضر من دون الله تعالى. لا ما أورده من هذه الآيات التي يقول فيها: "أما هو الذي قال الله له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء، الآية:١٠٧] إلى آخر الآيات التي يقول فيها: أما هو؟ أما هو؟ لأجل المغالطة وتضليل الجهلة. فهذه الآيات كلها في حق الرسول ﵊، وما شرفه الله تعالى به على جميع خلقه من الأمر بطاعته وإتّباع أمره. فمن لم يؤمن بها قولاً وعملاً واعتقاداً، فليس هو بمسلم، فضلاً عن الإيمان. ولكنها لا تجعل الرسول ﷺ شريكاً لله تعالى في عبادته، يدعى ويرجى من دون الله تعالى، كما يدعو إليه هذا الملحد بغباوة عقله الوثنية، بل هو عبد الله ورسوله وكفى له بهذا شرفاً، عليه أفضل الصلاة والسلام والتسليم. وقد قال ﷺ في الحديث الذي تقدم آنفاً: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم هذا، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " وقال ﷺ لمن قال له: "ما شاء الله وشئت أجعلتني لله نداً؟ قال: ما شاء الله وحده" ففي هذه الآيات والأحاديث- التي قدمنا- ما يشفي ويكفي لطالب الحق في هذه المسألة التي هي تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فهذه الشهادة هي أصل أصول الإسلام والإيمان. على تحقيقها تنبني جميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى على رسوله ﷺ ومن دون تحقيقها وما تستلزمه من توحيد لله تعالى في جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، مع تجريد الإتباع لرسوله الكريم ونبيه- الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم- في جميع ما أمر، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر، وتقديم محبته على النفس والوالد والولد والناس أجمعين فلا إسلام ولا إيمان لمن لم يحقق

стр. 446

هذا الملحد المخذول هو الذي عارض الرسول ﵇ في أصل رسالته ... علواً كبيراً وقد أوردنا من نصوص الكتاب والسنّة في رد أباطيلهم وكشف ضلالهم، وتضليلهم ما فيه الكفاية لطالب الحق ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.

стр. 447

شهادة للوهابيين بالإيمان بالقرآن وإنكاره عليهم محبة الرسول وهذا مما لا يتفق مع الشهادة ... وأما قول الملحد: "فهذه بشرى أزفها إليكم يا وهابيون، لتكونوا على يقين بأن إيمانكم بالله وبالقرآن لا يفيدكم شيئاً ما زلتم معادين لرسول الله ومتمردين عليه". والجواب: إن هذا الملحد جاهل متناقض لا يدري ما يقول، ولا يتقيد بمعقول ولا منقول عن الله عن رسوله ﷺ ، بل هو يسوق ما يقول بما تمليه عليه همزات الشياطين. فيسأله الوهابيون عن هذه البشرى التي شهد لهم فيها بالإيمان بالله وبالقرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ من أي طريق عرف الوهابيون ربهم فآمنوا به، وبالقرآن المنزل على رسوله ﷺ إذا كانوا معادين لرسوله ومتمردين عليه؟ فهل يتصور هذا الكلام في عقل عاقل، فضلاً عن العالم لأنه افتراء وبهت وخيم وقول شيطان رجيم. جوابنا عليه أن نقول له: اخسأ يا لعين. ولولا أن لكل ساقطة لاقطة ما كنت تستحق يا هذا الملحد النظر في كلامك الذي كله جهل وضلال مبين. وأما قول الملحد: "وليست هذه الآية مختصة بمن نزلت بحقهم، بل تشمل كل من يؤثر قوانين البشر وأحكامهم على أحكام رسول الله، ويزعم الزمان اقتضى ذلك. ولو آمن بالله ورسوله حق الإيمان لوجد كل ما يقتضيه كل مكان وكل زمان وكل شعب في شريعة الله، فنعوذ بالله من الضلال على علم أو على جهل". والجواب: إن هذا كلام حق إذا كان العمل يصدقه. أما إذا كان من لغو المنافقين المحرّفين لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ أمثال هذا الملحد ومضلليه دحلان والنبهاني- فأنهم هم المؤثرون لقوانين البشر وأحكامهم على أحكام الله ورسوله ﷺ متبعين لأهوائهم، وإرضاء لحكامهم ولسياستهم المنحرفة

стр. 448

التي من أجلها كفّروا المسلمين، وقدموا قوانينهم على شريعة سيد المرسلين. فهم رؤساء محاكمه الطاغوتية الظالمة، وهم القائلون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وهم الذين يقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فقد أضلوا كثيراً من الجهلة وضلوا عن سواء السبيل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

стр. 449

الوهابيون بحمد الله سميعون مطيعون منفذون لكلام الله ولسنة رسوله ﵊ ... وأما الوهابيون: فإنهم بحمد الله تعالى سميعون مطيعون منقادون لكتاب الله تعالى، ولسنّة رسوله ﷺ كافرون بكل قانون لم يأت عن الله تعالى، ولا عن رسوله. وهذه كتبهم بحمد الله تعالى منشورة في جميع البلاد، وبين العباد، تنادي بتجريد الإتباع لسيد المرسلين، وتحكيم شرعه، مع التسليم له بكل إخلاص ويقين. فالحمد لله الذي أظهر الحق وأعلاه، ودحر الباطل وأقصاه وجعل العاقبة للمتقين. وأما قول الملحد: "اعلم يا أخي أنه لما كانت الرسالة تبليغاً بالأمر والعمل، فالرسول ﵊ كما بلغ الأمة كل أمر شفاهي كذلك بلغهم بالعمل، ليكون إقتداؤهم به وأخذهم عنه جامعاً بين الأمر والعمل، إلا ما كان من مخصصاته الذاتية. فكان ينهاهم عما فيه مشقة عليهم إذا قلدوه فيه. ويسكت عما لا مشقة فيه. ومن ذلك: ما نحن بصدده. وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا وبه اقتدوا: الأول في البخاري في باب تعاون المؤمنين عن محمد بن يوسف عن سفيان عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: "وكان النبي ﷺ جالساً إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة فأقبل علينا ﷺ بوجهه. فقال: اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء". والجواب: أننا بحمد الله تعالى في غنىّ عن فلسفة هذا الملحد بنصوص الكتاب والسنّة الصحيحة الصريحة فقد جاءنا بها نبينا محمد ﷺ بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ولم يكن خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا عنه. والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة، الآية:٣] فالكامل لا يحتاج إلى

стр. 450

مزيد ولا إلى فلسفة شيطان مريد. والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين وأشهد على ذلك في أكبر مجمع من مجامع المسلمين وذلك في حجة الوداع. فقول هذا الملحد بعد هذه الفلسفة التي يريد بها المغالطة ولبس الحق بالباطل: "ومن ذلك ما نحن بصدده، وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا، وبه اقتدوا، الأول في البخاري إلى آخر ما ذكره". من تحريفه لحديث رسول الله ﷺ لفظاً ومعنى مما يدل على سوء قصده الباطل، وتعمده لتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعاً لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية:٥٠] فقد تصرف الملحد بهذا الحديث الشريف تصرف المضل المخادع. إذ حذف أصله، بل لبه الذي قيل الحديث من أجله وهو تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً، ولأهمية هذا التعاون وأنه ركن من أركان الإسلام الذي لا يتم إلا به. فقد أحكم النبي ﷺ وصف هذا التعاون بالقول والعمل، حيث شبك ﷺ بين أصابعه. ولما جاء هذا الحديث على أصحابه في تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً. زادهم في بيان هذا التعاون إذ حثهم على عمل الخير في إجابة هذا السائل أو طلب الحاجة الذي هو من إخوانهم المؤمنين. فأما أصل هذا التعاون وأساسه: فهو الجهاد في سبيل الله تعالى لإقامة دينه الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له ولأجل إقامة هذا الدين الذي هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فرض الله تعالى على عباده المؤمنين جهاد المشركين متعاونين كالبنيان يشد بعضه بعضاً. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف، الآية:٤] ولذلك أباح الله تعالى للمؤمنين دماء المشركين وأموالهم حتى يكون الدين لكله لله وحده لا شريك له. فهذا هو معنى تعاون المؤمنين بعضهم بضهاً. إنما هو في إقامة دينهم، وما هو تحت قدرتهم فيما بينهم من أمور دنياهم، لاما يزعمه هذا الملحد وسادته

стр. 451

الضلاّل دعاة الوثنية عبدة الأصنام من أن معنى تعاون المؤمنين: هو دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم من دون الله تعالى، وجعلهم أصناماً تعبد مع الله تعالى لجلب النفع، ودفع الضر وسؤالهم ما لا يجيب المضطر فيه إلا الله ﵎، ويفترون على الله وعلى رسوله ﷺ الكذب. انظر إلى تحريف هذا الملحد لهذا الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ الذي هو أصل من أصول الدين وذلك في تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً، كيف تصرف فيه فشوَّه لفظه وحرَّف معناه؟ حيث حذف الأصل وجاء بالفرع من أجل المغالطة. وهو قول النبي ﷺ في آخر الحديث لما حضر السائل "اشفعوا لتؤجروا" فهذا الملحد وضلال مضلليه دحلان والنبهاني يقولون: إن التوسل والاستشفاع والاستغفار ألفاظ مختلفة معناها واحد عند العلماء، فيقول رسول الله ﷺ "اشفعوا" أمر منه بالتوسل الذي هو في مذهبهم دعاء الأموات. لذلك يقول الملحد مختار: "وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا وبه اقتدوا الأول في البخاري" ثم ساق الحديث كاملاً برجاله، وأسقط أصل الحديث الذي أحكمه المصطفى ﷺ لفظاً ومعنى في تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً. وما ذلك منه إلا للمغالطة وتضليل الجهلة لتصحيح باطلهم الذي يدعون إليه من إشراك المخلوقين في خالص عبادة الخالق ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة، الآية:٣٠] .

стр. 452

حديث "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وتلاعب الملحد به ... ونحن نسوق نص حديث البخاري الذي تلاعب به هذا الملحد، قال البخاري رحمه الله تعالى: " باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً، حدثنا محمد بن يوسف- وساق بسنده إلى أبي موسى الأشعري- عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً- ثم شبك بين أصابعه وكان النبي ﷺ جالساً- إذ جاء رجل أو طالب حاجة، أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء" انتهى. قال الإمام العسقلاني شارح البخاري رحمه الله تعالى: وفي الحديث

стр. 453

الحث على عمل الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربه ومعونة ضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، ولا التمكن منه ليلج عليه، أو يوضح له مراده، ليعرف حاله على وجهه، وإلا فقد كان النبي ﷺ لا يحتجب. انتهى. هذا هو نص حديث البخاري وهذا هو كلام الإمام العسقلاني عليه في بيان معنى تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً، فأي دليل في هذا الحديث على معنى التوسل الذي استند إليه علماء هذا الملحد، وبه اقتدوا في جواز دعاء الأموات من دون الله تعالى وإشراكهم مع الله تعالى في خالص عبادته التي خلق خلقه لأجلها؟ بل ما كفاهم هذا التحريف، وقلب الحقائق حتى شبهوا الخالق ﷻ بخلقه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء، الآية:٤٣] فقد ضلوا وأضلوا كثيراً من جهلة المسلمين جازاهم الله تعالى بعدله.

стр. 454

آية ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ وإلحاده في معناها ... قال الملحد: "الثاني وفي هذا الباب قال القسطلاني في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء، الآية:٨٥] إن الله بين في هذه الآية جواز الشفاعة في جلب نفع أو دفع ضر، لم يكن فيه إبطال حق ولا منع حد شرعي، ولا نفع ذاتي. فإن كانت في خير كان له ثواب ذلك وإن كانت في شر كان عليه وبالها". والجواب: أن هذه الملحد عبر عن كلام الله تعالى في هذه الآية بأنه حديث ثان لأحاديثه التي سيوردها وهي التي استند إليها هو وسادته، وبها اقتدوا على جواز دعاء الأموات مع إخلاص هذا الدعاء لهم، الذي هو مخ العبادة من دون الله تعالى. وقد قال الملحد في آخر ما أورده من أحاديثه: "فهذه عشرة من مئات، وفي كل واحد من هذه معنى من معاني التوسل" قال: "وفي هذا الباب قال القسطلاني إلى آخر ما ذكره" مما أراد به المغالطة وتحريف الكلم عن مواضعه. ولو علم هذا الملحد أن ما نقله من كلام القسطلاني على معنى الشفاعة في هذه الآية الشريفة: أنه مما يلقمه ومضلليه أحجاراً فيما ذهبوا إليه

стр. 455

من تحريف كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ ما كان تعرض لذكره ولكن الهوى يعمي ويصم. فقد قال الإمام القسطلاني: "إن الله تعالى بين في هذه الآية جواز الشفاعة في جلب نفع أو دفع ضر، لم يكن فيه إبطال حق، ولا منع حد شرعي، ولا نفع ذاتي" إلى آخر كلامه الذي بين فيه أن هذه الشفاعة هي بين الناس بعضهم لبعض في هذه الدنيا. وقد قال الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري: قوله "باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها كذا لأبي ذر- وساق غيره إلى قوله- "مقيتاً". وقد عقب المصنف الحديث المذكور قبله بهذه الترجمة إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة. وهي الشفاعة الحسنة. وضابطها: ما أذن فيه الشرع، دون ما لم يأذن فيه، كما دلت عليه الآية. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: "هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض" وحاصله: أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر، وقيل: الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن، والسيئة الدعاء عليه انتهى. ففي كلام هذه الإمامين على هذه الآية ما يثبت كمال التوحيد لله تعالى وينفي كل شبهة أو مغالطة أو تحريف للكلم عن مواضعه مما يتعلق به دعاة الوثنية عبدة الأصنام قاتلهم الله أني يؤفكون.

стр. 456

حديث "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" وبيان أنه واه ... قال الملحد: "الثالث: أخرج ابن ماجه والحافظ والبيقهي عن أبي سعيد الخدري والسيوطي في الجامع الكبير عنه أيضاً وابن السّني عن بلال قال: "كان إذا خرج ﵊ إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا إليك، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة. خرجت اتِّقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" انتهى. في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا الأول: توسله ﵊ بالمؤمنين المعبَّر عنهم بالسائلين، وهم

стр. 457

أفضل خلق الله، وأغنى الخلق عن الخلق، فكيف لا نتوسل بجاهه ونحن أفقر الخلق إلى جاهه؟ وبهذا نص صريح بجواز التوسل بالأنبياء وما دونهم من كل مؤمن. الثاني: أبلغ بالتجوز توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج بنصب الميم والراء أو المخرج برفع الميم وكسر الراء. الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم، أي قوله: "بحق" فهذا أبلغ وأعظم بالتذلل على الله تعالى من صيغة الرجاء. والجواب: أن هذا الحديث من رواية ابن السّني عن بلال ﵁. لا تقوم به حجة باتفاق أئمة أهل الحديث على ذلك لضعف إسناده. فقد قال الشيخ محمد بشير الهندي رحمه الله تعالى في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان": إن القول بصحة إسناد هذا الحديث خطأ بيِّن، وغلط فاحش. فإن هذا الحديث أشد ضعفاً من حديث أبي سعيد الخدري قال النووي في الأذكار: حديث ضعيف، أحد رواته: الوازع بن نافع العقيلي، وهو منفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث. قال الحافظ: والقول فيه أشد من ذلك. فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم وجماعة متروك وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. قال الحافظ: وقد اضطرب في هذا الحديث، فأخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة، من وجه آخر عنه فقال: عن سالم بن عمر عن بلال محل قوله في الطريق الأول عن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال. قال الحافظ: ولم يتابع عليه كذا في الفتوحات الربانية. وفي كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم: الوازع بن نافع العقيلي: أصله من المدينة، سكن الجزيرة، يروى عن سالم بن عبد الله، وأبي مسلمة بن عبد الرحمن. روى عنه أهل الجزيرة وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته. ويشبه أنه لم يكن المعتمد لذلك، بل وقع في روايته لكثرة وهمه. فبطل الاحتجاج بما انفرد به عن الثقات بما ليس من أحاديثهم. حدثنا الحنبلي: قال حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: وازع بن نافع ليس بثقة، ثم نقل عنه أحاديث تكلّم في إسناد بعضها بأنه موضوع أو مقلوب. كذا في الفتوحات الربانية. وقال الذهبي في الميزان:

стр. 458

الوازع بن نافع العقيلي الجزري، روى عن أبي سلمة وسالم بن عبد الله وعنه علي بن ثابت وبقية وجماعة. قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال: ليس بثقة. قال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ، وقال الدارقطني في سننه: الوازع بن نافع ضعيف الحديث، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وهو ضعيف. وقال أيضاً: وهو متروك، وقال: وهو مجمع على ضعفه. انتهى. هذا من جهة إسناد هذا الحديث الذي قد اتفق أئمة أهل الحديث على ضعفه وعدم جواز الاحتجاج به. وأما تحريف الملحد لمعناه: فهذا مما لا يخفى بل هو من غزير جهله وضلاله وإتباعه لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠]

стр. 459

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث ... وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على معنى هذا الحديث بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنّة. قال رحمه الله تعالى: فتقدير ثبوت هذا الحديث فإن: "حق السائلين عليه " أن يجيبهم: "وحق المطيعين له" أن يثيبهم: فالسؤال والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته. فهو من التوسل به، والتوجه والتسبب به ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته تعالى. فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق. كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. وأما قول الملحد: "في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا: الأول توسله ﵊ بالمؤمنين إلى آخر ما قاله في هذا الدليل الباطل والفهم العاطل".

стр. 460

فنقول لهذا الملحد: كذبت. وكذّبت من قلدتهم من المحرفين أمثالك. فإن رسول الله ﷺ لم يتوسل بمخلوق، لا حي ولا ميت، بل أرسله الله تعالى بتحقيق توحيده ، في عبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك قليله وكثيره، وجهاده من أشرك معه أحداً من خلقه، وأحل دماءهم وأموالهم حتى يكون الدين كله لله، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر، الآيتان:٦٥-٦٦] ن وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] . ونصوص الكتاب والسنّة في ذلك كثيرة لا تخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة أمثال هذا الملحد الذي لا يعرف من العبادة مسماها، أو صورة الصلاة والصيام وهي التي خلق الله الخلق لأجلها، وأرسل الرسل لتحقيقها له وحده لا شريك له في جميع أنواعها. فهي ما أجمع عليه علماء أهل السنّة وأئمتهم بأنها أمر جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال. والرسول ﵊ يقول: "الدعاء مخ العبادة" وقد صرف دعاة الشرك لولائجهم من الأموات والغائبين، مخلصين لهم الدعاء من دون الله تعال، مسمين شركهم هذا توسلاً وتشفعاً بهم وقد قادهم هذا الغلو في الأموات إلى إشراكهم مع الله تعالى في خالص عبادته بما لم يصل إليه شرك المشركين قبلهم فقد سفكوا لهم الدماء، وخصوهم بالدعاء، خاشعين لهم، متذللين من دون الله رب العالمين. وأما قول الملحد: "الثاني: توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج". فقد جهل هذا الملحج أن المخرج والممشى إلى الصلاة حقيقي لا مجازي. ثم صار يمخرق بتصريف حروف المخرج ليوهم أنه من أهل اللغة، وحاشاها الله، فهو أعدمي أخرق لأنه لا يعرف المجاز من الحقيقة. وأما قوله: "الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم". فهذا قد تقدم جوابه قريباً في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
следующие страницы →