رابعًا: مقاصد القائلين بالمجاز
وأهل المجاز قصدوا به التوصل إلى تأويل نصوص آيات الصفات، خلافًا لما عليه أهل السنة من إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه ونفاه عنه رسول الله ﷺ مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى.
"وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، بدعوى أنها مجاز، كقولهم في (استوى): استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز" (١).
"ولهذا نقول للذين حرفوا آيات الصفات وأحاديثها: ليس عندكم قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا قالوا: اليد بمعنى القوة. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن هناك ما يمنع إرادة المعنى الحقيقي- وهو عندهم -: العقل، ما يمكن أن يكون له يد يلزم أن يكون جسمًا، وأن يكون مماثلا للمخلوقات، وهذا ممتنع. ولذلك صار ارتكاب المجاز ركيزة يرتكز عليها المعطلة ومشوا على هذا" (٢).
وأهل السنة على: "التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث" (٣).
стр. 107
خامسًا: المحققون من أئمة أهل السنة على منع القول المجاز
وإن كان القول بوجود المجاز في القرآن محل خلاف عند أهل العلم، إلا أن الصواب هو: ما عليه المحققون من أئمة أهل السنة، وهو أنه: "لا مجاز في القرآن".
وقد بالغ أيضًا في منع المجاز أبو العباس بن تيمية، وتلميذه ابن القيم، بل أوضحَا منعه في اللغة أصلًا، وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وأبو علي الفارسي، كما عزاه لهما ابن السبكي في "جمع الجوامع" (١).
كما قال بذلك جمع من علماء العصر المحققين، منهم: العلامة الإمام ابن باز، والعلامة الفقيه ابن عثيمين، والعلامة المحدث الألباني، ويسوق الباحث جملة من أقوال أهل العلم المحققين الذين أصابوا الحق في القول بمنع المجاز، على النحو التالي:
قال ابن القيم ﵀: "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز ".
وقال ﵀ أيضًا: " … وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة ومجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لا يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة " (٢).
ونلاحظ تشديد ابن القيم في المجاز حتى سماه "طاغوتًا"، وذلك لأنه يُتحاكم إليه ويُعول عليه في تأويل صفات الرب جل في علاه عند المعطلة والمؤولة.
قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (ت: ٤٦٣ هـ): "وحمل كلام الله تعالى و كلام نبيه على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق"، وقال: "ومن حق
стр. 108
الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل الى اتباع ما أنزل الينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله- الى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، و لو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، والله لم يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين (١).
وقال العلامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (ت: ١٣٩٣ هـ) في "منع جواز المجاز": "وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز على أنَّ كلَّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا يرمي ليس هو بأسد، وإنما هو رجلٌ شجاع، فيلزم على القول بأنَّ في القرآن مجازًا أنَّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شكَّ أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحَّتُه، وأنه ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في القرآن العظيم" (٢).
وهو من أحسن ما جادت به قريحة العلامة الشنقيطي ذاك البحر الخضم والأصولي، العالم باللغة وضروبها وأفانينها.
قال سماحة شيخنا العلامة الإمام ابن باز ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): الصحيح الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة. وكل ما فيه فهو حقيقة في محله، ومعنى قول بعض المفسرين أن هذا الحرف زائد يعني من جهة قواعد الإعراب وليس زائدا من جهة المعنى، بل له معناه المعروف عند المتخاطبين باللغة العربية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم كقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] يفيد المبالغة في نفي
стр. 109
المثل، وهو أبلغ من قولك: (ليس مثله شيء)، وهكذا قوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) [يوسف: ٨٢] فإن المراد بذلك سكان القرية وأصحاب العير، وعادة العرب تطلق القرية على أهلها والعير على أصحابها، وذلك من سعة اللغة العربية وكثرة تصرفها في الكلام، وليس من باب المجاز المعروف في اصطلاح أهل البلاغة ولكن ذلك من مجاز اللغة أي مما يجوز فيها ولا يمتنع، فهو مصدر ميمي كـ "المقام" و "المقال" وهكذا قوله سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: ٩٣] يعني حبه، وأطلق ذلك لأن هذا اللفظ يفيد المعنى عند أهل اللغة المتخاطبين بها، وهو من باب الإيجاز والاختصار لظهور المعنى. والله ولي التوفيق (١).
وهذا تقرير من سماحة الإمام ابن باز ﵀ بأن المحققين من أهل العلم على أنه: "ليس في القرآن مجاز".
قال شيخنا العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): … قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة أو لقرينة عقلية أو عرفية أو لفظية كما هو مفصل في محله ومع ذلك فإنك تراهم-أهل التأويل- يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقًا (٢).
قال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀ (ت: ١٤٢١ هـ): الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من غير تغيير لأن الله أنزل القران بلسان عربي مبين والنبي- ﷺ يتكلم باللسان العربي فوجب إبقاء دلالة كلام الله وكلام رسوله ﷺ على ما هي عليه في ذلك اللسان ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم وهو حرام (٣).
ولعل في هذا الإيجاز بيان كاف وشاف بلا تفريط ولا إجحاف.
стр. 110
المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة
وفيه بيان ما يلي:
أولاً: مقصود السورة الكريمة:
«إن مقصود السورة هو إثبات الحكمة للكتاب، اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله، وموعظة لقمان ـ المسمى به السورة ـ دليل واضح على ذلك» (١).
فالمتأمل في سورة لقمان يجد أن مقصودها وموضوعها الرئيس الذي تدور حوله هو الحكمة ولذا فقد تكرر لفظ الحكمة فيها على النحو التالي:
أ- وصف الله كتابه بأنه حكيم في صدر السورة، فقال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢]. وجاء التعبير عن الآيات باسم الإشارة -تلك- للدلالة على ارتفاع مكانتها في بلاغتها ومعناها.
ب- وصف الله سبحانه نفسه بالحكمة وأنه الحكيم ﵎، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان: ٨ - ٩]، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وأقداره التي يجريها على العباد وله الحكمة البالغة سبحانه وبحمده.
ج- وصف الله عبدًا من عباده وهبه وآتاه الحكمة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. ثم جاء بعد ذلك ذكر وصايا لقمان لابنه، ومن تدبر وتفهم هذه الوصايا تبين له حكمته ورجاحة عقله. وحق للمرء أن يغبط الحكيم على عقله، قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق و رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٢).
стр. 111
«والحكمة لا شك أنها من أَجَلِّ الفوائد التربوية المستنبطة من مقصود السورة الكريمة» (١).
«ووصفُ الكتاب بالحكمة في هذه السورة الكريمة: (الكتاب الحكيم) مناسبٌ لموضوع السورة الكريمة؛ لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد، على الطريقة التي جرت في القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع» (٢).
ثانيًا: تقسيم آيات السورة الكريمة موضوعيًّا: (٣)
تتكون آيات السورة الكريمة من ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى:
عبارة عن إحدى عشرة آية (١١):
الآيات: من الآية الأولى (١) وحتى نهاية الآية الحادية عشرة (١١)، وفيها:
وصف القرآن الكريم: بأنه حكيم، وأنه هدى ورحمة.
وحديث عن المهتدين المحسنين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله تعالى لهم، وحديث عن الضالين المضلين الكافرين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله تعالى لهم.
وحديث عن مظاهر من حكمة الله تعالى، الذي أنزل هذا القرآن، وقدرته وإنعامه، يدلل على أنه الله تعالى وحده. واجب العبادة، وأما غيره. فلا يستحقها.
وفي ذلك: تأكيد لضرورة اتباع كتابه، والتحقق بشروط هذا الاتباع، من: إحسان، وصلاة، وزكاة، ويقين باليوم الآخر.
стр. 112
المجموعة الثانية:
عبارة عن ثمانِ آيات (٨):
الآيات: من الآية الثانية عشرة (١٢) وحتى نهاية الآية التاسعة عشرة (١٩)، وفيها:
موعظة لقمان ﵇، وذكر وصاياه لابنه، وهي نموذج تربوي متكامل الأركان.
ويلاحظ على هذه القصة:
أ - أنها جاءت في سياق الكلام عن القرآن، ووصفه بالحكمة، وبأنه هدى ورحمة للمحسنين.
ب - أنها إشارة على أنه ليس بدعًا أن ينزل الله هذا القرآن، حيث إن من سنته تعالى أن يختار من يشاء من عباده فيؤتيه الحكمة.
جـ- وإشارة إلى أن من أخذ القرآن الحكيم فإنه يؤتى الحكمة، كما أوتي لقمان ﵇.
د - أن إيتاء الحكمة: يقتضي شكرًا؛ ولذلك فعلينا أن نقابل إنعام الله علينا بإنزال القرآن. بالشكر له سبحانه.
هـ- أنها برهان على حكمة القرآن، وحكمة مُنَزِّلِهِ سبحانه حيث يختار لنا الحكمة، كما أن أوامره ونواهيه، وأخباره كلها، هي التي يوصي بها الحكماء.
وإذا تأملنا وصايا لقمان التي جاءت بها هذه المجموعة من الآيات:
فإننا نلاحظ عليها أيضًا ما يلي:
أ - أنها نموذج على الحكمة وأسلوبها
ومن أَجَلِّ صور الحكمة في وصايا لقمان: النهي عن الشرك، الذي من لوازم نبذه وتركه وجحده، تحقيق العبودية لله بتحقيق كمال التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد. اهـ.
ب - أنها أوامر ونواهٍ تعلم الإحسان
حيث إن إدخال الوصية بالوالدين، والأمر باتباع سبيل المؤمنين بين هذه الأوامر والنواهي
стр. 113
يؤكد هذا المعنى.
كما أنه للعبادة، والعشرة مع الوالدين بالمعروف والإحسان إليهما، والتعامل مع أهل الإيمان، والمراقبة، والأمر بإقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث على الصبر، والتواضع، وترك تصعير الخد، وترك المشي المرح، والقصد في المشي، وغض الصوت في الكلام.
لكل ذلك، وكلها آداب متضمنة للإحسان وهي مظهر من مظاهره، هذا مع ما احتوته وتضمنته من هدايات ودلالات إيمانية وعقدية وأخلاقية واجتماعية.
المجموعة الثالثة:
عبارة عن (١٥) خمس عشرة آية:
الآيات: من الآية العشرين (٢٠)، وحتى نهاية الآية الرابعة والثلاثين (٣٤).
وهي خاتمة آيات السورة الكريمة وفيها:
بيان لضرورة الاهتداء بكتاب الله تعالى من خلال لفت نظر العباد إلى نعم الله تعالى، التي تقتضي منهم الشكر له سبحانه وأن مظهر هذا الشكر يقتضي الإيمان بكتاب الله تعالى، واتباعه.
وتختم المجموعة -وكذلك السورة الكريمة- بالدعوة إلى تقوى الله تعالى وخشيته، وعدم الاغترار بالدنيا وزينتها، والشيطان وفتنته، وتقرير أن الله وحده سبحانه، هو الذي يعلم مفاتح الغيب.
وهذا يقتضي الإيمان بالله، واللجوء إليه، وإسلام الوجه له، والعمل بشرعه، واتباع هدى نبيه محمد ﷺ .
стр. 114
ثالثًا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات:
هو ما يلي (١):
١. القرآن الكريم هداية ورحمة للمؤمنين.
٢. قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا.
٣. وصف العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله سبحانه وقدرته.
٤. قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه.
٥. بيان عظم شأن التوحيد وخطورة الشرك.
٦. الأمر بالإحسان للوالدين وطاعتهما في المعروف.
٧. النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد إذا دعوا إلى النظر في الكون وعبادة الخلق له سبحانه.
٨. لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات لله سبحانه وعمل الصالحات.
٩. تسلية الرسول ﷺ عن عدم إيمان المشركين.
١٠. تعجيب رسوله ﷺ من المشركين بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل شيء، ثم هم يعبدون معه غيره ممن هو مخلوق مثلهم.
١١. نِعَم الله ومخلوقاته لا حصر لها.
١٢. الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه لنسترشد بذلك إلى وحدانية الخالق لها سبحانه.
١٣. توبيخ وتبكيت وتقريع المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه.
١٤. الأمر بالخوف من عقاب الله يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود عن والده شيئًا.
١٥. مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها
стр. 115
١٦. إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات ظاهرها وباطنها (١).
وختامًا: فإن سورة لقمان كما تبين معنا تعالج موضوع العقيدة بالتركيز على أصولها الثلاثة: (الوحدانية، والنبوة، والبعث والنشور).
١ - فقد ابتدأت الآيات بذكر القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وذكرت حال السعداء الذين اهتدوا بالقرآن الكريم وحال الأشقياء الذين أعرضوا عنه، كما بينت قدرة الله العظيمة على خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، من قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ١ - ٣] إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].
٢ - واشتملت على مواعظ لقمان الحكيم ووصاياه لابنه، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر وهو يوصي ولده ويمنحه أفضل ما يعرف من الحكمة والدعوة للرشاد والتحذير من الشرك، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
٣ - وختمت السورة ببيان نعم الله تعالى ودلائل قدرته في الكون محذرة المشركين من ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، مخبرة عن جلال الله وعظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلمه بمفاتيح الغيب، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (٢).
стр. 116
المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة
مناسبة السورة بما قبلها (الروم) (١)
١ - لمّا أكمل الله تعالى ما أراد من نفي الشك عن القرآن، وإثبات أنه هدى للمتقين، وذلك من أول سورة، بعد الفاتحة، وهي سورة البقرة، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، حتى آخر «براءة» التي هي سورة غزو الروم .. !!
ولمّا أكمل سبحانه كذلك ـ ما أراد من إثبات حكمته تعالى، وذلك من أول سورة «يونس» واستدل على ذلك فيما تبعها من السور إلى أن ختم سورة «الروم».!!
فقد ابتدأ -من هنا- دورًا جديدًا على وجه أضخم من الأول، إذ وصفه من أول هذه التالية للروم، وهي لقمان، بما وصفه به في التالية لغزو الروم، وهي يونس، وذلك الوصف هو الحكمة، وزاد أنه: هدى، وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون هم أصحاب البدايات.
٢ - أنه تعالى قال فيما قبل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]، وقد أشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة.
٣ - أنه تعالى قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨]، وقال هنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧].
٤ - المؤاخاة بينهما في الافتتاح بـ ﴿الم﴾ [لقمان: ١].
٥ - لما قال تعالى في الروم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ .. ﴾ [الروم: ٥٦]، قال هنا: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [لقمان: ٣ - ٤]، وهذا: هو عين يقينهم بالآخرة! كما أنهم المحسنون، الموصوفون بما ذكر.
٦ - وأيضًا ففي كلتا السورتين: جملة من الآيات، وابتداء الخلق.
стр. 117
٧ - وذكر في الروم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥]، وقد فسر ذلك بالسماع في الجنة، وذكر هنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي، وشتان بين هذا وذاك! (١).
٨ - في الروم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهنا: يقول تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وكلاهما: يفيد سهولة البعث.
٩ - في الروم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]، وقال هنا: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]، فقد ذكر سبحانه في كلٍّ من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآية الأخرى.
١٠ - في الروم ذكر مغلوبية الروم وغلبتهم، المبنيتين على المحاربة بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا. تحاربا عليها، وخرج كل منهما بذلك عن مقتضى الحكمة، حيث أن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وذكر في هذه السورة ـ بالمقابل ـ قصة عبد مملوك ـ مقدمة على كثير من الأقوال ـ حكيم زاهد في الدنيا، غير مكترث بها، ولا ملتفت إليها، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى (٢).
стр. 118
مناسبتها بما بعدها (السجدة)
قال السيوطي (١): «أقول: وجه اتصالها بما قبلها أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة التي
المبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇
وإذ يتعرض الباحث للتعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇ في هذا المبحث، يعرج فيه على أمرين هامين من خلال مطلبين جليلين:
المطلب الأول: نسبه ونشأته.
المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا.
стр. 122
المطلب الأول: نسبه ونشأته، ويشمل ما يلي:
أولاً: اسمه ونسبه
أ- اسمه: (لقمان)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلانِيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «ولقمان اسم أعجمي» (١).
- قال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ): «ولقمان اسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم» (٢).
- قال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «ولقمان اسم مادته عربية مشتقة من اللقم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من لغتهم، ولقمان ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة» (٣).
- قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «وعليه: فإن كان لقمان اسم علم، كان أعجميًّا ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كان عربيًّا منع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ويكون مشتقًا من اللقم» (٤).
- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ هَلْ هُوَ عَجَمِيٌّ أَمْ عَرَبِيٌّ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ
стр. 123
اللُّقَمِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَجَمِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَرَبِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ» (١).
- قال صافي (٢) (ت: ١٣٧٦ هـ): «(لقمان) قيل: هو اسم علم أعجميّ، وقيل: هو عربيّ منع من التنوين للعلميّة وزيادة ألف ونون، والأول أظهر» (٣).
يقول الباحث: والذي يظهر أن لقمان: اسم أعجمي لا عربي، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وربما كان من مشترك الأسماء في اللغات السامية الأصل، واستخدمه العرب بعد ذلك، واستخدام العرب للاسم، أو رده للمصدر لا يقلبه ولا ينقله من عجمته إلى العربية، بل يبقى على عجمته، والله أعلى وأعلم بالصواب.
ب- نسبه
لقد اختُلف في نسب لقمان خاصة لأبيه وجده على أقوال عديدة، توضحها الدراسة وتبينها مع عزو كل قول لقائله فيما يلي: على النحو التالي:
اسم أبيه: ورد على ثمانية أقوال.
القول الأول: (بَاعُورَاء)
١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: ذُكِرَ أنه كان ابن خالة أيوب، وقيل: كان من أولاد آزر» (٤).
стр. 124
٢ - قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته» (١).
٣ - قال الخازن (ت: ٧٤١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته» (٢).
٤ - قال أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب، أو خالته» (٣).
٥ - قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وهو على ما قيل: ابن بَاعُورَاء قال وهب: وكان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (٤).
القول الثاني: (بَاعُورَا)
١ - قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (٥).
٢ - قال النسفي (ت: ٧١٠ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَا، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇» (٦).
٣ - قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا. قال وهب: ابن أخت أيوب ﵇ وقال مقاتل: ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه
стр. 125
السلام» (١).
٤ - قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَهُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَارِخْ، وَهُوَ آزَرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ» (٢).
القول الثالث: (عاعورا)
- قال إسماعيل حقي (٣) (ت: ١١٢٧ هـ): «قال ابن اسحاق صاحب المغازي: هو لقمان بن عاعورا بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل» (٤).
القول الرابع: (باعور)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «هو لقمان بن باعور ابن ناخر بن تارخ وهو آزر أبو إبراهيم ﵊» (٥).
القول الخامس: (ناعور)
- قال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن ناعور ابن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالة أيوب» (٦).
القول السادس: (عنقاء)
١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نوبيًّا من أهل
стр. 126
أيلة (١)، ذكره السهيلي» (٢).
٢ - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «هو لقمان بن عنقاء بن سدون» (٣).
القول السابع: (عَنْقَا)
- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَقِيلَ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَا بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ» (٤).
القول الثامن: (ثاران)
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وحكى ابن جرير والقتيبي أنه: لقمان بن ثاران» (٥).
ويتلخص من الأقوال سالفة الذكر ما يلي:
١ - اتفقت المصادر قاطبة على اسم لقمان بناءً على ورود اسمه في القرآن الكريم، وذلك بورود سورة تحمل اسمه، وذكر فيها مرتين في آيتين متتاليتين (١٢ - ١٣) من السورة الكريمة.
٢ - اختلفت المصادر في اسم أبيه على ثمانية أقوال:
الأول- باعوراء، وعليه أكثر المصادر.
الثاني- باعورا، ويلي القول الأول كثرة.
الثالث- عاعورا.
الرابع- باعور.
الخامس- ناعور.
стр. 127
السادس- عنقاء.
السابع- عنقا.
الثامن- ثاران.
٣ - كما اختلفت المصادر في اسم جده على ستة أقوال:
الأول- ناحور، وعليه أكثر المصادر.
الثاني- ناخر.
الثالث- تارخ.
الرابع- مروان.
الخامس- سرون.
السادس- سدون.
٤ - كما اتفقت أغلب المصادر على أن لقمان من ذرية آزر، وآزر هو: أبو إبراهيم الخليل ﵊، وقيل: ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته.
ومما لا مجال للشك فيه، أن في اسمه أبيه تصحيفًا (١) بينًا وواضحًا، وذلك للتقارب والتشابه الوارد فيه مع اختلاف وتنوع مصادره، وتباعد العهد بينها زمنيًّا، بل بالتأمل في المصدر الواحد تجد تصحيفًا وتحريفًا جليًّا، وبالرجوع لعدة طبعات للمصدر الواحد يتبين التصحيف جليًّا دون أدنى شك، وبالنظر والتأمل في المصادر الخمسة الأولى المتتالية نجد التشابه والتقارب واضحًا وجليًّا، وبالنظر كذلك في المصدرين السادس والسابع يتضح ما ذكر الباحث وما بينه جليًّا دون أدنى ريب أوشك، لذا فقد جمع أصحاب كل قول ورتب أقوالهم ترتيبًا زمنيًّا بحسب تاريخ الوفاة لصاحب كل مصدر منها، ذلك ليتأمل المتبصر حقيقة ما ذهب إليه الباحث من وجود تصحيفٍ
стр. 128
في اسم أبيه، وكذلك ما يبدو في اسم جده من تصحيف، والمتأمل في المصدرين الأول والثاني، وكذلك في المصدر الرابع وما بعده من اسم جده يتضح له ذلك تمامًا.
من فوائد ذكر اسمه ونسبه
وقد يكون في ذكر اسمه ونسبه فوائد من أجلها نفي تلك الدعاوي الباطلة الزائفة التي لا تمت للقمان بصلة أو نسب لا من قريب ولا من بعيد، والتي من أبرزها دعوى أن لقمان هو نبي الله داوود ﵇، فيكون من إثر ذلك أن ابن لقمان الذي يعظه هو سليمان بن داوود ﵉، وأغرب منها كذلك دعوى أن لقمان هو سقراط.
وعمومًا- فإن المعنِيَّ بالبحث هو لقمان نفسه وما آتاه الله تعالى من الحكمة، وما يجنيه أهل الإيمان عمومًا والمربون خصوصًا من مواعظه وما حوته من عبر ودروس
تربوية وإيمانية في تصحيح وتوجيه وترسيخ الأسس والمفاهيم العقدية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية، على وجه من الكمال والتمام، لم لا، وهذا الكتاب كما وصفه ربنا العظيم: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
ثانيًا: نشأته
وتشمل:
* عمره والزمن الذي عاش فيه.
* موطنه.
* مهنه التي امتهنها.
* أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية).
стр. 129
عمره والزمن الذي عاش فيه:
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «إن لقمان عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بُعث قطع الفتوى فقيل له عن ذلك فقال: ألا أكتفي إذا كفيت» (١).
- وقال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وقيل كان قاضيًا في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبي: والأكثرون على أنه كان في زمن داود ﵇» (٢).
- قال البيضاوي (٦٨٥ هـ): «وعاش حتى أدرك داود ﵊ وأخذ منه (٣) العلم وكان يفتي قبل مبعثه» (٤).
ومما سلف ذكره يتضح ويتبين ويتأكد أن زمن لقمان كان قبل مبعث داود ﵇، ثم عاصره زمن نبوته، ويُستدلُ على ذلك بتوقفه عن الفتوى لما بُعِثَ داودُ ﵇ بقوله: «ألا أكتفي إذا كفيت»، وهذا القول عليه الأكثرون كما حكاه عن عكرمة والشعبي، وفيه شبه اتفاق بين المصادر التي طالعها الباحث خلال بحثه، وأن القول بأن زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام قول مرجوح، تفرد به قلة ولا يعول عليه، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.
стр. 130
ثالثًا: موطنه
- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «قال مجاهد: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) (١) غليظ الشفتين مصفح القدمين» (٢).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وكذلك نقل قتادة عن عبد الله بن الزبير ﵁: قلت لجابر بن عبد الله ﵁: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس الأنف من (النوبة)» (٣).
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «رُوي عن سعيد بن المسيب قال: ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (٤).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -أيضًا: «ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من (سودان مصر)» (٥).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (٦).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «قيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: من
стр. 131
(الحبشة)» (١).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال الفراء وغيره: كان (حبشيًّا)» (٢).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «فَأَمَّا صِفَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (عَبْدًا حَبَشِيًّا)».
- قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (٣).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (٤).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) أيضًا: «وكان (نوبيًّا) من أهل أيلة; ذكره السهيلي» (٥).
ولعل ابن المسيب يعني بسودان مصر: (النوبة) (٦) بدليل رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي التي هي
стр. 132
من رواية الأوزاعي: عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب فإنها مفسرة ومبينة لرواية ابن كثير عن ابن المسيب أن لقمان كان من (سودان مصر)، وقوله: ثلاثة من (السودان): بلال، ومهجع مولى عمر، ثم أعقبها ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا).
وبذلك يمكن الجمع بين قولي ابن المسيب رحمه الله تعالى: بأنه يعني بسودان مصر (النوبة)، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.
بما سبق بيانه من أقوال في موطنه يجتمع لدينا عدة روايات تنسبه لأربعة مواطن، وهي:
١ - الحبشة.
٢ - النوبة.
٣ - سودان مصر.
٤ - السودان (١).
ولقد تعددت الروايات الواردة في ذكر موطنه، وأنه من النوبة، وأنه من (سودان مصر)، وأنه كان (حبشيًّا) وعليه الأكثرون، وأنه من (السودان)، فتعدد هذه الروايات لا إشكال فيه أيضًا، فإن المتأمل في صفات لقمان الخِلقية يجد أنها متناسقة ومتطابقة مع الصفات الخِلقية لسكان هذه البقاع المتجاورة والمتلاصقة من الشمال الشرقي للقارة الإفريقية، والتي تجمع أقصى شمال السودان، وهي منطقة (وادي حلفا) وما جاورها، وأقصى جنوب مصر وهي منطقة (النوبة)، ولعله كان له تنقل بين هذه البقاع، والتي تجمعها طبيعة جغرافية وسكانية واحدة، من جهة اللغة والعادات الاجتماعية والأعراف والنشاط السكاني، والروايات التي تذكر أنه من أيلة مع قلتها وندرتها لا تقاس بنسبته إليها مع نسبته إلى القارة الإفريقية، ولعل عمره الطويل كان له تأثير في انتقاله من مكان إلى مكان ومن مهنة إلى مهنة، والله أعلى وأعلم.
стр. 133
رابعًا: مهنته
- قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «اختلف فيما كان يعانيه من الأشغال، فقال خالد بن الربيع: كان (نجارًا) بالراء، وفي معاني الزجاج: كان (نجادًا) بالدال، وهي على وزن كتان، كذا هو بخط جماعة من الأئمّة، وهو: من يعالج الفرش والوسائد ويخيطها، وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، عن ابن المسيب أنه كان (خياطًا)، وهو أعلم من النجاد» (١).
- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان (خياطًا)، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، ألست فلانًا الراعي؟ فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني» (٢).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «كان (يحتطب) لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض» (٣).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «وَفِي صِنَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ (خَيَّاطًا)، قَالَهُ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
وَالثَّانِي: (رَاعِيًا)، قَالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: (نَجَّارًا)، قَالَهُ: خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ» (٤).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أنه كان (قاضيًا). في زمن داود ﵇» (٥).
- وقال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: إنه كان (قاضيًا) على بني إسرائيل» (٦).
ومما سبق من الروايات يتبين أنه: عَمِلَ وامتهن مهنًا كثيرة ومتعددة، ومختلفة وهي:
١) نجارًا.
٢) نجادًا.
٣) خياطًا.
٤) راعيًا للغنم.
٥) حطابًا لمولاه قبل أن يُعتَق من الرق.
٦) قاضيًا على بني إسرائيل.
ولا تعارض في أنه امتهن كل هذه الأشغال والمهن، فبعضها متقارب ويمكن الجمع بينها كالنجاد والخياط، وكذلك يمكن الجمع بين مهنتي الرعي وجمع الحطب، وقد يكون تنقل بين هذه الحرف وتلك المهن، من حرفة إلى حرفة ومن مهنة إلى مهنة، لم لا وقد عُمِّر ألف سنة، فما الذي يمنع من تنقله بين هذه الأشغال وتلك المهن والحرف في هذا العمر الطويل والأمد المديد البعيد، والذي يندر مع طوله وتنقله من مكان إلى آخر- الثبات على مهنة أو صنعة أو حرفة واحدة، ولربما خُتم له بالاشتغال بالقضاء بعد أن امتن الله عليه وآتاه الحكمة وظهرت عليه آثارها، والله أعلى وأعلم بالصواب.
стр. 134
خامسًا: صفاته الخِلقية والخُلقية
أبين أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية):
صفاته الخِلقية:
أما عن صفاته الخِلقية فقد وردت أقوال متعددة متقاربة، وروايات متشابهة، وردت في جمع من المصادر، ومن أهمها ما يلي:
- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «حدثني نصر بن عبد الرحمن وابن حميد قالا: حدثنا حكام عن سعيد الزبيدي عن مجاهد قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا غليظ الشفتين، مصفح القدمين قاضيًا على بني إسرائيل» (١).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «قال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد ابن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر» (٢).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًّا ذا مشافر» (٣).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة» (٤).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد: كان نوبيًّا مشقق الرجلين ذا مشافر، وقال الفراء وغيره: كان حبشيًّا مجدوع الأنف ذا مشفر» (٥).
- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين» (٦).
- وقال ابن الجوزي: «فَأَمَّا صِفَتُهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مَنْ سُودَانِ مِصْر.
стр. 135
- وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» (١).
- وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا» (٢).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا».
ومما سبق ذكره من الروايات السابقة يتضح ويتبين لنا أنَّ من أهم وأبين وأظهر ما وُصِفَ به لقمان الحكيم ﵇ من الصفات الخِلقية، أنه:
١ - عبد حبشي أسود.
٢ - قصير القامة.
٣ - أفطس ومجدوع الأنف.
٤ - غليظ وعظيم الشفتين.
٥ - وقد وصف بأنه ذو مشافر وأنه ذو مشفر.
٦ - وأنه مصفح ومشقق القدمين.
ولا يُشَكُ في صحة نسب تلك الصفات الخِلقية إلى لقمان مجتمعة، ومما يؤكد ذلك، أنها متناسقة ومتقاربة ومتجانسة، بل أغلبها وأعمها متطابق تمامًا كما هو الحال بين رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي مع إحدى روايتي ابن كثير، وليس ثَمَّ مانع من اجتماعها في إنسان يمكن وصفه بتلك الصفات الخِلقية مجتمعة.
ومما يزيد الأمر تأكيدًا، الاتفاق على تلك الصفات الخِلقية، مع اختلاف مصادرها وتنوعها وتباعدها زمانيًّا، والله ولي التوفيق، وهو سبحانه أعلم بالصواب.
стр. 136
ولا شك أن المعني هو الصفات (الخُلُقية) التي بها علو شأن المؤمن وسموه ورقيه لأعالي درجات الكمال البشري، وبها عزه وكرامته عند خالقه ومولاه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، والتي حبا الله لقمان أحسنها وأكملها وأشملها وأطيبها وأنماها وأزكاها وأعلاها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١).
صفاته الخُلقية:
وأما عن أهم صفاته الخُلُقية فإنه: كان عبدًا صالحًا، ومربيًّا حكيمًا، جليل القدر، عظيم النفع، ومن أظهر ما يدل على ذلك ما وهبه الله وحباه من محاسن الصفات، وما أجراه على لسانه وما أنطقه به من الحكمة، وما تكلم به من المواعظ الجليلة في تربية ابنه على منهج متكامل الأركان تام البنيان، شامل لخيري المعاش والمعاد، شامل لبناء المسلم بناءً صحيحًا، عقديًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا.
ولعظم قدر تلك الوصايا التربوية والأبوية الجليلة، خلدها المولى جل في علاه وأصبحت مُسطرة في كتابه المجيد، وأكرم قائلها بإعلاء ذكره في العالمين وشرفه بالذكر في كتابه العزيز بورود سورة في خاتم كتبه على خاتم رسله، ضمن شريعته الغراء الخاتمة، يذكر فيها وتحمل اسمه، لتُصبِح مواعظه الحكيمة والجليلة والبليغة نبراسًا يضيء الطريق للأجيال المؤمنة، ويؤصل لهم معالم الهدى وسبل الرشاد، ويوضح لهم الطريق المستقيم، والسبيل القويم الموصل لرضوان الله في الدنيا، وجنته يوم التناد، إنها سورة كريمة تحمل اسمه، وتتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتلوها أهل الإيمان زُرافات، وَوُحدانًا، يتلونها في صلواتهم وهم في محاريبهم وقوفًا بين يدي ربهم، يتلونها في خلواتهم وجلواتهم، نعم، لقد خلد الله تعالى فيها فصوص حكمه البليغة، ومنهجه الأبوي التربوي الأصيل، والذي يُعدُّ منهاجًا تربويًّا متكاملًا
стр. 137
شاملًا لكل جوانب العملية التربوية، التي تبين واجب المربي، وتوضح بجلاء تام الأهداف التربوية التي يسعى الأب الشفيق لغرسها في نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، والأسلوب التربوي التعليمي بالحكمة والموعظة الحسنة، مع روعة البيان، وتناسق العبارات والألفاظ، مراعيًا التدرج فيها ببيان وتقديم الأهم فالمهم، كل ذلك بالخطاب الحسن، والتحبب إليه بالأسلوب الجميل (يا بني) وتكراره بين الموعظة والأخرى، لكسر الحواجز النفسية وتهيئتها لتلقي الموعظة وقبولها، ولتجديد عقد وشيجة المحبة، ولبيان أن الدافع لتلك المواعظ هو واجب الأبوة، المصحوب والمقرون بالشفقة، التي تزينها أَجَلُّ معاني الحب والحنو والعطف، وما يحمله الوالد لولده من حب الخير له، والحرص على إيصال معاني الكمال إليه بمنهجه التربوي الكامل والشامل المؤدي لأسباب الرقي في مدارج تحقيق أعلى مراتب العبودية، الموصل إلى رضوان رب العالمين وإلى سعادة الدارين.
ولقد اكتفى الباحث بالثابت من صفات لقمان وهي ما آتاه الله من (الحكمة)، وتعرض لأسلوبه التربوي في موعظته لابنه، الدال على حكمته ورجاحة عقله وسعة علمه ومكنون فهمه وعلو همته وأمانته وصدقه وشفقته في نصحه وغير ذلك مما يدخل ضمنًا ويستنبط إدراكًا وفهمًا من صفاته وكريم أخلاقه المستوحاة من فحوى خطابه ونصحه ووعظه لولده، مكتفيًا بذلك عن كثير مما لم يثبت من الصفات المنسوبة إليه، وكذلك ما سبق ذكره من نسبه وموطنه ومهنته وصفاته الخِلقية، وكونه حرًّا أو عبدًا، كل ذلك لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا بل أكثره وأغلبه من أخبار بني إسرائيل، وإن كانت الدراسة تعرضت له بشيء من البيان، ولا طائلة كبيرة من وراء ذكره، إذ لو كان ثَمَّ نفع أو فائدة من ذكره، لبينه الله أوضح بيان كما بين موعظته وجلاها للناظرين وجعلها باقية نافعة للمربين والدعاة وسائر الهداة المصلحين.
وفي نحو ذلك يقول أبو حيان: «وَهَذَا الِاضْطِرَابُ فِي كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِيمَا كَانَ يُعَانِيهِ، يُوجِبُ أَنْ لَا يُكْتَبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَلَ، لَكِنِ الْمُفَسِّرُونَ مُولَعُونَ بِنَقْلِ
стр. 138
الْمُضْطَرِبَاتِ حَشْوًا وَتَكْثِيرًا، وَالصَّوَابُ تَرْكُه» (١).
وموقف أهل السنة من رواية الإسرائيليات معروف ومشتهر على ألسنة العلماء ومبسوط في كتبهم وأكتفي بقول العلامة الشنقيطي:
«ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه وهي إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق … وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنَّة صدقه ولا كذبه» (٢).
وهو ما يعبر عنه العلماء بتقسيم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام:
الأول: موافق لشريعتنا.
الثاني: مخالف لشريعتنا.
الثالث: مسكوت عنه.
الأول: ما جاء موافقًا لشريعتنا:
فأما «ما جاء موافقا لما في شرعنا، فهذا تجوز روايته، وعليه تُحمل الآيات الدالة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، وعليه أيضا يُحمل قوله ﵊: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٣) إذ المعنى: حدِّثوا عنهم بما تعلمون صدقه» (٤).
وفي معنى حديث عبد الله بن عمرو سالف الذكر يقول العظيم آبادي:
قال الخطابي: «ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم
стр. 139
الكذب، لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ؛ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد؛ وذلك لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم؛ لبعد المسافة وطول المدة ووقوع الفترة بين زماني النبوة. وفيه دليل على أن الحديث لا يجوز عن النبي ﷺ إلا بنقل الإسناد والتثبت فيه» (١). اهـ.
الثاني: ما جاء مخالفًا لشريعتنا:
وأما «ما جاء مخالِفًا لما في شرعنا، أو كان لا يُصدِّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأن إباحة الله للرجوع إلى أهل الكتاب، وإباحة الرسول ﷺ للحديث عنهم، لا تتناول ما كان كذبًا، إذ لا يعقل أن يبيح الله ولا رسوله ﷺ رواية المكذوب أبدًا» (٢).
- قال الحافظ ابن كثير ﵀: «وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال» (٣).
الثالث: ما جاء مسكوتًا عنه في شرعنا:
وأما «ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملًا، فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه»، وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ : «لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم» (٤)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله ﵊: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٥)، (٦).
قال الحافظ ابن كثير: هذا «محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا
стр. 140
ما يُصدِّقها ولا ما يُكذِّبها، فيجوز روايتها للاعتبار» (١)، (٢).
يقول الحافظ ابن حجر: «لا حرج؛ أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار .... (٣).
المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا
وهل كان لقمان نبيًّا أو عبدًا حكيمًا لم تثبت له نبوّة؟ على قولين:
القول الأول: أن لقمان كان عبدًا حكيمًا ولم يكن نبيًّا
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «اختلف السلف في لقمان ﵇: هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني».
ثم قال: «ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا» (٤).
وقال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «والجمهورُ على أنَّه حكيمٌ ولم يكن نبيًّا» (٥).
وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور».
واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًّا. وتفرد
стр. 141
بهذا القول (١).
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، ونُقِلَ عن ابن عباس-﵄ قوله: لقمان لم يكن نبيًّا ولا ملكًا ولكن كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته» (٢).
وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدّين، والعقل، والإصابة في القول.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
بيان ممن قال بذلك:
حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّةٍ» (٣).
- حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، أي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الحكمة: الصّواب.
- حدّثنا ابن المثنّى، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنّه قال: كان لقمان رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾
стр. 142
[لقمان: ١٢]، قال: القرآن (١).
- قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمة: الأمانة (٢).
وقال البقاعي: «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ولقد آتينا بما لنا من العظمة والحكمة -لقمان- وهو عبد من عبيدنا -الحكمة- وهو العلم المؤيد بالعمل، والعمل المحكم بالعلم» (٣).
وقال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): «وَقَوْلُهُ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]:
الحكمة: عِبَارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ، فَكُلُّ مَنْ أُوتِيَ تَوْفِيقَ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ» (٤).
وقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة» (٥).
وقال ابن قتيبة (٦) (ت: ٢٧٦ هـ): «لم يكن نبيًّا في قول أكثر النّاس وكان رجلًا صالحًا» (٧).
وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هُوَ نَبِيٌّ أَمْ رَجُلٌ صَالِحٌ؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ» (٨).
стр. 143
وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «قال تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَالثَّانِي: النُّبُوَّةُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
القول الأول: أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ.
وَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ. هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ» (١).
وقال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): «وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، هَلْ كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا صَالِحًا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ» (٢).
ويقول ﵀ في موضع آخر:
وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام، وحكمها ومناسباتها (٣).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا:
فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم بل وللعمل؛ ولهذا فُسِّرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح (٤).
وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة؛ وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا. وقال بنبوته عكرمة والشعبي؛ وعلى هذا تكون الحكمة النبوة.
والصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله -تعالى- وهي الصواب في المعتقدات والفقه في
стр. 144
الدين والعقل» (١).
وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): «على قول الجمهور: أنه حكيم»، و «على قول: عكرمة أنه نبي» (٢).
وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «والأكثرون على أنه لم يكن نبيًّا» (٣).
وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ لُقْمَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ كَانَ حَكِيمًا أَوْ (نَبِيئًا) (٤). فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: كَانَ حَكِيمًا صَالِحًا. وَيَظْهَرُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِصَّتِهِ هَذِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ يُومِئُ إِلَى أَنَّهُ أُلْهِمَ الْحِكْمَةَ وَنَطَقَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ تَعْلِيمُهُ لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ يَعِظُهُ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ» (٥).
وابن عاشور وضع الأمور في نصابها، فبعد أن بَيَّنَ اختلاف السلف في نبوته وذكر رأى الجمهور مرجحًا له، أتى بما يثبت ويؤيد ترجيحه لرأي الجمهور بعدم نبوة لقمان، فقال: لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وقال: قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣] وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ، فيكون بذلك قد أتى بحجة دامغة تدلل على ما ذهب إليه، والحمد لله رب العالمين.
وقال صديق حسن خان القِنَّوجِي: (ت: ١٣٠٧ هـ)
اختلفوا هل هو نبي أم رجل صالح؟
ذهب أكثر أهل العلم على أنه ليس بنبي، ولم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط مع أن الراوي لذلك
стр. 145
عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدًا (١).
قال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀: (ت: ١٤٢١ هـ)
الصحيح أنه ليس بنبي، وأن الله تعالى آتاه الحكمة، وهي موافقة الصواب مع العلم. وقولنا مع العلم بالتبيان، وإلا فلا صواب إلا بعلم (٢). والصواب أنه ليس من الأنبياء، وإنما هو رجل آتاه الله الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرًا (٣).
وقال الشيخُ العلامة عبد الرحمن البراك: (م)
المشهورُ عندَ أهلِ العلمِ أنَّه وليٌّ وعبدٌ صالحٌ، وليسَ في القصَّة ما يدلُّ على النُّبوَّةِ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]، والحكمةُ تُطلَقُ على النُّبوَّةِ وعلى ما دونها مِن العلمِ، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٤).
وقال مصنفو التفسير الميسر (٥):
ولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا (وهو لقمان) الحكمة، وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول (٦).