← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 756

المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (310 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويقول الصابوني (ت: ١٤٤٣ هـ): «سميت هذه السورة (سورة لقمان) بهذا الاسم لاشتمالها على موعظة لقمان ﵇ التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله وصفاته وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته من الوصايا الثمينة» (١). ويقول شحاتة: «سميت بسورة لقمان لورود موعظة لقمان ﵇ فيها، وكان من الحكماء الأقدمين» (٢). ويقول الباحث: إن تسمية السورة الكريمة بسورة لقمان جاء تمشيًا مع القاعدة المتبعة عند أئمة التفسير بتسمية السورة بأبرز ما ورد فيها، ذلك مع مراعاة اعتبار الخلاف المشهور عند أئمة التفسير في كون أسماء السور توقيفية أو اجتهادية كلها أو بعضها، أو كون بعضها اجتهاديًّا من الصحابة أنفسهم ﵃ أجمعين. المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها ويندرج تحت هذا المطلب ما يلي: أولًا: ترتيبها في المصحف الشريف: سورة لقمان هي السورة الحادية والثلاثون [٣١] من بين سور المصحف الشريف توسطت بين سورتي الروم والسجدة على الترتيب المصحفي. ثانيًا: عدد آياتها: أربع وثلاثون آية [٣٤] في عد أهل الشام، والبصرة، والكوفة (٣) (٤)، [٣٣] وهي ثلاث وثلاثون

стр. 72

في المكي والمدني (١). الخلاف في عدد آيات سورة لقمان: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «وهي ثلاثون وثلاث آيات في عدد المدنيين والمكي، وأربع في عدد الباقين» (٢). وبنحو قول أبي عمرو الداني قال جمع غفير من أهل العدد (٣). القول الأول: ثلاث وثلاثون آية: وهذا القول اختاره كذلك جمع من أهل العدد، فمنهم من اختاره كقول منفرد كـ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاس (ت: ٣٣٨ هـ) في "معاني القرآن"، قَالَ: «آياتها ٣٣ آية» (٤)، ومنهم من اختاره في عد المكي والمدني جميعًا، ومنهم من اختاره في عد أحدهما (٥). القول الثاني: أربع وثلاثون آية: وقد اختار هذا القول منفردًا جمع من أهل العدد: كـ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: ٤٢٧ هـ): في "الكشف والبيان" قال: «أربع وثلاثون آية» (٦)، كما وافقه على هذا القول جمع من أهل العدد (٧). ومنهم من اختاره وعده عند الكوفي والبصري والشامي كما مر معنا آنفًا.

стр. 73

مواضع اختلاف العدد في السورة الكريمة: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «اختلافها آيتان: ﴿الم﴾ عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ عدها البصري والشامي ولم يعدها الباقون» (١). وبذلك قال جمع من أهل العدد، منهم: أبو الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ) (٢)، عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ) (٣)، أبو عيد رِضْوانُ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٤). القول الراجح في عد آي السورة الكريمة: ومن خلال ما مضى بيانه يتبين لنا أن القول الراجح هو القول الثاني، أي: أن عدد آياتها أربع وثلاثون آية شامي وبصري وكوفي وعليه الأكثرون، والله تعالى أعلى وأعلم (٥). رؤوس الآي في السورة الكريمة: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ورؤوس الآي هي: ١. ﴿الم﴾ [لقمان: ١]. ٢. ﴿الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢]. ٣. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣]. ٤. ﴿يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤]. ٥. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥].

стр. 74

٦. ﴿مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]. ٧. ﴿أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧]. ٨. ﴿النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨]. ٩. ﴿الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩]. ١٠. ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]. ١١. ﴿مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]. ١٢. ﴿حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]. ١٣. ﴿عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ١٤. ﴿الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. ١٥. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. ١٦. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. ١٧. ﴿الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. ١٨. ﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. ١٩. ﴿الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. ٢٠. ﴿مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]. ٢١. ﴿السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]. ٢٢. ﴿الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢]. ٢٣. ﴿الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣]. ٢٤. ﴿غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].

стр. 75

٢٥. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥]. ٢٦. ﴿الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦]. ٢٧. ﴿حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. ٢٨. ﴿بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]. ٢٩. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]. ٣٠. ﴿الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠]. ٣١. ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١]. ٣٢. ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. ٣٣. ﴿الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. ٣٤. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١). قاعدة رؤوس الآي (الفواصل) في السورة الكريمة: قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «وقاعدة فواصلها: نظم در» (٢). نحو: «يوقنون، وغليظ، وكريم، والحميد، ومنير» (٣). نظائر سورة لقمان في العدد: قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ونظيرتها في البصري والشامي الأحقاف ولا نظير لها في غيرهما» (٤)، وكذلك هو قول أبي عيد رِضْوان المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٥). ثالثًا: مواضع النسخ في السورة الكريمة الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] . قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: ٤٣٧): «سورة لقمان (مكية). ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] منسوخٌ بقول النبي ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت» (٦)، يريد نسخ الجمع بين الشّكرين بالواو، فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فيتقدّم الشّكر لله كالمشيئة» (٧). قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «سورة لقمان: ليس فيها نسخ، وزعم قوم أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، منسوخ بقوله ﷺ : «لا تقل: ما شاء الله وشئت، ولكن قل: ما شاء الله ثم شئت» (٨) أي: نسخ الجمع بين الشكرين بالواو فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فتقدم الشكر لله كالمشيئة، فعلى هذا لا يجوز أن تتلى هذه الآية، وهذا خلف من القول. وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية. نسخ معناها بالسيف (٩)، وليس كما قالوا، وقد تقدم الجواب» (١٠) الآية. [لقمان: ٢٣]. والحقيقة أن شكر الله هو شكر يليق بذاته العلية وذلك بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه

стр. 76

سبحانه تعظيمًا وإجلالًا وتكبيرًا، وشكر الوالدين إنما هو شكر يليق بهما كذلك من برهما والإحسان إليهما رحمة بهما وإشفاقًا وتوقيرًا، فشكر الله تعالى مغاير لشكر الوالدين، ولكن جاء الاقتران بينهما بيانًا لعظم حق الوالدين، وقد تكرر ذلك في غير ما موضع من كتاب الله تعالى. والحق ما قاله السخاوي: وهذا خلف من القول. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] . قَالَ أَبو مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: ٤٥٦ هـ): «سورة لقمان، وجميعها محكم غير آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]» (١). قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: ٤١٠ هـ): «سورة لقمان نزلت بمكّة وفيها من المنسوخ آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]، نسخ معناها لا لفظها بآية السّيف والباقي محكم» (٢). قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ): «باب: ذكر ما ادّعي عليه النّسخ في سورة لقمان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]، ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هذا منسوخٌ بآية السّيف، وقال بعضهم: نسخ معناها لا لفظها بآية السّيف، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنّها إنّما تضمّنت التّسلية له عن الحزن، وذلك لا ينافي القتال» (٣). رابعًا: ترتيبها بين السور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة: والسور المفتتحة بحروف الهجاء المقطعة في القرآن الكريم على النحو التالي: جاءت الحروف المقطعة في فاتحة تسع وعشرين سورة وتسمى فواتح السور، وهي: ١ - ﴿الم (١)﴾: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.

стр. 77

٢ - ﴿المص (١)﴾: الأعراف. ٣ - ﴿الر (١)﴾: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر. ٤ - ﴿المر (١)﴾: الرعد. ٥ - ﴿كهيعص (١)﴾: مريم. ٦ - ﴿طه (١)﴾: طه. ٧ - ﴿طسم (١)﴾: الشعراء، القصص. ٨ - ﴿طس (١)﴾: النمل. ٩ - ﴿يس (١)﴾: يس. ١٠ - ﴿ص (١)﴾: ص. ١١ - ﴿حم (١)﴾: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف. ١٢ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾: الشورى. ١٣ - ﴿ق (١)﴾: ق. ١٤ - ﴿ن (١)﴾: القلم. وجاءت على النحو التالي: ١ - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]. ٢ - ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ١ - ٣]. ٣ - ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ١ - ٢].

стр. 78

٤ - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]. ٥ - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. ٦ - ﴿الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ١ - ٢]. ٧ - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [الرعد: ١]. ٨ - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. ٩ - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ [الحجر: ١]. ١٠ - ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [مريم: ١ - ٢]. ١١ - ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ١ - ٢]. ١٢ - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الشعراء: ١ - ٢]. ١٣ - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١]. ١٤ - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [القصص: ١ - ٢]. ١٥ - ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]. ١٦ - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١ - ٢]. ١٧ - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢]. ١٨ - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [السجدة: ١ - ٢]. ١٩ - ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢]. ٢٠ - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١].

стр. 79

٢١ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ [غافر: ١ - ٢]. ٢٢ - ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١ - ٢]. ٢٣ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢]. ٢٤ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزخرف: ١ - ٢]. ٢٥ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الدخان: ١ - ٢]. ٢٦ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الجاثية: ١ - ٢]. ٢٧ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الأحقاف: ١ - ٢]. ٢٨ - ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١]. ٢٩ - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١]. وتأتي هذه الأحرف آية، وجزءًا من آية، وآيتين: على مثال النحو التالي: ١ - مثال الأحرف في آية: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]. ٢ - مثال الأحرف في جزء من آية: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]. ٣ - مثال الأحرف في آيتين: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢]. وتصنف الحروف المقطعة على أساس المباني إلى: * ثلاث سور افتتحت بحرف واحد: ص، ق، ن.

стр. 80

* وعشر سور افتتحت بحرفين: طه، طس، يس، حم. * واثنتا عشرة سورة افتتحت بثلاثة: أحرف: الم، الر، طسم. * وسورتان اثنتان افتتحتا بأربعة أحرف: المص، المر. * وسورتان اثنتان افتتحتا بخمسة أحرف: كهيعص، (حم عسق). ومن الأحرف المقطعة ما تكرر في فواتح السور فجاء على النحو التالي: ١ - ما افتتحت به سورة واحدة: المص، المر، كهيعص، طه، طس، يس، ص، (حم عسق)، ق، ن. ٢ - ما افتتحت به سورتان: طسم. ٣ - ما افتتحت به خمس سور: الر. ٤ - ما افتتحت به ست سور: الم، حم (١). وسورة لقمان هي السابعة عشر (١٧) من بين السور التسع والعشرين (٢٩) التي افتتحت بحروف الهجاء المقطعة في كتاب الله، افتتحت بقوله سبحانه: ﴿الم (١)﴾ [لقمان: ١]. سبقتها ست عشرة سورة (١٦)، وتلتها اثنتا عشرة سورة (١٢)، وهي من المفتتح بثلاثة أحرف، وهي السور الأكثر عددًا بين السور التي افتتحت بهذه الحروف.

стр. 81

طريقة قراءة الحروف المقطعة: لا تُقرأ هذه الحروف كالأسماء مثل باقي الكلمات، بل تُقرأ واحدة واحدة بصورة متقطعة، ومن أجل ذلك سميت بالحروف المقطعة. فننطق (الم) بهذه الكيفية: (ألفْ لامْ ميمْ)، وننطق (طسم) بهذه الكيفية: (طا سينْ ميمْ)، وهكذا بالنسبة للبقية، مع ملاحظة تسكين الأواخر باستمرار، وفي هذا سر من أسرار وجوب أخذ القرآن بالتلقي والمشافهة. خامسًا: أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور ويتبين بالدراسة: أنه من المناسبة بمكان، الكلام عن الحروف المقطعة المفتتح بها أوائل بعض السور بإيجاز، لأن موضوع البحث متعلق بسورة لقمان وهي من السور المفتتحة ببعض تلك الحروف. وقبل ذكر أقوال العلماء في الأحرف المقطعة لا بد من ذكر بعض الأمور: الأمر الأول: أنه لم يثبت عن الرسول ﷺ حديث صحيح مرفوع في معنى هذه الأحرف (١)، ومن ثَمَّ فإن القول في تفسيرها لا سند له من الكتاب أو السنة الصحيحة بالنص. الأمر الثاني: أن افتتاح الكلام بالأحرف الهجائية المقطعة أسلوب لم يكن معروفًا عند العرب ولم يألفوه من قبل، وإنما كان أسلوبًا جديدًا؛ ولذا فلن نجد لها شاهدًا من كلام العرب فيما أعلم. الأمر الثالث: أنه إذا لم يكن تفسير هذه الأحرف قد ورد في الكتاب ولا في السنة، وليس له شاهد في لغة العرب؛ فإن الأقوال فيها مَحْضُ تخرصاتٍ، لا يصح أبدًا أن يجزم أحد بمعناها، كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «اعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده الله تعالى فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعًا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم

стр. 82

يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودًا عنده من الرطانة .. » (١). ومع هذا فإن من أقوال المفسرين لها ما هو معقول وقريب ولا عيب فيه إلا عدم الدليل، ومنها ما يفقد الدليل مع البعد والغرابة، والشطط والتكلف (٢). وهذه الأمور من الأهمية بمكان، فكان لا بد من التنبيه عليها قبل ذكر أقوال العلماء فيها مقتضبة. أقوال أهل العلم في الحروف المقطعة: ولقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل بعض السور، حيث يرى بعضهم أن علمها عند الله، ويرى بعضهم أن فيها وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وذكر بعضهم أنها قَسَمٌ، كما جاء عن الأخفش الأوسط الذي علل كونها قسمًا بقوله: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها، لأنها مباني كتبه المنزلة، ومبادئ أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام العرب، بها يتعارفون ويذكرون الله تعالى ويوحدونه (٣). ورغم تعدد أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور؛ إلا أن هناك محلًّا متفقًا عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة.

стр. 83

يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨]. الأمر الثاني: أن الله تعالى قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢] آيتان. فلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من موضع آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (١). الأمر الثالث: أن الله تعالى حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من لدن حكيم حميد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فإذا كان هذا القرآن تنزيلًا من حكيم حميد، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. قال العلامة السعدي: «وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثًا، بل لحكمة لا نعلمها» (٢). اهـ.

стр. 84

والحروف المقطعة ليست هي موضوع البحث هنا فلا يناسبها الاستطراد والإطالة في البحث كما تبين لنا آنفًا. وممن أجمل أقوال العلماء في المسألة (الزركشي)، فقال: اختلف الناس في الحروف المقطعة في أوائل السور، وأنها على قولين: أحدهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله به. القول الثاني: أن المراد منها معلوم، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجهًا؛ منها البعيد ومنها القريب (١). وقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف حتى وصل بها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ثلاثين قولًا (٢). ولهذا رُوِي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور» (٣). ورُوِي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» (٤). وقال الشعبي: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى». وقال الفخر الرازي: «وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما

стр. 85

لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه» (١). ومن خلال المدارسة والبحث تبين أن أشهر وأظهر ما ورد في الحروف المقطعة قولان: الأول: أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه. والثاني: أنها للإعجاز والتحدي، والله أعلم. سادسًا: عدد كلماتها: عدد كلمات سورة لقمان: خمسمائة وثمان وأربعون كلمة (٥٤٨) وعليه أغلب أهل العدد (٢). سابعًا: عدد حروفها: عدد حروف سورة لقمان: ألفان ومائة وعشرة أحرف (٢١١٠)، ولا خلاف بين العادين أن حروفها (٢١١٠) حرفًا (٣). ثامنًا: ترتيبها في النزول: هي السورة السابعة والخمسون في ترتيب النزول (٥٧)، نزلت بعد سورة الصافات، وقبل سورة سبأ، وهي من المثاني (٤).

стр. 86

بيان لبعض ما ورد في ترتيب نزولها: قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «نزلت بعد الصافات» (١). قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيءٍ الكَلْبِيُّ (ت: ٧٤١ هـ): «نزلت بعد الصافات» (٢). قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «ونزلت بعد سورة (والصافات)، ونزلت بعدها سورة سبأ» (٣). قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وهذه السّورة هي السّابعة والخمسون في تعداد نزول السّور، نزلت بعد سورة الصّافّات وقبل سورة سبأٍ» (٤).

стр. 87

تاسعًا: مكية السورة أو مدنيتها: وهي سورة مكية. بيان من نص على أنها مكية: قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: ٢٠٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ كلّها» (١). وعلى ذلك عموم أئمة التفسير. (٢) وحُكي عن بعضهم خلافٌ يسير في ذلك: قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ): «وهي مكية في قول الأكثرين وروي عن عطاء أنه قال: هي مكية سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] والتي بعدها، (لقمان: ٢٧، ٢٨)، وروي عن الحسن أنه قال: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن الصلاة والزكاة مدنيتان» (٣). قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وهي مكّيّة وفيها اختلاف في آيتين قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فذكر السّديّ أنّها نزلت بالمدينة، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة، وقال ابن النّقيب:

стр. 88

قال ابن عبّاس ﵄: «هي مكّيّة إلّا ثلاث آيات نزلن بالمدينة»، وعن الحسن: إلَّا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النّمل: ٣، لقمان: ٤]؛ لأن الصّلاة والزّكاة مدنيتان» (١). قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلَّانيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «مكية، قيل: إلا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن وجوبهما بالمدينة لا ينافي شرعيتهما بمكة» (٢). وهذا كلام له وجاهته من القسطلاني. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ إلّا ثلاث آياتٍ، وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، إلى الآيات الثّلاث، قاله ابن عبّاسٍ ﵄ فيما أخرجه النّحّاس عنه. وأخرج ابن الضّريس، وابن مردويه، والبيهقيّ في «الدّلائل» عنه أنّها مكّيّةٌ ولم يستثن، وحكى القرطبيّ عن قتادة أنّها مكّيّةٌ إلّا آيتين» (٣). قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وروى البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» عن ابن عبّاس ﵄: أنزلت سورة لقمان بمكّة. وهي مكّيّةٌ كلّها عند ابن عبّاسٍ ﵄ في أشهر قوليه، وعليه إطلاق جمهور المفسّرين» (٤). القول الراجح مكية السورة أو مدنيتها: وختام هذا الأمر ما ذكره ابن عاشور هو ما تميل إليه النفس، وهو ما عليه جمهور المفسّرين، أنها سورة مكية.

стр. 89

عاشرًا: بيان ما ورد في أسباب نزولها: قال أبو حيّان: «سبب نزول هذه السّورة أنّ قريشًا سألوا رسول الله ﷺ عن موعظة لقمان مع ابنه، أي: سألوه سؤال تعنّتٍ واختبارٍ. وهذا الّذي ذكره أبو حيّان يؤيّده تصدير السّورة بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]» (١). قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «وقيل: إن النبي ﷺ لما قدم المدينة أتاه اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال ﷺ : «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، وخلفها موسى فينا، وفي التوراة أنباء كل شيء؟! فقال ﷺ : «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى». فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيات الثلاث، وباقيها مكي» (٢). قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة» (٣). ويرى الباحث: أنه ليس ثَمَّ مانع من تعدد أسباب النزول و النازل واحد.

стр. 90

«فتعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سببًا لنزول آية أو أكثر، وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد، ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين: إحداهما بمكة جوابًا للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جوابًا «فتعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سببًا لنزول آية أو أكثر، وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد، ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين: إحداهما بمكة جوابًا للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جوابًا لأهل الكتاب من أهلها» (١). ويقول الزركشي: «ونزول الشيء أكثر من مرة قد يكون تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا به عند حدوث سببه خوف نسيانه» (٢). الحادي عشر: بيان ما ورد في نزول آياتها: * ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]: قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا ويقول لهم: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات.

стр. 91

وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية. وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت. وقال ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلًا ونهارًا» (١). قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في النضر بن الحارث؛ اشترى قينة وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، فنزلت» (٢). * ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]: قَالَ مُقْبِلُ بنُ هَادِي الوَادِعِيُّ (ت: ١٤٢٣ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] الآية، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله ﷺ : أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٣).

стр. 92

تنبيه: قال الحافظ في الفتح (١): «اقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب ففي رواية جرير عنه- فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: «ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان»، وفي رواية وكيع عنه فقال: «ليس كما تظنون» وفي رواية عيسى بن يونس «إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟» وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة ولذلك نبههم عليها. ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان» (٢). اهـ.

стр. 93

* ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]: قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ على ما ذكرناه في سورة العنكبوت» (١). قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في أبي بكر ﵁، قال عطاء عن ابن عباس ﵄: يريد أبا بكر وذلك أنه حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير ﵃ أجمعين فقالوا لأبي بكر ﵁: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فأنزل الله تعالى يقول لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يعني: أبا بكر ﵁» (٢). * ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٩]: قَالَ أبو عمرو عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «مكية، قال ابن عباس ﵄: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة. وقال عطاء: إلا آيتين وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر

стр. 94

إلى المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] تعنينا أم قومك؟ قال: «كُلًّا قد عنيت». قالوا: وإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال: «هنّ في عِلم الله قليل»؛ فأنزل الله جل وعز: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيتين» (١). قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية. قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله بمكة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفتعنينا أم قومك؟ فقال: «كُلًّا قد عنيت»، قالوا: لست تتلو فيما جاءك أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي في علم الله سبحانه قليل وقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم به»، فقالوا: يا محمد، كيف تزعم هذا وأنت تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا؛ علم قليل وخير كثير؟؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية» (٢). قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فقالوا:

стр. 95

تزعم أنَّا لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا؟ فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية. وأخرج ابن إسحاق عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فلما هاجر إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، إيانا تريد أم قومك؟ فقال: «كُلًّا عنيت»، قالوا: فإنك تتلو أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي في علم الله قليل»، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄. وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة وابن جرير عن قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفذ؛ فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية» (١). قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «مكية، وعن ابن عباس ﵄: غير ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة؛ وذلك أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا آية ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أفينا أو [عَنَيْتَ] قومَك؟ فقال: «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى فينا ومعنا؟ فقال النبي ﷺ لليهود: «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى»؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] .. إلى تمام الآيات الثلاث» (٢). * ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]:

стр. 96

قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفصة، من أهل البادية، أتى النبي ﷺ فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا محمد بن حمدون ابن الفضل، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ، قال: أخبرنا حمدان السلمي، قال: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثنا عكرمة، قال: حدثنا إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي أنه كان مع النبي ﷺ إذ جاء رجل بفرس له يقودها عقوق ومعها مهرة له يتبعها فقال له: من أنت؟ قال: «أنا نبي الله»، قال: ومن نبي الله؟ قال: «رسول الله»، قال: متى تقوم الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: متى تمطر السماء؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: ما في بطن فرسي هذه؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، فقال: أرني سيفك فأعطاه النبي ﷺ سيفه فهزه الرجل ثم رده إليه فقال له النبي ﷺ : «أما إنك لم تكن لتستطيع الذي أردت»، قال: وقد كان الرجل قد قال: اذهب إليه فأسأله عن هذه الخصال ثم اضرب عنقه. أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي سويد، قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم

стр. 97

الساعة إلا الله» (١) (٢). قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد؟ وبلدنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٣). المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة مما يجب تأكيده لدى الباحثين أهمية اللغة في فهم مراد كلام الله تعالىإعرابًا وتصريفًا وبلاغًة -بيانًا وبديعًا ومعانيَ- وأنها تُعد مفتاح فهم الأصلين العظيمين؛ الكتاب والسنة، فهي من أهم وأَجَلِّ الوسائل الموصلة إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما. وفي هذا المبحث محاولة -بإيجاز- بيان أهمية اللغة وبيان مكانتها في هذا الجانب العظيم، ثم التعريج على أهم وأبرز الدلالات البلاغية التي يفهم منها أهم الأوجه الإعجازية التي تدل عليها آيات السورة الكريمة. وإن مما يدلُّ على أهميةِ اللغة في فهمِ كتاب الله تعالى: حرصُ أولي العلم في العصورِ الأولى المتقدمة على التأليفِ والتصنيف في هذا الجانب العظيم، ألا وهو إعراب القرآن ومعانيه، بل إنَّ بعض هذه المصنفات منها ما يُسمى بـ «معاني القرآن»؛ ككتاب الفراء، والزجاج، والأخفش، مما يبين ويوضح جليًّا أهميةَ إعراب القرآن في فهم معانيه والدلالة على مقاصده ومراميه، والدليل

стр. 98

على ذلك ما نص عليه الكثير من المشتغلين بعلم التفسير حين عَدُّوا إعراب القرآن علمًا من فروعِ علمِ التفسير. قال الشاطبي ﵀: «وعلى النَّاظرِ في الشريعةِ والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا أمران؛ أحدهما: ألا يتكلَّمَ في شيء من ذلك حتى يكون عربيًّا أو كالعربي؛ في كونِه عارفًا باللِّسان العربي، بالغًا فيه مبلغ العرب». قال الشَّافعي ﵀: «فمن جهل هذا من لسانها -وبلسانها نزل الكتاب، وجاءت السنة- فتكلَّفَ القول في علمِها، تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبتْ معرفتُه، كانت موافقته للصواب -إن وافقه- غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور؛ إذ نطق فيما لا يحيطُ علمه بالفرقِ بين الخطأ والصواب فيها» (١). ولقد أبان عن هذه الأهميةِ أهلُ اللغة أنفسهم: يقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلومِ الإسلامية فقهها وكلامها (٢)، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يُدفع، ومكشوفٌ لا يتقنَّع، ويَرَوْن الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيًّا على علمِ الإعراب» (٣). وما ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي صحيحٌ؛ وذلك لتوقُّفِ معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتابِ والسنة، وأقوالِ أهلِ العقد والحل من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة: من جهة الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحذف والإضمار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والإيماء، وغير ذلك مما لا يعرفُ في غيرِ علم العربية (٤).

стр. 99

وقال الحسن البصري ﵀: «أهلكتهم العُجْمَةُ؛ يتأولونه على غيرِ تأويله» (١). وقال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «لا بُدَّ في تفسيرِ القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلُّ على مرادِ الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه؟ فمعرفةُ العربيةِ التي خُوطبنا بها ممَّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظِ على المعاني؛ فإنَّ عامَّة ضلالِ أهل البدع كان بهذا السبب، فإنَّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدَّعون أنَّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (٢). وقال أبو حيان في معرضِ ثنائه على سيبويه ﵀: «فجدير لمن تاقت نفسُه إلى علمِ التفسير، وترقَّتْ إلى التحريرِ والتحبير، أن يعتكفَ على كتابِ سيبويه؛ فهو في هذا الفنِّ المعوَّل عليه، والمستند في حلِّ المشكلات إليه» (٣). وقال الزركشي ﵀: «واعلم أنَّه ليس لغيرِ العالم بحقائقِ اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلامِ الله، ولا يكفي في حقِّه تعلم اليسير منها؛ فقد يكونُ اللَّفظُ مشتركًا وهو يعلم أحدَ المعنيين والمراد المعنى الآخر» (٤). ولهذا السبب يقول مالك ﵀: «لا أُوتَى برجلٍ غير عالم بلغةِ العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا» (٥). «ولهذا أيضًا نجد التفاسيرَ مشحونةً بالرِّواياتِ عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم، فالاستظهارُ لبعضِ معاني القرآن الكريم وأسرارِه نابعٌ من الاستعانةِ بأقاويلهم،

стр. 100

والتشبث بأهدابِ فسْرهم وتأويلهم؛ كما قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي في المفصَّل» (١). وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائلِ القرآن عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لأن أعرب آيةً أحب إليَّ من أن أحفظَ آية (٢). وذلك لأنَّ فهمَ الإعراب يعينُ على فهمِ المعنى، والقرآن نزل للتدبرِ والعمل. فمن هذا يتبين أهمية الحاجة لبيان أهم الجوانب اللغوية في السورة الكريمة. وقد عرض الباحث لإعراب السورة كاملة، ولكن حذرًا من خشية التطويل الممل اكتفى ببيان أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة ولعل ما في الإشارة ما يغني عن العبارة. وقفات مع أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي: ١ - وضع المصدر للمبالغة: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣]. ٢ - الإِشارة بالبعيد: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [لقمان: ٢] عن القريب: (هذه) لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن. ٣ - الإِطناب بتكرار الضمير واسم الإِشارة: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [لقمان: ٤ - ٥] لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي: هم المفلحون لا غيرهم. ٤ - الاستعارة التصريحية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] شبّه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية.

стр. 101

٥ - التشبيه المرسل المجمل: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ذكرت أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه «مرسل مجمل». ٦ - أسلوب التهكم: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم. ٧ - الالتفات من الغيبة إِلى التكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [لقمان: ١٠] بعد قوله: (خلق، وألقى، وَبَثَّ). وكلها بضمير الغائب، ثم التفت فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [لقمان: ١٠] لشأن الرحمن، وتوفيةً لمقام الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية. ٨ - إِطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقة. ٩ - الاستفهام للتوبيخ والتبكيت: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] « ١٠ - وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]، وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلالٍ مبين. ١١ - مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] ويسمى هذا النوع في علم البديع «سجعًا» وأفضله ما تساوت فقره، وكان سليمًا من التكلف، خاليًا من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في نهاية الآيات الكريمة. ١٢ - الطباق بين: ﴿يَشْكُرْ﴾ [لقمان: ١٢]، و ﴿كَفَرَ﴾ [لقمان: ١٢]. ١٣ - صيغة المبالغة: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] وكذلك: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] و ﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]؛ لأن فعيلًا وفعولًا من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر. ١٤ - ذكر الخاص بعد العام: ﴿بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ [لقمان: ١٤] وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص. ١٥ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر مثل: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] و ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾

стр. 102

[لقمان: ١٥]، أي: لا إِلى غيري. ١٦ - التمثيل: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] مثَّل ذلك لسعة علم الله وإِحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإِنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة. ١٧ - التتميم: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] تَمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع. ١٨ - المقابلة: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: ١٧]، ثم قال: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] فقابل بين اللفظين. ١٩ - الاستعارة التمثيلية: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] شبَّه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير عن رفع الصوت. ٢٠ - الطباق بين قوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وكذلك بين لفظ: (الحق، والباطل). ٢١ - الإِنكار والتوبيخ مع الحذف: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ [لقمان: ٢١] أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ. ٢٢ - المجاز المرسل: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان: ٢٢] أطلق الجزء وأراد الكل ففيه مجاز مرسل. ٢٣ - التشبيه التمثيلي: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إِلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عروة، وحذف أداة التشبيه للمبالغة. ٢٤ - المقابلة بين: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] وبين: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا

стр. 103

يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية. ٢٥ - الاستعارة: ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] استعار الغلظ للشدة لأنه إِنما يكون للإجرام فاستعير للمعنى. ٢٦ - مثال آخر لتقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] أي: إليه لا إلى غيره. ٢٧ - صيغ المبالغة في التالي: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١]، و: ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]، و: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، و: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، كما أنَّ فيها توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع (١). تنبيه من الأهمية بمكان عن المجاز في القرآن: أولًا: المقصود من المجاز في اللغة: هو التجاوز والتعدّي، وجزت الطريق، وجاز الموضع جوازًا ومجازًا: سار فيه وسلكه، وجاوزت الموضع بمعنى جزته، والمجاز والمجازة الموضع (٢). فالمجاز: "مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما توجبه أصل اللغة، وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكان الذي وضع به أولا" (٣).

стр. 104

والمجاز في الاصطلاح هو: "اللفظ المستعمَل في غير ما وُضع له أصلًا لعلاقة بينهما مع وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي" (١). يقول الباحث: وإنما يسمَّى المجاز مجازًا لأنَّه قد تُجُوِّزَ به عن أصل الوضع توسُّعًا في استعماله، فاللفظ قد استعمل في غير الأصل الذي وُضع له، وكان السبب في هذا الاستعمال وجود قرينة صرفته عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي. و"يسمى مجازًا؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعًا منهم، كتسمية الرجل الشجاع أسدًا، والبليد حمارًا" (٢). ثانيًا: متى كانت بداية تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ؟ إن القول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة قول محدث، وإنما وقع حدوثه بعد القرون المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة ورأسهم إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام البصري: (ت: ٢٣١ هـ). وقيل: "لعل أول من عُرِفَ عنه القولُ بالمجاز هو الجاحظ كما يشير إلى ذلك الشريف الرضى العلوي الموسوي الرافضي (ت: ٤٠٦ هـ) (٣) في كتابه: "تلخيص البيان في مجازات القرآن" (٤).

стр. 105

وللجمع بين قول الباحث القائل بأن "النظّام" هو منشأ القول بالمجاز وبين قول الشريف الرضي الرافضي القائل بأن "الجاحظ" هو منشأ القول بالمجاز، ذلك بأن الجاحظ تلمذ للنظّام فلعله نقله عنه وبذلك يلتئم قول الشريف الرضي مع قول الباحث. يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: " … فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودًا في المائة الثانية" (١). ويقول ﵀ أيضًا: " .... وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين … " (٢). وقال ابن القيم ﵀: وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيمًا شرعيًا ولا عقليًا ولا لغويًا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين (٣). وكلام ابن القيم، وكلام شيخه - شيخ الإسلام- كأنما خرج من مشكاة واحدة. ثالثًا: هل في القرآن مجاز ؟ لقد اختلف العلماء هل في القران مجاز؟ وفي مسألة وقوع المجاز في القرآن الكريم خلافٌ مشهور، والأصل أن الكلام باق على حقيقته، ولا يُصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، وعليه فإن الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة حملها على حقائقها.

стр. 106

رابعًا: مقاصد القائلين بالمجاز وأهل المجاز قصدوا به التوصل إلى تأويل نصوص آيات الصفات، خلافًا لما عليه أهل السنة من إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه ونفاه عنه رسول الله ﷺ مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى. "وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، بدعوى أنها مجاز، كقولهم في (استوى): استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز" (١). "ولهذا نقول للذين حرفوا آيات الصفات وأحاديثها: ليس عندكم قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا قالوا: اليد بمعنى القوة. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن هناك ما يمنع إرادة المعنى الحقيقي- وهو عندهم -: العقل، ما يمكن أن يكون له يد يلزم أن يكون جسمًا، وأن يكون مماثلا للمخلوقات، وهذا ممتنع. ولذلك صار ارتكاب المجاز ركيزة يرتكز عليها المعطلة ومشوا على هذا" (٢). وأهل السنة على: "التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث" (٣).

стр. 107

خامسًا: المحققون من أئمة أهل السنة على منع القول المجاز وإن كان القول بوجود المجاز في القرآن محل خلاف عند أهل العلم، إلا أن الصواب هو: ما عليه المحققون من أئمة أهل السنة، وهو أنه: "لا مجاز في القرآن". وقد بالغ أيضًا في منع المجاز أبو العباس بن تيمية، وتلميذه ابن القيم، بل أوضحَا منعه في اللغة أصلًا، وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وأبو علي الفارسي، كما عزاه لهما ابن السبكي في "جمع الجوامع" (١). كما قال بذلك جمع من علماء العصر المحققين، منهم: العلامة الإمام ابن باز، والعلامة الفقيه ابن عثيمين، والعلامة المحدث الألباني، ويسوق الباحث جملة من أقوال أهل العلم المحققين الذين أصابوا الحق في القول بمنع المجاز، على النحو التالي: قال ابن القيم ﵀: "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز ". وقال ﵀ أيضًا: " … وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة ومجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لا يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة " (٢). ونلاحظ تشديد ابن القيم في المجاز حتى سماه "طاغوتًا"، وذلك لأنه يُتحاكم إليه ويُعول عليه في تأويل صفات الرب جل في علاه عند المعطلة والمؤولة. قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (ت: ٤٦٣ هـ): "وحمل كلام الله تعالى و كلام نبيه على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق"، وقال: "ومن حق

стр. 108

الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل الى اتباع ما أنزل الينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله- الى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، و لو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، والله لم يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين (١). وقال العلامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (ت: ١٣٩٣ هـ) في "منع جواز المجاز": "وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز على أنَّ كلَّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا يرمي ليس هو بأسد، وإنما هو رجلٌ شجاع، فيلزم على القول بأنَّ في القرآن مجازًا أنَّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شكَّ أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحَّتُه، وأنه ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في القرآن العظيم" (٢). وهو من أحسن ما جادت به قريحة العلامة الشنقيطي ذاك البحر الخضم والأصولي، العالم باللغة وضروبها وأفانينها. قال سماحة شيخنا العلامة الإمام ابن باز ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): الصحيح الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة. وكل ما فيه فهو حقيقة في محله، ومعنى قول بعض المفسرين أن هذا الحرف زائد يعني من جهة قواعد الإعراب وليس زائدا من جهة المعنى، بل له معناه المعروف عند المتخاطبين باللغة العربية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم كقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] يفيد المبالغة في نفي

стр. 109

المثل، وهو أبلغ من قولك: (ليس مثله شيء)، وهكذا قوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) [يوسف: ٨٢] فإن المراد بذلك سكان القرية وأصحاب العير، وعادة العرب تطلق القرية على أهلها والعير على أصحابها، وذلك من سعة اللغة العربية وكثرة تصرفها في الكلام، وليس من باب المجاز المعروف في اصطلاح أهل البلاغة ولكن ذلك من مجاز اللغة أي مما يجوز فيها ولا يمتنع، فهو مصدر ميمي كـ "المقام" و "المقال" وهكذا قوله سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: ٩٣] يعني حبه، وأطلق ذلك لأن هذا اللفظ يفيد المعنى عند أهل اللغة المتخاطبين بها، وهو من باب الإيجاز والاختصار لظهور المعنى. والله ولي التوفيق (١). وهذا تقرير من سماحة الإمام ابن باز ﵀ بأن المحققين من أهل العلم على أنه: "ليس في القرآن مجاز". قال شيخنا العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): … قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة أو لقرينة عقلية أو عرفية أو لفظية كما هو مفصل في محله ومع ذلك فإنك تراهم-أهل التأويل- يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقًا (٢). قال شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀ (ت: ١٤٢١ هـ): الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من غير تغيير لأن الله أنزل القران بلسان عربي مبين والنبي- ﷺ يتكلم باللسان العربي فوجب إبقاء دلالة كلام الله وكلام رسوله ﷺ على ما هي عليه في ذلك اللسان ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم وهو حرام (٣). ولعل في هذا الإيجاز بيان كاف وشاف بلا تفريط ولا إجحاف.

стр. 110

المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة وفيه بيان ما يلي: أولاً: مقصود السورة الكريمة: «إن مقصود السورة هو إثبات الحكمة للكتاب، اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله، وموعظة لقمان ـ المسمى به السورة ـ دليل واضح على ذلك» (١). فالمتأمل في سورة لقمان يجد أن مقصودها وموضوعها الرئيس الذي تدور حوله هو الحكمة ولذا فقد تكرر لفظ الحكمة فيها على النحو التالي: أ- وصف الله كتابه بأنه حكيم في صدر السورة، فقال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢]. وجاء التعبير عن الآيات باسم الإشارة -تلك- للدلالة على ارتفاع مكانتها في بلاغتها ومعناها. ب- وصف الله سبحانه نفسه بالحكمة وأنه الحكيم ﵎، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان: ٨ - ٩]، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وأقداره التي يجريها على العباد وله الحكمة البالغة سبحانه وبحمده. ج- وصف الله عبدًا من عباده وهبه وآتاه الحكمة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. ثم جاء بعد ذلك ذكر وصايا لقمان لابنه، ومن تدبر وتفهم هذه الوصايا تبين له حكمته ورجاحة عقله. وحق للمرء أن يغبط الحكيم على عقله، قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق و رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٢).
следующие страницы →