← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 756

المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (310 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ دراسات جامعية لمرحلتي الماجستير والدكتوراة المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي من صريف قلم الدكتور عرفة بن طنطاوي

стр. 2

الحمدُ لله الذي أنزلَ كتابَه المجيدَ على أحسنِ أسلوب، وبهرَ بحسنِ أساليبِه وبلاغةِ تركيبِه القلوب، نزَّله آياتٍ بيِّناتٍ، وفصَّله سورًا وآياتٍ، ورتَّبَه بحكمتِه البالغةِ أحسنَ ترتيب، نظَمَه أعظمَ نظامٍ بأفصحِ لفظٍ وأبلغِ تركيبٍ، وصلَّى الله على من أُنزل إليه لينذرَ به وذكرى، ونزله على قلبهِ الشَّريفِ فنفى عنه الحرجَ وشرحَ له صدرًا، وعلى آله وصحبِه مهاجرةً ونصرًا (١).

стр. 3

• الفصل الأول • التفسير والتأويل المبحث الأول: مفهوم التفسير وفيه مطلبان: المطلب الأول: مفهوم التفسير لغةً التفسير في اللغة: اسمٌ، وجمعه؛ تفسيرات، وتفاسير، ويراد به: الشرح والبيان، وتفسير القرآن الكريم: توضيح معانيه، وبيان وجوه البلاغة والإعجاز فيه، وشرح في آياته؛ من أسباب النزول، والعقائد، والأحكام والحكم (١). فمن تأمل معاني التفسير وجدها مادة تدور حول الكشف، والإيضاح، والبيان للشيء. وحول توضيح مادته يقول ابن فارس (٢): " (فَسَرَ) الفاء، والسين، والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه" (٣). ويقول ابن منظور (٤): " (فسر) الفَسْرُ: البيان، فَسَر الشيءَ يفسِرُه بالكَسر وتَفْسُرُه بالضم فَسْرًا وفَسَّرَهُ: أَبانه. وقوله :

стр. 4

﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ولم يَرِد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلا في هذه الآية فقط" (١)؛ والفَسْرُ: كشف المُغَطّى، والتَّفْسير كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكل، والتأْويل: ردّ أَحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهرواسْتَفْسَرْتُه كذا أَي سأَلته أَن يُفَسِّره لي. والفَسْر: نظر الطبيب إلى الماء، وكذلك التَّفْسِرةُ؛ قال الجوهري: وأَظنه مولَّدًا، وقيل: التَّفْسِرةُ البول الذي يُسْتَدَلُّ به على المرض وينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على علة العليل، وهو اسم كالتَّنْهِيَةِ، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه، فهو تَفْسِرَتُه (٢). ويقول السيوطي: "إنه مقلوب السَّفر، تقول: أسفَر الصبح، إذا أضاء، وقيل: مأخوذ من التَّفْسِرة؛ وهي اسم لما يَعرف به الطبيبُ المرضَ" (٣). وقد سبق بيان ابن منظور له آنفًا، وأما معنى قول السيوطي (مقلوب) أي: مقلوب الجذر. ومن يرى أنّه مقلوب الجذر عن «السفر» كذلك يقول: سفرت المرأة سفورًا، إذا ألقت خمارها عن وجهها فهي سافرة (٤)، وتقول: أسفر الصبح إذا أضاء (٥). ومما عُرِّف به كذلك أنه: "الاستبانة، والكشف، والعبارة عن الشيء بلفظ أسهل وأيسر من لفظ الأصل" (٦). ومما سبق يتبين أنّ المعاني اللغوية للتفسير متقاربة المعنى وأن اختلاف تناول اللغويون للأصل الاشتقاقي الذي انبثقت منه لفظة: "تفسير"، هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد،

стр. 5

وذلك لتقارب المعنى واتحاد دلالة المادتين، أعني مادة "فسر"، ومادة "سفر" وأن مادتيها تدوران حول الكشف "للمغلق" والمستور، والإيضاح "للمبهم"، والبيان "لما خفي"؛ «فالدلالة فيه واحدة في اللغة، تعني كشف المغلق، وتيسر البيان، والإظهار من الخفي إلى الجلي» (١) .. ومن هنا يتبين أنه: يستوي أن يكون التفسير مشتقًا من «الفسر» أو من «السفر» فدلالة المادتين واحدة في النهاية وهي الكشف عن شيء مختبئ (٢)، وهو في اللغة: اسم، وجمعه؛ تفسيرات، وتفاسير، ويراد به: الشرح والبيان، وتفسير القرآن الكريم: توضيح معانيه، وبيان وجوه البلاغة، والإعجاز فيه، وشرح في آياته؛ من أسباب النزول، والعقائد، والأحكام والحكم (٣). المطلب الثاني: بيان مفهوم التفسير اصطلاحًا أما معنى التفسير اصطلاحًا، فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، ومن أشهرها: ١. تعريف أبي حيان في مقدمة تفسيره بقوله: "التفسير: وهو: علم يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك". ثم شرحه بقوله: "فقولنا: (علم) هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا: (يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن) هذا هو علم القراءات، وقولنا: (ومدلولاتها) أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة، وقولنا: (وأحكامها الإفرادية والتركيبية) هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: (ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب)

стр. 6

يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، وقولنا: (وتتمات لذلك) هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح ما انبهم فى القرآن، ونحو ذلك" (١). ٢. وعرّفه الزركشي بقوله: "علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى، المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه" (٢). ٣. وقد ذكر السيوطي فى إتقانه عدة تعريفات كثيرة للتفسير ، واعتبر في كتابه «التحبير في علم التفسير» تعريف أبى حيان أحسن تعريف (٣). ولعل خير ما يجمع تلك التعاريف كلها، ذلك الذى ذكره الزرقاني فى مناهله، حيث يقول: "والتفسير فى الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية" (٤). وهذا التعريف -على الرغم من إيجاز عبارته- تعريف جامع مانع، يناسب المطلوب من الصياغة في مثل هذا المقام. ثم شرح الزرقاني تعريفه هذا شرحًا وافيًا، ثم بيّن لنا سبب تسمية هذا العلم بذلك الاسم، ووجه اختصاصه بها دون بقية العلوم، فقال: "وسمي علم التفسير لما فيه من الكشف والتبيين، واختص بهذا الاسم دون بقية العلوم -مع أنها كلها مشتملة على الكشف والتبيين-

стр. 7

لأنه لجلالة قدره، واحتياجه إلى زيادة الاستعداد، وقصده إلى تبيين مراد الله من كلامه، كان كأنه هو التفسير وحده، دون ما عداه" (١) (٢). ٤. ومن أبين ما قيل في تعريفه كذلك: أنه علم: "استخراج المعاني المحتبسة والمستورة تحت الألفاظ، والكشف عن مدلولاتها ومقاصدها، وفق مجموعة من القواعد والضوابط التي تراعى عند الإجراء" (٣). ٥. وقيل هو: "العلم الذي يبحث فيه المفسر عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن الكريم ، ومدلولات هذه الألفاظ، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وغير ذلك كمعرفة النسخ، وسبب النزول، وما به من توضيح المقام كالقصة والمثل" (٤).

стр. 8

المبحث الثاني: مفهوم التأويل وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: مفهوم التأويل لغًة التأويل لغة: "مصدر أوّل يؤوّل، وأوّل فعّل -بتشديد أوسطه- ثلاثيه آل يؤول أولا"، قال أهل اللغة: الأوْل الرجوع، وهذا تفسير تقريبي، وأغلب ما تستعمل في الرجوع الذي فيه معنى الصيرورة، ومن أمثلة اللغويين: "طبخ الشراب؛ فآل إلى قدر كذاو كذا". ولذلك وضع بعض النحاة "آل" في الأفعال التي تجيء بمعنى "صار"، وتعمل عملها. و" آل" قريب من معنى "حال"، أي: تحول من حال إلى حال. والتأويل مأخوذ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرًا منه، فآل الكلام إلى أن حمل على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهر فيه (١). ومما قيل في ذلك أنه: "مأخوذ من الأَوْل، وهو الرجوع، قال ابن منظور: الأول: الرجوع، آل الشيء يؤول أوْلاً، ومآلاً: رجع، وقال أبو عبيد: التأويل: (المرجع والمصير) " (٢). وقيل: إن التأويل مأخوذ من الإيالة، وهي السياسة، قال الزبيدي: "آل الملك رعيته يؤول إِيَالاً: ساسهم وأحسن رعايتهم، وآل المال: أصلحه وساسه" (٣). وعلى ذلك: فإن قلنا: إن التأويل مأخوذ من الأول، وهو الرجوع، فلأن فيه إرجاع الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وإن قلنا: إنه مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، فلأن المؤول يسوس الكلام، ويضعه في معناه اللائق به. المطلب الثاني: مفهوم التأويل اصطلاحًا أما التأويل واستعمالاته في الاصطلاح، فإنه يطلق على معان عدة: من أهمها وأبرزها ما يأتي: ١. يطلق على التفسير، وهو الإيضاح والتبيين، فيكون التفسير والتأويل بمعنى واحد، وهذا ما جرى عليه ابن جرير الطبري في تفسيره، حينما يقول: القول فى تأويل قوله تعالى كذا وكذا، وبقوله: اختلف أهل التأويل فى هذه الآية. ٢. ويطلق على حقيقة الشيء ذاته، ونفس المراد بالكلام، فإذا قيل: غربت الشمس، فتأويل هذا هو نفس غروبها، وهذا، في نظر ابن تيمية ﵀ (٤)، هو لغة القرآن التي نزل بها. ٣. ويطلق على صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلي معنى آخر مرجوح، وهو بهذا الإطلاق نوعان: صحيح، وفاسد. المطلب الثالث: بيان معاني التأويل في القرآن إجمالًا فالتأويل لفظ مجمل يحتاج إلى تفسير وبيان؛ وله أربعة معان في كتاب الله تعالى على التفصيل التالي: المعنى الأول: التفسير والمرجع وما يؤول إليه الكلام ؛ يقول الجوهري (ت ٣٩٣ هـ): التأويل: تفسير ما يَؤُولُ إليه الشيء، أي: تفسيره ومرجعه" (٥). المعنى الثاني: عاقبة الشيء؛ يقال: "آل الأمر إلى كذ " إذا صار إليه ورجع (٦)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، يقول ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة" (٧).

стр. 9

وبنحو قول الطبري يقول الشوكاني: (ت: ١٢٥٥ هـ) أحسن تأويلًا: أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع وعليه يكون المعنى: أحسن مرجعًا ومآلًا (١). المعنى الثالث: الحقيقةُ التي يصيرُ إليها الشيء ويرجع ، حقيقة الشيء المخبر عنه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، قال ابن زيد: "يوم يأتي حقيقته؛ وقرأ قول الله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، قال: هذا تحقيقها"، يقول: "ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها"، أي: تحقيق رؤياي (٢). وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي: تحقيقه ووقوعُه، أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس ﵄ (٣): والمعني بذلك والذي يعود عليه الضمير: هو يوم القيامة. المعنى الرابع: العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل ؛ ومنه قوله تعالى فيما قصه علينا من قصة الخضر مع موسى ﵉: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] (٤). قال الطبري: يقول: بما يؤول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها، فلم تستطع على تَرك المسألة عنها، وعن النكير على فيها صبرًا، والله أعلم (٥). وقال البغوي (ت ٣١٧ هـ): تأويل الشيء مآله أي قال له: إني أخبرك لم فعلت ما فعلت (٦). إذًا فالتأويل: "رجوع الشيء إلى مآله" (٧). وهي معان متقاربة في لفظها ومعناها.

стр. 10

المبحث الثالث: أنواع التأويل وفيه مطلبان: المطلب الأول: بيان النوع الأول وهو التأويل الصحيح الذي يُحمَدُ طَالِبُهُ هذا التأويل من شأن صاحبه محاولة معرفة مراد الله تعالى دون أن يكون له هوى أو غرض آخر؛ ولذلك فهو يهتم بالقرائن والضوابط والأدلة؛ فإذا حتم ذلك التأويل وكان المعنى لا يستقيم بغير ذلك مال إليه؛ وإلا فهو لا يؤول ما لا يقبل التأويل ولا يقول بالمجاز في المواضع التي لا تحتمل المجاز، ولا يصرف المعنى عن ظاهره إذا كانت الدلائل تشير إلى أن المعنى الظاهر هو المقصود، وإذا كان المؤول يتغلغل وراء الظواهر والألفاظ مستخرجًا منها المعاني الحسان والدقائق الفريدة فهذا وجه مطلوب لا يهتدي إليه إلا من آتاه الله بصيرة ثاقبة وعقلًا لماحًا وطبعًا صحيحًا وفهمًا عاليًا وإدراكًا متميزًا، ولذلك دعا رسول الله ﷺ لابن العباس، ﵄، وهو حبر الأمة بقوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١) (٢). ومن صوره "البحث عن تفسير الأسماء والصفات ومعرفة معانيها على الوجه الذي تعرفه العرب من كلامها، فنحن نعرف معاني ما أخبرنا الله به من معاني أسمائه وصفاته سبحانه، كما نعلم معاني ما أخبرنا الله به من نعيم القبر وعذابه، وقيام الساعة، والبعث

стр. 11

والنشور، والموقف وأهواله، والحساب والجزاء والميزان، والجنة ونعيمها، والنار وأهوالها" (١). المطلب الثاني: بيان النوع الثاني وهو التأويل الفاسد الذي يُذَمُّ طَالِبُهُ "التأويل الفاسد بخلاف التأويل الصحيح، إذ يكون فيه لي أعناق النصوص حتى توافق غرض المستدل بها، وهنا يلوح للمستدل معنى ما كان ليلوح له لولا الغرض والهوى، أو قد لا يكون للمستدل غرض أو هوى، ولكنه يخطئ في إدراك المعنى لأمر توهمه ولم تنهض الأدلة أبدًا لإثباته أو تعضيده؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: " أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس" (٢) (٣) ويكون التأويل الفاسد في كل ما ورد في عقيدة لم يُكَلَّف العبادُ بحقائقها وتفاصيلها، ولكن أُمِروا باعتقادها إجمالًا. ومن أمثلته: "البحث عن حقيقة ما أخبرنا الله به من الغيوب التي لا يستطيع العباد بعقولهم المجردة إدراك حقيقتها، فالله أخبرنا بنعيم القبر وعذابه في عالم البرزخ، كما أخبرنا بالبعث والنشور، والحشر وأهواله، والجنة وأنهارها وثمارها وأطيارها وحورها، والنار وسمومها وحميمها وغسلينها، ونحن لا ندري حقيقة ما أخبرنا الله عنه، قال تعالى نافيًا علم العباد بحقيقة ما أخبر الله به من نعيم أهل الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (٤). وصفات الباري غيب لا نعرف حقيقتها، فالكلام عن الصفات فرع عن الكلام عن الذات، وحقيقة الذات غير معروفة لنا، فكذلك صفاته ﵎" (٥).

стр. 12

المبحث الرابع: ما يتعلق بالتأويل من جهة: "ضوابطه وشروطه"، ومن جهة: "حكمه ومعناه " وفيه مطلبان: المطلب الأول: أهم شروط وضوابط التأويل الصحيح عند المتأخرين أهل التأويل الفاسد لهم في تأويلهم مقصدان إما أنهم يقصدون بتأويلهم إبطال معنى شرعي صحيح، وهذا النوع هو أكثر ما يتطرقون إليه، وإما أنهم يقصدون بتأويلهم إبطال لفظ شرعي صريح، ولذلك وضع أهل العلم شروطًا للتأويل الصحيح، ومن أبرز ما ذكروا في هذا الشأن ما يلي: ١. أن يكون اللفظ المرادُ تأويله يحتمله المعنى المؤول لغة أو شرعًا؛ فلا يصح على هذا تأويلات الباطنية التي لا مستند لها في اللغة أو الشرع، بل ولا العقل. ٢. أن يكون السياق محتملًا، مثل لفظ (النظر) فهو يَحْتَمل معانيَ في اللغة، ولكنه إذا عدِّي بـ: (إلى) لا يحتمل إلا الرؤية. ٣. أن يقوم الدليل على أن المراد هو المعنى المؤول. ٤. أن يسلم دليل التأويل من معارض أقوى؛ فإذا اختل شرط من الشروط فهو تأويل فاسد. مثال للتأويل الصحيح: قال الله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ "أن النسيان هنا هو الترك" (١) وقد دل على هذا التأويل تصريحًا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] (٢).

стр. 13

المطلب الثاني: حكم التأويل بمعناه الحادث عند المتأخرين ١. قد يكون صحيحًا إذا اجتمعت فيه الشروط كما مرَّ. ٢. قد يكون خطأ كتأويلات بعض العلماء الذين أخطأوا في تأويل بعض نصوص الصفات. ٣. قد يكون بدعة كتأويلات الأشاعرة، والمعتزلة. ٤. قد يكون كفرًا كتأويلات الباطنية (١). "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود" (٢).

стр. 14

المبحث الخامس: بيان الفَرْق بين التفسير والتأويل وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان اختلاف العلماء في بيان الفَرْق بين التفسير والتأويل، وفي تحديد النسبة بينهما ١. قال أبو عُبَيدة بن المثنى النحوي (١)، وطائفة: هما بمعنًى واحد، وعليه فهُما مترادفان، وهذا هو الشائعُ عند المتقدِّمين من علماء التفسير، كالإمام ابن جرير وغيره (٢). ٢. قال الراغب الأصفهاني: التفسيرُ أعمُّ من التأويل، وأكثرُ استعماله في الألْفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجُمَل، وأكثر ما يُستعمَل في الكتب الإلهية، والتفسير يُستعمل فيها وفي غيرها (٣)، فالتفسير إمَّا أن يُستعمل في غريب الألفاظ كالبَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحَام، أو في تبيين المراد وشرْحه؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وإمَّا في كلام مضمَّن بقِصَّة لا يمكن تصوُّرُه إلا بمعرفتها؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وأمَّا التأويل: فإنَّه يُستعمَل مَرَّةً عامًّا، ومرةً خاصًّا، نحو (الكفر) المستعمَل تارةً في الجحود المطلَق، وتارةً في جحود الباري خاصَّة، و (الإيمان) المستعمل في التصديق المطلَق تارة، وفي تصديق دِين الحقِّ تارة، وإمَّا في لفظ مُشْتَرك بين معانٍ مختلفة، ونحو لفظ (وجد) المستعمل في الجد والوجد والوجود (٤). ٣. قول السيوطي في الإتقان: قيل إن التفسير: هو ما وقع مبينا في كتاب الله تعالى، أو معينا عليه في صحيح السنة لأن معناه قد ظهر واتضح. والتأويل: هو ما استنبطه العلماء، ولذا قال بعضهم التفسير هو ما يتعلق بالرواية والتأويل هو ما يتعلق بالدراية " (٥).

стр. 15

٤. وقال قوم: التفسير بيان وضْع اللفظ؛ إما حقيقةً وإما مجازًا، كتفسير (الصراط) بالطريق و (الصيب) بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذٌ من الأَوْل، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبارٌ عن حقيقة المراد، والتفسير إخبارٌ عن دليل المراد؛ لأنَّ اللفظ يكشِف عن المراد، والكاشف دليل، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، تفسيره: أنَّه من الرَّصْد، يقال: رصدته؛ أي: رقبته، والمرصاد: مِفْعال منه، وتأويله التحذير مِن التهاون بأمر الله والغَفْلة، والاستعداد للعَرْض عليه، وقواطع الأدلَّة تقتضي بيانَ المراد منه على خِلاف وضْع اللفظ في اللغة (١)، وعلى هذا فالنِّسبة بينهما التباين. ٥. وقال قوم: التأويل: صرْف الآية إلى معنًى محتمل موافِق لِمَا قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسُّنة من طريق الاستنباط، فقد رُخِّص فيه لأهل العلم، والتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنِها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعدَ ثبوته من طريق النقْل (٢)، وعليه فالنسبة بينهما التباين أيضًا. ٦. وقال قوم: التفسير يتعلق بالرِّواية، والتأويل يتعلَّق بالدِّراية (٣)، والنسبة بينهما التباين أيضًا ٧. وقال قوم: ما وقع مبيَّنًا في كتاب الله، ومعيَّنًا في صحيح السنة، سُمِّي تفسيرًا؛ لأنَّ معناه قد وضح وظهر، وليس لأحد أن يتعرَّض إليه باجتهاد ولا غيره؛ بل يحمله على المعنى الذي ورَد لا يتعدَّاه، والتأويل: ما استنبطه العلماءُ العاملون لمعانِي الخطاب، الماهرون في آلاتِ العلوم (٤). ٨. وقال قوم: التفسير: هو بيان المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، والتأويل: هو بيانُ المعاني التي تُستفاد بطريق الإشارة، فالنِّسبة بينهما التباين، وهذا هو المشهورُ عندَ المتأخرين، وقد نبَّه إليه الألوسي في مقدِّمة تفسيره (٥).

стр. 16

المطلب الثاني: بيان القول الراجح من أقوال العلماء في بيان معنى التفسير والتأويل ولعلَّ أظهر الأقوال وأولاها بالقَبول: هو أنَّ التفسير: ما كان راجعًا إلى الرِّواية، والتأويل: ما كان راجعًا إلى الدِّراية؛ وذلك لأنَّ التفسير معناه الكشْف والبيان، والكشْف عن مراد الله تعالى لا يُجْزَم به إلا إذا وردَ عن رسول الله ﷺ أو عن بعضِ أصحابه الذين شَهِدوا نزولَ الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادثَ ووقائع، وخالطوا رسولَ الله ﷺ ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. وأما التأويل: فملحوظٌ فيه ترجيح أحدِ محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يَعتمِد على الاجتهاد، ويُتوصَّل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لُغة العرب، واستعمالها بحسب السِّياق، ومعرفة الأساليب العربية، واستنباط المعاني من كلِّ ذلك (١). قال أبو نصر القُشَيري (٢) قال الزَّركشي (٣): ويُعتبَر في التفسير الاتباع والسَّماع، وإنما الاستنباط فيما يَتعلَّق بالتأويل. قال الزَّركشي: وكأنَّ السبب في اصطلاح كثير على التفرِقة بين التفسير والتأويل التمييزُ بين المنقول والمستنبَط؛ ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط، تجويزًا له وازديادًا، وهذا من الفروع في الدِّين (٤).

стр. 17

المطلب الثالث: الخلاصة التي توصلت لها الدراسة في مبحث الفرق بين التفسير والتأويل أولًا: فإنَّ التأويل أعمُّ من التفسير؛ وذلك لأنَّ كلمة التأويل وردت في القرآن الكريم بأكثر من معنى، في حين أنَّ الله تبارك تعالى لم يذكرْ كلمةَ التفسير ومشتقاتها إلا مرَّةً واحدة فقط في القرآن كله في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. ثانيًا: إذا ذُكِر أحد اللفظين منفردًا قُصِد به المعنى الشامل للفظين معًا إذا اجتمع اللفظان معًا. ثالثًا: إذا اجتمع اللفظان معًا "التفسير والتأويل" في شيء يخصُّ القرآن الكريم، كان المراد -والله أعلم - بالتفسير بيانَ المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، وبالتأويل بيانَ المعاني التي تُستفادُ بطريق الإشارة، والله تعالى أعلم (١). وبهذا ينتهي الفصل الأول والحمد لله رب العالمين.

стр. 18

• الفصل الثاني • التعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي المبحث الأول: التعريف بالمنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي من جهة ألفاظه التي تتكون من خمس كلمات أ- المنهج ب- التاصيلي ج- لدراسة د- التفسير (١) هـ- التحليلي ولا بد أولًا: من التعرف على مفهوم هذه الكلمات ومدلولاتها في اللغة والاصطلاح، وذلك على النحو التالي: المطلب الأول: مفهوم ومدلول كلمة المنهج في اللغة والاصطلاح أ- بيان مفهوم ومدلول كلمة "منهج" في اللغة: قال الرّاغب في المفردات: "النَّهْجُ: الطريقُ الوَاضِحُ، ونَهَجَ الأمْرُ وأَنْهَجَ: وَضَحَ، ومَنْهَجُ الطَّرِيقِ ومِنْهَاجُهُ، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨] " (٢). قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن: والصراط في اللغة المنهاج الواضح (٣). والمنهاج: الطريق الواضح البيِّنُ المستقيم، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]؛ أي: ثبتنا على المنهاج الواضح.

стр. 19

وهو كما قال الزبيدي في تاج العروس (ت: ١٢٠٥ هـ) (١): السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري. وكما قال ابن منظور في لسان العرب: الصراط، والسراط، والزراط، الطريق، قال الشاعر: أَكُرُّ على الحَرورِيِّنَ مُهْري … وأَحْمِلُهُمْ على وَضَحِ الصِراطِ (٢) قال شيخ المفسرين الإمام الطبريّ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]: "وأما (المنهاج)، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّنُ الواضح، … ثم يُستعمل في كل شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلاً" (٣). وختامًا: فإن المنهج والمنهاج في اللغة لفظان مشتقان من النهج، الذي هو الطريق الواضح البيِّنُ. ويمكننا في ضوء ما سلف أن نعرف المنهج في اللغة تعريفًا جامعًا مانعًا بأنه: هو الطريق الواضح البين، وهو الصراط المستقيم، وهو السبيل السوي الّذي لا يتيه ولا يضل ولا ينحرف عنه سالكُه، بل يصلُ إلى غايته من ورائه مباشرةً، من غير التواءٍ ولا تعرُّج ولا انحراف ولا انجراف ولا اعوجاج. ب- مفهوم ومدلول كلمة "منهج" في الاصطلاح المنهج في الاصطلاح: هو: الطريقة التي ينهجها الفرد حتى يصل إلى هدف معين (٤).

стр. 20

أو هو: خطوات منظمة يتبعها الباحث في معالجة الموضوعات التي يقوم بدراستها إلى أن يصل إلى نتيجة معينة (١). بالنظر إلى التعريفين السابقين، نجد أن التعريف الأول فيه دَوْر، حيث عرف المنهج بما يُنهج، فإذا أردنا شرح التعريف درنا لنعرف (ينهجها) بالمنهج، وهو عيب في التعريف. والتعريف الثاني اقتصر على منهج البحث العلمي. لذلك وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، يمكن تعريف المنهج والمنهاج بأنه: الوسيلة والبرنامج الذي يُوصَل من خلال اتباعه إلى هدف ما (٢). ورود كلمة "منهاج " في القرآن الكريم: قد وردت كلمة المنهج في كتاب الله تعالى مرة واحدة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]. قال الطاهر بن عاشور، ﵀، في التحرير والتنوير: وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، كالتعليل للنهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم، فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم، والشرعة والشريعة: الماء الكثير من نهر أو واد، يقال: شريعة الفرات، وسميت الديانة شريعة على التشبيه، لأن فيها شفاء النفوس وطهارتها، والعرب تشبه بالماء وأحواله كثيرًا (٣). وإذا كان الماء وما ينبت من أثره من النبات هو من أس مقومات حياة أبدان البشر، فكذلك جعل الله تعالى الشرعة والمنهاج أس حياة قلوبهم، وبهجة أرواح نفوسهم، وإذا كان الله قد

стр. 21

جعل لكل منا شرعة ومنهاجًا، فقد قال سبحانه في موضع آخر من كتابه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ﴾ الآية [الشورى: ١٣]. قال الشوكاني، ﵀، في فتح القدير: الخطاب في قوله: شرع لكم من الدين لأمة محمد ﷺ ، أي: بيّن وأوضح لكم من الدين ما وصّى به نوحًا من التوحيد ودين الإسلام وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب (١). ورود كلمة " منهاج " في السنة المطهرة: وقد وردت لفظة "منهاج" في السنة المطهرة، منها ما ثبت عند أحمد المسند من حديث ينتهي سنده إلى حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيًّا، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ» (٢). وعرفه شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين، ﵀، بقوله: المنهج هو الطريق البين الواضح الذي يسير عليه المرء في عمله الديني والدنيوي (٣). وفي ختام التعريف الاصطلاحي للمنهج، يمكننا التوصل لتعريف شرعي جامع مانع له أيضًا فنقول: المنهج شرعًا هو: الطريق الواضح، والسبيل البين، والصراط المستقيم، وهو شرع الله ودينه الذي بينه الله في كتابه، وشرعه على لسان رسوله ﷺ ، من العقائد والعبادات والأخلاق

стр. 22

والمعاملات، وأمر عباده أن يتمسكوا ويعتصموا به ويسيروا وفق ما حثهم عليه ورغبهم فيه، وما نهاهم وزجرهم عنه وحذرهم منه، ويكون ذلك بإتمارهم بأمره، وانتهائهم عن نهيه، ويكون ذلك أيضًا خوفًا وطمعًا، رغبًا ورهبًا. المطلب الثاني: مفهوم ومدلول كلمة التأصيلي في اللغة والاصطلاح أ- مفهوم ومدلول كلمة "التأصيلي" في اللغة تَأْصِيلٌ- مصدر: أَصَّلَ: تَأْصِيلُ الشَّيْءِ: جَعْلُهُ ذَا أَصْلٍ ثَابِتٍ. تَأْصِيلُ النَّسَبِ: تَبْيَانُ أَصْلِهِ وَأَصَالَتِهِ (١). وأَصَّلَ تَأْصِيلًا: أَصَّلَهُ: جعل له أصلًا ثابتًا. أَصَّلَهُ: بين أصله أو أصالته (٢). وتأصَّلَ يتأصَّل، تأصُّلاً، فهو مُتأصِّل. تأصَّل الشَّيءُ: مُطاوع أصَّلَ: صار ذا أصل ثابت، ترسَّخ وتعمَّق (٣). والأصل: ما يبنى عليه الشيء، أو ما يتوقف عليه (٤)، وأصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه (٥)، وهو ما يبتني عليه غيره (٦). فأَصْلُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَسْتَنِدُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَيْهِ، فَالْأَبُ أَصْلٌ لِلْوَلَدِ، وَالنَّهْرُ أَصْلٌ لِلْجَدْوَلِ وَالْجَمْعُ: أُصُولٌ (٧). وقيل: الأصل أسفل الشيء والذي يعتمد عليه سواء كان ماديًا أو معنويًا (٨).

стр. 23

ب- مفهوم ومدلول كلمة "التأصيلي" في الاصطلاح والتأصيل اصطلاحًا: إرجاع المعارف إلى أصلها؛ الوجود والوحي (١). والتأصيلُ: هو إرجاعُ القواعد إلى أصول شرعيّة يعتمدُ عليها، وتطمئنُّ النفس إليها. يقول أبو الحسن المَرْدَاوي الدمشقي (ت: ٨٨٥ هـ): وَالْقَاعِدَة: هِيَ الْأَمر الْكُلِّي الَّتِي يَنطبقُ على جزئيّات كَثِيرَة؛ تُفهَمُ أَحْكَامهَا مِنْهَا (٢). وهذا ما سبقه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ، ﵀، إلى تقعيده وتقريره حيث يقول: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتُ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ (٣). ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ؟، وَإِلَّا: فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ، فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ (٤). وقال الزركشي: ". . . . . والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه. والحاصل أن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية ما يجل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بها من الاستنباط والفهم مع ملكة ظاهرة تصيره ذا ذوق واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير" (٥). وأصول وقواعد التأصيل في دراسة التفسير تحتاج إلى الرجوع للأسس والقواعد الأصلية التي ينبغي الرجوع اليها، وهي القواعد والأصول والضوابط التي يهتدي بها لفهم هذا العلم الجليل، واستنباط معاني القرآن الكريم، وفهم مقاصده ومراميه.

стр. 24

وهي هنا عبارة عن محاولة تأصيلية لإبراز أسس وقواعد أحد أنواع التفسير، ألا وهو "التفسير التحليلي"، التي ينبغي الرجوع إليها عند دراسته. المطلب الثالث: مفهوم ومدلول كلمة "دراسة" في اللغة والاصطلاح أ- مفهوم ومدلول كلمة "دراسة" في اللغة والدراسة: من دَرَسَ، يَدْرُسُ، دَرَسَ الشيء بمعنى طَحَنَهُ و جَزَّءَهُ، دَرَسَ الحبَ طَحَنَهُ، دَرَسَ الدرس جَزَّءَهُ وَسَهَلَ وَيَسَّرَ تعلمه على أجزاء، فيقال دَرَسَ الكتاب، يدرسه دراسة، بمعنى قراءة وأقبل عليه، ليحفظه ويفهمه (١)، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. ومنها: * دَرَسَ الكتابَ ونحوه، كرّر قراءته ليحفظه ويفهمه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، أي: وما كنا نفهم ما يقولون، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] (٢)، ودرسوا ما فيه أي: قرأوا ما فيه. * دَرَّسَ الكتاب ونحوه، قام بتدريسه، أقرأه وأفهمه للطَّلبة، قال تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٣)، أي: تتعلمون. * وَدَرَسَ الْكِتَابَ يَدْرُسُهُ دَرْسًا وَدِرَاسَةً وَدَارَسَهُ، مِنْ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ عَانَدَهُ حَتَّى انْقَادَ لِحِفْظِهِ.

стр. 25

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، ﵄، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]؛ قَالَ: مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا لِكَيْ يَقُولُوا إِنَّكَ دَرَسْتَ أَيْ تَعَلَّمَتْ أَيْ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ عُلِّمْتَ. وَدَرَسْتُ الْكِتَابَ أَدْرُسُهُ دَرْسًا أَيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَفَّ حِفْظُهُ عَلَيَّ، مِنْ ذَلِكَ؛ قَاْلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: وَفِي الْحِلْمِ إِدْهَانٌ وَفِي الْعَفْوِ دُرْسَةٌ وَفِي الصِّدْقِ مَنْجَاةٌ مِنَ الشَّرِّ فَاصْدُقِ. وَالْمُدَارِسُ: الَّذِي قَرَأَ الْكُتُبَ وَدَرَسَهَا (١). ب- مفهوم ومدلول كلمة "دراسة" في الاصطلاح الدراسة مأخوذة من الدرس: * والدَّرْس هو: فترة محددة من الوقت ومنظمة يقصد فيه ممارسة التدريس والتعليم. * الدَّرْس هو: المقدار من العلم يُدْرَس في وقت ما، جمع دُروس وأَدْراس (٢). * والمدرسة: مكان الدرس والتعليم ويقال: هو من مدرسة فلان: على رأيه ومذهبه (٣). * والتدارُس: على وزن (تفاعُل)، ومن معاني هذا الوزن المشاركة بين اثنين فأكثر، فيكون كلّ منهما فاعلًا في اللفظ مفعولًا في المعنى (٤). * والمدارسة: من المفاعلة: ودارستُ الكُتُبَ وتَدَارَسْتُها، أي: دَارَسْتُها، وأصلُ الدِرَاسةِ الرياضة والتَّعَهُدُ للشيء (٥).

стр. 26

والمُفَاعَلَة هنا: تتضمن معني المبادلة والمقابلة والمدارسة بين جانبين، وهي مُفَاعَلَة - يعني من طرفين- أو بين طرفين. * وقد خصَّ بعضهم المدارسة بالقراءة والتعهّد (١). ومن هنا يمكن أن نعرف أن المدارسة أو الدراسة اصطلاحًا هي: مدراسة العلم ومذاكرته وتدريسه، وتعلمه وتعليمه، وتعهده بتفهمه وتفهيمه، وحفظه وتحفيظه، وترويض النفس على رعايته بكل سبيل ممكن، للقيام بأمره وإصلاح شأنه، واستقطاع وقت خاص لذلك، مع تكراره والمداومة عليه بقدر الاستطاعة. * ومدارسة التفسير هنا: شمولها لجميع ما يتعلق بالقرآن من تعلُّمه وتعليمه، وتفسيره، واستكشاف هداياته ودقائق معانيه، وتزكية النفس به (٢). المطلب الرابع: مفهوم ومدلول كلمة "تحليلي" في اللغة والاصطلاح، وبيان مفهوم التفسير التحليلي أ- مفهوم كلمة "تحليلي" في اللغة * التحليل لغةً: حلّل الشيء: أرجعه إلى عناصره أي جزّأه، وحلّل الشيء: درسه وكشف خباياه (٣). * تَحليل: (اسم) * الجمع: تحليلات و تحاليلُ. * تَحْليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها (٤).

стр. 27

* قَدَّمَ تَحْلِيلًا جَيِّدًا لِلْمَوْضُوعِ: تَفْسِيرًا وَشَرْحًا لَهُ (١). * حَلَّلَ العقدة: حلها، و حَلَّلَ الشيء: رجعّه إلى عناصره، يقال: حلل الدم وحلل البول، ويقال حلل نفسية فلان: درسها لكشف خباياها (٢). * (حل): أصل الحل: حل العقدة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧]، وحللت: نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول، ثم جرد استعماله للنزول، فقيل: حل حلولًا، وأحله غيره، قال : ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ويقال: حل الدين: وجب أداؤه (٣). * (حل): الحاء واللام له فروع كثيرة ومسائلُ، وأصلها كلُّها عندي فَتْح الشيء، لا يشذُّ عنه شيء، يقال: حلَلْتُ العُقدةَ أحُلُّها حَلاًّ، ويقول العرب: "يا عاقِدُ اذكُرْ حَلاًّ"، والحلال: ضِدُّ الحرام، وهو من الأصل الذي ذكرناهُ، كأنه من حَلَلْتُ الشيء، إذا أبحْتَه وأوسعته لأمرٍ فيه (٤). ب- مفهوم كلمة "تحليلي" في الاصطلاح التحليل في الاصطلاح: هو ارجاع الجملة الى عناصرها وبيان أجزائها المكونة لها، ووظيفة كل منها، والتعرف على أنواع العلاقات بين مفرداتها، مع بقاء الكلمات نفسها في الجمل أو الجمل الأخرى (٥). فالتحليلي: "نسبة إلى التحليل، والمراد تفكيك الكلام على الآية لفظةً لفظة، والكلام على ما فيها من معان و إعراب و أحكام و غيرها، ثم الانتقال إلى ما بعدها وهكذا .. ، -وهو- أي أن يعمد المفسر

стр. 28

إلى تفسير الآيات حسب ترتيبها في السورة، ويذكر ما فيها من معاني وأقوال وإعراب وبلاغة وأحكام وغيرها مما يعتني به المفسر" (١). ج- مفهوم التفسير التحليلي في الاصطلاح أما التفسير من الناحية اللغوية: فقد مر معنا في الفصل الأول بيان شاف وكاف لتعريف التفسير في اللغة والاصطلاح، وهنا نتعرض للتعريف الاصطلاحي للتفسير التحليلي بعينه. والتفسير التحليلي: "هو الذي يتتبع فيه المفسر آيات القرآن-من أوله إلى آخره- يقف عند كل كلمة ولفظة فيفسرها و يقف عند كل آية فيحللها من جميع الوجوه: فيذكر ما يتعلق بالمعاني اللغوية و الجوانب الإعرابية و يبين معاني الجمل و التراكيب و يذكر ما ورد في أسباب النزول و إن وردت آثار و أقوال عن السلف في تفسير الآية ذكرها. ويعتبر هذا النوع من التفسير السمة البارزة والنوع المهيمن على أغلب التفاسير إلى زماننا، فأشهر التفاسير كلها من هذا النوع، فتفسير ابن جرير و ابن كثير والمحرر الوجيز لابن عطية وجامع الأحكام للقرطبي و أحكام القرآن لابن العربي و غيرها كلها من هذا القبيل، وكل من يؤلف في التفسير فإنه غالبًا ينهج الأسلوب التحليلي" (٢). وبشيء من الإيضاح والتفصيل يُجَلِّى الباحث الأمر فيقول:

стр. 29

لما علمنا أن التحليل مأخوذ من الحل، وأن الحل من أبرز معانيه كما مر معنا: نقض وتفكيك التعقيد، والمعني في بحثنا هنا: أن المفسر يتعرض لتفسير الآيات بطريقة تحليلية ينقض ويفك بها تعقيد المبهم من معاني الآيات، فيحلل ما فيها من غموض الألفاظ والجمل، ويوضح ويُجَلِّي المطلوب المراد منها. ويشرح ويحلل، مقسِّمًا للآيات إلى وحدات موضوعية واضحة العناوين شارحًا للمعنى العام للآيات، معتنيًا ببيان اللغويات من الإعراب والنواحي البلاغية من تركيب النظم وبلاغته وأوجه إعجازه، مبينًا لغريبها، معربًا لمشكلها، مبينًا لمجملها، مجليًا لمعانيها، متطرقًا لأسباب نزولها. مبينًا لأقوال المفسرين في الآية، مرجحًا بينها، متعرضًا للمسائل الفقهية ذاكرًا أهم ما في الآيات من أحكام، مبينًا لأقوال العلماء فيها، بلا إفراط ولا تفريط، متعرضًا للقراءات الواردة في الآيات موجهًا لها ومبينًا أثرها على دلالة المعنى الوارد في الآيات، مهتمًا بالمناسبات الظاهرة بين الآيات والسور، كل ذلك حسب ترتيب الآيات في السورة متسلسلًا مع النظم القرآني والسير معه آية آية، وسورة سورة، حسب الترتيب المصحفي، سواء تناول تفسير جملة من الآيات المتتابعات، أو تناول تفسير سورة كاملة بعينها، أو تناول تفسير القرآن الكريم بأكمله.

стр. 30

المبحث الثاني: علاقة التفسير التحليلي بأنواع التفسير الأخرى وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الموضوعي التفسير التحليلي: منهج من مناهج أو أسلوب من أساليب علم التفسير إلى جانب التفسير الموضوعي والتفسير الإجمالي والتفسير المقارن؛ فالتفسير التحليلي هو التزام المفسر تسلسل النظم القرآني والسير معه سورة سورة وآية آية، وهو النمط الذي سلكه سائر المفسرين القدامى إلا القليل النادر (١)؛ وهذه الطريقة في التفسير لا يستغني عنها الباحث في التفسير الإجمالي أو الموضوعي أو المقارن لأن التفسير التحليلي ينصب على معرفة دلالة الكلمة اللغوية ودلالتها الشرعية، والتعرف على الرابط بين الكلمات في الجملة وبين الجمل في الآية وبين الآيات في السورة، وكذلك التعرف على القراءات وأثرها على دلالة الآية، ووجوه الإعراب ودورها في الأساليب البيانية وإعجاز القرآن الكريم، وغيرها من الوجوه التي تساعد على إخلاء المعنى وتوضيح المراد (٢)، فهو إذن التفسير الذي يعنى بالدقة والعمق في استعمال العلوم التي يحتاج إليها المفسّر وخصوصا اللغوية والبلاغية (٣) بحيث يسير المفسر في هذا البيان مع آيات السورة آية آية، شارحًا مفرداتها، وموجهًا إعرابها، وموضحًا معانى جملها، وما تهدف إليه تراكيبها من أسرار وأحكام، ومبينًا أوجه المناسبات بين الآيات والسور، مستعينًا في ذلك بالآيات القرآنية الأخرى ذات الصلة، وبأسباب النزول، وبالأحاديث النبوية، وبما صح

стр. 31

عن الصحابة و التابعين، وبغير ذلك من العلوم التي تعينه على فهم النص القرآني وتوضيحه للقراء، مازجًا ذلك بما يستنبطه عقله، وتمليه عليه نزعته (١). والتفسير الموضوعي: منهج من مناهج أو أسلوب من أساليب علم التفسير كالأنواع الأخرى سالفة الذكر آنفًا- كذلك. وإذا كان التفسير التحليلي يأخذ كل آية أو مجموعة آيات على حدة (٢)، فيذكر ما يتعلق بها من الناحية اللغوية والعقائدية والفقهية إلى جانب ما يتعلق بها من ناحية مباحث علوم القرآن الأخرى، فإن التفسير الموضوعي هو إفراد الآيات القرآنية التي تعالج موضوعًا واحدًا وهدفًا واحدًا، بالدراسة والتفصيل، بعد ضم بعضها إلى بعض، مهما تنوعت ألفاظها، وتعددت مواطنها - دراسة متكاملة (٣). فالتفسير الموضوعي إذًا يقوم بتناول أحد مواضيع القرآن مستقلة بالبحث والدراسة: كدراسة: اليوم الآخر في القرآن، بر الوالدين في القرآن، الصدق في القرآن، الملائكة في القرآن وغير ذلك من مواضيع القرآن. وللتفسير الموضوعي أنماط ثلاثة: التفسير الموضوعي للكلمة واللفظة القرآنية، وللسورة القرآنية بأكملها، وللموضوع القرآني كذلك. المطلب الثاني: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير الإجمالي والفرق بينهما التفسير الإجمالي منهج من مناهج تفسير القرآن الكريم؛ أي أنه أسلوب من أساليب التفسير ووسيلة من وسائله ومركبًا من مراكبه، إلى جانب الأساليب الأخرى المعروفة؛ التفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي، والتفسير المقارن.

стр. 32

يقوم التفسير الإجمالي على التزام تسلسل النص القرآني - سائرًا مع الآيات حسب ترتيبها في المصحف الشريف - والتعامل مع السورة كوحدات يتناولها المفسر ببيان معانيها إجمالًا مع إبراز مقاصدها ومراميها دون أن يؤدي البيان إلى الخروج عن سياق النص القرآني (١) مما يعني أن المفسر لا يدخل في التفاصيل الدقيقة والمباحث المتخصصة، وإنما يهتم ببيان المعنى العام باختصار. من الآليات التي يتم توظيفها في التفسير الإجمالي والتي تمنع المفسر من الخروج عن السياق: الحفاظ على لفظ أو أكثر في العبارة التي تبين الآية أو مجموعة من الآيات بيانًا إجماليًا. وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد الكومي (ت: ١٤١١ هـ)، ﵀: "إذ ينطق بعبارته التى صاغها من ألفاظه يأتي- بين الفينة والفينة- بلفظ من ألفاظ القرآن، حتى يشعر السامع أنه لم يكن بعيدًا في تعبيره عن سياق القرآن، ولا مجانبًا لمجموع ألفاظه، وحتى يحقق التفسير من جانب آخر، ويكون رابطًا نفسه بنظم القرآن من جانب آخر، ويكون في الموضع الذى يجانب فيه لفظ القرآن آتيًا بلفظ أوضح عند السامعين، وأيسر في الفهم عند المخاطبين" (٢). أما عن طريقة تناول التفسير التحليلي بإيجاز: فالمفسر يعمد فيها إلى تناول تفسير الآيات بأسلوب تحليلي يبين فيه أسباب نزول الآيات، ويحلل المفردات فيبين ما فيها من غريب، ويعرب مشكلها، ويبرز ما فيها من نواح بلاغية، ويبين مجملها، ويذكر ما فيها من قراءات و يعزوها ويوجهها.

стр. 33

وأغلب كتب التفسير على هذا النمط. وأما طريقة تناول التفسير الإجمالي: فالمفسر يعمد فيها إلى تناول تفسير الآيات بأسلوب إجمالي مختصر، فيتناول بيان المعنى العام للآيات دون التعرض لتحليل الآيات وبيان ما فيها من أسباب نزول، ولا أوجه إعرابية أو بلاغية، كما أنه لا يتعرض للقراءات الواردة في الآيات، ولكنه يجلي المعنى العام للآيات فحسب، بحيث يقف القارئ على معنى عام للآيات يستطيع معه فهم معانيها، وإدراك مقاصدها ومراميها. الفرق بين التفسير التحليلي والإجمالي: وبالتأمل يمكن لنا أن نجمل الفرق بين التفسير التحليلي والتفسير الإجمالي فيما يلي: ١. التفسير التحليلي يبحث ما اشتملت عليه الألفاظ والمعاني جميعًا. ٢. وأنه يبين كذلك أهم الجوانب الإعرابية التي تبرز وتوضح وتجلي معاني الآيات وما اشتملت عليه. ٣. كما أنه يشتمل على البحث عن الإعجاز والبلاغة ويجلي المناحي البلاغية التي تبرز أوجه إعجاز القرآن وتبين عظم آياته وتزيد الآيات وضوحًا وبيانًا. ٤. كما أنه يُجلي أسباب نزول الآيات ويبين ويوضح المناسبة التي من أجلها سيقت الآيات. ٥. كما أنه يعتني ببيان فقه الآيات واستنباط الأحكام الفقهية منها وما تدل عليه. وهذا كله لا يوجد في التفسير الإجمالي لأنه تفسير مختصر يشير إلى ما تدل عليه الآيات من المعنى العام باقتضاب واختصار، وقد يُشار إلى بعضه أحيانًا وباختصار شديد للغاية (١).

стр. 34

المطلب الثالث: علاقة التفسير التحليلي بالتفسير المقارن التفسير المقارن منهج من مناهج تفسير القرآن الكريم؛ أي أنه أسلوب من أساليب التفسير ووسيلة من وسائله ومركبًا من مراكبه، إلى جانب الأساليب الأخرى المتعارف عليها عند علماء التفسير: التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي والتفسير الإجمالي (١). والتفسير المقارن هو بيان الآيات القرآنية من خلال إيراد ما ذهب إليه المفسرون في النص المتناول، آية أو وحدة من الآيات المترابطة فيما بينها، ثم إعمال الموازنة بين آرائهم واستعراض استدلالاتهم للنظر فيها، وبناء عليه ينتقد ويرد المفسر القول المرجوح مبينًا تعليله بإيراد الأدلة عليه ثم الاستدلال للراجح بعد بيانه (٢). فالمفسر في التفسير المقارن يبين الآيات القرآنية مستعرضًا لما كتبه المفسرون في آية واحدة أو لعدد من الآيات المترابطة والمتتابعة، ويعقد مقارنة بين أقوالهم، وطريقة تناولهم لها، مرجحًا لما يراه منها راجحًا، وناقضًا لما يرى أنه يستحق النقض، مع بيان ما استدل به ترجيحًا ونقضًا. بيان أوجه الترابط بين التفسير المقارن والتفسير التحليلي: ونؤكد على أن طريقة التفسير المقارن أكثر من يتبعها من يشتغل بالتفسير التحليلي، فتجده بعد أن يستعرض الأقوال الواردة في الآية الواحدة يقارن بينها ثم يرجح ما يراه ويتوصل إلى علمه ما يراه راجحًا، والمقارنة بين الآيات بعضها بعضًا ويحتاج لطول صبر، وغزارة علم وسعة اطلاع، وحسن باع بالتفسير وعلومه، بل ولسائر العلوم كذلك، وممن برز في ذلك الطبري في تفسيره والذي حوى ألوانًا أخر من ألوان التفسير، وتفسير الألوسي وحاشية الخفاجي وحاشية زاده على البيضاوي، وغيرهم ممن يذكر أقوال المفسرين في الآية الواحدة أو عدة آيات مترابطة

стр. 35

فيستعرضها جميعًا ويوازن بين أقوال المفسرين ويعرض استدلالاتهم ويتأمل في أدلتهم وما ذهبوا إليه ويرجح بعضها على بعض. وبصورة أخرى: هو عبارة عن بيان الآيات القرآنية على وجه المقارنة بما كتبه جمع من المفسرين، وكيفيته أن يعمد المفسر إلى جملة من الآيات القرآنية في مكان واحد، أو في موضع واحد، ويستطلع آراء المفسرين سواء أكانت من السلف أو الخلف، وسواء أكان تفسيرًا بالمنقول أو بالمعقول، ويوازن بين الاتجاهات المختلفة، والمشارب المتنوعة فيما سلكه كل منهم في تفسيره. فيرى من كان منهم متأثرا بالخلاف المذهبي، ومن كان منهم قاصدًا تأييد فرقة من الفرق (١).

стр. 36

المبحث الثالث: مكانة التفسير التحليلي وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر أولًا: لا بد وأن يُعلم: أن مسمى "التفسير التحليلي"، مسمى حادث، ومصطلح معاصر، غير أنه يُعد التفسير الأم الذي يندرج تحته كل أنواع التفسير، وقد تناول المفسرون مصنفاتهم وتواليفهم بطريقة التفسير التحليلي منذ نشأته وحتى وقتنا المعاصر، وهذا مما يدلل على أنه وإن كان مصطلحه معاصر غير أنه هو التفسير الرئيس الذي سار عليه أئمة التفسير وسادة التأويل والتحبير منذ بداية عصر التصنيف في التفسير إلى وقتنا الحاضر، وهذا مما يدلُّ على أنه ليس ببدع من القول - كذلك. ثانيًا: لا بد أن يُعلم كذلك أن نشأة التفسير التحليلي إنما ترجع لظهور أسلوبه واستعماله في التفسير، ومن هنا ينبغي أن يُقال: أن نشأته كانت متزامنة مع تاريخ ظهوره واستعماله. ثالثًا: لا بد أن يُعلم: أن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني (ت: ٢٣٧ هـ) صاحب السنن، قد قيل إنه يُعد أول من فسر القرآن وفق الترتيب المصحفي، ولكن تفسيره يُعد من التفاسير المفقودة، ولذا يصبح أول تفسير وصل إلينا كاملًا، وقد فُسِّرَ القرآنُ فيه وفق الترتيب المصحفي، وتناول مصنفه تفسيره بأسلوب"التفسير التحليلي"، هو تفسير الإمام الطبري شيخ المفسرين. وفي نحو ذلك يقول الدكتور الذهبي، ﵀: ففي أواخر عهد الأمويين بداية عهد العباسيين وضع التفسير لكل آية من القرآن الكريم على حسب ترتيب المصحف وتم ذلك على أيدي طائفة من العلماء منهم: ابن ماجه، وابن جرير الطبري، وغيرهم، ومن بعد هؤلاء اختصرت الأسانيد.

стр. 37

ثم يقول: ولا نستطيع أن نُعيِّن بالضبط المفسر الأول الذي فسر القرآن الكريم آيةً آيةً ودوّنه على التتابع وحسب ترتيب المصحف، لكن كانوا طائفة لا نستطيع التحديد بالضبط من هو أول من دوّنه منهم؟ وهم: ابن جرير الطبري وابن ماجه وابن حبان والحاكم (١). رابعًا: لا بد أن يُعلم: أنه من الأهمية بمكان دراسة هذا الأسلوب الرئيس من أساليب التفسير والعناية به وإلقاء الضوء عليه ومعرفة نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر، ومعرفة أهميته، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه، وبيان خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته، ثم ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صُنِفَت فيه. خامسًا: لا بد أن يُعلم: أنه لما كان التفسير التحليلي هو التفسير "الأم" و "الرئيس" فإنه يصعب حصر تلك التفاسير لكثرتها. ولكن سيكتفي الباحث هنا بأمرين: الأمر الأول: التعريف بأول ما صنف من هذه التفاسير، وبيان مكانته، وبيان مكانة مؤلفه العلمية ومنهجه في التفسير، وبيان عقيدته، ثم ثناء العلماء عليه وعلى مصنفه. الأمر الثاني: ذكر جملة من أبرز كتب التفسير التي سلك مصنفوها أسلوب "التفسير التحليلي" في مصنفاتهم، وذلك في آخر المطلب الرابع والأخير من هذا المبحث، بإذن الله تعالى. أول تفسير تحليلي وصلنا كاملًا وإذا تأملنا في أول تفسير وصلنا كاملًا، تناوله مصنفه بأسلوب "التفسير التحليلي"، نجده تفسير الطّبريّ، وتفسيره هو التفسير الموسوم بـ: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن".

стр. 38

والإمام الطّبريّ شيخ المفسرين هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطّبريّ (ت: ٣١٠ هـ) (١). وتفسير الطّبريّ: يُعد عند العلماء قديمًا وحديثًا أوثق وأقدم ما دُوّن في التفسير. وسيلقي الباحث الضوء على المُؤَلَّف والمُؤَلِّف فيما يلي: أولًا: تفسيره ومكانته يعتبر تفسير الطبري: أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا؛ لما اجتمع فيه من تفسير بالمأثور وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أوّل التفاسير بالاعتبار (٢). وتفسير الطبري: يعُد من أوائل كتب التفسير التي اعتمد عليها جلّ من جاء بعده من المفسرين، فقد حوى تفسيره أغلب الآثار الواردة في التفسير منذ عصر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ﵄، إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولما تميز به تفسيره من كل جوانب التفسير، من حيث تناول تفسير آياته بأحسن طرق التفسير، فيفسر القرآن بالقرآن، ثم بالمأثور من الأحاديث الواردة التي تدل على المعنى المراد من الآيات، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم بلغة العرب، مع عنايته بأسباب النزول والقراءات مع ذكر المسائل الفقهية، واستنباط الأحكام منها، والترجيح بينها، مع سلوكه والتزامه بمعتقد أهل السنة والجماعة. وفي نحو ذلك يقول الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ)، ﵀، في "التَّفْسِير البَسِيْط":

стр. 39

يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يُعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي، نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق. ثم يقول ﵀: ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غِنَى عنه لطالب التفسير. هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأوَّلية بين كتب التفسير، أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة. أما أوَّليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللَّهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدد الحديث عنه. وأما أوَّليته من ناحية الفن والصناعة: فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به هذا الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته (١). وتفسير الطبري يقع في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد طبع طبعته الأولى في المطبعة الأميرية في بولاق بمصر، وبهامشه تفسير النيسابوري سنة ١٢٣٥ هـ/ ١٨١٩ م، وطبع طبعته الثانية بمطبعة دار المعارف بمصر سنة ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٤ م، بتحقيق الأستاذ المحقّق محمود محمد شاكر وتعليقه، ومراجعة الأستاذ أحمد محمد شاكر (٢).

стр. 40

كما طبع بمؤسسة الرسالة طبعته الأولى: عام ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م، وهي بتحقيق آل شاكر، كما صدرت له طبعة قشيبة عن دار عالم الكتب، بالرياض، ١٤٣٤ هـ، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ثم توالت طباعته تباعًا تكرارًا ومرارًا لحاجة المسلمين إليه فسار في مشارق الأرض ومغاربها مسير الشمس والقمر، وقد قدر الله تعالى لتفسير الطبري الانتشار والشهرة وذياع الصيت بين أهل العلم وطلابه، حتى أصبح المرجع الأول والرئيس عند أهل التفسير بالمنقول والمعقول على حدٍ سواء؛ لما تميّز به تفسيره من صحة المنقول وسلامة المعقول، مصحوبا بسلامة الاستنباط وصحة الترجيح ونقده الصائب للآثار، مع سلامة المعتقد، والسير على نهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، ومسائل الصحابة، ﵃، وغير ذلك. وقد كان يعتبر مفقودًا من عهد قريب، حتى وجدت في حيازة الأمير حمود بن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد، نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن بعيد (١). ثانيًا: منهجه في التفسير ويعتبر تفسير الطبري أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا، لما اجتمع فيه من تفسير بأحسن طرق التفسير وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أولى التفاسير بالاعتبار (٢). وقد حدّد الطبري في مقدمة تفسيره منهجه الذي اعتمده في تأويل آي القرآن، فجمع تفسيره بين الرواية والدراية.
следующие страницы →