المبحث الثالث: مكانة التفسير التحليلي
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر
أولًا: لا بد وأن يُعلم: أن مسمى "التفسير التحليلي"، مسمى حادث، ومصطلح معاصر، غير أنه يُعد التفسير الأم الذي يندرج تحته كل أنواع التفسير، وقد تناول المفسرون مصنفاتهم وتواليفهم بطريقة التفسير التحليلي منذ نشأته وحتى وقتنا المعاصر، وهذا مما يدلل على أنه وإن كان مصطلحه معاصر غير أنه هو التفسير الرئيس الذي سار عليه أئمة التفسير وسادة التأويل والتحبير منذ بداية عصر التصنيف في التفسير إلى وقتنا الحاضر، وهذا مما يدلُّ على أنه ليس ببدع من القول - كذلك.
ثانيًا: لا بد أن يُعلم كذلك أن نشأة التفسير التحليلي إنما ترجع لظهور أسلوبه واستعماله في التفسير، ومن هنا ينبغي أن يُقال: أن نشأته كانت متزامنة مع تاريخ ظهوره واستعماله.
ثالثًا: لا بد أن يُعلم: أن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني (ت: ٢٣٧ هـ) صاحب السنن، قد قيل إنه يُعد أول من فسر القرآن وفق الترتيب المصحفي، ولكن تفسيره يُعد من التفاسير المفقودة، ولذا يصبح أول تفسير وصل إلينا كاملًا، وقد فُسِّرَ القرآنُ فيه وفق الترتيب المصحفي، وتناول مصنفه تفسيره بأسلوب"التفسير التحليلي"، هو تفسير الإمام الطبري شيخ المفسرين.
وفي نحو ذلك يقول الدكتور الذهبي، ﵀:
ففي أواخر عهد الأمويين بداية عهد العباسيين وضع التفسير لكل آية من القرآن الكريم على حسب ترتيب المصحف وتم ذلك على أيدي طائفة من العلماء منهم: ابن ماجه، وابن جرير الطبري، وغيرهم، ومن بعد هؤلاء اختصرت الأسانيد.
стр. 37
ثم يقول: ولا نستطيع أن نُعيِّن بالضبط المفسر الأول الذي فسر القرآن الكريم آيةً آيةً ودوّنه على التتابع وحسب ترتيب المصحف، لكن كانوا طائفة لا نستطيع التحديد بالضبط من هو أول من دوّنه منهم؟ وهم: ابن جرير الطبري وابن ماجه وابن حبان والحاكم (١).
رابعًا: لا بد أن يُعلم: أنه من الأهمية بمكان دراسة هذا الأسلوب الرئيس من أساليب التفسير والعناية به وإلقاء الضوء عليه ومعرفة نشأته وتطوره حتى العصر الحاضر، ومعرفة أهميته، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه، وبيان خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته، ثم ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صُنِفَت فيه.
خامسًا: لا بد أن يُعلم: أنه لما كان التفسير التحليلي هو التفسير "الأم" و "الرئيس" فإنه يصعب حصر تلك التفاسير لكثرتها.
ولكن سيكتفي الباحث هنا بأمرين:
الأمر الأول: التعريف بأول ما صنف من هذه التفاسير، وبيان مكانته، وبيان مكانة مؤلفه العلمية ومنهجه في التفسير، وبيان عقيدته، ثم ثناء العلماء عليه وعلى مصنفه.
الأمر الثاني: ذكر جملة من أبرز كتب التفسير التي سلك مصنفوها أسلوب "التفسير التحليلي" في مصنفاتهم، وذلك في آخر المطلب الرابع والأخير من هذا المبحث، بإذن الله تعالى.
أول تفسير تحليلي وصلنا كاملًا
وإذا تأملنا في أول تفسير وصلنا كاملًا، تناوله مصنفه بأسلوب "التفسير التحليلي"، نجده تفسير الطّبريّ، وتفسيره هو التفسير الموسوم بـ: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن".
стр. 38
والإمام الطّبريّ شيخ المفسرين هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطّبريّ (ت: ٣١٠ هـ) (١).
وتفسير الطّبريّ: يُعد عند العلماء قديمًا وحديثًا أوثق وأقدم ما دُوّن في التفسير.
وسيلقي الباحث الضوء على المُؤَلَّف والمُؤَلِّف فيما يلي:
أولًا: تفسيره ومكانته
يعتبر تفسير الطبري: أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا؛ لما اجتمع فيه من تفسير بالمأثور وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أوّل التفاسير بالاعتبار (٢).
وتفسير الطبري: يعُد من أوائل كتب التفسير التي اعتمد عليها جلّ من جاء بعده من المفسرين، فقد حوى تفسيره أغلب الآثار الواردة في التفسير منذ عصر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ﵄، إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولما تميز به تفسيره من كل جوانب التفسير، من حيث تناول تفسير آياته بأحسن طرق التفسير، فيفسر القرآن بالقرآن، ثم بالمأثور من الأحاديث الواردة التي تدل على المعنى المراد من الآيات، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم بلغة العرب، مع عنايته بأسباب النزول والقراءات مع ذكر المسائل الفقهية، واستنباط الأحكام منها، والترجيح بينها، مع سلوكه والتزامه بمعتقد أهل السنة والجماعة.
وفي نحو ذلك يقول الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ)، ﵀، في "التَّفْسِير البَسِيْط":
стр. 39
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يُعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي، نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق.
ثم يقول ﵀:
ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غِنَى عنه لطالب التفسير.
هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأوَّلية بين كتب التفسير، أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة.
أما أوَّليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللَّهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدد الحديث عنه.
وأما أوَّليته من ناحية الفن والصناعة: فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به هذا الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته (١).
وتفسير الطبري يقع في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد طبع طبعته الأولى في المطبعة الأميرية في بولاق بمصر، وبهامشه تفسير النيسابوري سنة ١٢٣٥ هـ/ ١٨١٩ م، وطبع طبعته الثانية بمطبعة دار المعارف بمصر سنة ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٤ م، بتحقيق الأستاذ المحقّق محمود محمد شاكر وتعليقه، ومراجعة الأستاذ أحمد محمد شاكر (٢).
стр. 40
كما طبع بمؤسسة الرسالة طبعته الأولى: عام ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م، وهي بتحقيق آل شاكر، كما صدرت له طبعة قشيبة عن دار عالم الكتب، بالرياض، ١٤٣٤ هـ، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ثم توالت طباعته تباعًا تكرارًا ومرارًا لحاجة المسلمين إليه فسار في مشارق الأرض ومغاربها مسير الشمس والقمر، وقد قدر الله تعالى لتفسير الطبري الانتشار والشهرة وذياع الصيت بين أهل العلم وطلابه، حتى أصبح المرجع الأول والرئيس عند أهل التفسير بالمنقول والمعقول على حدٍ سواء؛ لما تميّز به تفسيره من صحة المنقول وسلامة المعقول، مصحوبا بسلامة الاستنباط وصحة الترجيح ونقده الصائب للآثار، مع سلامة المعتقد، والسير على نهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، ومسائل الصحابة، ﵃، وغير ذلك.
وقد كان يعتبر مفقودًا من عهد قريب، حتى وجدت في حيازة الأمير حمود بن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد، نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن بعيد (١).
ثانيًا: منهجه في التفسير
ويعتبر تفسير الطبري أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا، لما اجتمع فيه من تفسير بأحسن طرق التفسير وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أولى التفاسير بالاعتبار (٢).
وقد حدّد الطبري في مقدمة تفسيره منهجه الذي اعتمده في تأويل آي القرآن، فجمع تفسيره بين الرواية والدراية.
стр. 41
ثم شرع بتفصيل منهجه في أصول التفسير مع ذكر الأدلة الشرعية واللغوية، وضرب الأمثلة العملية من القرآن الكريم والسنة وكلام العرب واللغة والشِّعر (١).
ولقد التزم الطبري أحسن طرق التفسير؛ من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة المبينة للقرآن والثابتة عن رسول الله ﷺ ، ثم يُتبع ذلك بما ورد عن الصحابة ﵃، وعن التابعين.
وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب (٢).
منهجه في تناول التفسير بالأسلوب التحليلي
وتفسير الطبري ذو منهج خاص، يذكر فيه الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك رواياتٍ أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلِّها أو بعض أجزائها، بناءً على خلافٍ في القراءة، أو اختلافٍ في التأويل، ثم يعقب كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجحًا؛ وهو إذ ينقد أو يرجح، يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل فيها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرَّر بين العلماء من أصول العقائد،
стр. 42
أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره (١).
ولذا ترى الطبري يضع قواعد وأصول للتفسير والتأويل، ويحذِّر من تناول التفسير بالرأي المجرد، ويورد من الأدلة الدالة على تحريمه، وهذا هو منهجه الذي سلكه في تفسيره، كما سيأتي ذكر كلامه هذا بطوله حين الكلام عن منهجه في التفسير.
وقد أثار المنهج الذي اعتمده الطبري في تفسيره خلافًا بين العلماء في تصنيفه بين المفسرين بالمأثور أم بالمعقول، وحاول بعضهم التدليل على أنّ تفسير الطبري إنّما هو في الحقيقة جمع بين الاثنين، وأنه لا تناقض بينهما (٢).
ثالثًا: زمن تأليفه
وكان الطبري يحدّث نفسه منذ صباه بكتابة هذا التفسير، وقد رُوي أنه كان يستخير الله تعالى قبل أن يشرع في كتابته بثلاثة أعوام (٣) ثم ظل يمليه مدة سبع سنين من عام (٢٨٣ هـ) وحتى عام (٢٩٠ هـ)، ثمَّ قُرئ عليه سنة (٣٠٦ هـ).
رابعًا: مقصده من تأليفه
ولقد أوضح الطبري أن مقصوده من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات (٤)، واستقصاء هذه الوجوه فقال (٥): "إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها".
стр. 43
وذكر أن تأويل القرآن له ثلاثة أوجه، فقال (١):
إن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه حاجة العباد إلى علم تأويله (٢)، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قِبَلِهِم.
وكان منهجه في استقصاء الوجوه المحتملة للآيات يعتمد على التفسير بالمأثور بالأساس، ثم القراءات فاهتم بالقراءات القرآنية، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة، فضلًا عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها في التفسير (٣).
стр. 44
وكان منهجه في التفسير وفق الأصول التالية:
الأصل الأول: اعتماده على التفسير بالمأثور
وهو التفسير بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، أو أقوال الصحابة أو التابعين في تفسير معاني الآيات؛ وقد كان يُنكر بشدة على من يفسر القرآن بمجرد الرأي فحسب، ولكنه يُرجِّح أو يصوب أو يوجِّه قولًا لدليل معتبر لديه.
الأصل الثاني: تحذيره من تفسير القرآن بالرأي المجرد
فيقول: "أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله ﷺ أو بنصبه الدلالة عليه؛ فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لم يعلم. وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فالقائل في تأويل كتاب الله، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ ، الذي جعل الله إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله، ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم، قائل على الله ما لا علم له به" (١).
الأصل الثالث: عنايته بالأسانيد
يقف على الأسانيد، فقد اشتمل كتابه على عدد كبير من الأحاديث والآثار المسندة، منها الصحيح ومنها الضعيف، فتراه لا يقبل أي رواية إلا بعد تأمل، وقد أشار جلال الدين السيوطي في (الإتقان) إلى مواضع الأحاديث والآثار الضعيفة في التفسير (٢).
الأصل الرابع: عنايته بالقراءات
كانت عناية الطبري بالقراءات بالغة الأهميّة عكست عمق اطّلاعه في هذا الفنّ من العلوم، ولا يخفى ما لاختلاف وجوه القراءات المشهورة من أثر في توجيه معاني آيات القرآن الكريم (٣).
стр. 45
وعنايته بالقراءات تعني الدقة والتحري لا التوسع والاستفاضة:
ومن ذلك بيان اعتذاره عن نفسه سبب عدم الاستفاضة في مناقشة قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، التي قرأ بها عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف مدًا ﴿مَالِكِ﴾ بألف فيقرؤونها هكذا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، بينما قرأ الباقون من القراء العشرة بغير ألف قصرًا ﴿مَلِكِ﴾ بغير ألف: ﴿مَلِكِ يوم الدين﴾.
ويجلي هذا المعنى فيقول ﵀:
"وقد استقصينا حكاية الرواية عمن روي عنه في ذلك قراءة في كتاب القراءات، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع؛ إذ كان الذي قصدْنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها" (١).
ومع ذلك فتراه يعتني بالقراءة المتواترة الثابتة، ويرفض القراءات الشاذة ويردها، ويوجه القراءات التي يراها نحويًا وتفسيريًا، مرجحًا لها ليجلي بها معاني مبهمة أو يزيد بها معنى آخر غير المعنى الذي في القراءات الأخرى، وأحيانًا يذكر القراءات الواردة في الآية دون ترجيح بينها.
وما اتُهِمَ به الطبريُ من رد قراءة متواترة فهو أمر مستبعد من مثله كإمام علم، ولاسيما وأن عبارة التواتر ربما لا تجد استعمالًا لها عنده، بقدر ما يستعمل الألفاظ التي تدل على استفاضة القراءة وشيوعها واشتهارها ونحو ذلك؛ فالقراءة المشتهرة عنده لا يمكن له ردها ولا الطعن فيها، إلا إذا ثبت عنده شذوذها.
стр. 46
ومما يشهد لإمامته في القراءات ما ذكره ياقوت الحموي في (مجمع الأدباء) حيث يصف مؤلفًا للطبري في القراءات فيقول: "رأيته في ثماني عشرة مجلدة إلا أنه كان بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور، والشواذ، وعلل ذلك، وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور" (١).
وتأمل قول الحموي: "لم يخرج بها عن المشهور" يتبين بجلاء ما ذُكِرُ آنفًا.
ثم لنتأمل كذلك وصف أبي عمرو الداني في (الأرجوزة المنبهة) حيث يقول ﵀:
القول في أصحاب الاختيار
وأهل الاختيار للحروف … والميز للسقيم والمعروف
جماعة كلهم إمام … مقدم أولهم سلام
وهو الذي يعرف بالطويل … إمام كل فاضل جليل
أقرأ باختياره الأناما … ولم يزل مقدما إماما
فذكر الأئمة إلى أن ختم بالطبري فقال:
والطبري صاحب التفسير … له اختيار ليس بالشهير
وهو في جامعه مذكور … وعند كل صحبه مشهور
فهؤلاء أهل الاختيار … لأحرف القرءان في الأقطار (٢)
стр. 47
الأصل الخامس: عنايته باللغة وعلومها
عنايته باللغة وعلومها: كان يحتكم كثيرًا في تفسيره عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب، ويعتمد على أشعارهم، ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية، حيث قال في تفسيره أن من أوجه تأويل القرآن ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن.
وهذا مما أكد عليه في مستهل مقدمة تفسيره حيث يقول:
"وهذا القرآن نزل بلغة العرب، فواجب لمن أراد أن يعلم تأويله أن يكون بأشعارهم عالمًا وللغتهم مدركًا ولأسرار كلامهم متقنًا" (١).
وذلك لأن اللغة من علوم الآلة المعينة على فهم المقصود من كلامه سبحانه؛ ولذا فقد اعتمد الطبري اللغة وعلومها وضروبها من أسس منهجه في تفسير القرآن.
الأصل السادس: عنايته باستيعاب تفسيره لمعاني القرآن
حيث يقول في مقدمة تفسيره:
ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه مُنشِئُون -إن شاء الله ذلك- كتابًا مستوعِبًا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعًا … ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجّة فيما اتفقت عليه منهُ، واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ، ومُبيِّنو عِلَل كلّ مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك (٢).
الأصل السابع: عنايته بالأحكام الفقهية
الاهتمام بالأحكام الفقهية: كان الطبري صاحب مذهب فقهي، فكان يتعرض لآيات الأحكام ويناقشها ويعالجها، ثم يختار من الأحكام الفقهية ما يراه الأقوى دليلًا.
стр. 48
وكان مذهبه الفقهي مذهبًا متبَعًا تفقَّه به كثير من أصحابه ومن جاء بعدهم، حفظه في كتبه الفقهية خاصة كتابه "اللطيف"، وقد عد ابن النديم له أصحابًا وتلامذةً في باب جعله خاصًّا بهم في فهرسته، وكان من أشهرهم المعافى بن زكريا بن طرار (٣٩٠ هـ).
وكتبه كلُّها شاهدة بهذا، خصوصًا ما ألفه في الفقه خاصة مثلَ كتابه اختلاف الفقهاءالمسمى
"اختلاف علماء الأمصار"، وكتاب "لطيف القول في أحكام الشرائع"، وكتاب "بسيط القول" (١).
الأصل الثامن: عمله بالإجماع وأخذه في الاعتبار
لا شك أن الأصول التي لا تجوز مخالفتها ثلاثة، ألا وهي: الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع اليقيني، ولا شك كذلك في أن الإجماع اليقيني حجة قطعية.
والإجماع الصريح حجة متى حصل، وهو قطعي الدلالة لكنه بعد عصر الصحابة نادر الوجود، ومنه المعلوم من الدين بالضرورة (٢).
وقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ومن خالفه -أي الإجماع- بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك: فقد استحق الوعيد المذكور في الآية (٣).
والإجماع القطعي: هو إجماع السلف المحكي عن أصحاب النبي ﷺ ﵃؛ لأن الاختلاف كثر بعد عصرهم وانتشر.
стр. 49
قال القاضي أبو يعلى ﵀: "والإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ" (١).
وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة" (٢).
ويقرر ﵀ أيضًا ذلك فيقول: "فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة" (٣).
ولذا إذا قال الصحابي عن شيء أو أي أمر ما: "كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ "، كان ذلك له حكم المرفوع، ولا يُعد أبدًا حكاية للإجماع، كما أنه لا يُعد دليلًا، لأن الدليل قد تحقق بقول النبي ﷺ ، أو فعله أو تقريره.
ولذا قال الآمدي ﵀: "وإجماع الموجودين في زمن الوحي، ليس بحجة في زمن الوحي، بالإجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي ﷺ " (٤).
والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهّرة، لذلك حظي بمنزلة هامّة في تفسيره -الطبري-، فكثيرًا ما يستند إليه ويجعله سلطانًا كبيرا في اختيار الأقوال وترجيحها (٥).
فكان الطبري: يقدر له قدره، ويعطيه اعتبارًا كبيرًا فيعمل به ويرتضيه مستند إلى حجيته.
стр. 50
مخالفة الطبري غيره من العلماء في طريقة تناوله للإجماع:
"ومن الناحية الفقهية فالطبري مجتهد لكنه سَلَك طريقةَ خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع، فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلين، وهذه الطريقة تؤخذ عليه لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف" (١).
ولذا قد يحكي الإجماع فيقول مثلًا: أجمع أهل الحجة من أهل التأويل، مع أن المسألة قد تجد فيها قولًا لمخالف معتبر.
وفي نحو ذلك يقول ﵀: "وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، فغير جائز الاعتراض به على الحجة" (٢).
فهو لا يعتد بمخالفة رجل أو رجلين في حكاية الإجماع، بل قد يعتبره شذوذًا، وقد وافق الطبري على ذلك بعض الفقهاء كـ "أحمد بن على الرازي الجصاص الحنفي (ت: ٣٧٠ هـ) " وهو خلاف ما عليه جمهور العلماء.
ولذا تراه ﵀ يقرر ذلك معتذرًا بأن: "الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم" (٣).
وإن كان الطبري يُعد من أكثر المفسرين حكاية للإجماع، ومع ذلك فقد قل الانتفاع بهذا الإجماع، وذلك لما سبق ذكره من بيان عدم اعتداده بمخالفة الرجل والرجلين.
стр. 51
الأصل التاسع: عنايته بعقيدة أهل السنة والجماعة
تعرض الطبري في تفسيره لكثير من مسائل العقيدة، والرد على كل من خالف فيها ما عليه أهل السنة والجماعة.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال: بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه (١).
٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، قال: وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات.
وكان يذهب في جل مذاهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن، شديدًا عليه مخالفتهم، ماضيًا على منهاجهم، لا تأخذه في ذلك ولا في شيء لومة لائم، وكان يذهب إلى مخالفة أهل الاعتزال في جميع ما خالفوا فيه الجماعة من القول بالقدر وخلق القرآن وإبطال رؤية الله في القيامة، وفي قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار وإبطال شفاعة رسول الله ﷺ ، وفي قولهم إن استطاعة الإنسان قبل فعله (٢).
٣ - عند تفسيره قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تضافرت عليه الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس
стр. 52
دونها سحاب، فالمؤمنون يرونه والكافرون عنه يومئذ محجوبون" (١)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا﴾ [المطففين: ١٥] (٢).
قال: ". . . . معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ " (٣).
ثم يتعقب المعتزلة منكرًا ومشددًا عليهم إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبيان خطئهم الجلل في تأويل قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، حيث يقول: ". . . ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون -أي المعتزلة- من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان مما يَسْهُل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة" (٤).
الأصل العاشر: موقفه من الإسرائيليات
موقفه من الإسرائيليات: يسوق في تفسيره أخبارًا من القصص الإسرائيلي، وكان يتعقَّبها أحيانًا بالنقد والتمحيص.
وقال محمود محمد شاكر عن ذلك:
ولما رأيت أن كثيرًا من العلماء كان يعيب على الطبري أنه حشد كثيرًا من الرواية عن السالفين الذين قرأوا الكتب وذكروا في معاني القرآن ما ذكروا من الروايات عن أهل الكتابين السابقين - التوراة والإنجيل - أحببت أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الروايات رواية رواية، وأبين عند كل رواية مقالة الطبري في إسنادها، وأنه إسناد لا تقوم به
стр. 53
الحجة في دين الله ولا في تفسير كتابه، وإن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلال بالشعر القديم (١).
الأصل الحادي عشر: دقته وأمانته العلمية
ومما يدلل على دقته وأمانته العلمية في تفسيره، ما يحتويه تفسيره من الروايات المسندة، فتفسيره فيه: (٣٨٣٩٧) ثمانية وثلاثون ألفًا وثلاثمائة وسبع وتسعون رواية في التفسير؛ أي: ما يُقارب أربعين ألف رواية، يرويها ابن جرير كلها بأسانيده إلى النبي ﷺ ، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين وأتباعهم.
وهذه خمسة نقولات ننقلها للقرَّاء الكِرام من تفسير الطبري، وسيندهش كلُّ مَنْ يقرؤها من شدة تحرِّيه في ألفاظ الروايات حتى في الكلمة الواحدة؛ بل وفي الحرف الواحد.
قال الطبري، ﵀:
١ - قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، يقول تعالى ذكره: وما اختلفتم أيها الناس فيه من شيء فتنازعتم بينكم، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يقول: فإن الله هو الذي يقضي بينكم، ويفصل فيه الحكم كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن (هو الزعفراني)، قال: حدثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، قال ابن عمرو في حديثه: "فهو يحكم فيه"، وقال الحارث: "فالله يحكم فيه" (٢)؛ فتأمَّل كيف ميَّز ابن جرير لفظ شيخيه: محمد بن عمرو والحارث، مع أن المعنى واحدٌ!
٢ - وقال ﵀ أيضًا: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، قال: ما وعدوا
стр. 54
فيه من خير أو شر، حدثنا أبو كريب، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله، إلا أن أبا كريب قال في حديثه: "من خير وشر" (١)؛
فتأمَّل كيف بيَّن ابن جرير أن شيخه أبا كريب؛ وهو محمد بن العلاء الهمداني قال: "من خير وشر"، أما شيخاه سفيان بن وكيع، ومحمد بن بشار، فقالا: "من خير أو شر"، فبيَّن الفرق في روايتهم في حرف واحد!
٣ - وقال ﵀ أيضًا: حدثني إسحاق بن شاهين، وإسماعيل بن موسى، قالا: حدثنا خالد بن عبدالله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ويلٌ للأعقاب من النار» (٢)، وقال إسماعيل في حديثه: (ويل للعراقيب من النار) (٣)(٤).
٤ - وقال ﵀ أيضًا: حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن (هو البصري) عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، قال: "هي فاتحة الكتاب، ثم سُئل عنها، وأنا أسمع، فقرأها حتى أتى على آخرها، فقال: "تُثنى في كل قراءة" أو قال: "في كل صلاة"، الشك من أبي جعفر (٥).
أتدرون من هو أبو جعفر الذي شك في كلمة قراءة أو صلاة؟؟
إنه الإمام ابن جرير نفسه، فهو الذي شك في الرواية، هل قال شيخه يعقوب بن إبراهيم: تثنى في كل قراءة أو قال: في كل صلاة؟! فبيَّن ابن جرير تلك الكلمة التي شكَّ فيها، ولم يجرؤ على كتابة الرِّواية بأحد اللفظين دون أن يُبيِّن أنه يشكُّ في كلمة منها!
стр. 55
٥ - وقال ﵀ أيضًا: حدَّثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي: "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء"، وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" (١).
قال المناوي في "فيض القدير" في شرح قول ابن عباس:
وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر، فمطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما يشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتُسمَّى بأسمائها على منهج الاستعارة والتمثيل، ولا يُشاركها في تمام حقيقتها (٢).
فقول ابن عباس هذا كتبه ابن جرير عن اثنين من مشايخه، هما: أبو كريب، ومحمد بن بشار، وكل شيخ منهما يرويه عن شيخ عن سفيان الثوري عن الأعمش، فمدار الحديث على سليمان الأعمش، فبيَّن ابن جرير لفظ كل شيخ، وهذا التفريق يدل على شدة تحرِّي ابن جرير في رواياته، ولو جمعنا طرق هذه الرواية لرأينا الرواة يروون هذا القول عن ابن عباس بألفاظ مُتقاربة والمعنى واحد، وسأقتصر هنا على ذكر ثلاث طرق لهذه الرواية:
١ - قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو معاوية؛ وهو محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء" (٣).
٢ - قال البيهقي في كتابه "البعث والنشور": أخبرنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد، حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن عمر بن بكر بن الحارث الكوفي العبسي،
стр. 56
أنبأنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء" (١).
٣ - قال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "صفة الجنة": حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء" (٢).
واعلم أن ابن جرير ﵀ كتب تلك الروايات وغيرها حين كان يطلب العلم في دفاتر، ثم حين ألف كتابه التفسير كتبها في مواضعها المناسبة لها على الآيات، وقد ذكر ابن جرير في أكثر من موضع ما يدل على هذا، ومن ذلك قوله: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدالرزاق الصنعاني، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥]، قال: "مُجصَّص" هكذا هو في كتابي: عن سعيد بن جبير (٣).
فقد استغرب ابن جرير من هذه الرواية، وبيَّن أنه رآها هكذا في كتابه عن سعيد بن جبير، مع أنها في تفسير عبدالرزاق الصنعاني عن عكرمة؛ وليس عن سعيد بن جبير، ففي تفسير عبدالرزاق الصنعاني: قال عبدالرزاق: أخبرنا الثوري، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾، قال: "المجصّص" (٤).
وقد روى ابن جرير هذه الرواية عن عكرمة على الصواب من غير طريق عبدالرزاق، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوام، عن هلال بن
стр. 57
خباب، عن عكرمة: ﴿مَشِيدٍ (٤٥)﴾، قال: "المجصص"، قال عكرمة: "والجص بالمدينة يُسمَّى المشيد" (١).
فرحم الله الإمام محمد بن جرير الطبري، وجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء، فقد حفظ لنا في كتابه التفسير آلاف الروايات المسندة في تفسير القرآن الكريم من أوَّلِه إلى آخره (٢).
الأصل الثاني عشر: علو همته
ونسوق أبرز ما روي في علو همته:
روي عن الخطيب البغدادي أنه قال:
سمعت عليّ بن عبيد الله اللغوي يحكي: أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة (٣).
ويُروى أن الطبري لما أراد أن يُملي تفسيره قال لأصحابه:
أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنّا لله ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر التفسير (٤).
خامسًا: ثناء العلماء عليه
لقد تبوَّأ تفسير الإمام الطبري أسمى مكانةٍ؛ حتى لُقب بشيخ المفسرين، وأصبح تفسيره أكثر التفاسير ذيوعًا وانتشارًا.
стр. 58
ونعرض هنا بعض ثناء العلماء على شيخ المفسرين، والتي من أبرزها ما يلي:
١ - الخطيب البغدادي
ومِن أجمع ما ذُكِرَ في حسن الثناء على الطبري وسعة علمه ما جادت به قريحة الخطيب في "تاريخه"، حيث يقول:
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، كان أحدَ أئمة العلماء، يُحكَمُ بقوله، ويُرجَعُ إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره؛ فكان حافظًا للكتاب، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنة وطرقها، صحيحِها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأمم وتاريخهم، وله كتاب التفسير لم يُصنَّف مثله، وكتاب سمَّاه تهذيب الآثار لم أرَ سواه في معناه، لكنه لم يُتمَّه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حُفِظت عنه (١).
٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية:
يَعدُّ شيخُ الإسلام ابن تيمية الإمامَ الطبري من كبار المجتهدين في الإسلام وأواخرهم، وقد ذكر ذلك في مواضع عدة من مصنفاته (٢).
وقد أشاد بعقيدته في محض بيانه لقاعدة الاسم والمسمى من مجموع الفتاوى حيث يقول:
". . . كما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه "صريح السنة" ذكر مذهب أهل السنة في القرآن والرؤية، والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك. وذكر أن مسألة اللفظ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام؛ كما قال لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا
стр. 59
إلا عمن في كلامه الشفاء والغناء، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبو عبد الله أحمد بن حنبل فإنه كان يقول: اللفظية جهمية. ويقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر أن القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة .... " ا. هـ (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: "وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي" (٢).
٣ - قال الذهبي: الإمام الجليل المفسر أبو جعفر صاحب التصانيف الباهرة من كبار أئمة الإسلام المعتمدين (٣). وقال أيضًا: وله كتاب التفسير، لم يصنف أحد مثله (٤).
٤ - قال ابن كثير: بل كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٥).
٥ - قال ابن القيم: قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن قال في كتاب صريح السنة ونقل كلامه وعده من جملة السلف الذي يرجع لأقوالهم في مسائل الاعتقاد (٦).
٦ - قال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصِّين حتى يحصل على كتاب تفسير محمَّد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (٧).
стр. 60
٧ - قال ابن خزيمة: نظرت فيه -تفسير الطبري- من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (١).
٨ - وقد أكد الحافظ بن حجر، ﵀ ، كلام ابن خزيمة في "لسان الميزان" فقال: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير ممن كتبه عن الطبري فردّه بعد سنين ثم قال: نظرتُ فيه من أوله إلى آخره؛ فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (٢).
٩ - قال أبو محمد الفرغاني: تم من كتب محمد بن جرير كتاب التفسير؛ الذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل (٣).
١٠ - قال ابن عطية الأندلسي، ﵀: ثم إنّ محمد بن جرير الطبري، ﵀، جمَع على الناس أشتات التفسير، وقرَّب البعيد، وشفَى في الإسناد (٤).
١١ - قال النووي: وله كتاب التاريخ المشهور وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله (٥). وقال أيضًا حين ترجم له في "تهذيب الأسماء واللغات": أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري (٦).
١٢ - قال السيوطي: وكتابه -يعني تفسير محمد بن جرير- أجلُّ التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين.
стр. 61
وقال أيضًا: فإن قلت فأي التفاسير ترشد إليه وتأمر الناظر أن يعول عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله (١).
١٣ - ومن المعاصرين العلامة الفقيه عبد الله ابن حميد (ت: ١٤٠٢ هـ) .
لئلا أطيلَ بذكر ثنائه من أقوال العلماء -وهو كثير جدًّا- أختم بما قدَّمه بترجمته الشيخ الفقيه عبد الله بن حميد لكتابه (تهذيب الآثار) حيث قال ﵀: " … فكان من أثر ذلك تأليفُ المؤلَّفات الضخمة العديدة التي حوت على تراث نبيِّنا محمد ﷺ ، من هؤلاء الجهابذة الأفذاذ الإمام أبو جعفر محمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، فقد أجمع المسلمون على إمامته وجلالة قدره وسَعَة علمه، وألف في ذلك المؤلفات الكثيرة النافعة التي أثنى عليها أئمة العلماء، وذكروها ومؤلِّفَها بما هو أهل … ، والإمام ابن جرير أشهر من أن يُذكَر وأَعرَفُ من أن يُنكَر، (ثم شرع في نبذة يسيرة مختصرة عن حياته، ومما قال فيها): … ما زال العلماء في زمانه وبعده يُثْنون عليه ويذكرون فضله وعلمه وزهده وتُقَاه، فقد كان ﵀ عالمًا بتفسير القرآن، والحلال والحرام، وعالمًا بأخبار الناس وأيامهم، وهو من فضلاء الصالحين المتقين، شهد له أهل العلم بالفضل والتقَى؛ فقد كان إمامًا في التفسير والحديث والجرح والتعديل، وعالمًا بالأحكام وأصولها، وله أقوال واختيارات جيدة انفرد بها " (٢).
١٤ - ومن المعاصرين كذلك الدكتور محمد حسين الذهبي، ﵀ ، حيث يصف كتابه قائلًا: بأنّه التفسير الذي له الأولويّة بين كتب التفسير، أولويّة زمنيّة و أولويّة من ناحية الفنّ
стр. 62
والصناعة (١). ثم يقول أيضًا مقررًا مؤكدًا على مكانته وتقدمه: اعتبر الطبري أبا للتفسير كما أعتبر أبا للتاريخ الإسلامي (٢).
وختامًا:
فإن تمكن الطبري من التفسير وعلومه، واتقانه في صناعة تفسيره وتقدمه على كل ما صنف في التفسير زمانًا واتقانًا ومنهجًا وطريقة وأسلوبًا وعقيدة، جعله في مقدمة التفاسير التي اعتمد عليها أغلب المفسرين الذين أتوا بعده، حتى لُقِّبَ بشيخ المفسرين، وإمام المفسرين.
المطلب الثاني: أهمية التفسير التحليلي، وبيان أسلوبه وأبرز وأهم مزاياه
أهم مزايا التفسير التحليلي:
أولًا: يُعد التفسير التحليلي من أقدم أساليب التفسير التي سلكها المصنفون قديمًا، كابن جرير الطبري، والرازي، والقرطبي وغيرهم من القدامى، والذي يتتبع فيه المفسر الآيات حسب ترتيبها المصحفي لا النزولي، ويتناول فيه المفسر تفسير آيات متتابعة، ثم يعمد إلى تفسير السورة بأكملها ثم ينتقل إلى تفسير القرآن الكريم كله متبعًا نفس المنهج.
ثانيًا: يعمد فيه المفسر إلى تفسير الآيات الكريمة تفسير تحليليًا، مستخدمًا له أكثر من غيره، مبرهنًا لأهمية اتباعه كمنهج وأسلوب من أهم المناهج والأساليب المتبعة في التفسير.
ثالثًا: يعمد فيه المفسر إلى بيان ما يتعلق بالآيات من معاني الألفاظ، مبينًا لأسباب نزولها، مبرزًا لأوجه البلاغة الواردة فيها، مستعينًا بما ورد فيها من قراءات، وموجهًا لها لإبراز المعاني وزيادة إيضاح مرامي وهدايات الآيات، مبينًا لأهم ما ورد فيها من أحكام.
رابعًا: يُعد منهج التفسير التحليلي من المناهج التي لا يُقيد فيها المفسر باستخدام أسلوب فيه إسهاب وإطناب، أو أسلوب فيه إيجاز واختصار، ما دام المفسر قد اتبع الأسلوب المنهجي
стр. 63
والأسس والقواعد التي اعتمدها أئمة التفسير وسادات التحبير والتأويل في هذا الصدد، على أن يتجنب التطويل الممل، والإيجاز المختصر المخل، ولذا ترى ممن صنف في هذا
المنهج التحليلي مَن أطال فترى تفسيره قد حوى مجلدات كبار طوال، ومنهم مَن توسط فصنف في تفسيره في مجلدات معدودة، ومنهم مَن اختصره في مجلد واحد، وسيأتي معنا بعد قليل بيان لبعض المصنفات في تلك الأقسام جميعًا.
وفي ذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبي، ﵀:
ثم إنَّا نجد متقدمى المفسِّرين قد توسَّعوا فى التفسير إلى حد كبير، جعل مَن جاء بعدهم من المفسِّرين لا يلقون عنتًا، ولا يجدون مشقة فى محاولتهم لفهم كتاب الله، وتدوين ما دوَّنوا من كتب فى التفسير، فمنهم مَن أخذ كلام غيره وزاد عليه، ومنهم مَن اختصر، ومنهم مَن علَّق الحواشى وتتبع كلام من سبقه، تارة بالكشف عن المراد، وأخرى بالتفنيد والاعتراض (١).
خامسًا: أغلب من نحى هذا المنحى من المفسرين قد اعتمد أسلوب السابقين كشيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري، كما اعتمد كثير منهم طريقته في استخدام أحسن أساليب التفسير، ألا وهي تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بصحيح السنة، واعتماد أقوال السلف من الصحابة والتابعين، وما دلت عليه لغة العرب.
سادسًا: لا بد للمفسر الذي يتناول التفسير التحليلي على وجه الخصوص أن يتمكن من علوم المفسر عمومًا، ومن تلك العلوم خصوصًا، ألا وهي: معرفة أصول الدين عمومًا، ومعرفة الفقه وأصوله، ومعرفة اللغة وعلومها، ومعرفة علم أسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة علم القراءات، وسائر علوم القرآن كذلك.
стр. 64
المطلب الثالث: خطوات مدارسته، وطريقة تناوله، من خلال سور القرآن وآياته
أهم طرق وخطوات التفسير التحليلي:
أولًا: يقوم المفسر في التفسير التحليلي بتقسيم الآيات المزمع تفسيرها إلى وحدات موضوعيّة ذات عناوين واضحة جلية.
ثانيًا: يتناول بيان معاني الآيات إجماليًا مع العناية بالجوانب اللغوية والبلاغية وتجلية معانيها.
ثالثًا: العناية ببيان أسباب النزول والاستعانة بها على تجلية معاني الآيات؛ لأن معرفة أسباب النزول معين على تثبيت معاني الآيات في الذهن وفهمها فهمًا صحيحًا، وذلك أن العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبَّب.
وفي ذلك يقول الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها (١).
رابعًا: تفسير الآيات التي يتعرض لها المفسر تفسيرًا تحليليًا بعد أن بيّنها إجماليًا؛ فالمفسر يبين الآيات وما يصل إليه أو يقصد من مراد الله تعالى فى كتابه بأتم بيان يحتمل المعنى، ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، وأن يخدم المقصد تفصيلًا وتفريعًا، مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء (٢).
خامسًا: يتعرض المفسر لاستنباط الأحكام الواردة في الآيات، ويبينها ويجليها ويبين الحكمة من ورودها في سياق تلك الآيات.
سادسًا: العناية باجتناب الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي طفحت بها بعض كتب التفسير.
سابعًا: يتباين المفسرون في طريقة تناولهم للتفسير التحليلي حسب مناهجهم ومشاربهم، فمن غلب عليه الجانب الفقهي يهتم به اهتمامًا حتى يكاد أن يخرجه عن مسمى التفسير إلى
стр. 65
مسمى الفقه، وقد يكون مع ذلك متعصبًا لمذهبه، ومنهم من يعتني بالجانب اللغوي ويبالغ فيه وكأنك تقرأ كتابًا لسيبويه، ومنهم من يعتني بالجانب البلاغي وكأنك تطالع كتاب بلاغة لا كتاب تفسير، ومنهم من اعتنى بإبراز أقوال السلف وآثارهم، ومنهم من غلب على تفسيره الجانب الوعظي والأسلوب الدعوي،
ومنهم من اعتنى ببيان منهجه العقدي بحيث تطالع من أول وهلة منهجه العقدي بارزًا وواضحًا جليًا، ومنهم من اعتنى بالجوانب التاريخية وزاد فيها وبرز الجانب القصصي على الجانب التفسيري، وهذه هي أهم الجوانب التي ظهرت على أكثر المصنفات في التفسير التحليلي.
المطلب الرابع: ذكر مصادره، وجملة من أهم المصنفات التي صُنِّفَت فيه
أهم المصنفات في التفسير التحليلي:
المصنفات في التفسير التحليلي كثيرة، وهي مختلفة في حجمها كبرًا وصغرًا، ومن الممكن تقسيم أبرزها إلى ثلاث فئات على النحو التالي:
الفئة الأولى: وهي الفئة الأكثر توسعًا، من جهة الحجم مثل:
١. جامع البيان في تأويل آي القرآن، للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري (ت: ٣١٠ هـ).
٢. مفاتيح الغيب، لمحمد بن عمر بن الحسن الملقب بفخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ)، وهو مندرج تحت التفسير بالرأي المحمود كذلك.
٣. الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر شمس الدين القرطبي (ت: ٦٧١ هـ).
٤. البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ).
стр. 66
٥. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين البقاعي، وهو إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ)، وهو مندرج تحت التفسير الإشاري كذلك.
٦. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ)، وبعض أهل العلم ألحقه بالتفسير الإشاري كذلك.
٧. التحرير والتنوير، "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ).
الفئة الثانية: فئة أقل توسعًا من جهة الحجم من سابقتها، مثل:
١. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (ت: ٥١٠ هـ).
٢. تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت: ٧٧٤ هـ).
٣. إرشاد العقل السليم لمزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٩٨٢ هـ).
٤. محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ)
الفئة الثالثة: فئة متوسطة الحجم وهي أقل من سابقتها، مثل:
١. تفسير الكشاف، للزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ)، وأيضًا هو مصنف ضمن كتب التفسير بالرأي المذموم.
٢. أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ).
٣. مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (ت: ٧١٠ هـ).
стр. 67
٤. التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (ت: ٧٤١ هـ).
وهذه التفاسير كلها مندرجة تحت التفسير التحليلي، وهي مختلفة المشارب والمدارس والمناهج والاتجاهات والطرائق والعقائد أيضًا، وهي كذلك مختلفة كثرة وقلة، وقد يندرج بعضها تحت أكثر من قسم من أقسام التفسير، وهي كذلك قد يغلب بعضُها بعضًا في بعض الجوانب، وذلك لمسلك مؤلفها وما غلب عليه من العلم، كتفسير القرطبي غلب عليه الجانب الفقهي، وكذلك تفسير البحر المحيط غلب عليه الجانب اللغوي وكأنك تقرأ كتاب نحو مثلًا، وكذلك تفسير الزمخشري غلب عليه الصناعة اللغوية والبلاغية خاصة والتي كان إمامًا بارزًا فيها، كما كان إمامًا في الاعتزال والذي طغى على تفسيره كذلك (١).
وبهذا ينتهي الفصل الثاني والحمد لله رب العالمين.
стр. 68
• الفصل الثالث •
طريقة تناول التفسير التحليلي ودراسته
من خلال سور القرآن وآياته
آيات وصايا لقمان لابنه كما وردت في سورة لقمان
الآيات من ١٢ إلى ١٩ أنموذجًا ومثالًا تطبيقيًا
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالسورة الكريمة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: اسم السورة وسر تسميتها.
المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها.
المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة.
المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة.
المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة.
المبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نسبه ونشأته.
المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا.
المبحث الثالث: المنهج التربوي كما تصوره موعظة لقمان الحكيم، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الجانب العقدي.
المطلب الثاني: الجانب التعبدي.
المطلب الثالث: الجانب الأخلاقي.
المطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب.
ثم، خاتمة هذا المبحث، وأبرز النتائج، وأهم التوصيات.
стр. 69
المبحث الأول: التعريف بالسورة الكريمة
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسرّ تسميتها.
المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها.
المطلب الثالث: الجوانب البلاغية في السورة الكريمة.
المطلب الرابع: موضوع السورة الكريمة.
المطلب الخامس: المناسبات في السورة الكريمة.
стр. 70
المطلب الأول: اسم السورة الكريمة وسرّ تسميتها
أولاً: اسم السورة الكريمة: (سورة لقمان)
قالَ: إنها سورة لقمان كلٌّ من: عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت ٢١١ هـ) (١)، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت ٢٢٠ هـ) (٢)، وأَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت ٣٠٣ هـ) (٣)، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت ٣٥٢ هـ) (٤)، ولا يُعلم أيّ خلاف في تسميتها بسورة لقمان.
ثانيًا: سر تسميتها
يقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «سمّيت هذه السّورة الكريمة "سورة لقمان"، بإضافتها إلى لقمان ﵇؛ لأنّ فيها ذكر لقمان وحكمته وجملًا من حكمته التي أدّب بها ابنه وليس لها اسمٌ غير هذا الاسم، وبهذا الاسم عرفت بين القرّاء والمفسّرين، ولم أقف على تصريحٍ به فيما يُروى عن رسول اللّه ﷺ بسندٍ مقبولٍ» (٥).
стр. 71
ويقول الصابوني (ت: ١٤٤٣ هـ): «سميت هذه السورة (سورة لقمان) بهذا الاسم لاشتمالها على موعظة لقمان ﵇ التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله وصفاته وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته من الوصايا الثمينة» (١).
ويقول شحاتة: «سميت بسورة لقمان لورود موعظة لقمان ﵇ فيها، وكان من الحكماء الأقدمين» (٢).
ويقول الباحث: إن تسمية السورة الكريمة بسورة لقمان جاء تمشيًا مع القاعدة المتبعة عند أئمة التفسير بتسمية السورة بأبرز ما ورد فيها، ذلك مع مراعاة اعتبار الخلاف المشهور عند أئمة التفسير في كون أسماء السور توقيفية أو اجتهادية كلها أو بعضها، أو كون بعضها اجتهاديًّا من الصحابة أنفسهم ﵃ أجمعين.
المطلب الثاني: نزولها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها
ويندرج تحت هذا المطلب ما يلي:
أولًا: ترتيبها في المصحف الشريف:
سورة لقمان هي السورة الحادية والثلاثون [٣١] من بين سور المصحف الشريف توسطت بين سورتي الروم والسجدة على الترتيب المصحفي.
ثانيًا: عدد آياتها:
أربع وثلاثون آية [٣٤] في عد أهل الشام، والبصرة، والكوفة (٣)(٤)، [٣٣] وهي ثلاث وثلاثون
стр. 72
في المكي والمدني (١).
الخلاف في عدد آيات سورة لقمان:
قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «وهي ثلاثون وثلاث آيات في عدد المدنيين والمكي، وأربع في عدد الباقين» (٢).
وبنحو قول أبي عمرو الداني قال جمع غفير من أهل العدد (٣).
القول الأول: ثلاث وثلاثون آية:
وهذا القول اختاره كذلك جمع من أهل العدد، فمنهم من اختاره كقول منفرد كـ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاس (ت: ٣٣٨ هـ) في "معاني القرآن"، قَالَ: «آياتها ٣٣ آية» (٤)، ومنهم من اختاره في عد المكي والمدني جميعًا، ومنهم من اختاره في عد أحدهما (٥).
القول الثاني: أربع وثلاثون آية:
وقد اختار هذا القول منفردًا جمع من أهل العدد:
كـ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: ٤٢٧ هـ): في "الكشف والبيان" قال: «أربع وثلاثون آية» (٦)، كما وافقه على هذا القول جمع من أهل العدد (٧).
ومنهم من اختاره وعده عند الكوفي والبصري والشامي كما مر معنا آنفًا.
стр. 73
مواضع اختلاف العدد في السورة الكريمة:
قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «اختلافها آيتان: ﴿الم﴾ عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ عدها البصري والشامي ولم يعدها الباقون» (١).
وبذلك قال جمع من أهل العدد، منهم:
أبو الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ) (٢)، عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ) (٣)، أبو عيد رِضْوانُ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٤).
القول الراجح في عد آي السورة الكريمة:
ومن خلال ما مضى بيانه يتبين لنا أن القول الراجح هو القول الثاني، أي: أن عدد آياتها أربع وثلاثون آية شامي وبصري وكوفي وعليه الأكثرون، والله تعالى أعلى وأعلم (٥).
رؤوس الآي في السورة الكريمة:
قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ورؤوس الآي هي:
١. ﴿الم﴾ [لقمان: ١].
٢. ﴿الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢].
٣. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣].
٤. ﴿يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤].
٥. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥].
٢٥. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥].
٢٦. ﴿الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].
٢٧. ﴿حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
٢٨. ﴿بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨].
٢٩. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩].
٣٠. ﴿الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠].
٣١. ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].
٣٢. ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
٣٣. ﴿الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
٣٤. ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١).
قاعدة رؤوس الآي (الفواصل) في السورة الكريمة:
قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ):
«وقاعدة فواصلها: نظم در» (٢). نحو: «يوقنون، وغليظ، وكريم، والحميد، ومنير» (٣).
نظائر سورة لقمان في العدد:
قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «ونظيرتها في البصري والشامي الأحقاف ولا نظير لها في غيرهما» (٤)، وكذلك هو قول أبي عيد رِضْوان المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٥).
ثالثًا: مواضع النسخ في السورة الكريمة
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] .
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: ٤٣٧): «سورة لقمان (مكية). ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] منسوخٌ بقول النبي ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت» (٦)، يريد نسخ الجمع بين الشّكرين بالواو، فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فيتقدّم الشّكر لله كالمشيئة» (٧).
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «سورة لقمان: ليس فيها نسخ، وزعم قوم أن قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، منسوخ بقوله ﷺ : «لا تقل: ما شاء الله وشئت، ولكن قل: ما شاء الله ثم شئت» (٨) أي: نسخ الجمع بين الشكرين بالواو فيستوي الشكران، ولكن يكون بـ «ثم» فتقدم الشكر لله كالمشيئة، فعلى هذا لا يجوز أن تتلى هذه الآية، وهذا خلف من القول.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية. نسخ معناها بالسيف (٩)، وليس كما قالوا، وقد تقدم الجواب» (١٠) الآية. [لقمان: ٢٣].
والحقيقة أن شكر الله هو شكر يليق بذاته العلية وذلك بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه