تقديم
الدكتور صالح بن محمد الونيان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين … وبعد:
إن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر عمّا أشكل وذلك أحرى لإتقان أداء العبادة ولذا قام أخي الشيخ الدكتور/ عبدالكريم بن محمد العميريني بجمع ما تمس الحاجة إليه من أحكام الجنائز في كتابه الموسوم (قراريط - مسائل وأحكام وبدع الجنائز-) وقام بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها ووضع الحواشي عند الحاجة إلى ذلك والبحث عما يشكل على الناس في هذا الأمر فالكتاب شبيه بحديقة غناء تقطف منها ثماراً يانعة وقد قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فألفيته مهماً في بابه.
فهنيئاً لمن يجنون القراريط في اليوم والليلة هذا الجهد المبارك، أسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه ويجزل المثوبة لجامعه والمنفق على طباعته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 2
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
إن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر عمَّا أشكل وذلك أحرى لإتقان أداء العبادة ولذا قام أخي الشيخ الدكتور / عبدالكريم بن محمد العميريني بجمع ما تمس الحاجة إليه من أحكام الجنائز في كتابه الموسوم (قراريط - مسائل وأحكام وبدع الجنائز-) وقام بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها ووضع الحواشي عند الحاجة إلى ذلك والبحث عما يشكل على الناس في هذا الأمر فالكتاب شبيه بحديقة غناء تقطف منها ثمارًا يانعة وقد قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فألفيته مهما في بابه.
فهنيئًا لمن يجنون القراريط في اليوم والليلة هذا الجهد المبارك، أسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه ويجزل المثوبة لجامعه والمنفق على طباعته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 3
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله … أما بعد.
لما كانت الصلاة على الجنازة من العبادات التي ينال منها المرء حسنات كالجبال وهناك مسائل قد تخفى على بعض المهتمين بالصلاة على الجنازة وتشييعها، حاولت في هذا الكتيب أن أساهم في تقريب مسائل الجنائز على طريقة السؤال والجواب، وأحلت كل فائدة إلى مرجعها، وقد أورد أكثر من فتوى لمسألة واحدة وتكون الإجابة مختلفة حتى يعلم القارئ أن هذه مسألة اجتهادية فالأمر فيها واسع فلا ينكر أحد على أحد خاصة إذا لم يكن فيها نص صحيح صريح.
وعندما أتصرف بالنقل إما حذفا، أو اختصارا فإني أشير إليه بعبارة «بتصرف».
كما قمت بتخريج الأحاديث وذكرت حكم العلماء عليها قدر ما أمكن، وقمت بتوثيق النصوص والنقولات من مصادرها.
فما وجدتَ -أخي القارئ- فيه من خير فالحمد لله على توفيقه، وما
стр. 4
كان فيه من زللٍ فإن هذا حال من خُلِق من عَجَلٍ، وظني بك عدلاً، لا يعُدُّ الغلط فيُشنّع على صاحبه، لكنْ يتنبَّه إليه فينبّهه عليه، والخطأ من طبع الإنسان، وجل من لا عيب فيه. وذلك كما قيل:
وإن تجدْ عيباً فَسُدَ الخللا … فجَلَّ مَنْ لا عيبٌ فيه وعلا
يقول الثعالبي: لا يكتب أحد كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غيرها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة فكيف في سنين عديد.
وقال العماد الأصبهاني: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غّير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
أسأل الله رب العرش العظيم أن يغفر لي ولوالدي وذريتي والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وأن يجعل أجر هذا العمل في موازيننا يوم أن نلقاه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه
عبدالكريم بن محمد العميريني
١٤٣٧ هـ
стр. 5
أحكام عامة في التغسيل والتكفين والصلاة والدفن
أحكام في تغسيل الميت
قال ابن عثيمين:
١/ غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، فينبغي لمن قام بذلك أن ينوي أنه مؤد لهذه الفريضة، لينال أجرها وثوابها من الله تعالى. أما الكافر فلا يجوز تغسيله، ولا تكفينه، ولا دفنه مع المسلمين.
٢/ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يفعل ما يلزم في تغسيله وغيره.
٣/ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يستر ما رآه فيه من مكروه.
٤/ الغاسل مؤتمن على الميت فلا ينبغي أن يمكن أحداً من الحضور عنده إلا من يحتاج إليه لمساعدته في تقليب الميت وصب الماء ونحوه.
٥/ الغاسل مؤتمن على الميت فينبغي أن يستعمل الرفق به والاحترام، وأن لا يكون عنيفاً، أو حاقداً عليه عند خلع وتغسيله وغير ذلك.
стр. 6
٦/ لا يغسل الرجل المرأة إلا أن تكون زوجته، ولا المرأة الرجل إلا أن يكون زوجها، إلا من دون سبع سنين فيغسله الرجل والمرأة سواء كان ذكراً أم أنثى.
٧/ يستحب للغاسل إذا فرغ أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، فإن لم يغتسل فلا حرج عليه (١).
стр. 7
كيفية تغسيل الميت
قال ابن عثيمين:
الواجب في تغسيل الميت أن يغسل جميع جسده بالماء حتى ينقى، والأفضل أن يعمل ما يلي:
١/ يضع الميت على الشيء الذي يريد أن يغسله عليه منحدراً نحو رجليه.
٢/ يلف خرقة على عورة الميت من السرة إلى الركبة قبل أن يخلع ثيابه لئلا ترى عورته بعد الخلع.
٣/ يخلع ثياب الميت برفق.
٤/ يلف الغاسل على يده خرقة فيغسل عورة الميت من غير كشف حتى ينقيها، ثم يلقي الخرقة.
٥/ يبل خرقة بماء فينظف بها أسنان الميت ومناخره.
٦/ يغسل وجه الميت، ويديه إلى المرفقين، ورأسه ورجليه إلى الكعبين، يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وبالرجل اليمنى قبل اليسرى.
٧/ لا يدخل الماء في فم الميت ولا أنفه اكتفاء بتنظيفهما بالخرقة.
٨/ يغسل جسده كله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك. حسب حاجة الجسم إلى التنظيف والتنقية، يبدأ بالجانب الأيمن من الجسم قبل الأيسر.
стр. 8
٩/ فيضرب الماء المخلوط بالسدر بيده حتى تظهر رغوته، فيغسل بالرغوة رأسه ولحيته، وبالباقي بقية الجسم.
١٠/ الأفضل أن يخلط بالغسلة الأخيرة كافوراً (وهو نوع معروف من الطيب).
١١/ إذا كان للميت شعر فإنه يسرح ولا يلبد ولا يقص شيء منه.
١٢/ إذا كان الميت امرأة نقض شعرها إن كان مجدولاً، فإذا غسل ونقي جدل ثلاث جدائل، وجعلن خلف ظهرها.
١٣/ إذا كانت بعض أعضاء الميت منفصلة فإنها تغسل وتضم إليه.
١٤/ إذا كان الميت متفسخاً بحروق أو غيرها، ولا يمكن تغسيله فإنه ييمم عند كثير من أهل العلم، فيضرب الميمم يديه بالأرض ويمسح بهما وجه الميت وكفيه (١).
стр. 9
كيفية تكفين الميت
قال ابن عثيمين:
الواجب في تكفين الميت خرقة تغطي جميع بدنه، لكن الأفضل كما يلي:
١/ يكفن الرجل في ثلاث خرق بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يوضع الميت عليها، ثم يرد طرف العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية، ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأسه ورجليه ويعقدها.
٢/ تبخر الأكفان بالبخور، ويذر بينها شيء من الحنوط (والحنوط أخلاط من الطيب يصنع للموتى).
٣/ يجعل من الحنوط على وجه الميت، ومغابنه، ومواضع سجوده.
٤/ يوضع شيء من الحنوط في قطن فوق عينيه، ومنخريه، وشفتيه.
٥/ يوضع شيء من الحنوط في قطن بين إليتيه، ويشد بخرقة.
٦/ تكفن المرأة في خمس قطع: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. وإن كفنت كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك.
٧/ تحل عقد الكفن عند وضع الميت في قبره (١).
стр. 10
كيفية الصلاة على الميت
قال ابن عثيمين:
١/ يصلى على الميت المسلم صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى.
٢/ يصلى على الحمل إذا سقط وقد بلغ أربعة أشهر، ويفعل به كما يفعل بالكبير فيغسل، ويكفن قبل الصلاة عليه.
٣/ لا يصلى على الحمل إذا سقط قبل تمام أربعة أشهر؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح، ولا يغسل، ولا يكفن، وإنما يدفن في أي مكان.
٤/ يقف الإمام في الصلاة على الميت عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، ويصلي الناس وراءه.
٥/ يكبر في الصلاة على الميت أربع تكبيرات، يقرأ في التكبيرة الأولى بعد التعوذ والبسملة سورة الفاتحة.
ويصلي على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة. والأفضل أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ في ذلك، فإن لم يعرفه دعا بما يعرف.
ويقف بعد الرابعة قليلاً، ثم يسلم، وإن قال قبل السلام: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار فلا بأس بذلك.
стр. 11
كيفية دفن الميت
قال ابن عثيمين:
١/ الواجب أن يدفن الميت في قبر يمنعه من السباع متوجهاً إلى القبلة، وكلما عمقه فهو أفضل.
٢/ الأفضل أن يكون القبر لحداً، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر مما يلي القبلة.
٣/ يجوز أن يكون القبر شقًّا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر في وسطه، إذا دعت الحاجة لذلك، بأن تكون الأرض رخوة.
٤/ يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة.
٥/ ينصب عليه اللبن نصباً، ويسد ما بينها بالطين المثرى لئلا ينهال التراب على الميت.
٦/ يدفن القبر بعد ذلك، ولا يرفع، ولا يشيد بجص أو غيره.
٧/ لا يجوز الدفن في ثلاثة أوقات:
١/ إذا طلعت الشمس حتى ترتفع قدر رمح.
٢/ إذا وقفت عند الزوال حتى تزول.
٣/ إذا بقي عليها مقدار رمح عند الغروب حتى تغرب.
ومقدار الوقتين الأول والأخير نحو ربع ساعة، ومقدار الثاني نحو سبع دقائق (١).
стр. 12
الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة
١ - الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى: ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الموت، ويبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت بغتة فيندم حين لا ينفع الندم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثروا ذِكْرَ هاذِم اللذَّات) (١).
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: (يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحببْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزيٌّ به، ثم قال: (يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس) (٢).
٢ - ذكر القبر والبلى؛ لحديث هانئ مولى عثمان ﵁ قال: كان عثمان إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يَبُلَّ لحيته، فقيل له: تُذكرُ الجنة والنارُ فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن القبر أول
стр. 13
منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه) (١) قال: وقال رسول الله ﷺ : (ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه) (٢).
والقبر أقرب شيء للإنسان، وشدته أمارة للشدائد كلها، وهو أشد وأشنع المناظر في الدنيا
٣ - قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
قال علي بن أبي طالب ﵁: (ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلت الآخرة مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خطَّ النبي ﷺ خطّاً مربعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه، وخطَّ خُطَطاً صغاراً إلى الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: (هذا الإنسان وهذا أجَلُهُ محيطٌ به أو
стр. 14
قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا) (١).
وعن أنس ﵁ قال: خطَّ النبي ﷺ خطوطاً فقال: (هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب (٢)
٤ - الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين. جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة بيان أحوال المحتضرين عند الموت، ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي:
قال الله تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ يعظ الله تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، التي بين ثغرة النحر والعاتق - فحينئذ يشتد الكرب والأهوال ثبتنا الله هناك بالقول الثابت، وفي هذه الحال تُطلب كل وسيلة وسبب يُظن أنه يحصل بها شفاء، ولكن إذا جاء قضاء الله وقدره فلا مردَّ له
٥ - التفكُّر في أحوال الظالمين عند الاحتضار وما تفعل بهم الملائكة نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ
стр. 15
تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وقال الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
وقال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
قال ابن كثير ﵀: (وذلك أن الكافر إذا احتضر بشَّرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم) (١).
٦ - تذكُّر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير، وسماع قرع نعال الأصدقاء والأصحاب عندما يولّون مُدبرين؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه
стр. 16
يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً (١)
٧ - تذكُّر نعيم القبر وعذابه؛ لأدلة قطعية كثيرة جدّاً، من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة التي بلغت حد التواتر (٢).
стр. 17
أسباب نيل حسن الخاتمة
ينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:
السبب الأول: خوف الله والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة (١)
السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله ، ولهذا كان النبي ﷺ يُكثر الدعاء بالثبات على دين الله فعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ : كان أكثر دعائه: (يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك) قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من
стр. 18
أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا (١).
السبب الرابع: معرفة ما أعده الله من النعيم المقيم للمؤمنين، من أسباب حسن الخاتمة؛ لأن هذا العلم يَحثُّ على العمل، والاستقامة على طاعة الله رغبة فيما عنده من الثواب، قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
السبب الخامس: معرفة قصر الحياة الدنيا، وأنها كيوم أو بعض يوم مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جداً، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
وقال : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنَّه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم (٢).
стр. 19
من العلامات التي تدل على حسن الخاتمة
١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١).
٢ - الموت برشح الجبين؛ لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَوْتُ الْمُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» (٢).
٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها، لما روي وذكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (٣).
стр. 20
٤ - الاستشهاد في ساحة القتال؛ لقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
٥ - من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات.
٦ - المطعون شهيد، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء.
٧ - المبطون شهيد، وهو الذي يموت من علة في البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا.
٨ - الغرق شهيد، وهو الذي يموت غريقًا في الماء.
٩ - وصاحب الهدم شهيد، وهو الذي يموت تحت الهدم.
١٠ - والحريق شهيد، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاص وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
١١ - صاحب ذات الجنب شهيد، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطنًا.
١٢ - المرأة تموت بجمع شهيدة، ويقال بضم الجيم وكسرها وهي المرأة تموت حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح
стр. 21
القرطبي والنووي الأول.
١٣ - من قتل دون ماله فهو شهيد.
١٤ - من قتل دون أهله فهو شهيد.
١٥ - من قتل دون دينه فهو شهيد.
١٦ - من قتل دون دمه فهو شهيد.
١٧ - من قتل دون مظلمته فهو شهيد.
١٨ - السل شهادة، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داء يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك
١٩ - الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى؛ لحديث سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (١).
٢٠ - الموت على عمل صالح؛ لحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢).
стр. 22
٢١ - ثناء الناس على الميت؛ من جمعٍ من المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله ، ففي حديث عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ، قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ». (١).
стр. 23
الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم
١/ أن يدعى له؛ لما في حديث أم سلمة السابق فيقال: (اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه) (١).
٢/ أن يُغطَّى بثوب يستر جميع بدنه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُجِّي (٢) رسول الله حين مات بثوب حَبِرةٍ) (٣)، ولفظ البخاري: (أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجي ببردٍ حِبَرة) (٤)
٣/ أن يُبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة، فإن لم تقم به وتطوَّع به بعض الحاضرين جاز؛ لحديث سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي ﷺ : (إن أخاك محتَبسٌ بدينه فاقضِ عنه)، فقال: يا رسول الله: قد أدَّيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها بينة، قال: (فأعطها فإنها مُحقّة) (٥).
стр. 24
وحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث تُوضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطى خطى، ثم قال: (لعل على صاحبكم ديناً؟) قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، قال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يُقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هُما عَلَيّ، فجعل رسول الله ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال: ما صنعتِ الديناران؟) قال: يا رسول الله إنما مات أمس حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: (ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: (الآن حين بَرَدَتْ عليه جلدُه) (١)
٤/ أن تُنفَّذ وصيته: الثلث فأقل؛ لأن إنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب، فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فللإسراع في الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن (٢).
стр. 25
فضل اتباع الجنازة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» (١).
وفي لفظ لمسلم: (قيل وما القيراطان؟ قال: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ» (٢).
وفضل الله على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه، وقبول شفاعة إخوانه فيه واسع لحديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» (٣).
стр. 26
وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» (١).
ويمكن الجمع بين حديث المائة، والأربعين، بما ذكره الشيخ عبدالعزيز ابن باز ﵀ قال: [قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولا، ثم تفضل الله وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة، وبكل حال فالحديثان يدلان على استحباب كثرة الجمع على الجنائز] (٢).
وكان ابن عمر ﵄ يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ في فضل اتباع الجنازة، قال: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِى قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) (٣). أي من عدم المواظبة على حضور الدفن (٤).
قال ابن عثيمين ﵀: [ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها؛ لأن هذه غنيمة.
غنيمة أن يحصّل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير، هذا الأجر متى يلقاه؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ في يوم ليس عنده
стр. 27
درهم، ولا دينار ولا متاع، ولا قرابة، ولا زوجة تنفعه يوم القيامة إلا العمل الصالح، فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم حتى تدفن، فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد.
وينبغي لمن اتبع أن يكون خاشعًا، مفكرًا في مآله، يقول لنفسه: يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا، عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب، ويتذكر هذا الرحيل، يتذكر إلى حفرته ويدفنه ويتخلى عنه (١)، وأقرب الناس إليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف عنك ويدعك في هذا اللحد وحيدًا بأعمالك، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا، أو أن يتبسم ويضحك] (٢).
стр. 28
فتاوى الجنائز
س ١: ما حكم حفر الانسان قبره قبل الموت ؟
الجواب: قال شيخ الإسلام: لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل ان يموت فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا أصحابه ﵃ والعبد لا يدري اين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح (١).
س ٢: ما معنى قوله ﷺ : «يموت المؤمن بعرق الجبين» ؟
أقرب ما قيل فيه أن معناه أن المؤمن يموت وهو يعمل العمل الصالح، أي أنه يستمر في عمله الصالح إلى الموت، لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (٢).
س ٣: ما حكم الأذان في أذن الميت؟ وتلقينه لا إله إلا الله عند الموت؟ وتلقينه إجابة الملكين بعد دفنه ؟
الأذان في أُذن الميت بدعة. وتلقينه عند الموت: لا إله إلا الله أمر به النبي ﷺ أما تلقينه إجابة الملكين بعد دفنه، فهذا ورد في حديث، لكنه ضعيف، فلا يعتمد (٣)
стр. 29
س ٤: متى وقت التلقين ؟
التلقين عند الموت وعند الاحتضار يلقن المُحتضر لا إله إلا الله، كما فعل النبي ﷺ عند موت عمه أبي طالب حيث حضره فقال: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، ولكن عمه أبا طالب والعياذ بالله لم يقل هذا ومات على الشرك.
وأما التلقين بعد الدفن فإنه بدعة لعدم ثبوت الحديث عن النبي ﷺ في ذلك، ولكن الذي ينبغي أن يفعل ما رواه أبو داود حيث كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، اسألوا له التثبيت، فإنه الان يُسأل»، وأما القراءة عند القبر وتلقينه في القبر فهذا بدعة لا أصل له (١).
س ٥: هل تقرأ سورة يس على الميت ؟
الجواب: ورد في ذلك حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس»، لكنه حديث ضعيف (٢).
стр. 30
قال الشيخ عبد الله الفوزان: [لكن الصواب ان قراءتها غير مشروعة لضعف الحديث فيقتصر على تلقينه لا إله إلا الله] (١).
س ٦: هل يجوز تقبيل الميت ؟
الجواب: لا بأس بتقبيل الميت، للرجال والنساء ممن هنّ من محارمه، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ مع النبي ﷺ (٢).
س ٧: هل للتعزية وقت محدد ؟
التعزية لا تحدد بثلاثة أيام لا يتجاوزها، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبدالله بن جعفر، فما دامت حرارة المصيبة قائمة فلا بأس بالتعزية، ولو بعد وقت طويل، فالأمر فيه واسع وفيه مواساة لأهل الميت في مصابهم.
قال عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: [العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، وقبل الدفن وبعده، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلا أو نهارا، وسواء كان ذلك في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن] (٣).
стр. 31
وقال: [والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد] (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: [وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب؛ لأن المقصود بالتعزية ليست تهنئة أو تحية، إنما المقصود بها تقوية المصاب على تحمل هذه المصيبة واحتساب الأجر] (٢).
س ٨: ما معنى قول النبي ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "؟
قال ابن عثيمين: معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي ﷺ : "إن السفر قطعة من العذاب" (٣) والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله له، وهذا
стр. 32
التفسير للحديث تفسير واضح صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به (١).
س ٩: انتشر في الآونة الأخيرة تأخير الجنازة إلى الغد، أو إلى أن يحضر أولياء الميت، وكذلك الاصطفاف بعد الدفن للتعزية، ما رأي فضيلتكم في ذلك ؟
الجواب: أما الأول: فهو خلاف السنة لا شك في هذا؛ لأن النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ» (٢). وتأخيرها خلاف أمر النبي ﷺ ، ثم هو من جهة أخرى إساءة إلى الميت؛ لأن الميت الصالح إذا خرج من بيته يقول: قدموني قدموني (٣).
يتمنى الإسراع؛ لأنه مقبل على سكن في الجنة -اللهم اجعلنا منهم- فهو إساءة للميت من جهة، وخلاف أمر النبي ﷺ من جهة أخرى، وأولياؤه أو أصدقاؤه الذين ليسوا بحاضرين يمكنهم إذا جاءوا يصلون على قبره كما صلى النبي ﷺ على قبر الرجل أو المرأة التي كانت تقم المسجد.
وأما الاصطفاف للعزاء فهذا اتخذه الناس يقولون: إنه أسهل، كان
стр. 33
الناس في الأول كل إنسان في جهة من أهل الميت فإذا عزوا واحدا جعلوا يلتمسون الآخر أين فلان أين فلان؟ فقالوا: نجتمع جميعًا ليكون ذلك أسهل، فإذا لم يتطور هذا الشيء إلى محذور فهذا لا أرى فيه بأسا إن شاء الله لكن الذي لا أرى له وجها: هو أنهم يقبلون «يعانقون»، أهل الميت، وهذا لا أصل له، إلا إذا كان الإنسان قادما من سفر وقبله «عانقه»، بناء على قدومه من السفر (١).
س ١٠: لقد توفي شخص في يوم جوه حار، وذهبوا به إلى المقبرة لدفنه ﵀، وقد تعبوا من الجو الحار، وقام شخص وجلب لهم ماءً باردًا من أجل أن يشربوا منه بعد تعبهم، وقال بعضهم: هذا لا يجوز. وقال بعضهم: هذه بدعة. فضيلة الشيخ هل هذا العمل فيه شيء؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: لا حرج في ما ذكرتم، بل ذلك من الإحسان والمساعدة على الخير. وفق الله الجميع (٢).
س ١١: ما حكم قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" أو "انتقل إلى رحمة الله "؟
قال ابن عثيمين: قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" لا بأس بها؛ لأن قولهم: "المرحوم" من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فهو لا بأس به.
стр. 34
وأما قولهم: "انتقل إلى رحمة الله" فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، إلا أن هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال: "انتقل إلى الرفيق الأعلى" (١).
стр. 35
فتاوى التغسيل
س ١٢: من مات وعليه جنابة هل يغسل ؟
الجواب: إذا مات من عليه جنابة يغسل كغيره، وتجوز الصلاة عليه في المسجد كغيره، وكذا الحائض والنفساء؛ لأن الأحكام انقطعت بالموت (١).
س ١٣: هل يجوز للإنسان أن يوصي أن لا يغسله إلا فلان من الناس؟ مع ذكر الدليل .
الجواب: يجوز للميت أن يوصي ألا يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقيًا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا، والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته.
وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين (٢).
س ١٤: هل يجوز للرجل أن يغسل طفلة عمرها أقل من سبع سنين ؟
الجواب: للرجل والمرأة أن يغسلا من له سبع سنين فقط سواء كان ذكرًا أم أنثى.
стр. 36
دليل ذلك: أن إبراهيم ابن النبي غسلته النساء؛ لأنه مات في الرضاعة أي قبل أن يفطم؛ ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فليس لأبيها أن يغسلها؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل إلا في الزوجين، والمالك وأمته (١).
س ١٥: متى يغسل السقط (٢) ويصلى عليه؟ وهل يسمى؟ وإذا كان لا يعلم هل هو ذكر أم أنثى كيف يسمى ؟
الجواب: إذا بلغ السقط أربعة أشهر من بدء الحمل، أي: إذا تم له أربعة أشهر، وليس المعنى إذا دخل الشهر الرابع. والمراد بالأشهر هنا: الأشهر الهلالية؛ لأنها هي التي جعلها الله مواقيت للناس، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٣)
قال العلماء: ويسمى؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة.
стр. 37
قال العلماء: فإن شك فيه هل هو ذكر أو أنثى؟
وهو بعيد لكن ربما يقع، فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى مثل هبة الله، أو عطية الله، أو نحلة الله، وما أشبه ذلك.
أما إذا كان ذكرًا فيسمى باسم الذكور كعبد لله، وإن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث كزينب، وفاطمة (١).
س ١٦: إذا كان في الميت أسنان ذهب فهل تخلع منه؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم ؟
أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة، اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزين بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس، أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب، فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلة خُلع، لأن ملكه انتقل إلى الورثة، وإن كان لا يمكن خلعه إلا بمُثلة، بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه. ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بلى حُفر القبر وأُخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك (٢).
стр. 38
س ١٧: ما حكم تغسيل الميت وتكفينه ودفنه ؟
الجواب: قال ابن عبد البر: غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة، فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة وهذا قول مالك (١).
وقال النووي: التكفين واجب وهو إجماع في حق المسلم وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه (٢).
وقال ابن المنذر: لم يختلف من أحفظ عنه من أهل العلم أن دفن الموتى واجب لازم على الناس، لا يسعهم ترك ذلك عند الإمكان، ووجود السبيل إليه، ومن قام به سقط فرض ذلك عن سائر المسلمين (٣).
س ١٨: هل يغسل جميع موتى المسلمين، ويكفنون ويصلى عليهم ؟
الجواب: جميع موتى من المسلمين يغسلون، ويكفنون، ويصلى عليهم؛ إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم؛ لأن المقصود بالصلاة عليهم الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، فيشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، فإنهم بذلوا أغلى ما عندهم وهو النفس لإعلاء كلمة الله (٤).
стр. 39
س ١٩: هل يجوز تغسيل الميت في دورة المياه - الحمام -؟
الجواب: يجوز أن يغسل الميت في دورة المياه النظيفة والمستورة عن الناس؛ لعدم المحذور في ذلك، كما أنه يجوز للمسلم الحي أن يغتسل فيها (١).
س ٢٠: هل للمغسل أن يسأل أهل الميت هل المتوفى يصلي أم لا ؟
الجواب: ما دام ظاهره الإسلام، والذين أحضروه مسلمون فلا حاجة إلى سؤالهم، وقد يتساهل البعض في ذلك فيترتب على ذلك فضائح، وكذلك عند الصلاة عليه، فلا يسأل عنه إذا كان ظاهره الإسلام (٢).
س ٢١: هل يبين المغسل بعض العلامات من الخير أو الشر ؟
الجواب: علامات الخير لا بأس بالإخبار عنها، أما الشر فلا؛ لأنها غيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسوداً أو غير ذلك فلا بأس، لكن الممنوع أن يقول غسلت فلانًا، ورأيت فيه كذا من علامات الشر؛ لأن ذلك يحزن أهله ويؤذيهم وهو من الغيبة (٣).
س ٢٢: من غسل ميتًا، هل يجب عليه الغسل أم الوضوء ؟
الجواب: من غسل ميتًا فينبغي له أن يتوضأ؛ فقد أفتى بهذا جماعة من الصحابة، فينبغي أن يتوضأ وضوء الصلاة، يتمسح، ويتمضمض ويستنشق، ويغسل وجهه، وذراعيه، ويمسح رأسه مع أذنيه، ويغسل قدميه، هذا الوضوء الشرعي، فينبغي له أن يتوضأ خروجًا من خلاف
стр. 40
العلماء، وعملاً بما أفتى به بعض الصحابة، أما الغسل فلا يجب عليه، وإذ اغتسل فهو أفضل، والغسل «التروش». أفضل ولا يجب، وجاء في الحديث الصحيح عنه
أنه كان يغتسل من غسل الميت (١)، فإذا غسل ميتًا شرع له أن يغتسل «يتروش». وأما الوضوء فيجب عند جمع من أهل العلم، وإذا غسل فرجه وجب الوضوء بكل حال، لكن مشروع للذي يغسل الميت أنه لا يمس الفرج، بل يغسله من وراء خرقة، يغسل فرجه بخرقة، لا يلمس الفرج؛ لكن لو قدر أنه لمسه جهلاً أو خطأ، فإنه ينتقض وضوؤه بكل حال؛ لكن لو غسله بخرقة ولم يمس الفرج، لا الدبر، أو القبل فإنه ينبغي أن يتوضأ وضوء الصلاة فقط، هذا يجب عند جمع من أهل العلم، وأما الغسل فلا يجب، قولاً واحدًا، بل يستحب استحبابًا ويشرع ذلك، قال بعض أهل العلم، ولعل الحكمة في ذلك أن تقليب الميت مما يوهن القوى ويضعف القوى؛ لأن الإنسان يتذكر الموت،