ـ[البيهقي وموقفه من الإلهيات]ـ
أصل الكتاب: رسالة دكتوراة من كليه الشريعة والدراسات الاسلامية - جامعة الملك عبد العزيز
المؤلف: أحمد بن عطية بن علي الغامدي
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الثانية، ١٤٢٣هـ/٢٠٠٢م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
البيهقي وموقفه من الإلهيات ... أحمد بن عطية الغامدي
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكر وتقدير
الحمد لله الذي وفقني وأعانني، فهو الذي بيده العون ومنه التوفيق والسداد. وبعد:
فاعترافاً بالفضل لأهله، واستجابة لقول رسول الله ﷺ : "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا إن قد كافأتموه". أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لأستاذي الجليل فضيلة الدكتور عبد العزيز عبد الله عبيد، الذي تولى الإشراف على هذه الرسالة، فكان لخبرته الطويلة ومراسه المتواصل في هذا المضمار أكبر الأثر في إنجاز هذا البحث وإخراجه إلى حيز الوجود، فقد فتح لي صدره الرحب، وجاد في بتوجيهاته السديدة وأعطاني من وقته الكثير، إذ لم يكن يقتصر - حفظه الله - على ساعات الإشراف الرسمية، بل كان يستقبلني في منزله متى شئت من ليل أو نهار بوجه مشرق، ونفس راضية، وسرور بالغ، فجزاه الله عني وعن جميع زملائي بل وعن العلم وجميع طلابه أحسن الجزاء.
كما أتقدم بخالص الشكر لجامعة الملك عبد العزيز ممثلة في القائمين عليها، وأخص منهم عميد كلية الشريعة، ورئيس قسم الدراسات العليا فقد قاموا بما يجب عليهم نحو طلابهم خير قيام، وحرصوا على تقديم كل ما يعينهم على أداء مهمتهم.
وأشكر الجامعة الإسلامية التي أتاحت لي فرصة مواصلتي دراستي العليا في هذه الجامعة العريقة.
стр. 3
من هؤلاء الأئمة الأعلام الإمام أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الذي فهم العقيدة من منبعها الصافي الأصيل وأسهم في توضيحها كما جاءت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
ولما كانت آراء هذا الإمام - كما جاءت في مؤلفاته - من الأهمية بمكان خاصة ما يتعلق منها بجانب العقيدة إذ سار فيها على طريقة المحدثين، وكان في إيضاحه لمسائلها متبعاً طريقة السلف - إلاّ في قليل منها.
لذا كان خيراً كثيراً جداً ... ما قام به فضيلة الدكتور/ أحمد بن عطيّة الغامدي - عميد كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، من إبرازه في هذا المؤلف القيّم لآراء البيهقي في إثبات وجود الله تعالى وصفاته وأسمائه وسائر ما يتعلق بجانب الإلهيات، هذه الموضوعات الذي نتج عن تدخل سلطان العقل فيها، وعدم الاقتصار على كلمات الله وحدها ظهور الفرق في الإسلام وتعددها تعدداً هدد وحدة الأمة وعصف بكيانها، حتى اقترب الخطر من صميم العقائد.
وقد أبان المؤلف فيما عرضه من حقائق وآراء عوار هذا الشذوذ ... وكان يجب على الجميع - لو خلصت النيات - أن يصدروا فيه على نصوص الوحي الإلهي فقط.
والحاجة كانت وما زالت شديدة إلى تجلية مثال هذه الحقائق التي تقوم عليها أركان العقيدة الإسلامية، فإن أعراض مرض التأويل والتشويه لا يزال منتشراً في الأمة، ولا تزال بحاجة إلى عناية العلماء الفاقهين ليصغوا
стр. 4
حقائق الإسلام وقواعده في أسلوب يتقبله أبناء الإسلام طعاماً شهياً - وشراباً سائغاً كما هو في أصله وحقيقته. ولذا، فالكتاب جاء في وقته ليجد مكانه في المكتبة الإسلامية.
والأبحاث التي تضمنها الكتاب حول وجود الله وأسمائه وصفاته تدل على أن عقيدتنا سهلة صافية لا مكان فيها للغموض والالتواء، ولا تحتاج عند بسطها إلى كل هذا الجدل الذي ثار ويثور حولها، وإنما هي أصول واضحات يأخذ بعضها بحجز بعض من السهولة والوضوح لتكون مصداقاً لما أراده الله لعباده بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [١] .
ولم يفت المؤلف أن يناقش البيهقي فيما خالف فيه مذهب السلف، فالأمر كما قال: "قصدت من وراء ذلك تأييد الحق الذي يمثله رأي السلف وتوطيد دعائمه ببيان سلامة المنهج الذي سلكوه، وصحة الاستدلال الذي اعتمدوا عليه".
وكأني بفضيلته يعمق مفهوم الإمام الشافعي حين قال ﵀: "أبى [٢] الله العصمة لغير كتابه، وهذا ما قدرنا عليه فإن كان حقاً فمن الله وإن كان خطأ رجعنا عنه". ومقالة أستاذه الإمام مالك: "كل شخص يؤخذ من قوله ويترك إلاّ صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر الرسول ﷺ .
والحق أن الأمة لو تجردت من خلافاتها وجدلها حول كثير من مسائل الخلاف والعقيدة لالتقت على كلمة سواء.
стр. 5
والعصمة في ذلك ما جاء به القرآن الكريم وبينته السنة المطهرة، والتزم به سلف الأمة، ووصفه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة السلف وأئمتهم إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه" [١] .
كما سبق أن أكد علماء الأمة ومنهم الإمام البيهقي الذي ذكر فضيلة المؤلف خلاصة منهجه في الموضوع بقوله "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة" [٢] .
كما نقل قول البيهقي في إثبات الصفات بأنه: "لا يجوز وصفه - سبحانه - إلاّ بما دل عليه كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ ، أو أجمع عليه سلف هذه الأمة" ومن قبل يذكر أن البيهقي ﵀ سلك منهجاً متميزاً يتسم بحب واضح وتفصيل أكيد لسلوك، الأدلة النقلية الواردة لإثبات مسائل العقيدة مع الأخذ بالأدلة العقلية إلى جانب النقلية، وذلك فيما للعقل فيه مجال، كإثبات الوجود والوحدانية والصفات العقلية.
وبعد ... فلقد كانت رحلة المؤلف فيما يتعلق بالإلهيات رحلة مستوعبة اتصلت بأسس بنائها في القرآن الكريم فكانت من أسباب توفييقه، وبواعث غبطتي.
стр. 6
كما أشكر كلّ من قدم لي عوناً لإنجاز هذا البحث من كافة زملائي وأساتذتي وأخص منهم زميلي الأخ أحمد بنا عبد الله الزهراني الذي أعارني كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الذي يعتبر الركيزة الأولى لمادة هذا البحث فلهؤلاء جميعاً أتقدم بخالص الشكر ووافر الثناء ضارعاً إلى الله تعالى أن يجزيهم عني أحسن الجزاء.
стр. 7
تقديم
بقلم فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
(نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن سار على دربه ...
أما بعد ...
فإن للعقيدة عند المسلمين - بأصولها وأركانها - المكانة الأولى في حياتهم، ثقافة وإيماناً.
ولذا، فإن من حقها عليهم أن تلقى من العناية والاهتمام ما يناسب مكانتها، ويليق بجلال موضوعها، وأن تكثر فيها الأبحاث القيمة التي تشرح أصولها، وتبين جوهرها وأثرها في حياة المسلمين.
ومن حق الكلام عن الإلهيات خاصة، وما ينبغي لله من صفات وتوقير أن يبرز بمفهومه الصافي الواضح كما عايشه مجتمع العصر المحمدي وأن يقدم إلى أبناء هذا الجيل غذاء لروحه وقلبه بعيداً عن تأويل الجاهلين وتعقيدات المتكلمين، فإن غرس هذه الأصول في الأفئدة والقلوب لن يثمر ويزدهر إلاّ بأسلوب الإسلام نفسه من القرآن الكريم الذي أرسى دعائمها، ووضح معالمه، ومن صحيح السنة المبينة للقرآن.
стр. 8
وأحسب أن المناهج الملتوية التي تشعبت آراؤها، واختلفت أهواؤها وأشربتها بعض النفوس التي تأثرت بالثقافات الواردة قد حجبت أصحاب هذه المناهج من الرؤية الصحيحة التي أعطانا إياها القرآن الكريم في هذا السبيل.
ولقد تعرضت جوانب العقيدة الإسلامية في بعض فترات التاريخ إلى كثير من صور التأويل والتشبيه، والتعطيل والتشويه، الأمر الذي أبعدها عن نقائها وصفائها، فانحسر أثرها في المجتمع الإسلامي، وذاقت الأمة بسبب ذلك من الفوادح الكثير.
إلاّ أن الله رحمة بهذه الأمة - قيض لها من أبنائها - في حلقات متصلة - من حفظ لها تراثها، وتوفر على شرح قواعد عقيدتها، ونفي كل دخيل عليها، والإبقاء على هذه القواعد نقية صافية كما تنزلت من قبل الوحي الأعلى.
وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرّها من خالفها" [١] .
وهذه الطائفة هم العلماء والمجاهدون الذين ينشرون الخير وله يحرسون كما قال ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين" [٢] .
стр. 9
والحق أن سلامة المنهج ووضوح الحجة والبيان، مع صحة الاعتقاد والالتزام بمفاهيم الوحي من أكبر عوامل التوفيق والتأثير، وأحسب أن الله تعالى قد آثر فضيلة المؤلف بهذه المزايا فيما جلاه من حقائق. فجزاه الله خير الجزاء ... وسدد خطاه ونفع به ...
وإننا لنحمد الله على توفيقه لنا لتقديم هذا التراث ونرجوه سبحانه أن يحفظ لهذه البلاد جلالة الملك خالد بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين فهد، ونتقدم إليهما بشكرنا العميم على رعايتهما لهذه الجامعة الإسلامية، فإنهما دائبان بالنهوض بها إلى مستوى أرفع وأفضل، لتساير في تطورها وتقدمها ركب الحضارة. جزاهما الله عن أبناء هذه الجامعة - أبناء الأمة الإسلامية - خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة
الحمد لله الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا إله غيره ولا ربّ سواه، والصلاة والسلام على خير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد،
فإن مسائل العقيدة قد حظيت باهتمام العلماء قديماً وحديثاً خاصة ما يتعلق منها بذات الله ﵎ إذ كان الحديث عنها مجالاً لجدل عنيف حصل بين طوائف الأمة الإسلامية، سيما بعد ظهور مدرسة علم الكلام التي كانت بدعة ممقوتة من جانب علماء السلف نظراً لأنه يبعد بأصحابه عن المصدر الأصلي للعقيدة الصافية.. ألا وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
ولما كان نظام جامعة الملك عبد العزيز ملزماً لمن يريد الحصول على درجة التخصص العليا (الدكتوراه) أن يكتب بحثاً في مجال تخصصه، فقد استخرت الله تعالى، واخترت أن يكون بحثي بعنوان "البيهقي وموقفه من الإلهيات"ويتمثل الدافع الذي حملني على تفضيل هذا الموضوع على سواه في الأمور الآتية:
١- أن البيهقي من أشهر علماء الأمة الإسلامية الذين كان لهم أثر بالغ في حفظ تراث هذه الأمة.
٢- أن من أبرز الجوانب التي ساهم البيهقي في إثراء مادتها وتحقيق ما كتبه فيها هو جانب العقيدة.
٣ - انه يعتبر مصدراً أميناً لآراء كثير من علماء السلف التي استعان بها كثير من المحقّقين فيما بعد، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 11
وتلميذه ابن القيم، إذ وجدناهما كثيراً ما يستندان في إيراد الرأي بعض علماء السلف إلىما أورده البيهقي عنهم.
٤ - أنه - وإن كان أشعري العقيدة - يتميز بطريقة خاصة في عرض أدلته، أشبه ما تكون بطريقة السلف - وإن كان يختلف عنهم في الاستنتاج - ولذلك وافق السلف في إثبات بعض ما أوّل أصحابه من الصفات.
٥ - أن مؤلّفاته في العقيدة تعتبر موسوعة فريدة بأدلتها، إذ كان من أكثر العلماء اهتماماً بجمعها، وإن كان في توجيهاته لما اشتملت عليه تلك الأدلة يبدو متأثراً تأّثراً كبيراً بعلم الكلام لذلك أردت أن أميط اللثام عن آراء هذا العلم الجليل التي قد يتصوّرها من اطلع على كتبه ولم يمعن النظر فيها ممثّلة لآراء السلف ومتفقة معها، نظراً لاتفاقه معهم في منهج الاستدلال وهذا هو أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع الذي يشتمل على مقدّمة وبابين، وخاتمة.
أما المقدّمة فقد تناولت فيها الأسباب التي حملتني على اختيار هذا الموضوع، والخطة التي سرت عليها فيه.
وأما الباب الأوّل فقد خصصته للحديث عن حياة البيهقي، وقسمته إلى ستة فصول:
الفصل الأوّل: عن عصر البيهقي.
الفصل الثاني: عن سيرته.
النصل الثالث: نشأته العلمية.
стр. 12
الفصل الرابع: شيوخه وتلاميذه.
الفصل الخامس: ثقافته ومؤلفاته.
الفصل السادس: منهجه في الاستدلال.
وأما الباب الثاني فكان عن موقف البيهقي من مباحث الإلهيات وقد قررت تقسيمه إلى ثمانية فصول:
الفصل الأوّل: منهجه في إثبات وجود الله.
الفصل الثاني: أسماء الله تعالى.
الفصل الثالث: أقسام الصفات.
الفصل الرابع: الصفات العقلية، وفيه مبحثان:
المبحث الأوّل: صفات الذات العقلية.
المبحث الثاني. صفات الفعل العقلية.
الفصل الخامس: صفة الكلام، وقد أفردتها بالحديث في فصل مستقل - مع أنها من صفات الذات العقلية - لأن الكلام فيها متشعب وخطير، لذلك أوليتها أهمية خاصة.
الفصل السادس: الصفات الخبريّة وفيه مبحثان أيضاً:
المبحث االأوّل: صفات الذات الخبريّة.
المبحث الثاني: صفات الفعل الخبريّة.
النصل السابع: رؤية الله تعالى.
الفصل الثامن: موقفه من خلق أفعال العباد.
стр. 13
أما الخاتمة فقد تناولت فيها النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث.
وكان حديثي عن كل مسألة من المسائل السابقة مصدراً في كلّ فصل بذكر آراء الفرق الأخرى فيها على سبيل الاختصار، ثم أتناول بعد ذلك الحديث عن رأي البيهقي تفصيلاً، ثم أعقب عليه بذكر موافقته لرأي السلف، أو عدمها، مع مناقشة مستفيضة للآراء التي خالف السلف فيها، وتأييد ما وافقهم عليه بعبارات أوردها من كتبهم، وقد قصدت من وراء ذلك تأييد الحق الذي يمثله رأي السلف، وتوطيد دعائمه ببيان سلامة المنهج الذي سلكوه، وصحة الاستدلال الذي اعتمدوا عليه.
وليس لأحد أن يتصوّر مناقشتي للبيهقي محاولة للانتقاص من قدره والحط من مكانته، لأنني إنما أنشد الحق الذي اجتهد البيهقي في الوصول إليه، ولا ريب أن الحقّ أحب إلينا من كلّ شيء. وقد أثّر عن الإمام مالك قوله: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" مشيراً إلى قبر رسول الله ﷺ .
ومكانة البيهقي في نفوسنا جميعاً ستبقى أبد الدهر، وكتبه التي ألّفها لحفظ التراث ستظلّ مناراً هادياً لطلاب الثقافة في كلّ عصر، فجزاه عنا خير الجزاء.
وقد بذلت في بحثي هذا كل جهدي وغاية طاقتي، حتى وصلت به إلى هذا المستوى الذي أرجو الله ﵎ أن يكون مفيداً لطلاب الحقيقة، ومصدراً أميناً لمن أراد الكتابة عن هذا العلم الشامخ من أعلام
стр. 14
الإسلام. ولا أزعم أنني قد بلغت فيه الكمال وإنما الكمال لله وحده ولكن حسبي أنني لم أدخر جهداً في سبيل الوصول به إلى أرفع مستوى.
وإنني إذ أتقدم بهذه الرسالة لقسم الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، لأشكر القائمين عليها حسن صنيعهم لما بذلوه من جهد في سبيل توفير جميع السبل الكفيلة بتسهيل مهمة الباحث.
كما أتقدم بخالص شكري للجامعة الإسلامية التي أتاحت لي مواصلة دراستي في هذه الجامعة الأصيلة، سائلاً المولى سبحانه أن أوفق في أداء المهمة التي تنتظرني، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم..
المؤلّف
стр. 15
الباب الأول: حياة البيهقي
الفصل الأوّل: عصر البيهقي
لقد رأيت من الضروري - وقد اخترت مجال بحثي شخصية هامة من أبرز الشخصيات التي كان لها أثر بارز في حفظ التراث الإسلامي، وخدمته وتقديمه لطلابه في أبهى صوره وأكمل حالاته - رأيت من الضروري أن أقدم بين يدي دراستي لهذه الشخصية دراسة موجزة للظروف التي أحاطت بها وبيئتها التي ترعرعت في أكنافها. ذلك لأن عادة الباحثين في مجال كهذا قد جرت بذلك، وهو أمر من الضرورة بمكان، إذ إنه يمكن ذلك الباحث من الوقوف على العوامل التي كان لها دور فعال في نبوغ تلك الشخصية، وفي التأثير على اتجاهها، لأن الإنسان كما يتأثر ببيئته التي يعيش فيها ومشايخه الذين تلقى عنهم، فإنه بنفسه القدر يكون تأثره بالأحوال والظروف المحيطة به من الناحيتين: السياسية، وللاجتماعية. إذ إن هذه الظروف يكون لها - حتماً - أثر بارز في المسلك الذي ينهجه من عايشها.
لذلك كان لزاماً علي وأنا أدرس شخصية إسلامية مهمة، أن أعطي القارئ فكرة موجزة عن عصرها من نواحي ثلاث:
١ - الناحية السياسية.
٢ - الناحية الاجتماعية.
٣ - الناحية العلمية.
стр. 16
الناحية السياسية
عاش البيهقي ﵀ في الفترة الواقعة ما بين عام أربعة وثمانين وثلاثمائة (٣٨٤) حيث كانت ولادته، وثمانية وخمسين وأربعمائة (٤٥٨) حيث كانت وفاته.
ومعنى ذلك أن البيهقي عاصر الدولة العباسية في أحلك أيامها حيث كان عهد الدويلات المتناحرة، وحيث أفل الوجود الفعلي للسلطة العليا.
فقد عاصر البيهقي من خلفاء بني العباس القادر بالله الذي تربع على عرش الخلافة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٣٧١) ، أثر قبضه على الخليفة الطائع لله، وخلعه له [١] . واستمرت خلافته إلى حين وفاته سنة سبع وستين وأربعمائة (٤٦٧) [٢] .
وكان الضعف قد دب في أوصال الدولة العباسية منذ عهد الخليفة محمد المنتصر بن المتوكل، الذي تواطأ مع جماعة من الأمراء سنة سبع وأربعين ومائتين على قتل أبيه المتوكل [٣] . ذلك الرجل العظيم الذي أعز الله به السنة، وقمع به البدعة، حين أنهى مهزلة دامت ردحاً طويلاً من الزمن امتحن فيها أئمة عظام من أئمة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ألا وهي محنة القول بخلق القرآن.
стр. 17
فبعد مقتل هذا الخليفة العظيم، بدأت الفتن تستشري والأحوال تضطرب، وسلطان الخلفاء يتلاشى، وذلك بسبب اعتمادهم على الفرس والترك وفتكهم ببني أمية ومناصبتهم العلويين العداء، وظهور كثير من الطوائف المارقة عن الدين، مما أدى في نهاية الأمر إلى سقوطها في أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة، بعد مقتل آخر خلفائها أبي أحمد، عبد الله المستعصم على يد هولاكو خان [١] .
لذلك فإن هذين الخليفتين اللذين عاصرهما البيهقي يعتبران من آخر خلفاء بني العباس، وكان تربعهما على عرش الخلافة اسماً فقط، أما السلطة الفعلية فقد سلبت منهم إذ أصبحوا ألعوبة في يد البويهيين والسلاجقة، الذين بالغوا في إذلالهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى أن ضيقوا عليهم حتى في حياتهم الخاصة، واضطروهم إلى بيع ما يملكون، فضاقت على الخليفة رقعة بلاده رغم اتساعها، فلم يبق له غير بغداد وأعمالها، وحتى هذه لم تكن له عليها سيطرة كاملة [٢] .
ومع ذلك فقد كان الخليفة آنذاك يتمتع بقوة معنوية عظيمة، جعلت الحكام والسلاطين يحرصون على الظفر بموافقته حتى يكتسبوا الصفة الشرعية فكان يستقبل السفراء، ويلبس بردة الرسول ﷺ ، ويضع أمامه مصحف عثمان توكيداً لسلطته الدينية [٣] .
ولا يخفى أن حالاً كهذه، مشجعة لذوي الطموحات للظفر بالسلطة كي يتسببوا في التمرد الذي يؤدي إلى الانقسام، وهذا ما حدث فعلاً في جهات كثيرة من نواحي الدولة العباسية آنذاك.
стр. 18
فناحية المشرق - وهي الجهة التي كان يقطنها البيهقي - تنازعتها في تلك الفترة ثلاث دول.
١ - الدولة البويهية من ٣٣٤- ٤٤٧هـ.
٢ - الدولة الغزنوية من ٣٥١- ٥٨٢هـ.
٣ - الدولة السلجوقية من ٤٢٩- ٥٢٢هـ.
فالبويهيون كانت لهم السيطرة على بغداد ونواحيها، وقد استبدوا بأمر الدولة، رغم قربهم من مقر الخليفة، حيث شاركوه في بعض مظاهر الخلافة، إذ كان الأمير البويهي هو الذي يتولى إصدار الأوامر، أما الخليفة فما عليه إلا توقيعها، لتأخذ صفة الشرعية أمام الرأي العام.
وأما الدولتان الأخريان فقد كانتا في خراسان، ناحية شيخنا البيهقيئ، وقد كان الأمراء فيهما يستقلون بالتصرف في شؤونها، دون رجوع إلى الخليفة في ذلك.
وقد كانت معاصرة البيهقي في صدر حياته للنغزنويين، وهم في أوج قوتهم، إذ كانت لهم السيطرة الكاملة على هذه البلاد في أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس الهجريين، وكان السلطان محمود بن سبكتكين المتوفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة من أعظم ملوكهما، وأكثرهم فتوحاً، وأشدهم بطشاً بأعدائه، حتى ألقى بزعماء السلاجقة في غياهب السجون [١] .
стр. 19
وما إن توفي هذا السلطان، حتى دب النزاع بين ولديه بشأن الملك مما شجع السلاجقة على تجميع صفوفهم، وإعادة كرتهم في محاولة الاستيلاء على خراسان، حتى تمكنوا من ذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وأعلنوا قيام دولتهم في هذا التاريخ، إلا أن اعتراف الخليفة العباسي بهما تأخر حتى عام اثنين وثلاثين وأربعمائة [١] .
وهذا من أوضح الشواهد على ضعف سلطان الخليفة، لأن حدوث الخلافات بين الأمراء في الولايات التابعة له، واقتتالهم من أجل السلطة وعدم تدخله لحسم النزاع فيما بينهم، إلى حين تمام الغلبة لأحد الفريقين فيكون تدخله حينئذ قاصراً على الاعتراف بالسلطة الجديدة، التي تمت دون إرادة منه، ذلك كله يدل على أنه لم يكن له حول ولا طول، وأنه مغلوب على أمره.
وقد بلغ من تحرج مركزه وضعفه، وانتزاع سلطانه منه، أن عمت الفوضى البلاد، وكثر فيها الفساد.
أما بقية أنحاء العالم الإسلامي، فلم تكن بأحسن حالاً من المشرق فقدكانت مشتتة على رأس كل منها أمير أو خليفة،. فالأمويون في الأندلس ينازهم العلويون من ذرية إدريس بن عبد الله، فكانت الحال هناك في اضطراب يشبه ما كان في المشرق، ويزيد عليه [٢] .
стр. 20
أما أفريقيا، ومصر، والشام، فقد تعاقب عليها تلك الفترة أمراء فاطميون، إلى غير ذلك من الانقسامات التي تميز بها ذلك العصر، مما كان له أثره البالغ في تفرق كلمة المسلمين، وإطماع أعدائهم في النيل منهم.
وقصارى القول: أن عصر البيهقي تميز بكثرة الدويلات الإسلامية المتناحرة، وانعدام االسلطة المركزية، وتفشي الفساد السياسي، وكثرة القتل والنهب والترويع، الأمر الذي أقضّ مضاجع العلماء في ذلك العصر ومنهم البيهقي.
ولا ريب أن فساد الحالة السياسية سينعكس على الحالة الاجتماعية كما ستبيّن فيما يلي.
стр. 21
الناحية الاجتماعية
لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في تلك الحقبة من أيام الدولة العباسية - التي عاصرها البيهقي - قد بلغت من الفوضى أقصاها فليس لنا بعد ذلك أن نتصور الحالة الاجتماعية طيبة ثابتة، لأن الفزع والرعب سيطرا على القلوب، حتى أصبح لا يطمئن أحد من الناس على نفسه وماله، فمن المعلوم بداهة أن الحروب تحدث دائماً تأثيراً بالغاً في حياة المجتمعات التي تعاصرها، لأنها تنهك الاقتصاد، وتقضي على موارد البلاد، وتشجع على إشاعة الفوضى في شتى ميادين الحياة.
فبدلاً من أن يعنى الحكام بالموارد الشرعية للدولة، وتوزيع نتائجها توزيعاً عادلاً بين الناس، نراهم يسلكون لجمع المال طرقاً غير سليمة، فالغنائم الحاصلة من الحروب فيما بينهم تشكل أهم الموارد لأموال الدولة، كما أن أموال الناس التي كانت تصادر لأتفه الأسباب تشكل مورداً آخر [١] .
وبيوت الحكام كانت تتعرض في بعض الأحيان للنهب والسلب من قبل جنودهم الخارجين عليهم [٢] .
فإذا كان الحكام أنفسهم يتطلعون لما في أيدي الآخرين ويتحينون الفرص لضمه لما في أيديهم، وإذا كانت منازلهم قد تعرضت للسلب والنهب فكيف لنا أن نتصوّر المجتمع الذي يحكمونه بمساعدة أولئك الجند، كيف يمكن أن نتصوّره إلا راسخاً في أوحال تلك الفوضى؟
стр. 22
فإن أولئك الأجناد، كانوا إذا غضبوا على الحاكم تمردوا عليه، ونهبوا أمواله، ثم التفتوا إلى أموال الناس فنهبوها، وقتلوا من يقف في طريقهم، كما حدث في سنة سبع عشرة وأربعمائة [١] .
إن حالاً كهذه تؤكد لنا المعاناة التي كان يعيشها الناس، فضعف السلطان كان سبباً مباشراً لشيوع شريعة الغاب بين الناس في ذلك العهد حين استفحل أمر اللصوص فأغاروا على المنازل في وضح النهار، حتى إذا لم يجدوا شيئاً مما يريدون في المنزل الذي أغاروا عليه أخذوا صاحبه، وتفننوا في تعذيبه حتى يرشدهم إلى المكان الذي أخفى فيه ماله - إن كان له مال - كما حدث من جماعة العيارين ببغداد [٢] .
واشتد أمر هؤلاء المجرمين سنة أربع وعشرين وأربعمائة وست وعشرين وأربعمائة، حين أخذوا أموال الناس عياناً، وقتلوا صاحب الشرطة، ونهبوا المتاجر، وأظهروا الفسق والفجور، والفطر في رمضان [٣] .
وقد صاحب هذه الحوادث المروعة غلاء شديد في المعيشة، فقد اشتد الغلاء بخراسان جميعها وعدم القوت، فكان الإنسان يصيح: الخبز، الخبز ويموت [٤] .
ولم تكن الحالة في العراق بأحسن مما هي عليه في خراسان، فقد اضطر الناس من شدة الجوع - إلى أكل الكلاب والحمر [٥] .
стр. 23
وزاد الأمر سوءا تفشي الرذيلة في العراق، لضعف الحكم، فانتشر شرب الخمر، وكثرت المواخير، وظهرت موجة انحلال خلقي [١] .
كما كان للكوارث الأخرى من أوبئة وزلازل دورها في تنغيص العيش وإنزال النكبات، وتدهور الأحوال، فقد انتشرت الأوبئة، وعمت جميع البلاد وكثر الموت في الناس، حتى عجزوا عن أن يتدافنوا من كثرة الموتى [٢] .
كما وقع سنة أربع وأربعين وأربعمائة زلزال عظيم بخراسان هلك بسببه كثير، وكان أشده بمدينة بيهق، ناحية شيخنا البيهقي [٣] .
وخلاصة القول: أنك إذا استعرضت صفحات التاريخ لتلك الحقبة من الزمن وجدتها تطالعك بحوادث مروعة تعكس مدى الوضع الاجتماعي المتدهور، الذي عاشه الناس في ذلك العصر، فمن نهب وسلب، إلى قتل وانتهاك للحرمات، إلى جوع شديد يصير من اعتراه إلى الموت في أحيان كثيرة، إلى زلازل وأوبئة فتّاكة.
فهي فترة عصيبة، اتسمت حياة أهلها الاجتماعية، بمثل ما كانت عليه من الناحية السياسية، التي انعكست أحداثها الرهيبة على الوضع الاجتماعي الذي وصل إلى مثل ما وصلت إليه من انحطاط رهيب يشيب لهوله الولدان فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 24
أما الحالة العلمية فسنرى في المبحث التالي كيف أنها كانت على العكس من الحالتين السالفتين، حيث بذل العلماء جهوداً مضنية للحفاظ على العلم، ومحاولة جعله بعيداً عن التأثيرات السلبية للأحداث السابقة حتى كان ذلك، العصر - بحق - عصر النهضة العلمية كما سيتضح لنا ذلك في المبحث التالي إن شاء الله.
стр. 25
الحالة العلمية
إن من يطلع على الأحوال السياسية والاجتماعية في ذلك العصر، ويقف على ما وصلت إليه من سوء وانحطاط، فإنه لا يبعد بالناحية العلمية عنهما بل يتصورها كما وجد في الحالتين الأخريين، إلا أن الواقع كان خلاف ذلك فإن سوء الحالتين السياسية والاجتماعية لم يكن له أي أثر سلبي على الناحية الثقافية فقد عرفت تلك الحقبة من الزمن أنها كانت من أزهى عصور الإسلام الثقافية، إذ توافر فيها عدد ضخم من رواد العلم والثقافة، ففيها عاش أئمة المحدثين وجهابذة المفسرين وأساطين الأدباء، ومشاهير الفلاسفة وأرباب الكلام، وكانت الثقافة قد بلغت أوجها، والاهتمام بالتأليف بلغ ذروته.
وها نحن اليوم نعيش أثر تلك النهضة العلمية الجبارة فنستقبل كل يوم من كتبهم أسفاراً ضخمة يقدمها لنا المحققون في عصرنا الحاضر، وما بين أيدينا اليوم من تراثهم الوفير إنما هو غيض من فيض، لأنهم قدموا لطلاب العلم والثقافة آلاف المجلدات في كلّ فنّ، إلا أن الحروب الدامية لم تقتصر على إراقة دماء البشر، بل امتدّ أوارها حتى أتى على كثير من مكتبات العالم الإسلامي، كما حدث إبان إغارة التتار على بغداد، التي كانت مكتباتها تزخر بدرر العلم، التي جادت بها قرائح علمائنا الأجلاء في ذلك العصر وقبله وبعده.
وقد بلغ الاهتمام بنشر العلم في ذلك العصر، إلى حدّ أن بعض كبار العلماء قام بإنشاء مدارس مستقلة عن المسجد لأوّل مرة في تاريخ الإسلام الأمر الذي كان له أكبر الأثر في الإقبال على التحصيل، وتشجيع طلاب العلم وصيانته عن أيدي العابثين.
стр. 26
ويعتبر البيهقي من أوّل من ساهم في إنشاء تلك المدارس، حيث قام بإنشاء مدرسة بنيسابور، عرفت باسمه، وعنها وعن غيرها من المدارس التي ظهرت في ذلك العصر يقول المقريزي في خططه: "ويعتبر ظهور المدرسة في هذا العصر بشكل مستقل عن المسجد خير دليل على الاهتمام بالعلم وكانت الأولى هي المدرسة البيهقية بنيسابور التي تعددت فيها المدارس بعد ذلك" [١] .
ويذكر تاج الدين السبكي عدداً من المدارس التي كانت بنيسابور في ذلك العصر، بالإضافة إلى مدرسة البيهقي التي ذكرها المقريزي ومن تلك المدارس: المدرسة السعدية، بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، لما كان والياً بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضاً بنيت للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني [٢] .
كما قام الوزير نظام الملك، الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ببناء مدارس جديدة، مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراه، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل [٣] . وهذه المدارس تعرف بالمدارس النظامية [٤] .
стр. 27
وقد كان لتعدد المدارس في ذلك العهد أثر كبير في انتشار العلوم الإسلامية وكثرة العلماء.
ولعل من أهم الأسباب التي حدت بذوي الشأن لإقامة هذه المدارس أن المساجد لم يكن يحسن تخصيصها للتدريس بما يتبعه من مناظرة وجدل، قد يخرج بأصحابه أحياناً عن الأدب الذي تجب مراعاته للمسجد [١] .
فالقرن الرابع كان بداية ظهور هذه المعاهد، التي بقيت طريقة متبعة إلى أيامنا هذه.
ومما سلف يتضح لنا أن نيسابور كانت مهد هذه المعاهد، فكانت بذلك تضاهي بغداد، حاضرة العلم والعلماء في ذلك العصر.
وقد بلغت العناية بالعلم وطلابه إلى حد أن كثيراً من أهل الفضل كانوا ينفقون على الطلاب من مالهم الخاص، ويقفون عليهم كتبهم، كما حدث من أبي بكر البستي الذي بنى مدرسة لطلاب العلم على باب داره، وأوقف عليها جملة من ماله الوفير، وهذا الرجل كان من كبار المدرسين والمناظرين بنيسابور [٢] .
وهكذا نتبين أن الحالة العلمية في ذلك العصر كانت قد بلغت أرقى درجاتها، وأن تلك الحقبة قد تميزت بابتكار أسلوب جديد للتعليم، وهو إنشاء المدارس مستقلة عن المسجد، وإن تلك الناحية من البلاد الإسلامية كانت ثرية بأعلام العلماء، ولا أدل على ثرائها بهم مما ذكره الذهبي من
стр. 28
أن الخطيب البغدادي المتوفى سنة: ٤٦٣هـ، أراد الرحلة إلى ابن النحاس في مصر فاستشار البرقاني في ذلك فقال له: "إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، فإن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة فخرج إلى نيسابور" [١] .
ويقول المقدسي عن أهل خراسان: "إنهم أشد الناس فقهاً، وهم أكبر الأقاليم علماً" [٢] .
وهكذا نرى أن الإمام البيهقي عاصر نهضة علمية جبارة كان له فيها نصيب الأسد، فاقترن اسمه بها منذ ذلك العهد، لمشاركته الإيجابية وأثره في مدارسها معلماً ومتعلماً.
стр. 29
الفصل الثاني: سيرة البيهقي
اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن الحسين بن عليّ بن عبد الله بن موسى.
ولم يتفق المؤرخون على ذكر نسبه بهذه الطريقة، لأن منهم من وقف عند جده الأوّل علي [١] ، ومنهم من اقتصر على ذكر جده الثاني عبد الله [٢] ، وجماعة ثالثة استوفت ذكر نسبه إلى جده الثالث موسى [٣] .
إلاّ أن اختلافهم هذا لا يعني شيئاً سوى إرادة الاختصار من بعضهم وإرادة الاستيفاء من بعضهم الآخر.
إلاّ أن للسمعاني خلافاً جوهرياً حين قدم جده الثالث على جده الثاني فقال: "أحمد بن الحسين بن عليّ بن موسى بن عبد الله، وتابعه عليه ابن الأثير في تهذيبه للأنساب [٤] .
كما أن الذهبي في سير أعلام النبلاء وتذكرة الحفاظ ذكر موسى جداً ثانياً للبيهقي مع إغفال جده الثالث [٥] .
стр. 30
وهذا يشير إلى خلاف في أيهما الجد الثاني من الثالث للبيهقي هل هو عبد الله أو موسى، فالسمعاني، وتابعه ابن الأثير والذهبي ذكروا موسى جداً ثانياً للبيهقي، أما بقية المؤرخين المستوفين لنسب البيهقي حتى الجد الثالث فذكروا موسى جداً ثالثاً، وعبد الله ثانياً.
ولعل تقديم عبد الله على موسى هو الأرجح، لأن ذلك ما فعله ابن عساكر الذي يعتبر من أقرب المؤرخين في عهد البيهقي [١] .
كنيته ولقبه
أما كنيته فأبو بكر، وأما لقبه فيلقب بالحافظ، ولم أجد مخالفاً في إطلاق تلك الكنية وهذا اللقب اللذين اشتهر بهما البيهقي، وانفرد حاجي خليفة بتلقيبه بشمس الدين [٢] .
نسبته
وينسب شيخنا إلى خُسْرَوْ جِرْد [٣] ، وإلى بيهق [٤] ، فيقال الخسرجردي البيهقي.
стр. 31
أما نسبته إلى خسرو جرد فلأنها القرية التي كانت مسقط رأسه وأما نسبته إلى بيهق فلأنها الناحية التي دفن بها، والتي تضم فيما بين قراها خسر وجرد، التي تعتبر عاصمتها.
وقد ينسب ﵀ إلى نيسابور [١] ، لأنها قد حظيت بمقدمه إليها، وبها كان جل نشاطه العلمي، إذ عقد فيها المجلس لإسماع كتبه لعلمائها، وطلاب العلم فيها، فأصبحت شهرته مرتبطة بها، وممن نسبه إليها الذهبي وابن عساكر [٢] .
مولده
ولد- ﵀ بخسرو جرد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة [٣] وقد أجمعت المصادر التاريخية على ذلك، عدا ما ورد في
стр. 32
الكامل لابن الأثير من أن ولادته كانت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة [١] . إلاّ أن هذا خطأ واضح، لأنه هو نفسه وافق في لبابه بقية المؤرخين على التاريخ السابق [٢] .
أسرته
أما أسرة البيهقي التي ترعرع في أكنافها، فإن المراجع التاريخية التي عنيت بحياته التزمت الصمت حيالها، فلم تذكر لنا عن أبيه شيئاً، ولا عن حال أسرته من الناحية العلمية والاجتماعية.
إلاّ أن نبوغ البيهقي في شتى مجالات العلم يدلنا دلالة واضحة على أن أسرته كانت تضع العلم في مقدمة اهتماماتها، مما كان له أثره البالغ في اتجاه ابنها إليه، وقصر اهتمامه عليه.
كما أن ذلك يدلنا أيضاً على أن تلك الأسرة كانت ميسورة الحال مما جعل ابنها يتفرغ، وينتج على أن الفقر - إن قدر أنه هو واقعها - لا يمكن أن يثني همة البيهقي لشغفه بالعلم، مما جعله لا يهتم بحطام الدنيا، بل يكتفي منها بما يسد رمقه، ويقيم صلبه، شأنه في ذلك شأن سلفه من علماء الأمة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وشيخه الشافعي، ومع ذلك حصل لهما من العلم والنبوغ ما جعلهما من أعظم أئمة الإسلام.
стр. 33
أمّا أبناؤه فقد لاحظنا اهتمام المؤرخين بذكر ابن له وحفيد، ولم يتعرضوا لغيرهما، ذلك لأنهما شاركاه في حياته العلمية، وخاضا معه غمارها وتتلمذا على يديه، وهما: ابنه إسماعيل بن أحمد، وحفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمّد بن أحمد. وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان لحياتهما عندما نتحدث عن تلاميذه فيما بعد.
وفاته
أجمعت المصادر التاريخية على أن وفاة البيهقي كانت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ومنها نقل في تابوت إلى بيهق حيث دفن بها [١] .
وقد وجد خلاف في الشهر من ذلك العام، فابن الأثير وابن تغري بردى يذكران أنها كانت في جمادى الآخرة [٢] . أما من سواهما فاتفقوا على جمادى الأولى، ولعله الأصح لأن منهم من حدد اليوم بالعاشر منه، مما يدل على زيادة يقين.
стр. 34
وانفرد ياقوت الحموي بأن وفاته كانت سنة أربع وخمسين وأربعمائة [١] .
وكانت وفاته ﵀ بعد عمر مديد بلغ أربعاً وسبعين سنة كله خير وبركة، إذ بذل الجزء الأعظم منه خادماً للعلم وطلابه، فكان عطاؤه العلمي الوفير منارة شامخة من منارات العلوم الإسلامية الخالدة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
стр. 35
الفصل الثالث: نشأته العلمية
لقد بدأ البيهقي- ﵀ حياته العلمية في سن متأخرة نسبيآ بالنظر إلى أبناء عصره، إذ بدأ بسماع الحديث وهو في سن الخامسة عشرة من عمره١.
وليس بعيداً أن يكون قد بدأ بحفظ القرآن الكريم قبل بدئه بسماع الحديث، لأن ذلك من عادة العلماء في ذلك العصر، وإن كنا لا نجد في المصادر التاريخية ما يشير إلى ذلك.
ويذكر المؤرخون أن أوّل سماعه كان من مشايخ خراسان٢، ثم رحل إلى أماكن شتى في سبيل طلب العلم، فكانت مرحلة التلقي قد بدأت برحلة إلى خراسان، وفيما يلي نذكر رحلاته العلمية التي كان لها أثر كبير في تحصيله وسعة علمه.
стр. 36
رحلاته العلمية
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي ﷺ ، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه، لذلك وجدنا المكثرين من رواية الحديث عنه لازموا المدينة حتى وفاته ﵇، ولم يغادروها الاّ لحاجة، ثم يعودوا إليها.
حتى كان عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين حيث بدأت رحلاتهم، وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار، حاملين معهم حديث رسوله الله ﷺ . ولم يكونوا جميعاً بدرجة واحدة في التحمل من رسوله الله ﷺ ، بل كان أحدهم يسمع ما لا يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره، مما جعلهم هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث اختص بتحمله واحد منهم دون سواه، أو التثبت من حديث بلغه ذكره عن أحدهم، فكانت الرحلة لطلب الحديث منذ ذلك الحين سنة متبعة، سلكها علماء هذا الفن الشريف، حتى حملت إلينا كتب التاريخ عجائب رحلاتهم، فقد كان أحدهم يقطع المسافات الشاسعة لسماع حديث واحد بلغه عن غيره.
فهذا الصحابي الجليل، جابر بن عبد الله ﵄ يقول: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: تعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته
стр. 37
من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة – أو قال العباد – عراة غرلاً بهماً" قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات ١.
وكانت الرحلة في عهد التابعين أوسع، لأن كل واحد منهم كان يطمع في الحصول على أكبر قدر ممكن من حديث رسول الله ﷺ ، ولا يستطيع ذلك إلاّ بالرحلة إلى أقطار شتى، حيث تفرق فيها الصحابة رضوان الله عليهم.
وثمة عامل آخر للرحلة، وهو طلب علو الإسناد، فكان بعضهم إذا بلغه الحديث بواسطة شخص ما عن أحد الصحابة يحرص على سماعه من الصحابي نفسه فيرحل إليه، وإذا بلغه عن شخص بينه وبين الصحابي آخر، وكان الصحابي قد مات يحرص أيضاً على سماعه ممن سمعه من الصحابي مباشرة لإسقاط إحدى الواسطتين حتى يعلو إسناده.
وهكذا أصبحت الرحلة لطلب العلم سنة متبعة بين طلابه.
وقد حرص البيهقي ﵀ على أن يحوز ما أمكنه من حديث رسول الله ﷺ ، فسلك هذه الطريقة التي سنها الصحابة
стр. 38
والتابعون، فرحل إلى خراسان، والعراق، والحجاز، وفيما يلي عرض لهذه الرحلات، وأسماء بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فيها:
رحلته إلى خراسان
ذكر الذهبي أن البيهقي ﵀ بدأ سماع الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي والحاكم أبي عبد الله الحافظ وعبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبي علي الروذباري وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك ... ثم سرد عشرين شيخاً من أوّل من سمع منهم البيهقي١.
وفي تذكرة الحفاظ ذكر هؤلاء الستة الذين نقلتهم عنه من سير أعلام النبلاء، ثم ذكر أن سماعه منهم كان بخراسان٢، كما ذكر هؤلاء أيضاً ابن هداية الله، وذكر أن سماعه منهم كان أيضاً بخراسان٣.
وذلك كله يؤكد لنا أن سماعه بخراسان لم يسبقه سماع بغيرها، فبدأ الرحلة قبل السماع من علماء بلده بيهق، وبهذا يتحدد لنا تاريخ رحلته إلى خراسان بعام تسعة وتسعين وثلاثمائة، وهي السنة التي شهدت بداية طلبه لعلم الحديث.
стр. 39
رحلته إلى العراق
كما رحل البيهقي ﵀ إلى العراق قاصداً حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، مدينة بغداد، وسمع بها من هلال بن محمد بن جعفر الحفار وعلي بن يعقوب الأيادي، وأبي الحسين بن بشران وطبقتهم١.
ثم توجه إلى الكوفة أيضاً قاصداً علماءها، فأفاد بها من جناح بن نذير القاضي وغيره٢.
ولم أجد ذكراً لتاريخ رحلته هذه، ولا المدة التي قضاها في كل من بغداد والكوفة، إلاّ أن السبكي يشير إلى أن ذلك كان وهو في طريقه إلى الحج٣.
رحلته إلى الحجاز
ولما كان الحجاز يضم مهوى أفئدة المسلمين، شد البيهقي رحاله إليه، قاصداً مكة المكرمة، لأداء فريضة الحجّ، ولكنه رأى هذه المناسبة فرصة سانحة للاستفادة من علماء البلد الحرام، فجلس فيها إلى الحسن بن أحمد بن ضراس، وأبي عبد الله بن نظيف، وغيرهما. فأفاد منهما فائدة كبيرة٤.
стр. 40
وهذه الرحلة – كسابقتها – لا يعرف لها تاريخ، إذ إن حياة البيهقي يكتنفها شيء من الغموض في بعض جوانبها، ومن تلك الجوانب تحركاته لتحصيل العلم، إذ لم نجد تفصيلات كافية عن مدى الفائدة التي حصلها من كل رحلة وإن كانت رحلاته في جملتها ذات أثر عظيم في تكوينه العلمي.
ويذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمته (لمعرفة السنن والآثار) أن للبيهقي تحركات كثيرة في البلدان المجاورة لموطنه، إذ سمع بكنوقان واسفرايين، وطوس، والمهرجان، وأسداباذ، وهمذان، والدامغان وأصبهان والري، والطابران١.
إلاً أنني لم أجد ذكراً لمشايخه بها، لذلك اقتصرت على رحلاته التي أطلعنا على شيوخه الذين أفاد منهم خلالها.