رحلاته العلمية
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي ﷺ ، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه، لذلك وجدنا المكثرين من رواية الحديث عنه لازموا المدينة حتى وفاته ﵇، ولم يغادروها الاّ لحاجة، ثم يعودوا إليها.
حتى كان عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين حيث بدأت رحلاتهم، وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار، حاملين معهم حديث رسوله الله ﷺ . ولم يكونوا جميعاً بدرجة واحدة في التحمل من رسوله الله ﷺ ، بل كان أحدهم يسمع ما لا يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره، مما جعلهم هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث اختص بتحمله واحد منهم دون سواه، أو التثبت من حديث بلغه ذكره عن أحدهم، فكانت الرحلة لطلب الحديث منذ ذلك الحين سنة متبعة، سلكها علماء هذا الفن الشريف، حتى حملت إلينا كتب التاريخ عجائب رحلاتهم، فقد كان أحدهم يقطع المسافات الشاسعة لسماع حديث واحد بلغه عن غيره.
فهذا الصحابي الجليل، جابر بن عبد الله ﵄ يقول: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: تعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته
стр. 37
من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة – أو قال العباد – عراة غرلاً بهماً" قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات ١.
وكانت الرحلة في عهد التابعين أوسع، لأن كل واحد منهم كان يطمع في الحصول على أكبر قدر ممكن من حديث رسول الله ﷺ ، ولا يستطيع ذلك إلاّ بالرحلة إلى أقطار شتى، حيث تفرق فيها الصحابة رضوان الله عليهم.
وثمة عامل آخر للرحلة، وهو طلب علو الإسناد، فكان بعضهم إذا بلغه الحديث بواسطة شخص ما عن أحد الصحابة يحرص على سماعه من الصحابي نفسه فيرحل إليه، وإذا بلغه عن شخص بينه وبين الصحابي آخر، وكان الصحابي قد مات يحرص أيضاً على سماعه ممن سمعه من الصحابي مباشرة لإسقاط إحدى الواسطتين حتى يعلو إسناده.
وهكذا أصبحت الرحلة لطلب العلم سنة متبعة بين طلابه.
وقد حرص البيهقي ﵀ على أن يحوز ما أمكنه من حديث رسول الله ﷺ ، فسلك هذه الطريقة التي سنها الصحابة
стр. 38
والتابعون، فرحل إلى خراسان، والعراق، والحجاز، وفيما يلي عرض لهذه الرحلات، وأسماء بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فيها:
رحلته إلى خراسان
ذكر الذهبي أن البيهقي ﵀ بدأ سماع الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي والحاكم أبي عبد الله الحافظ وعبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبي علي الروذباري وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك ... ثم سرد عشرين شيخاً من أوّل من سمع منهم البيهقي١.
وفي تذكرة الحفاظ ذكر هؤلاء الستة الذين نقلتهم عنه من سير أعلام النبلاء، ثم ذكر أن سماعه منهم كان بخراسان٢، كما ذكر هؤلاء أيضاً ابن هداية الله، وذكر أن سماعه منهم كان أيضاً بخراسان٣.
وذلك كله يؤكد لنا أن سماعه بخراسان لم يسبقه سماع بغيرها، فبدأ الرحلة قبل السماع من علماء بلده بيهق، وبهذا يتحدد لنا تاريخ رحلته إلى خراسان بعام تسعة وتسعين وثلاثمائة، وهي السنة التي شهدت بداية طلبه لعلم الحديث.
стр. 39
رحلته إلى العراق
كما رحل البيهقي ﵀ إلى العراق قاصداً حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، مدينة بغداد، وسمع بها من هلال بن محمد بن جعفر الحفار وعلي بن يعقوب الأيادي، وأبي الحسين بن بشران وطبقتهم١.
ثم توجه إلى الكوفة أيضاً قاصداً علماءها، فأفاد بها من جناح بن نذير القاضي وغيره٢.
ولم أجد ذكراً لتاريخ رحلته هذه، ولا المدة التي قضاها في كل من بغداد والكوفة، إلاّ أن السبكي يشير إلى أن ذلك كان وهو في طريقه إلى الحج٣.
رحلته إلى الحجاز
ولما كان الحجاز يضم مهوى أفئدة المسلمين، شد البيهقي رحاله إليه، قاصداً مكة المكرمة، لأداء فريضة الحجّ، ولكنه رأى هذه المناسبة فرصة سانحة للاستفادة من علماء البلد الحرام، فجلس فيها إلى الحسن بن أحمد بن ضراس، وأبي عبد الله بن نظيف، وغيرهما. فأفاد منهما فائدة كبيرة٤.
стр. 40
وهذه الرحلة – كسابقتها – لا يعرف لها تاريخ، إذ إن حياة البيهقي يكتنفها شيء من الغموض في بعض جوانبها، ومن تلك الجوانب تحركاته لتحصيل العلم، إذ لم نجد تفصيلات كافية عن مدى الفائدة التي حصلها من كل رحلة وإن كانت رحلاته في جملتها ذات أثر عظيم في تكوينه العلمي.
ويذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمته (لمعرفة السنن والآثار) أن للبيهقي تحركات كثيرة في البلدان المجاورة لموطنه، إذ سمع بكنوقان واسفرايين، وطوس، والمهرجان، وأسداباذ، وهمذان، والدامغان وأصبهان والري، والطابران١.
إلاً أنني لم أجد ذكراً لمشايخه بها، لذلك اقتصرت على رحلاته التي أطلعنا على شيوخه الذين أفاد منهم خلالها.
стр. 41
الفصل الرابع: شيوخه وتلاميذه
شيوخه
لقد كان العلماء في ذلك العصر يحرصون على بذل أقصى جهدهم من أجل تحصيل أكبر قدر من العلم، لذلك نرى الكثرة في مشايخ كل منهم ظاهرة طبيعية، والبيهقي ﵀ معروف بأنه واسع العلم، كثير الاطلاع، موفور الإنتاج ومن أبرز الأسباب التي وصل بها إلى تلك المكانة السامقة، تتبعه لعلماء عصره، وأخذه عن المبرزين منهم، فأكثر من المشايخ الذين كان لهم الأثر البالغ في حياته العلمية، فيذكر تاج الدين السبكي أن شيوخه يبلغون أكثر من مائة شيخ١.
واستقصاء ذكر شيوخه ليس من غرضنا، وكثرتهم تحول دون ذلك - إن أردناه - لذلك أكتفي بذكر ترجمة موجزة لأبرز المؤثرين في مجرى حياته وتكوينه العلمي.
والبيهقي ﵀ كما برز في الحديث، فإنه أنتج في الفقه والعقيدة، وبرز فيهما أيضاً، لذلك سنأخذ بعين الاعتبار أبرز مشايخه الذين تأثر بهم في كل مجال.
стр. 42
فأمّا الحديث فأجمع المؤرخون على أن أشهر أساتذته فيه الحاكم أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ.
كما ذكر السبكي أن أكبر شيخ له في هذا المجال أبو الحسن محمد نجده الحسين العلوي، وأنه سمع الكثير منه١.
وذكر السمعاني أنه تفقه على ناصر العمري المروزي٢.
أما في العقيدة فقد عاصر الكثير من أساطين المتكلمين، وأخذ عنهم مذهب الأشعري، إلا أن أبرزهم الشيخ أبو بكر بن فورك الذي وصفه الذهبي بأنه كان أشعرياً رأساً في فن الكلام٣.
ويعد أبرز مشايخه الذين تأثر بهم من الناحية العقدية.
لذلك سوف أقتصر هنا على ذكر ترجمة موجزة لهؤلاء الشيوخ الأربعة:
١ - أبو الحسن العلوي ٤:
هو: محمّد بن الحسين بن داود بن علي بن الحسين بن عيسى بن محمّد بن الحسن بن زيد، بن الحسن، بن علي بن أبي طالب٥.
стр. 43
وقال ابن العماد: "أبو الحسن العلوي الحسني النيسابوري ... شيخ الأشراف، سمع أبا حامد الشرقي، ومحمد بن إسماعيل المروزي صاحب علي بن حجر وطبقتهما، وكان سيداً نبيلاً صالحاً"١.
وهو أكبر مشايخ البيهقى، لأنه بدأ السماع منه وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان ذلك بخراسان٢.
ويعني ذلك أنه كان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
ويذكر ابن العماد أن وفاته كانت فجأة في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة٣.
ولا ريب أنه كان صاحب أثر عظيم في توجيه البيهقي، وفي خط سير حياته العلمية، الحافلة بالثراء العلمي، وذلك باعتباره أوّل موجه له، وأنه سمع منه الكثير، فرحمه الله رحمة واسعة.
٢- أبو عبد الله الحاكم:
هو: محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، الحافظ أبو عبد الله الحاكم، المعروف بابن البيع.
ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور، في شهر ربيع الأول، وكان أول سماعه سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستملى على أبي حاتم بن حبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وأكثر التجوال في سبيل طلب الحديث، فرحل إلى خراسان، والعراق، وما وراء النهر، وسمع من نحو ألفي شيخ، منهم نحو ألف شيخ بنيسابور وحدها.
стр. 44
له تصانيف كثيرة في علم الحديث، من أشهرها: المستدرك على الصحيحين، كما أن له مصنفات أخرى مثل فضائل الشافعي، وتاريخ نيسابور توفي ﵀ سنة خمس وأربعمائة١. وكان قد رمى بالتشيع، إلا أن السبكي رد هذا الاتهام، وبين عدم صحته٢.
والإمام أبو عبد الله الحاكم عالم جليل، مبرز في الحديث، ولا أدل على ذلك من تلقيبه بالحاكم، الذي يعتبر أعلى لقب علمي في هذا المجال.
ويعد الحاكم الأستاذ الأوّل للبيهقي في الحديث، أكثر عنه وأفاد منه فائدة عظمى، ولذلك يقول الذهبي: " ... وسمع من الحاكم أبي عبد الله الحافظ، فأكثر جداً، وتخرج به "٣.
وقال السبكي: "البيهقي أجل أصحاب الحاكم"٤.
ولا ريب أن أستاذاً بهذه المنزلة، سيكون صاحب أثر كبير في الاتجاه العلمي لتلميذه.
وكانت مؤلفات الحاكم موضع اهتمام كبير من البيهقي، إذ أفاد منها كثيراً في مؤلفاته الحديثية، يلمس ذلك كل من قرأ للبيهقي.
ولا أدل على عمق تأثير الحاكم في تلميذه البيهقي من أنه سار على منواله في تأليف كتاب مناقب الشافعي، حيث إن الحاكم قد سبقه إلى تأليف كتاب في الموضوع نفسه بعنوان فضائل الشافعي.
стр. 45
٣ - أبو الفتح العمري:
هو: ناصر بن الحسين بن محمّد بن علي بن القاسم بن عمر بن يحيى ابن محمّد بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو الفتح العمري المروزي، أحد أئمة الدين، تفقه على القفال، وأبي الطيب الصعلوكي، وأبي طاهر الزيادي توفي في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وأربعمائة بنيسابور وله مصنفات كثيرة١.
ويعد أبو الفتح العمري شيخ البيهقي في علم الفقه، كما ذكر ذلك السمعاني٢.
وخص السبكي البيهقي بالذكر من بين الذين تفقهوا على يديه، حيث قال: "وتفقه به خلق منهم البيهقي"٣.
وسعة علم البيهقي في الفقه يدلّ على أن شيخه هذا - الذي أخذ عنه - معين دفاق، ولا أدل على ذلك من الوصف السابق له بأنه أحد أئمة الدين.
٤ - ابن فورك:
محمّد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأنصاري الأصبهاني، كان ورعاً مهيباً، اشتغل بعلم الكلام حتى برز فيه، فأصبح - كما يقول الذهبي -: شيخ المتكلمين، وكان اشتغاله بعلم الكلام، وبروزه فيه على مذهب
стр. 46
أبي الحسن الأشعري، مستمداً ذلك من شيخه أبي الحسن الباهلي الذي أخذ عنه بالعراق. ولم يكن متكلماً فحسب، بل كان محدثاً بارعاً، وفقيهاً بارزاً، ومن أبرز مشايخه الذين أخذ عنهم الحديث عبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني. وكما أن له شيوخاً فإن له تلاميذ من أبرزهم: أبو بكر البيهقي وأبو القاسم القشيري، وله تصانيف كثيرة بلغت أكثر من مائة مصنف، من أبرزها كتاب (مشكل الحديث) الذي تناول فيه تأويل الأخبار الواردة في الصفات، وكتاب الجامع في أصول الدين، وغيرها.
توفي ﵀ سنة ست وأربعمائة، وهو عائد من غزنة، ونقل إلى نيسابور، ودفن بالحيرة١.
وقد كان صاحب أثر كبير في الاتجاه العقدي لشيخنا البيهقي إذ الناظر في الكتب التي خصصها البيهقي لمسائل العقيدة كالأسماء والصفات، والاعتقاد، وغيرهما، يراها على اتفاق كبير مع ما ورد في كتاب ابن فورك (مشكل الحديث) من تأويل لأحاديث الصفات، سيما ما يتعلق بالصفات الخبرية. كما سيتضح ذلك أثناء بحثنا لها إن شاء الله.
فابن فورك الذي كان رأساً في فن الكلام - كما وصفه الذهبي - يعد أبرز مشايخ البيهقي في هذا الفن. ولم تكن استفادة البيهقي منه قاصرة على هذا المجال، بل استفاد منه كثيراً في الحديث أيضاً، كما هو ملموسة من رواياته الكثيرة عنه.
стр. 47
تلاميذه
بعد أن كان البيهقي تلميذاً يتلقى ما جاد به أساتذته عليه من علم وفير، حتى استوعبه، وحققه، وبرع في تصنيفه وتدوينه، ما لبث أن أصبح شيخاً بارزاً، يعطي تلاميذه بنفس البذل الذي أخذه من مشايخه.
وقد تواجد لسماع كتبه الكثير من تلاميذه، الذين حرصوا على ألا يفوتهم الأخذ عنه، لما له من مكانة علمية سامقة، فقد استدعي إلى نيسابور سنة إحدى وأربعين وأربعمائة لينشر العلم، فأجاب، وأقام بها مدة، وحدّث بتصانيفه١. بالإضافة إلى ما عقده من مجالس علمية في بلده بيهق، وغيرها من البلدان المجاورة.
ومن أبرز تلاميذه الذين أخذوا عنه، وكان له فيهم أثر كبير ابنه أبو علي إسماعيل بن أحمد الملقب بشيخ القضاة وحفيده أبو الحسن عبيد الله ابن محمّد بن أحمد، والفراوي أبو عبد الله محمد بن أفضل الصاعدي، وابن منده أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن منده وغيرهم كثير. إلاّ أنني هنا أكتفي بترجمة موجزة لهؤلاء الأربعة من تلاميذه.
١ - ابنه أبو علي:
إسماعيل بن أحمد بن الحسين الخسرو جردي، شيخ القضاة. ولد بخسرو جرد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وسمع أباه، وأبا حفص بن مسرور وأبا عثمان الصابوني، وغيرهم.
стр. 48
كانت له رحلات كثيرة، إذ رحل إلى خوارزم، فسكن بها مدة وولي بها الخطابة، وتدريس مذهب الشافعي، كما ولي القضاء بما وراء جيحون، ثم سافر إلى بلخ، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى بيهق بعد أن غاب عنها نحو ثلاثين سنة، وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة.
ويعد والده أهم مشايخه الذين أخذ عنهما الحديث والفقه.
وقد وصفه ابن الجوزي بأنه كان فاضلاً مرضي الطريقة١.
ولم أجد ذكراً لتصانيفه، ولم يشر أحد ممن ترجم له إلى أنه ألف في أيّ فن من الفنون التي اشتغل بها، مما يشير أنه لم يتجه إلى ذلك ولعل شهرته كانت مستمدة من شهرة والده وعظيم مكانته.
ويظهر لي من تلقيبه بشيخ القضاة أنه كان ذا أسلوب متميز في القضاء، جعله ينال رضا الناس، ويطلقون عليه هذا اللقب.
٢ - حفيده أبو الحسن:
عبيد الله بن محمّد بن أحمد، سمع الكتب من جده، ومن أبي يعلى الصابوني وجماعة، وحدث ببغداد، قال عنه ابن العماد: "كان قليل الفضيلة".
وقال ابن عساكر فيما حكاه عنه الذهبي: "سمع لنفسه تسميعاً طرئاً وما عدا ذلك فصحيح".
توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وله أربع وسبعون سنة، أي: أن ولادته كانت سنة تسع وأربعين وأربعمائة٢.
стр. 49
٣ - أبو عبد الله الفراوي:
محمّد بن الفضل بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن أبي العباس، أبو عبد الله الفراوي الصاعدي النيسابوري، ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة تقريباً، كان شافعياً فقيهاً مناظراً، وقد لقب بفقيه الحرمين، لأنه أقام بهما مدة طويلة ينشر العلم، ويسمع الحديث، ويعظ الناس كما لقب أيضاً بمسند خراسان، أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري، وتفقه على يد إمام الحرمين الجويني، وسمع من شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني ومن أبرز مشايخه الذين تتلمذ على أيديهم، واعتنى بمؤلفاتهم الشيخ أبو بكر البيهقي، إذ تفرد برواية بعض كتبه، مثل دلائل النبوة، والأسماء والصفات والدعوات، والبعث والنشور.
توفي سنة ثلاثين وخمسمائة عن عمر قارب تسعين عاماً١.
٤ - ابن منده:
أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني الحافظ، الحنبلي، مؤرخ حافظ للحديث، روى الكثر عن جماعة منهم أبوه وعماه، ودخل نيسابور للإفادة من علمائها، وكان على رأسهم البيهقي، فأخذ عنه الكثير.
دخل بغداد حاجاً، وحدّث بها، وأملى بجامع المنصور من كتبه تاريخ أصبهان، وكتاباً على الصحيحين في الحديث، ومناقب الإمام أحمد وغيرها. كان من بيت علم وفضل مشهور في أصبهان، وكانت ولادته ووفاته بها.
стр. 50
فأما ولادته فكانت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وأما وفاته ففيها قولان: فقيل سنة إحدى عشرة، وقيل اثنتا عشرة وخمسمائة١.
وللبيهقي سوى هؤلاء تلاميذ كثيرون، لا يتسع المقام لذكرهم، وقد لاحظنا أن جميع تلاميذه لم يبلغ أحد منهم مبلغه، ولم يقاربه، إلا أنهم كانوا أصحاب فضل كبير في نشر كتب البيهقي وروايتها.
стр. 51
الفصل الخامس: ثقافته ومؤلّفاته
ثقافته
لقد أفنى البيهقي ﵀ حياته راتعاً في رياض العلم والمعرفة حتى برز في جوانب شتى من العلوم الإسلامية، وبز فيها حتى مشايخه وأقرانه، فذاع صيته في كل حدب وصوب، وسار الركبان بإنتاجه العلمي إلى كل صقع من أصقاع العام الإسلامي، فكان شاهداً حياً على سعة اطلاع البيهقي، وأصالة ثقافته. وكان نبوغه ﵀ في علوم الشريعة الإسلامية أصولاً وفروعاً محل إعجاب كثير من العلماء قديماً وحديثاً حتى إن السبكي وصفه بأنه أحد أئمة المسلمين.. حافظ كبير، وأصولي نحرير ... جبلاً من جبال العلم١.
ولذلك فإن مؤلفاته في العقيدة والحديث والفقه كانت موضع عناية العلماء، حتى لا نكاد نجد مؤلفاً في هذه الفنون - ممن جاء بعد البيهقي - لم يفد منها، لأن مصنفاته العظام أصبحت فيما بعد مرتعاً خصباً ومورداً عذباً لطلاب هذا العلم الجليل، بل ولحذاقة الذين عرفوا قيمة ما حصله البيهقي من علم وجاد به لطلابه.
أما في التفسير واللغة فكان صاحب اطلاع واسع، وإن لم يكن إنتاجه فيهما بدرجة إنتاجه في العلوم الإسلامية الأخرى.
стр. 52
ولكي تتضح لنا ثقافة البيهقي بعمقها وأصالتها نعرض لكل فن اشتغل به، فحصل منه وأفاد طلابه.
١ - العقيدة:
فأما في العقيدة فقد كان صاحب معرفة واسعة بالمذاهب المختلفة التي تشعبت آراؤها واختلفت أهواؤها، فكانت بمنأى عن العقيدة الإسلامية االصافية، لذلك رأى من واجبه - وهو العالم البصير - أن يدرس العقيدة كما جاءت في منبعها الصافي الأصيل، حتى يسهم في توضيحها كما جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . فألف في ذلك المؤلفات العظيمة، التي سار في تأليفها على طريقة المحدثين، وإن كان في تعليقات وإيضاحه لمسائل العقيدة، قد رضي أن يكون المذهب الأشعري هو السائد على آرائه، مع استقلاله عن الأشاعرة ببعض الآراء في مسائل مهمة متبعاً طريقة السلف فيها، وراضياً بمذهبهم، كما سيتضح لنا ذلك في ثنايا البحث إن شاء الله.
وقد شمل إنتاجه العلمي في هذا المجال كتباً قيمة، منها الخاص في مسائل معينة، ومنها العام لكل مسائل العقيدة.
فكتاب الأسماء والصفات، وكتاب البعث والنشور، وكتاب القدر وإثبات عذاب القبر، جميعها كتب متخصصة، كل منها يدل عنوانه على موضوعه.
أما الشمول فقد اختص به كتاب الاعتقاد.
وسيكون بحثنا هذا من أوضح الشواهد على سعة اطلاع البيهقي ومعرفته في مسائل العقيدة، تقريراً للمعتقد ومناقشة لآراء الخصوم.
стр. 53
٢ - الحديث:
وقد كان أشهر الجوانب التي نبغ فيها البيهقي على الإطلاق، إذ كرس جهده لخدمة هذا العلم الجليل فحقق ودقق، وصنف المجلدات الضخام التي تشهد بغزارة علمه، وسعة اطلاعه.
وقد كانت للبيهقي بين علماء الحديث مكانة لا تسامى، ولا أدل على مكانته تلك من استحقاقه للقب الحافظ، وهو لقب لم يظفر به إلاّ عدد قليل من المحدثين، رغم أن الكثير ممن لم يحظوا بإطلاق هذا اللقب عليهم محدثون عظام لا يستهان بهم.
إلاّ أن البيهقي يعد من أكثر رواد هذا الفن حفظاً إتقاناً، فقد كان إنتاجه الغزير في هذا الجانب من أهم المصادر التي اعتمدها طلابه، مما يشهد بغزارة علمه ورسوخ قدمه، وإمامته في هذا المجال.
ولم يكن مجرد جمع الحديث هو الهدف الوحيد للبيهقي، بل اتجه إلى جانب ذلك، لنقد رجاله، حتى ينفي عنه ما ليس منه، ويبين صحيحه من سقيمه، إذ العدالة في راوي الحديث أمر لابد منه، بل هي - عند البيهقي - ألزم من عدالة الشهود، ويوضح هذا المبدأ بقوله: "إن القاضي إذا توقف في قبول شهادة من لا يعرفه على درهم حتى يعرفه، فأولى بنا أن نقف في رواية من لا نعرفه في مثل هذا الأمر العظيم حتى نعرفه"١.
وكان دائم الحرص على أن لا تتضمن كتبه إلاّ ما صح من الأخبار وإن اشتملت على غير ذلك، فمع بيان شاف لدرجة ذلك الخبر، حتى يكون التمييز بين صحيح الأخبار، وحسنها، وضعيفها واضحاً. ولذلك يقول:
стр. 54
"وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع، الاقتصار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزاً فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار"١.
ومن اكبر الشواهد على نبوغ البيهقي في علم الحديث، حتى أصبح حجة يركن إليها، ما حدث من أمره مع شيخه أبي محمد والد إمام الحرمين٢ حين شرع هذا الأخير في تأليف كتاب في الفقه، عزم على أن لا يتقيد فيه بالمذهب، بل يقف على موارد الأحاديث لا يتجاوزها. وما إن أنجز من هذا المؤلف الذي سماه (المحيط) ثلاثة مجلدات، حتى اطلع عليه البيهقي، فعثر فبه على أخطاء حديثية، رأى من واجبه التنبيه عليها، فكتب إلى الجويني بذلك، بأسلوب العالم الحاذق، والناقد البصير. فقد كانت تلك الرسالة القيمة مثالاً للنقد العلمي البناء، الذي تميز بالأدب الرفيع، وقوة الحجة، والقدرة على الدفع بالتي هي أحسن ولكي ندلل على ذلك نورد من تلك الرسالة اقتباسات تدل على ذلك كله وعلى ما هو أكثر منه.
стр. 55
قال البيهقي في صدر رسالته: "أما بعد، عصمنا الله بطاعته وأقمنا بالاعتصام بسنة خيرته من بريته ﷺ ، وأعاننا على الاقتداء بالسلف الصالحين من أمته وعافانا في ديننا ودنيانا، وكفانا كل هول دون الجنة بفضله ورحمته، إنه واسع المغفرة والرحمة به التوفيق والعصمة. فقلبي للشيخ – أدام الله عصمته، وأيد أيامه - مفتد، ولساني له بالخير ذاكر، ولله على حسن توفيقه إياه شاكر.
وقد علم الشيخ اشتغالي بالحديث، واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء، التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح، حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها، وسقيمها ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله، أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليداً، ولو عرفوه معرفتهم لميزوا صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به، وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم، فشرطه فيمن يقبل خبره عند من يعتني بمعرفته مشهور، وهو بشرحه في كتاب الرسالة مسطور".
وبعد أبحاث دقيقة مفيدة قال: "وكنت أسمع رغبة الشيخ ﵁ في سماع الحديث، والنظر في كتب أهله، فأسكن إليه، وأشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي ثم فيما بين الناس: قد جاء الله بمن يرغب في الحديث، ويرغب فيه
стр. 56
من بين الفقهاء ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم، من جملة العلماء، وأرجو من الله أن يحمي سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار، بعد من مضى من الأئمة الكبار الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار، ثم لم يرض بعضهم بالجهل به، حتى رأيته حمل العالم به بالوقوع فيه، والإزراء به، والضحك منه، وهو مع ذلك يعظم صاحب مذهبه ويجله، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله، ثم لم يدع في كيفية قبول الحديث ورده طريقته، ولا يسلك فيها سيرته، لقلة معرفته بما عرف، وكثرة غفلته عما عليه وقف.
هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره؟ واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره؟ فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجباً على كلّ من انتصب للفتيا، فإما أن يجتهد في تعلمه أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه، فلا يجتمع عليه وزران، حيث فاته الأجران والله المستعان وعليه التكلان.
ثم إن بعض أصحاب الشيخ وقع إلى هذه الناحية فعرض على أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى (المحيط) فسررت به، ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار، لائقاً بما خص به من علم الأصل والفرع، موافقاً لما ميز به من فضل العلم والورع، فإذا أوّل حديث وقع عليه بصري فيه الحديث المرفوع في النهي عن الاغتسال بالماء المشمس، فقلت في نفسي: يورده ثم يضعفه أو يصحح القول فيه. فرأيته قد أملى: "والخبر فيه ما روى مالك
стр. 57
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة" فقلت: هلا قال: روي عن عائشة؟ أو روى عن ابن وهب عن مالك؟ أو روى عن إسماعيل بن عمرو الكوفي عن ابن وهب عن مالك؟ أو روى خالد ابن إسماعيل أو وهب بن وهب أبو البختر، عن هشام بن عروة؟ أو روى عمرو بن محمد الأعسم، عن فليح، عن الزهري، عن عروة؟ ليكون الحديث مضافاً إلى من يليق به مثل هذه الرواية، ولا يكون شاهداً على مالك بن أنس بما أظنه يبرأ إلى الله تعالى من روايته، ظناً مقروناً بعلم. والله أعلم١.
وهكذا سار البيهقي في نقده لكتاب الجويني، بهذا الأسلوب البارع الذي جعل الجويني ينزل عند حسن ظن البيهقي، فقد حمل رسالته هذه على أحسن المحامل، وعدها نصيحة نافعة تستوجب الشكر والثناء، بدليل عدوله عن إكمال الكتاب.
٣ - الفقه:
وقد أولاه عناية فائقة، حتى أصبح فيه إماماً ذا مكانة كبيرة، وقد فضل أن يتمسك في ذلك بمذهب الإمام الشافعي ﵁، لأنه كان يرى فيه أنه أكثر المذاهب موافقة للحديث الذي وهبه جل حياته.
فبعد اعتذاره للأئمة عند وقوعهم في خطأ ما، بأن أحدهم إنما يخطئ عن غير قصد، بل لأنه غفل عن الحديث الذي خالفه أو عن موضع الحجة
стр. 58
فيه، ولو علم ذلك لما تردد عن القول بما يدل عليه، وقال بعد ذلك - مبرراً تفضيله لمذهب الشافعي على سواه: "وقد قابلت - بتوفيق الله تعالى - أقوال كل واحد منهم بمبلغ علمي من كتاب الله ، ثم بما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل، والحلال، والحرام، والحدود والأحكام، فوجدت الشافعي ﵀ أكثرهم اتباعاً، وأقواهم احتجاجاً وأصحهم قياساً، وأوضحهم إرشاداً.. فخرجت - بحمد الله ونعمته - أقواله مستقيمة وفتاواه صحيحة"١.
من أجل هذه النظرة لآراء الإمام الشافعي، أولى مذهبه عناية عظيمة حتى إن إمام الحرمين الجويني أحد معاصري البيهقي قد تملكه العجب من فرط اهتمام البيهقي بأقوال الإمام الشافعي حين ألف كتابه (المبسوط) جامعاً فيه نصوصه في الفقه، فوصفه بقوله: "ما من شافعي إلاّ وللشافعي في عنقه منة، إلاّ البيهقي فإن له على الشافعي منة، لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله"٢.
وقد بلغ من اهتمامه بالفقه أن أفرد بعض مسائله المهمة بالتأليف مثل القراءة خلف الإمام، ومسألة الخاتم، كما ألف كتاباً تناول فيه المسائل الخلافية بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة.
وقد أشاد الذهبي بسعة اطلاع البيهقي في الفقه حيث قال عنه لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على ذلك لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف٣.
стр. 59
٤ - التفسير:
أما عن التفسير فإن البيهقي ﵀ لم يكن له فيه من المكانة ماله في الفنون السابقة، إلاّ أنه كان ذا معرفة واسعة به، بدليل ما يتخلل كتبه من آراء، بعضها يرويها عن أئمة التفسير ويجتهد في الاختيار، وأفضل منهج عنده هو التفسير بالثابت عن رسول الله ﷺ ، لأنه أبعد عن الشبهات، أو ما روى عن الصحابة. أما إذا صار الأمر إلى تأويل الفقهاء فلا يجعل قول بعضهم حجة على بعض١.
ومن أهم الآراء - في نظره - التي توافق منهجه هذا: آراء الإمام الشافعي، إذ يقول عنها إنها من أصح الآراء، لدلالة الأدلة عليها. لذلك قام بعمل جليل، حيث جمع آراء الإمام الشافعي في التفسير في كتاب مستقل سمّاه (أحكام القرآن) .
٥ - اللغة:
وهذا العلم أيضاً كان للبيهقي منه نصيب الأسد، لأن من اشتغل بالعلوم الإسلامية لا بد وأن يكون على علم بالعربية وقواعدها، لأنها لغة القرآن.
وإدراكاً من البيهقي لأهمية هذا العلم تضلع فيه، حتى أصبح من أهل الخبرة به، ولا أدل على ذلك من الكتاب الذي ألّفه للرد على منتقدي الإمام الشافعي في مسائل لغوية ادعوا غلطه فيها، فرد عليهم البيهقي في
стр. 60
كتاب خصّصه لهذا العرض سمّاه (الانتقاد على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي) . وذكر ثناء علماء اللغة على الشافعي، وأثبت صحة ما قاله، وخطأ انتقادهم، وذلك بأدلة لغوية دامغة مما ينبئ عن اطلاع واسع، وتمكن من هذا العلم الأصيل.
فالبيهقي ﵀ كان ذا ثقافة واسعة، وعلم راسخ مما جعله يحتل المرتبة الأولى بين علماء عصره.
وقد وصفه أبو الحسن عبد الغافر١ في ذيل تاريخ نيسابور بقوله:
"أبو بكر البيهقي الفقيه الحافظ الأصولي، ... واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم"٢.
وسيتضح لنا من خلال عرضنا لإنتاجه العلمي - فيما يأتي - بالإضافة إلى ما تقدم ذكره، سيتضح لنا من ذلك كله مدى ما وصل إليه البيهقي ﵀ من تعمق في العلوم الإسلامية، التي قضى عمره من المهد إلى اللحد خادما لها ولطلابها.
стр. 61
مؤلفاته
لقد كان للبيهقي ﵀ إنتاج علمي وفير، أثرى به المكتبة الإسلامية، سيما في مجال الحديث النبوي الشريف، الذي عُنِيَ به عناية فائقة شأنه في ذلك شأن أمثاله من المحدثين العظام، الذين بذلوا جهوداً مضنية في سبيل حفظ السنة وتنقيتها من كل دخيل، ببيان صحيحها من سقيمها، وجمعها في مؤلفات ضخمة، كانت ولا تزال إلى يومنا هذا، وستظل - إن شاء الله - نبراساً يضيء الطريق لطلاب المعرفة الصافية، ويبدد ظلمات الجهل، ويحفظ على الإسلام مصدراً من أهم مصادر العقيدة والتشريع.
وكان نبوغه في الحديث سبباً في أن مؤلفاته العقدية، جاءت ذات صبغة حديثية واضحة، نظراً لأنه سلفي المنهج، وتأليفه في العقيدة جاء على طريقة المحدثين.
وقد بلغت مصنفاته ما يقارب ألف جزء١.
وكانت لها ميزة خاصة انفردت بها، حيث جاءت منظمة تنظيماً دقيقاً لا يكاد يوجد في غيرها، ولذلك وصفت بأنه لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها٢.
стр. 62
كما وصفها السبكي بأنها كلها مصنفات نظاف، مليحة الترتيب والتهذيب، كثيرة الفائدة، يشهد من يراها من العارفين بأنها لم تتهيأ لأحد من السابقين١.
وفيما يلي عرض لمؤلفاته، مع التعريف بما اطلعت عليه منها، وهذه المؤلفات جميعها ذكرت في المصادر التي ترجمت للبيهقي ومنها ما ذكره البيهقي نفسه وأحال عليه وهذه المصنفات هي:
١ - إثبات عذاب القبر:
تناول فيه البيهقي ما يتعلق بإثبات هذه القضية، وما يتقدمها من سؤال الملكين، بسياق أدلة ذلك الإثبات من الكتاب والسنة، وتوضيح تلك الدلالة بأقاويل سلف الأمة.
ويوجد من هذا الكتاب نسخة مخطوطة بمكتبة أحمد الثالث ضمن مكتبة المتحف باستنبول، ضمن مجموعة رقمها: ٤٢٨٨.
كما يوجد نسخة أخرى منه بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
٢ - أحكام القرآن:
ويقع في جزئين. وقد خصصه البيهقي لجمع أقوال الإمام الشافعي في تفسير آيات الأحكام، بعد أن كانت مفرقة في كتبه المصنفة في الأصول والأحكام٢.
وقد قام بتحقيقه الشيخ محمّد زاهد الكوثري، وعني بنشره عزت العطار سنة ١٣٧١هـ، ١٩٥١م. وقد أعيد نشره بدار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٣٩٥هـ.
стр. 63
وهو الكتاب الوحيد الذي خصصه البيهقي لعلم التفسير مختاراً ما يتعلق بالأحكام من الآيات.
وقد وصف السبكي هذا الكتاب بأنه كتاب نفيس من ظريف مصنفات البيهقي١.
٣ - الآداب:
من هذا الكتاب نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقمها: ٤٣ حديث. ويقع في اثنتين وستين ومائتي ورقة، ويتناول البيهقي في هذا الكتاب جملة من الآداب والأخلاق، التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المسلم، مع نفسه ومع أخيه ومع مجتمعه، وغير ذلك من الآداب الإسلامية الفاضلة التي حفل هذا الكتاب بذكرها، والحث عليها.
٤ - الأربعين الكبرى، والأربعين الصغرى:
كتابان متشابهان في التبويب والتنسيق، مختلفان في الجوهر والموضوع وقد ذكرهما جماعة ممن ترجموا للبيهقي بهذين الاسمين.
وقد ذكر حاجي خليفة كتاباً بعنوان الأربعين في الأخلاق، وذكر اشتماله على مائة حديث مرتبة على أربعين باباً، وأن أوله: الحمد لله كفاء حقه٢.
وقد عثرت على نسخة من هذا الكتاب في مكتبة عاشر أفندي ضمن المكتبة السليمانية باستنبول، مع مجموعة منوعة، تحمل رقم ١١٧٩.
стр. 64
كما أشار البيهقي في مقدمته لهذا الكتاب إلى أنه ذكر فيه ما يحتاج أصحاب الحديث إلى معرفته، للاستعمال في أحوالهم وأخلاقهم، ليكون بلغة لهم فيما لا بد لهم من معرفته في عبادة الله تعالى١.
وأشار في نفسه الموضع إلى أنه ألف كتاباً آخر بنفس العنوان خصصه لبيان معالم دين الله تعالى.
ويدل ذلك – بوضوح - على صحة وجود كتابين بعنوان واحد ونعت مختلف. ولكن أيهما الكبرى، وأيهما الصغرى؟ هذا ما لا أستطيع تبينه لانعدام الدليل.
٥ - الأسماء والصفات:
ويعد هذا الكتاب من أهم المراجع التي اعتمدها العلماء في النصوص الواردة في موضوع الأسماء والصفات، لأنه يعد مني أوفى الكتب التي ألفت في هذه القضية، حيث شرحها البيهقي فيه شرحاً وافياً.
وقد طبع هذا الكتاب طبعتين، إحداهما بالهند سنة ١٣١٣? قام بتحقيقها محمّد محيي الدين الجعفري.
والأخرى بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٥٨?، وقد قام بتحقيقها والتعليق عليها الشيخ محمد زاهد الكوثري.
ويوجد له نسخة خطية بمكتبة فيض الله باستنبول، رقمها: ١٣٠٧، كتبت سنة ٥٧٧?، وعدد أوراقها: ٢٠٥ ورقات.
وينقسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسيين: أحدهما تناول فيه أسماء الله تعالى، وثانيهما تناولت فيه الصفات وما يتعلق بها.
стр. 65
وقد وصف السبكي هذا الكتاب بقوله: "وأما كتاب الأسماء والصفات فلا أعرف له نظيراً" ١.
وهو كتاب عظيم، نادر المثال دون شك، لأنه قد جمع فيه عق قضية الأسماء والصفات، من النصوص والآثار، ما لم يحصل لغيره مثله.
٦ - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، على مذهب السلف، أهل السنة والجماعة:
وقد وضع هذا الكتاب ليكون مختصراً شاملاً لجميع مسائل العقيدة التي تناولها في كتب شتَّى، كما ذكر هو ذلك في مقدمته لهذا الكتاب٢.
وقد طبع هذا الكتاب في القاهرة سنة: ١٣٨٠?، بتصحيح الشيخ أحمد مرسي.
ويوجد لهذا الكتاب نسختان خطيتان، إحداهما بمكتبة لاله لي برقم:
٢٤٢٣، تقع في ٨١ ورقة.
والثانية بمكتبة نور عثمانية برقم: ١٢٠٨/٢، وتقع في ٩٨ ورقة. وكلتاهما في استنبول.
كما يوجد نسخة ثالثة في مكتبة شستربتي بلندن تحت رقم ٣٥ ضمن مجموعة. ومنها صورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة.
وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون أن الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، المتوفى سنة: ٨٨٥? قد اختصر هذا الكتاب٣.
стр. 66
٧ - الألف مسألة:
وهو عبارة عن رسالة صغيرة لا تزيد عن أربع ورقات، بيّن فيها ضعف الحديث الذي رواه الجويباري أحمد بن عبد الله بن مخلد بسنده، عن عبد الله بن سلام أنه سأل النبيصلى الله عليه وسلمعن ألف مسألة، وبيّن أن الصحيح الثابت أن عبد الله بن سلام، إنما سأل النبيصلى الله عليه وسلمعن ثلاث مسائل فقط.
يوجد لهذه الرسالة نسخة ضمن مجموعة رقمها: ١١٢٧ بمكتبة أحمد الثالث باستنبول.
٨ - الانتقاد على الشافعي:
يرد البيهقي في هذا الكتاب على جماعة من المخالفين انتقدوا على الإمام الشافعي حروفاً من العربية، زعموا أنه خالف فيها أهل اللغة فبين البيهقي عدم صحة تلك الانتقادات بأسلوب علمي رصين، يدل على سعة اطلاع البيهقي وتمكنه من هذا الفن.
ويوجد من هذا الكتاب نسخة بخط حديث بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، تقع في خمس عشرة ورقة.
٩ - البعث والنشور.
تناول في هذا الكتاب قضية البعث، وما يعقبها من أحداث. ويتفتت لنا موضوع الكتاب تفصيلاً من قول مؤلفه ﵀ في مقدمته:
"نذكر ما ورد في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلمثم في أقاويل أهل التفسير من وجوب الإيمان به - أي بالبعث - وأشراط الساعة، وما يكون عند قيامها من بعث الناس وحشرهم إلى موقفها وأهوالها، وما جاء في الحساب والميزان، والحوض، والمرور على الصراط
стр. 67
ودخول الجنة والنار، وما جاء في خلقهما، ومن يخرج من النار بالشفاعة ومن يخلد فيها، وغير ذلك مما يتعلق بهذه الجملة١.
ويذكر الأستاذ السيد أحمد صقران الإمام الذهبي قد اختصر هذا الكتاب٢.
ويوجد له مجموعة من النسخ مفرقة في بعض مكتبات العالم، منها ثلاث نسخ في استنبول بتركيا، إحداها بالمكتبة السليمانية ورقمها ١٨٧٢ والأخريان بمكتبة المتحف رقم ٢٦٦٥-٢٦٦٦.
ونسختان بمكتبة شستربتي بلندن. إحداهما تحمل رقم ٣٩٠٩ والأخرى رقمها ٣٢٨٠، ويوجد لهما صورة ميكروفيلم بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة.
وقد ذكر بروكلمان - سوى هذه النسخ - نسختين، إحداهما بمكتبة الموصل بالعراق برقم ٢٢٨/ ١٧.
والأخرى بمكتبة برلين برقم ٢٧٣٤٣.
١٠ - بيان خطأ من أخطأ على الشافعي:
خصّص البيهقي هذا الكتاب للرد على من زعم أن للإمام الشافعي أخطاء حديثية، مبيناً أن ما نسب إليه من ذلك لا يخلو من أحد أمرين:
فإما أن يكون ذلك الخط الذي وجد في كتب الشافعي من جهة غيره بتقصيره، وعدم دقته في النقل عن الشافعي.
وإما يكون ناسب الخطأ إلى الشافعي قد وهم في اعتباره خطأ وليس كذلك.
стр. 68
وقد ناقش البيهقي ﵀ تلك الأخطاء المنسوبة خطأ إلى الشافعي، وهذه الأوهام، مناقشة علمية دقيقة.
ويوجد لهذا المؤلّف نسخة خطية بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (١٩٥) عام، و (٨٠) مجاميع.
١١ - تخريج أحاديث الأم:
وقد تناول في هذا الكتاب تخريج أحاديث كتاب الأم للشافعي حديثاً حديثاً، مع ذكر سنده والتعليق عليه.
وقسمه على أبواب كتاب الأم.
ويوجد الجزء الأوّل منه بمكتبة شستربتي بلندن تحت رقم ٣٢٨٠، ويبلغ مجموع أوراقه ١٤٨ ورقة.
ويوجد الجزء الثاني بدار الكتب المصرية تحت رقم (٩١١) حديث يقيم في ٢٩٨ ورقة.
أما الجزء الثالث فلم أجد ذكراً له، ولم أعثر عليه.
١٢ - الجامع في الخاتم:
رسالة صغيرة، لا تتجاوز خمس ورقات، بحث فيها مسألة لبس رسول الله ﷺ للخاتم ومن أي معدن كان خاتمه ﵇، وصفة ذلك الخاتم.
ويوجد من هذه الرسالة القيمة نسخة بمكتبة أحمد الثالث ضمن المجموعة المشار إليها سابقا - عند رسالة الألف مسألة.
كما يوجد أخرى منها بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
стр. 69
١٣ - الجامع لشعب الإيمان:
قسم البيهقي ﵀ كتابه هذا على سبعة وسبعين باباً، تشمل مسائل شتى في أصول الدين وفروعه. وتقسيمه هذا كان مبنياً على ما صح عنده من ألفاظ حديث "الإيمان بضع وستون، أو سبعون شعبة" حيث أحصى في كتابه هذا بالتفصيل ما أشار إليه الحديث مجملاً وذكر أن السبب لتأليفه لهذا الكتاب، أن شيخه أبا عبد الله الحليمي قد ألف في هذا الموضوع كتاباً، كان مرشداً له في تقسيمه لأبواب هذا الكتاب، إلاّ أنه إنما ذكر المتون وحذف الأسانيد، تحرياً للاختصار، فرأى أن يذكر ما أورده شيخه مسنداً مع الاقتصار على ما لا يغلب كونه كذباً١.
وقد طبع جزء صغير من هذا الكتاب النفيس في حيدر أباد بالهند سنة ١٣٩٥?، ويوجد له نسخة خطية من ثلاثة مجلدات في مكتبة المتحف باستنبول من رقم: ٢٦٦٧-٢٦٦٩ وقام باختصاره الشيخ أبو جعفر عمر القزويني المتوفى سنة ٦١٩?. وقام بتحقيق هذا المختصر والتعليق عليه زكريا علي يوسف، ونشره بالقاهرة.
١٤ - حياة الأنبياء في قبورهم:
وهو عبارة عن كتيب صغير تناول فيه البيهقي ما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم، وما ورد في ذلك مما رآه دليلاً على هذه القضية، وهذا الكتاب طبع في القاهرة بالمطبعة المحمودية، سنة: ١٣٥٧?، بتعليق الشيخ محمّد بن محمّد الخانجي البوسنوي من علماء الأزهر.
стр. 70
وقد وجدت نسخة من هذا الكتاب ضمن المجموعة المشار إليها عند الكلام على كتاب إثبات عذاب القبر، وهي بعنوان (كتاب العدة) ولم أجد أحداً ممن ذكره أشار إلى هذا العنوان.
وقد غلط حاجي خليفة عندما ذكر هذا الكتاب، ووصفه بأنه يشتمل على ألف مسألة جمعها البيهقي١. لأن الألف مسألة عبارة عن كتاب آخر، وقد تقدم ذكره.
كما غلط بروكلمان حينما ذكر كتابين مشيراً لكل منهما منفرداً عن الآخر، أحدهما بعنوان (حياة الأنبياء في قبورهم) والآخر بعنوان (ما ورد في حياة الأنبياء بعد وفاتهم) ٢ وأشار إلى وجود الأخير بالمدينة المنورة دون الأوّل، والواقع أن الإثنين كتاب واحد هو (حياة الأنبياء في قبورهم) وهو بعينه الموجود في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
١٥ - الخلافيات بين الشافعي وأبي حنيفة:
تناول البيهقي في هذا الكتاب جميع المسائل الفقهية التي وقع الاختلاف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة، ورتبه على أبواب الفقه.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية مصورة عن نسخة أصلية في مكتبة سليم آغا من نسخة كتبت في القرن السابع. وتقع جزئين الأوّل يتكون من ١٧٢ ورقة والثاني من ١٧٤ ورقة. والجزءان بهما خروم من الأول والآخر.
ومنه نسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم (٩٤ فقه شافعي) مكتوب عليها أنها الجزء الثاني وتقع في ١٧٢ ورقة.
стр. 71
ويبدو أن هذا الجزء مكمل لنسخة جامعة الدول العربية وإن لم تكن النسخة واحدة. لأن نسخة جامعة الدول العربية ينتهي جزؤها الثاني منها بمسائل الحج، التي بدأ بها الجزء الموجود بدار الكتب المصرية.
١٦ - الدعوات الكبيرى:
ألف البيهقي ﵀ هذا الكتاب استجابة لطلب أحد إخوانه أن يجمع له ما ورد من الأخبار المأثورة في الأدعية المرجوة، التي دعا بها رسول الله ﷺ ، أو علمها أحداً من صحابته، وقد ذكرها بأسانيدها، ورتبها على ترتيب كتاب المختصر لأبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، وضمنه زيادات لم يذكرها ابن خزيمة١. وبدأ كتابه هذا بذكر ما للدعاء والذكر من الأجر والثواب.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة مخطوطة بالمكتبة الأصفية بحيدر آباد بالهند رقمها (١٤) أدعية.
ويوجد منها صورة ميكروفيلم بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية برقم ٣١٦٣.
١٧ - دلائل النبوة:
وهو كتاب قيم، يعتبر من أجمع المؤلفات في بابه، وقد تكلم فيه البيهقي ﵀ عما يتعلق بالنبي محمّد صلى الله عليه وسلممن صفات ومعجزات، وفي إيضاح موضوعه يقول البيهقي:
" ... أردت - والمشيئة لله تعالى – أن أجمع بعض ما بلغنا من معجزات نبينا محمّد ﷺ ، ودلائل نبوته، ليكون عوناً لهم على إثبات رسالته، فاستخرت الله تعالى في الابتداء بما أردته، واستعنت به في إتمام ما قصدته، مع ما نقل إلينا من شرف أصله، وطهارة مولده، وبيان أسمائه
стр. 72
وصفاته، وقدر حياته، ووقت وفاته، وغير ذلك مما يتعلق بمعرفته ﷺ ، على نحو ما شرطته في مصنفاتي، من الاكتفاء بالصحيح من السقيم، والاجتزاء من المعروف بالقريب، إلا فيما لا يتضح المراد من الصحيح أو المعروف دونه فأورده"١.
ويعتبر هذا الكتاب من أوثق كتب السيرة قاطبة، لما لمؤلفه من علو مكانة في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.
وقد قام الشيخ عبد الرحمن محمّد عثمان بتحقيق وطبع الجزئين الأولين منه بدار النصر للطباعة بالقاهرة سنة ١٣٨٩?.
كما قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة سنة ١٣٩٥?.
ويوجد له نسخة خطية بمكتبة المتحف باستنبول تقع في أربعة مجلدات رقمها (٦٠٠٠-٦٠٠٣) كما يوجد له عدة نسخ بدار الكتب المصرية إلا أن جميعها ناقصة.
١٨ - رسالة إلى أبي محمّد الجويني:
أوضح البيهقي للجويني في هذه الرسالة ما وقع فيه الأخير من أخطاء حديثية في كتابه الذي سماه (المحيط) عزم على أن لا يتقيد فيه بالمذهب وأن يقف على موارد الأحاديث مما حمل الجويني على العدول عن إتمام التأليف، شاكراً للبيهقي حسن صنيعه، وجميل نصحه.
ويوجد لهذه الرسالة نسخة خطية مكونة من سبع ورقات بمكتبة أحمد الثالث باستنبول ضمن مجموعة رقمها ١١٢٧.
وقد طبعت ناقصة ضمن طبقات الشافعية للسبكي، كما سبق أن ذكرت.
стр. 73
١٩ - الزهد الكبير:
يتناول البيهقي ﵀ في هذا الكتاب ما ورد من الأخبار والآثار عن السلف والخلف في الترغيب في الزهد في الدنيا، حيث ذكر ﵀ أنه أورد في كتاب الجامع كثيراً من الأخبار، والآثار الواردة في هذا الموضوع، وأنه أورد في كتاب (دلائل النبوّة) وغيره، كيف كان يعيش النبي ﷺ ، ونظراً لكثرة أقاويل السلف والخلف في فضيلة الزهد وكيفيته، أفرد لذكرها هذا المؤلف١ الذي يقع في خمسة أجزاء صغيرة، يبلغ عدد أوراقها مائة وتسع عشرة ورقة، ويوجد منه نسخة خطية نادرة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (١٤٢) حديث، كتبت سنة ست وعشرين وستمائة، وعليها عدة سماعات.
٢٠ - السنن الصغرى:
بيّن البيهقي في مقدمة قصيرة وضعها لهذا الكتاب أنه كما جعل كتاب الاعتقاد مختصراً في العقائد فقد جعل هذا المصنف مختصراً يرجع إليه في العبادات والمعاملات، والمناكحات، والحدود، والسير، والحكومات ويوجد لهذا الكتاب نسخة كاملة بمكتبة المتحف باستنبول تقع في اثنتين وتسعين وثلاثمائة ورقة، ورقمها:٢٦٦٤.
٢١ - معرفة السنن والآثار:
وهو كتاب نفيس لا يستغني عنه فقيه شافعي - كما قال السبكي. بل لا يستغني عنه فقيه كائناً من كان.
ويبيّن ﵀ موضوع الكتاب وسبب تأليفه له بقوله في مقدمة الطويلة: "ثم إني رأيت المتفقهة من أصحابنا يأخذهم الملال من
стр. 74
طول الكتاب، فخرجت ما احتج به الشافعي ﵀ من الأحاديث بأسانيده في الأصول والفروع، مع ما رواه مستأنساً به غير معتمد عليه، أو حكاه لغيره مجيباً عنه، على ترتيب (المختصر) ، ونقلت ما وجدت من كلامه على الأخبار بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل. وأضفت إلى بعض ما أجمله من ذلك من كلام غيره ما فسره، وإلى بعض ما رواه من رواية غيره ما قواه"١.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة بمكتبة المتحف باستنبول، تبدأ من رقم ٢٦٣٨-٢٦٤٣.
وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى طبعه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر. ويطلق بعض العلماء على هذا الكتاب اسم (السنن الوسطى) ٢.
٢٢ - السنن الكبرى:
ويعتبر هذا الكتاب أهم مؤلفات البيهقي وأشهرها، جمع فيه أحاديث الأحكام، من أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله وتقريراته وما يتعلق بالأحكام من موقوفات الصحابة، ومراسيل التابعين، فكان موسوعة كبرى، رتبه مؤلفه على المباحث الفقهية مبتدئاً بكتاب الطهارة، ومنتهياً بكتاب عتق أمهات الأولاد، ويقع هذا الكتاب العظيم في عشرة مجلدات، قام بتحقيقه جماعة من علماء الدولة العثمانية، وطبع بمطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، وقد طبع بحاشيتها (الجوهر النقي في الرد على البيهقي) لابن التركماني.
стр. 75
ويوجد منه بدار الكتب المصرية نسخة مخطوطة تحمل رقم (٢٥٤- ٢٦٧) حديث. وأخرى بمكتبة المتحف باستنبول رقم (٢٦٤٤-٢٦٦٠) .
ومما يدلّ على عظم مكانة هذا الكتاب بين كتب السنة، وانفراده بخصائص لم يحظ بها غيره، ما ورد من وصفه على ألسنة عدد كبير من جهابذة العلماء.
فمنهم الشيخ تقي الدين السبكي الذي قال عنه: "أما السنن الكبير فما صنف في علم الحديث مثله، تهذيباً، وترتيباً، وجودة"١.
ويقول الإمام الذهبي في وصف مصنفات البيهقي عامة وكتابه هذا خاصة: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلّ من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فينبغي للعالم أن يعتني بها، سيما سننه الكبير"٢.
وقال الإمام السخاوي عند ذكره: "فلا تعد عنه، لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا تعلم - كما قال ابن الصلاح - في بابه مثله، ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن، ولكن قدمت تلك لتقدم مصنفيها في الوفاة، ومزيد جلالتهم"٣.
وكان البيهقي ﵀ قد قضى ردحاً طويلاً من حياته في تصنيف هذا الكتاب، حيث بدأ تأليفه سنة خمس وأربعمائة، وفرغ منه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة٤.