← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[البيوع المحرمة والمنهي عنها]ـ أصل الكتاب: رسالة (دكتوراه) ، جامعة الخرطوم، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م المؤلف: عبد الناصر بن خضر ميلاد الناشر: دار الهدى النبوي، مصر - المنصورة (سلسله الرسائل الجامعيه، ٣٧) الطبعة: الأولى ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، الحكيم الخبير، الذي جل عن الشبه والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وصلى الله وسلم على رسوله البشير النذير، السراج الهادي المنير، المخصوص بالمقام المحمود، والحوض المورود، وعلى أصحابه الأطهار الأخيار، وأهل بيته الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وخصهم بالتطهير، وعلى التابعين لهم بإحسان، والمقتدين بهم في كل زمان إلى يوم الدين، وبعد: فإن الشريعة الإسلامية بقواعدها الكلية، وموازينها المنضبطة، وأسسها الثابتة، وعطائها المستمر، صالحة لكل زمان ومكان، فكمال الشريعة وشمولها من أبرز عوامل ثباتها، فما من نازلة إلاّ ولله سبحانه فيها حكم، ولقد بذل العلماء المسلمون قديماً وحديثاً جهوداً كبيرة من أجل تقرير قواعدها الشرعية، وإيضاح أحكامها، وتجلية مميزاتها، وترسيخ مفاهيمها، وتجسيدها واقعاً يحتذى به في شتى ضروب الحياة. وبعد أن وفقني الله في الحصول على شهادة الماجستير، رأيت أن أواصل دراستي العليا، لكي أحصل على شهادة الدكتوراه، وقد رأيت أن يكون بحثي في مجال المعاملات الشرعية. سبب اختياري للموضوع: إن اختيار الموضوع بالنسبة لطالب العلم ليس بالأمر السهل الهين، بل يحتاج إلى جهد كبير، لأن اختيار موضوع يحتاجه الناس لا يتحقق للباحث بسهولة ويسر دون توفيق من المولى جلّ وعلاّ، ثم بعد الاستخارة والدراسة والمشورة -والحمد لله- فقد يسر الله لي اختيار موضوع "بيع الأعيان المحرمة في الفقه الإسلامي" وهو موضوع له أهمية عظمى في حياة الناس، لتعلقه بالتعامل وتداول المنافع فيما

стр. 3

بينهم، ويحتاج لوضع الضوابط اللازمة، حتى تظهر أحكامه جلية واضحة، وتحد حدوده حتى لا يقعوا في المحظور، ولا يخفى عليهم غير المحظور، لتتحقق مصالحهم، ويرفع الحرج عنهم، فهداني الله تعالى لأن أخص مسألة "بيع الأعيان المحرمة" بالبحث كي أساهم مع من سبقني في الكتابة في مسائل البيع، لكي يستبين حكم الشرع في بيع الأعيان المحرمة، لأن هذه الأحكام معروضة في كتب الفقه، في أبواب مختلفة، تحتاج إلى جمع ولّم لشملها في موضع واحد، لتسهل معرفتها، خاصة وأن أغلب الناس يجهلون هذه الأحكام، ويصعب عليهم التعامل مع كتب الفقه لاستخلاص أحكامها، وجمع مسائلها، والله أسأل أن أوفيه حقه في البحث وعرض جميع جوانبه، وبذل الجهد والطاقة، بعون الله وتوفيقه. منهجي في البحث: بعد أن وفقني الله سبحانه لاختيار موضوع بيع الأعيان المحرمة في الفقه الإسلامي، كان لا بد من تحديد المسلك العلمي اللازم لإعداد هذا البحث في إطار من الوضوح والسهولة واليسر، بغية تحقيق الإفادة الكاملة على النحو المحقق للقصد من البحث، فاقتصرت على المذاهب الفقهية الأربعة، والسبب في هذا أنها معتمدة ومقررة ومقدرة لدى جميع المسلمين، مع تفردها بالاعتدال والوسطية، وفي سبيل هذا راعيت الترتيب الزمني لهذه المذاهب، بدءاً من المذهب الحنفي ثم المالكي ثم الشافعي ثم الحنبلي، بمراعاة ما يرد داخل كل مذهب من أقوال، وذلك في كل مسألة على حدة مهما تناهت في صغرها، مراعياً في كل مذهب النقل من أمهات الكتب المعتمدة فيه، وذلك بعرض الأقوال داخل المذهب الواحد، موثقاً ذلك بنقل أقوال الأئمة، مرجحاً لما ترجح منها لدي للاعتماد عليه عند الموازنة مع المذاهب الأخرى، حتى يتسنى لي ترجيح الرأي الذي أرى صوابه وصحته وقوة دليله، أو أن الأخذ به والعمل بمقتضاه يحقق مصلحة حقيقية عامة. وكل هذا بمراعاة الدقة الكاملة، تحقيقاً لمبدأ الأمانة العلمية كأحد أهم أسس المنهج العلمي السليم، محاولاً تدعيم كل قول ورد في مذهب من المذاهب الأربعة بما استدل له به، مع عقد المناقشة اللازمة للأدلة عندما يستدعي الترجيح ذلك، مورداً كل المناقشات والرد

стр. 4

عليها، غير متعصب لرأي مذهب معين، أو فقيه بذاته، واضعاً نصب عيني قوة الدليل، وصحة الاستدلال به، وخلوه من الاعتراض والمناقشة، وتحقيقه للمصلحة أو درءه للمفسدة. ومن الجدير الإشارة إليه أنني سوف أحرص على مراعاة عرض الخلاصة المعقولة لكل مذهب، أظهر من خلالها ما يستفاد من نصوصه، وهذا التلخيص للمذهب سيسعفني عند عقد الموازنة بين أقوال أصحاب المذاهب الأربعة لإجراء المقابلة والمقارنة بينها، ولتحقيق دمج ما يمكن دمجه منها، لإبراز خلاصة المذاهب مجتمعة في المسألة، لأن هذا سيكون معيناً عند عرض الأدلة ومناقشتها، كي انتهي إلى ترجيح ما هو راجح في كل مسألة على حدة، بناء على قوة ما استدل به، أو على أساس مناقشته لما استدل به خصمه، مع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية من تحقيق مصالح العباد، تفضلا من الله سبحانه، ورفعاً للحرج، ودفعاً للضيق عنهم. وعزوت الآيات القرآنية، وخرجت الأحاديث النبوية، وترجمت للأعلام الوارد ذكرها في ثنايا البحث، عند أول ذكر لهذه الأمور، واعتمدت فهرساً خاصاً بكل منها بعد نهاية البحث، ثم وثقت لأهم المراجع التي استعنت بها، سواء كان ذلك من كتب الفقه المعتمدة، أم الأصول، أم كتب السنة والسيرة والتاريخ، أم كانت من كتب اللغة العربية، أو مقررات المؤتمرات الإسلامية في العالم الإسلامي، واللجان المنعقدة بشأن ما يخصنا في البحث، والفتاوى الصادرة في مسائل البحث على مستوى العالم الإسلامي وحذفتها عند الطباعة حتى لا يكبر حجم الكتاب. ولقد واجهتني صعوبات جمة في سبيل إعداد هذا البحث بسبب أن موضوعه يشتمل على أمرين مهمين: أحدهما يعد من التراث نصاً. والآخر من المسائل المستحدثة، ومن ذلك على سبيل المثال بيع أجزاء الإنسان، وبيع الأشرطة المسجل عليها بعض الأفلام، والمسلسلات، والصور الفوتوغرافية ونحوها. فقد كنت أعتقد سهولة الموضوع، غير أنني بعد الولوج فيه وجدته على قدر

стр. 5

كبير من الصعوبة من حيث جمع المادة العلمية، والأدلة، خاصة عند الترجيح لما أراه راجحاً. فقد استعصت عليّ بعض المسائل، خاصة ما تباينت فيها الآراء، وكثر فيها الجدل، لأن كتب المذاهب فيها كثير من الأخذ والرد والتأييد والنقد والتنازع فيما بينها عند اختلاف وجهات النظر، كما أن بعضها لم يتعرض لذكر الأدلة، أو التعليل لما جاء فيه من أحكام مختلفة، خلال عرضها للأقوال في المسألة داخل المذهب في أغلب الأحيان. فاستعنت بالله سبحانه فكان توفيقه بمساندة ومساعدة فضيلة الدكتور عبد الرحمن الصديق دفع الله الأستاذ المشارك المشرف على الرسالة في إزالة تلك الصعاب حتى بات الأمر -بحمد الله- في متناول يدي. خطة البحث: وقد رأيت أن تكون خطة البحث على النحو التالي: المقدمة: وتشتمل على سبب اختيار الموضوع، ومنهجي في البحث، وخطة البحث. التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالبيع. وفيه أربعة مطالب. المبحث الثاني: مشروعية البيع وحكمه. المبحث الثالث: المقصود بالأعيان المحرمة. وفيه أربعة مطالب. الباب الأول: في النجاسات: وفيه تمهيد وستة فصول: التمهيد في بيان اختلاف الفقهاء في حرمة بيع النجاسات وأسبابه

стр. 6

الفصل الأول: بيع الميتة: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حكم بيع الميتة. المبحث الثاني: حكم بيع أجزاء الميتة. وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الميتة. الفصل الثاني: بيع الدم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الدم المسفوح. المبحث الثاني: حكم بيع الدم المسفوح. المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الدم. الفصل الثالث: بيع فضلات الإنسان والحيوان: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم المني وحكم بيعه: وفيه مطلبان: المبحث الثاني: حكم أرواث الحيوانات وحكم بيعها: وفيه ثلاثة مطالب. الفصل الرابع: بيع الكلب والخنْزير: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم الكلب، وحكم بيعه: وفيه مطلبان. المبحث الثاني: حكم الخنْزير، وحكم بيعه، وحكم بيع أجزائه. وفيه ثلاثة مطالب. الفصل الخامس: بيع الخمر: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حكمة تحريم الخمر. المبحث الثاني: حكم الخمر.

стр. 7

المبحث الثالث: حكم التداوي بالخمر، وحكم بيعها: وفيه مطلبان. الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها. الباب الثاني: ما نهى الشارع عن الانتفاع به، ويشتمل على ستة فصول: الفصل الأول: بيع أواني الذهب والفضة: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم أواني الذهب والفضة. وفيه مطلبان. المبحث الثاني: حكم المضبب بالذهب والفضة وفيه تسعة مطالب. الفصل الثاني: بيع الأصنام والصور: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بيان حكم الشرع للصور بأنواعها: وفيه مطلبان. المبحث الثاني: حكم بيع الصور بأنواعها. المبحث الثالث: في المستثنيات. الفصل الثالث: بيع آلات اللهو: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: آلات اللهو: وفيه مطلبان. المبحث الثاني: النرد: وفيه مطلبان المبحث الثالث: الشطرنج: وفيه مطلبان. الفصل الرابع: بيع المخدرات والمفترات: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات. المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات. المبحث الثالث: حكم بيع المفترات.

стр. 8

الفصل الخامس: بيع الإنسان الحر وأجزائه وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم بيع الإنسان الحر. المبحث الثاني: حكم نقل وبيع بعض أجزاء الإنسان الحر: وفيه مطلبان. الفصل السادس: بيع الأشياء المحرمة لقدسيتها: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بيع المصحف. المبحث الثاني: بيع المصحف للكافر. المبحث الثالث: بيع أرض مكة المكرمة. ثم أنهيت البحث بعمل خاتمة ثم خلاصة وافية لأهم ما ورد فيه، ثم عرضت لتنظيم الفهارس الفنية، مع بيان بأهم المراجع والفهارس العامة للرسالة. وأسأل الله سبحانه أن ينال عملي هذا القبول، وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به يوم أن نلقاه، وعلى الله قصد السبيل، وصلى الله وسلم وأنعم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. وعرفاناً بالفضل واعترافا بالجميل وعملا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ١. وقوله ﷺ : "من لم يشكر النّاس لم يشكر الله" ٢. أتقدم بالشكر الجزيل إلى جمهورية السودان التي فتحت أبوابها لطلبة العلم، كما وأشكر جامعة الخرطوم ممثلة بكلية القانون ممثلة بقسم الشريعة الإسلامية الذي أتاح لي هذه الفرصة الثمينة لمواصلة الدراسة في هذا العلم الشريف لنشر تعاليم الإسلام الحنيف، فأسأل الله تعالى أن يوفق القائمين عليها وأن يسدد خطاهم ويجزيهم عنا خير الجزاء. كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير إلى من وجدت منه شيم العلماء العاملين، ويقين المخلصين وأخلاق العباد الصالحين، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله

стр. 9

أحد. فضيلة الدكتور/ عبد الرحمن الصديق دفع الله أستاذ الشريعة الإسلامية المشارك بكلية القانون، الذي أعتز بالتتلمذ على يديه، حيث عاملني معاملة الوالد لولده والأخ لأخيه، فما بخل بنصح وما ضن عليّ بإرشاد، فكان واسع الصدر بشوش الوجه لين الجانب كثير الصبر، فما مل من اتصالي ولقائي، ولا قصر في جواب عن سؤالي، حتى خرج البحث على هذه الصورة، فقد وجدته عالماً عاملاً مدققاً محققا صاحب إشارات دقيقة وعبارات رقيقة، فكانت توجيهاته نافعة، وفرت علىّ جهداً ووقتاً كبيراً، فنصحني بألطف وأدق إشارة، فمند تفضله بقبول الإشراف على هذه الرسالة -رغم شواغله الجمة- وهو يتعهدني بالرعاية والعناية والنصح السديد والإشارات القيمة، فكان نعم الأستاذ والمعلم والموجه - حفظه الله ذخرا للإسلام والمسلمين - فقد قوي عزمي على يديه حيث شد ساعدي وأقال عثراتي وذلل لي الصعاب، فالله أسأل أن يحفظه ويبارك فيه ويطيل عمره ويمده بالصحة والعافية، وأن يجعل هذا العمل في سجل حسناته، وأن يجزيه عني خير الجزاء إنه نعم المولى ونعم النصير. كما لا يفوتني أن أشكر كل من قدم لي معروفا أو أسدى إليّ نصحاً أو وقف بجانبي في إنجاح هذا العمل من الأخوة والأصدقاء والزملاء. فجزى الله الجميع خير الجزاء، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 10

التمهيد المبحث الأول: التعريف بالبيع المطلب الأول: البيع لغة البيع لغة: مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة، فهو مقابلة المال بالمال، وقيل: المبادلة. والبيع مصدر باع يبيع بيعاً مبيعاً وهو شاذ وقياسه مباعاً، والابتياع الاشتراء، وهو والشراء ضدان١. فقد جاء في لسان العرب: "البيع: ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضاً، وهو من الأضداد، وبعت الشيء شريته أبيعه بيعاً ومبيعاً وهو شاذ، وقياسه مباعاً، والابتياع الاشتراء ... وابتاع الشيء: اشتراه، وأباعه: عرضه للبيع ... والبيعان: البائع والمشتري، والبيع اسم المبيع ... والبياعات: الأشياء التي يبتاع بها في التجارة ... والبيع: الصفقة"٢. ويطلق البيع على الشراء أيضاً، والعرب تقول: بعت الشيء بمعنى اشتريته، فالبيع من أسماء الأضداد التي تطلق على الشيء وضده، مثل الشراء. جاء في مختار الصحاح: "باع الشيء يبيعه بيعاً ومبيعاً شراه، وهو شاذ، وقياسه مباعاً، وباعه أيضاً اشتراه، فهو من الأضداد"٣. فلفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على ما يطلق عليه الآخر، فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة، فيطلق على كل من المتعاقدين أنه بائع ومشتر، يقال: بعت الشيء بمعنى بعته أي أخرجته عن ملكي وبمعنى اشتريته أي أدخلته في ملكي،

стр. 11

ويقال: شريت الشيء بمعنى شريته وبعته، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ١ أي باعوه، غير أنه إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، وإذا أطلق المشتري فالمتبادر دافع الثمن. جاء في المصباح المنير: "ويطلق على كل واحد من المتعاقدين أنه بائع، ولكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، ويطلق البيع على المبيع"٢. والبيع مشتق من الباع، وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع، فسمي البيع صفقة، وذلك لأن أحد المتعاقدين يصفق يده على يد صاحبه٣. وعلى هذا: فالمستقر عند علماء اللغة أن البيع يطلق على المبادلة، وأن لفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على ما يطلق عليه الآخر، فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة، وأن عرف الناس والفقهاء قائم على تخصيص البيع بجانب باذل السلعة، وتخصيص الشراء بجانب باذل الثمن، فالمبادلة للمال بالمال هي الأصل اللغوي للبيع.

стр. 12

المطلب الثاني: البيع اصطلاحاً اختلفت عبارة الفقهاء بشأن تعريف البيع في الاصطلاح الفقهي، والثابت لديهم أنه مبادلة ما ل بمال على وجه مخصوص: الحنفية: يرون أن البيع مبادلة مال بمال بشرط تراضي الطرفين. فقد جاء في شرح فتح القدير: "هو مبادلة المال بالمال بالتراضي بطريق الاكتساب"١. المالكية: عرفوا البيع بأنه عقد معاوضة على غير منافع. جاء في مواهب الجليل: "دفع عوض في معوض"٢. وفي الشرح الصغير: "عقد معاوضة على غير

стр. 13

منافع"١. الشافعية: يرون أن البيع هو عقد معاوضة مالية يؤدي إلى ملك عين أو منفعة مباحة على التأبيد. جاء في حاشية قليوبي: " ... عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه التحريم"٢. الحنابلة: عرفوا البيع بأنه مبادلة مال بمال – أو منفعة مباحة على التأبيد في مقابل عوض مالي. جاء في كتاب الوجيز نقلاً عن الإنصاف: "تمليك عين مالية أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي ... "٣. الموازنة: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف البيع، إلاَّ أن المعنى واحد، وهو مبادلة مال بمال عن طريق التراضي، ومع ذلك نجد اختلافاً في بيع المنافع، فالحنفية لا يعتبرون المنافع مالاً وعليه لا يصح بيعها، والمالكية وإن اعتبروا المنافع أموالاً إلاَّ أنهم لم يعتبروا تبادل المنفعة بيعاً، في حين أن الشافعية والحنابلة اعتبروا أن تبادل المنفعة بالمال بيعٌ إذا كان تمليك المنفعة على وجه التأبيد. وأرى أن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الصواب، والتعريف الراجح لدي هو الذي ذكره صاحب الوجيز من أنه: "تمليك عين مالية أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي".

стр. 14

المطلب الثالث: أركان البيع اختلف الفقهاء في تحديد أركان البيع هل هي الصيغة الإيجاب والقبول أو مجموع الصيغة والعاقدين البائع والمشتري والمعقود عليه أو محل العقد المبيع والثمن. مذهب الحنفية: اعتبروا ركن البيع هو الإيجاب والقبول فقط, فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما ركن البيع فهو مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، وذلك قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، أما القول فهو المسمى بالإيجاب والقبول

стр. 15

في عرف الفقهاء ... "١. مذهب المالكية: ذكروا أن أركان البيع عندهم خمسة هي: البائع، والمشتري، والمبيع، والثمن، والصيغة الإيجاب والقبول. جاء في الشرح الصغير: " ... وركنه أي أركانه التي تتوقف عليها حقيقته ثلاثة، هي في الحقيقة خمسة: عاقد من بائع ومشتري ومعقود عليه من ثمن ومثمن والثالث صيغة أو ما يقوم مقامها مما يدل على الرضا، وإليه أشار بقوله: وما دل على الرضا في قول، أو إشارة، أو كتابة، من الجانبين أو أحدهما، بل وإن كان ما يدل عليه معاطاة من الجانبين ولو في غير المحقرات ... "٢. مذهب الشافعية: عدوا أركان البيع ستة هي: البائع، والمشتري، والمبيع، والثمن، والإيجاب، والقبول. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... وأركانه كما في المجموع ثلاثة، وهي في الحقيقة ستة: عاقد وهو بائع ومشتري ومعقود عليه وهو ثمن ومثمن، وصيغة هي إيجاب وقبول ... "٣. مذهب الحنابلة: ذكروا أن أركان البيع ثلاثة: عاقد ومعقود عليه ومعقود به، فمرادهم بالعاقد البائع والمشتري، وبالمعقود عليه المبيع والثمن، وبالمعقود به الصيغة وهي الإيجاب والقبول. فقد جاء في شرح منتهى الإرادات: " ... وأركان البيع ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، ومعقود به وهو الصيغة ... "٤. الموازنة: بمراجعة ما ذكره الفقهاء نجد أنهم قد اختلفت عباراتهم في عد أركان البيع، إلاَّ أنهم رغم ذلك متفقون في الجملة في عد هذه الأركان، فالحنفية الذين قالوا إن ركن البيع هو الصيغة فالصيغة عندهم تقتضي إيجاباً وقبولاً، والإيجاب يقتضي بائعاً ومبيعاً، والقبول يقتضي مشترياً وثمناً، فالذي يتضح لنا أن أقوال الفقهاء تؤدي إلى أن أركان البيع هي: البائع والمشتري والمبيع والثمن والصيغة "الإيجاب والقبول".

стр. 16

المطلب الرابع: شروط المعقود عليه "المبيع " بما أن موضوع بحثنا هو بيع الأعيان المحرمة، وكما هو معلوم فإنه لا بد من توافر شروط معينة في كل ركن من أركان البيع، فسوف أذكر باختصار شروط المبيع عند الفقهاء، لأن المعقود عليه هو محل العقد وهو موضوع دراستنا. الحنفية: يرون أنه يشترط في المعقود عليه عدة شروط، منها: كونه موجوداً حين العقد، وعلى هذا فلا يصح بيع المعدوم مثل بيع المضامين والملاقيح، ومنها: كونه مالاً، وقالوا إن المال هو ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل، فما ليس بمال ليس محلاً للبيع، وسبب اشتراطهم هذا الشرط لانعقاد البيع أنهم يعتبرون البيع مبادلة مال بمال، ومنها: كونه مملوكاً للعاقد ملكاً تاماً، أو مأذوناً في بيعه، فلا ينعقد البيع لما ليس بمملوك، ومنها: كون المبيع مقدوراً على تسليمه للمشتري، فلا ينعقد البيع إلاَّ إذا كان المبيع مقدور التسليم، وعلى هذا فلا ينعقد بيع الجمل الشارد ونحو ذلك، لما في هذا من الغرر المؤثر في العقد. فقد جاء في بدائع الصنائع: "وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع: منها: أن يكون موجوداً، فلا ينعقد بيع المعدوم ... ومنها: أن يكون مالاً، لأن البيع مبادلة المال بالمال ... ومنها: أن يكون مملوكاً، لأن البيع تمليك فلا ينعقد فيما ليس بمملوك ... ومنها: أن يكون مقدور التسليم ... "١. المالكية: اشترطوا في المعقود عليه عدة شروط بحيث لا يصح العقد عند الإخلال بأحد هذه الشروط، سواء فيما يتعلق بالمبيع أم بالثمن، ومن هذه الشروط: كون المعقود عليه ثمناً، أو مثمناً طاهراً، فلا يصح بيع نجس العين كالميتة والدم والخنْزير، ولا المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، ومنها: كونه مباحاً منتفعاً به انتفاعاً شرعياً، فلا يصح بيع غير المباح ولو مكروهاً، ولا بيع الحشرات لعدم الانتفاع بها، ومنها: كونه مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع الآبق لعدم إمكان تسليمه، وكذا الطير في الهواء

стр. 17

والسمك في الماء ونحو ذلك، ومنها: كون المعقود عليه غير منهي عنه، فلا يصح بيع ما نهي عنه كبيع المزابنة١ ونحوه، وقد عبروا عن هذا الشرط بكونه غير محرم البيع، حتى ولو كان التحريم يتعلق ببعض المعقود عليه فقط، ومنها: كون المعقود عليه غير مجهول لكل من المتعاقدين، وذلك لأن الجهالة مبناها الغرر وهذا من الأمور النافية لصحة التعاقد، فلا يصح بيع المجهول سواء كان مجهول الذات أم الجنس أم الصفة أم القدر أم الأجل ونحو ذلك، حتى يحصل العلم بكل ما يميز المبيع عن غيره. فقد جاء في الشرح الكبير: "وشرط للمعقود عليه أي شرط لصحة بيع المعقود عليه ثمناً أو مثمناً طهارة وانتفاع به وإباحة وقدرة على تسليمه وعدم نهي وجهل به ... وشرط له عدم نهي من الشارع عن بيعه وشرط له قدرة عليه أي على تسليمه وتسلمه ... وشرط للمعقود عليه "عدم حرمة" لبيعه ... أو لبعضه ... وشرط عدم جهل منهما أو من أحدهما بمثمون ... أو ثمن ... ولو تفصيلاً ... "٢. الشافعية: يشترطون في المبيع طهارة عينه، فلا يصح بيع النجس عندهم كالخمر والخنْزير والميتة والدم ونحو ذلك، وكونه منتفعاً به فلا يصح بيع ما لا ينتفع به كالحشرات ونحوها، ومن شروط المبيع عندهم كونه مقدوراً على تسليمه فبيع الشارد والناد والطير في الهواء والسمك في الماء غير صحيح لفقدان هذا الشرط، ومنها: كون المبيع مملوكاً لمن له العقد، فلا يصح بيع مال الغير إلاَّ إذا أجازه مالكه، ويشترط على كل من المتبايعين العلم بالمبيع، وعليه لا يصح بيع المجهول لهما لأنه يؤدي للمنازعة بسبب ما يشوبه من غرر، وقد اختلف الشافعية بشأن صحة بيع الغائب، فالأظهر في المذهب أنه لا يصح، والثاني يقول بصحته مع إثبات الخيار عند الرؤية. فقد جاء في مغني المحتاج: "وللمبيع شروط: طهارة عينه ... النفع ... إمكان

стр. 18

تسليمه ... المِلكُ لمن له العقد ... العلم به ... والأظهر أنه لا يصح بيع الغائب، والثاني يصح ويثبت الخيار عند الرؤية"١. الحنابلة: اشترطوا في المعقود عليه سواء كان مبيعاً أم ثمناً عدة شروط: منها: كونه مالاً، وذلك لأن كلاً منهما في مقابلة المال فعنصر المالية يشترط في كل من المبيع والثمن لاعتبار العقد صحيحاً شرعاً، ومنها: كون المبيع مملوكاً للبائع، فلا يصح بيع غير المملوك للعاقد حين العقد، ومنها: كون المبيع وكذا الثمن مقدوراً على تسليمه حال العقد، وذلك لأن غير المقدور على تسليمه شبيه المعدوم، والمقرر لديهم أن بيع المعدوم غير صحيح، فكان بيع غير المقدور على تسليمه غير صحيح لذات السبب، ومنها: كون المبيع معلوماًُ للمتعاقدين، فلا يصح بيع المجهول، لأن الجهالة تفضي إلى المنازعة بين المتعاقدين بسبب ما تحمله من غرر مؤثر في العقد. فقد جاء في كشاف القناع: "أن يكون المبيع والثمن مالاً، لأنه مقابل بالمال ... أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه ... أن يكون المبيع ومثله الثمن مقدوراًُ على تسليمه حال العقد، لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه، فكذا ما أشبهه ... أن يكون المبيع معلوماً لهما ... "٢. الموازنة: بعد مراجعة أقوال الفقهاء ونصوص كتبهم في تحديد شروط المعقود عليه نجد أنهم قد اتفقوا في تحديد بعض الشروط والنص عليها، كما وجدنا أن بعضهم قد انفرد بذكر شروط لم يتعرض لذكرها أو النص عليها غيرهم. أولاً: الشروط التي اتفق عليهما جميع الفقهاء: ١- أن يكون المعقود عليه مالاً ٢- أن يكون مملوكاً للعاقد أو لموكله أو لمن هو تحت ولايته. ٣- أن يكون مقدوراً على تسليمه.

стр. 19

٤- أن يكون المبيع موجوداً حين العقد، فلا يصح بيع المعدوم وقت البيع إلاَّ في السلم. ٥- أن يكون معلوماً لكل من العاقدين فلا يصح بيع المجهول، والعلم يحصل بكل ما يميز المبيع من غيره ويمنع المنازعة. ثانياً: الشروط التي أوردها بعض الفقهاء: ١- نص كل من المالكية والشافعية على شرط الطهارة في المبيع في حين أن الحنفية والحنابلة لم ينصوا على هذا الشرط. فالحنفية لا يشترطون الطهارة في المبيع، فيصح بيع النجس عندهم، أما الحنابلة وإن لم ينصوا على شرط طهارة المبيع فإنه لا يصح بيع النجس عندهم١، وزاد المالكية أن يكون المبيع منتفعاً به انتفاعاً شرعياً، فلا يصح عندهم بيع الحشرات لعدم الانتفاع بها، وانفردوا بذكر شرطين آخرين هما: أـ أن لا يكون المبيع منهياً عن بيعه كبيع الكلب، أو منهياً عن بعضه إذا علم المتبايعان أو أحدهما بالنهي عن بيع البعض لا إن لم يعلما بذلك وهذا يفيد أنه لا يجوز بيع غير المباح حتى ولو كان مكروهاً فقط. ب ـ أن لا يكون المبيع محرماً بيعه، وذكر الدردير٢ أن هذا الشرط مستغنىً عنه بالشرط السابق، وهو عدم النهي، وسبب ورود ذكره هو ليرتب عليه قوله أو لبعضه.

стр. 20

المبحث الثاني: مشروعية البيع وحكمه ثبتت مشروعية البيع بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤. فهذه الآيات الكريمة تقرر حل البيع وإباحته للناس، كأسلوب لتبادل المنافع مما لا غنى للإنسان عنه، وفي هذا التوسعة وتحقيق التكامل بين العباد، فالتبايع والتجارة عن رضا، ومن خلال ما شرعه الله سبحانه محل عناية الشرع حلاً وإباحة وحثاً للناس على صونها بالأطر التي حددتها الشريعة الإسلامية الغراء. أما السنة: فمنها أحاديث كثيرة ومن هذا: قوله ﷺ حين سئل أي الكسب أطيب قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" ٥، أي لا غش فيه ولا خيانة. وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراض" ٦، وقوله ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبلة على

стр. 21

ظهره فيأتي بحزمة حطب فيبيعها فيكف بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه" ١، وقوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ٢. وقد بعث النبي ﷺ والناس يتبايعون فأقرهم عليه وقال: "التاجر الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" ٣. فهذه النصوص تقرر أن البيع هو أطيب ما كسبه الإنسان، وأنه لا يقل عن عمل الرجل بيده، فالبيع المبرور - وهو غير المقرون بالغش والخيانة والقائم على الرضا بين المتعاقدين - هو أساس التنمية، وفيه سد لإحتياجات الناس، طالما كان ذلك بصدق وأمانة. وأن التجار الملتزمين بضوابط الأمانة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. وقد أجمعت الأمة على جواز البيع والتعامل به من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فضلاً عن أن الحكمة تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه طريق لوصول كل إنسان إلى غرضه ودفع حاجته. الحكمة من مشروعية البيع: البيع مشروع للتوسعة على العباد لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض، فكان تشريع البيع طريقاً إلى تحقيق كل واحد غرضه ودفع حاجته والإنسان مدني بالطبع، لا يستطيع العيش بدون التعامل والتعاون مع الآخرين، فالإنسان بمفرده لا يستطيع توفير حاجياته من الغذاء والكساء وغيرها، وقد يجنح بمقتضى حاجته الملحة إلى أخذ ما في يد الغير عن طريق المغالبة أو المقاهرة، أو يلجأ إلى السؤال وتكفف أيدي الناس، وفي ذلك من المفاسد العظام ما لا

стр. 22

يخفى، ومن الذل والصغار ما لا يقدر عليه الإنسان. فالبيع قد شرعه الله سبحانه توسعة منه على عباده، فإن لكل فرد من أفراد النوع الإنساني ضرورات من الغذاء والكساء وغيرها مما لا غنى للإنسان عنه ما دام حياً، وهو لا يستطيع وحده أن يوفرها لنفسه لأنه مضطر إلى جلبها من غيره، وليس ثمة طريق أكمل من المبادلة، فيعطي ما عنده مما يمكنه الاستغناء عنه، بدل ما يأخذه من غيره مما هو في حاجة إليه. ولكل هذا: اقتضت حكمة البارىء سبحانه شرعية البيع والشراء، وتنظيمه بما يكفل رفع الحرج والمشقة عن الناس ودوام البقاء. هذا: ويعتبر البيع والشراء في الجملة من الأمور الحاجية١ التي قصد التشريع الإسلامي توفيرها للناس، وقد يرقى إلى الأمور الضرورية عند ما يؤدي عدمه إلى فوات أصل من الأصول الخمسة، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

стр. 23

المبحث الثالث: المقصود بالأعيان المحرمة المطلب الأول: تعريف العين لغة واصطلاحاً والمحرم لغة والحرام عند الأصوليين . العين في اللغة: تعني المال الحاضر الناض، وعين الشيء نفسه، والعين ما ضرب من الدنانير والدراهم، والعين بمعنى الباصرة، والجاسوس، والديدبان، وعين الماء، وعين الشمس والطليعة. فقد جاء في مختار الصحاح: "العين حاسة الرؤية، وهي مؤنثة، وجمعها أعين وعيون وأعيان ... والعين أيضاً عين الماء، وعين الركبة ... والعين عين الشمس، والعين الدينار، والعين المال الناضَّ، والعين الديدبان، والجاسوس، وعين الشيء خياره، وعين الشيء نفسه ... وتعين الرجل المال: أصابه بعين، وتعين عليه الشيء: لزمه بعينه ... وأعتان الرجل اشترى بنسيئة"١. وجاء في المصباح المنير: "العين تقع بالاشتراك على أشياء مختلفة، فمنها الباصرة، وعين الماء، وعين الشمس، والعين الجارية، والعين الطليعة، وعين الشيء نفسه، ومنه يقال أخذت مالي بعينه والمعنى أخذت عين مالي، والعين ما ضرب من الدنانير، وقد يقال لغير المضروب عين أيضاً، قال في التهذيب٢: والعين النقد، يقال اشتريت بالدين أو بالعين، وتجمع العين لغير المضروب على عيون وأعين وأعيان وهو قليل، ولا تجمع إذا كانت بمعنى المضروب إلاَّ على أعيان ... وتجمع الباصرة على أعين وأعيان وعيون"٣. جاء في الكليات لأبي البقاء الكفوي: "كل شيء عرض إلاَّ الدراهم والدنانير

стр. 24

فإنها عين"١. العين في الاصطلاح: لم تتعرض كتب الأئمة التي اطلعت عليها لتعريف اصطلاحي للعين٢ ولا يخرج الاستعمال الفقهي الاصطلاحي عن المعاني اللغوية، إلاَّ أن أكثر استعمال الفقهاء للأعيان فيما يقابل الديون وهي الأموال الحاضرة نقداً كانت أو غيره٣. المحرم في اللغة: فهو ما لا يحل انتهاكه ويحرم تناوله واتخاذه وانتهاكه فهو ضد الحلال والتحريم ضد التحليل وهو الممنوع وحريم البئر وما حولها. فقد جاء في مختار الصحاح: "والحرمة ما لا يحل انتهاكه، وكذا المحُرمة بضم الراء وفتحها ... والحرام ضد الحلال، والتحريم ضد التحليل، وحريم البئر وما حولها من مرافقهاً وحقوقها، وحرم الشيء بالضم يحرم حرمة"٤. وجاء في المصباح المنير: "حَرُمَ الشيء بالضم حُرْماً وحَرماً بمعنى حرمته، والممنوع يسمى حراماً تسمية بالمصدر، والحرمة بالضم ما لا يحل انتهاكه، والمحرمة بفتح الراء وضمها الحرمة التي لا يحل انتهاكها"٥. الحرام عند الأصولين: عرفوه بأنه هو ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام، وذلك بأن يكون اللفظ الذي يدل على ترك الفعل هو لفظ الحرمة، أو نفي الحل، أو صيغة من صيغ النهي التي لم يقم دليل بصرفها عن إفادة التحريم إلى غيره، أو لفظ الاجتناب مقترناً بما يدل على الاجتناب حتم لازم"٦. كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ ٧، وقوله سبحانه:

стр. 25

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. فالحرام هو ما طلب الشارع تركه حتماً بحيث يذم فاعله ويعاقب على ارتكابه في الآخرة، فهو يتناول كل شيء ممنوع صادر من الشخص سواء أكان من الأقوال أو الأفعال. فالأعيان المحرم بيعها هي التي يمتنع بيعها بسبب التحريم الذي يتعلق بكون الشيء نجساً لذاته أو كونه متنجساً أو لاشتماله على مفسدة أو لكرامتها، وهذا يستدعى ضرورة النظر في بحث هذه الأعيان المحرمة حتى يتسنى لنا تحقيق القول فيما اختلف الفقهاء بشان حكم بيعه شرعاً.

стр. 26

المطلب الثاني: الأعيان المحرمة لنجاستها النجاسة في اللغة: تطلق على كل قذارة مستقذرة بخلاف الطهارة. فقد جاء في لسان العرب: "النجس القذر من الناس ومن كل شيء قذرته.."١. وجاء في مختار الصحاح: "نجس الشيء من باب طرب، فهو نجس - بكسر الجيم وفتحها - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ٢"٣. النجاسة اصطلاحاً: الحنفية: جاء في البحر الرائق: "والنجاسة شرعاً عين مستقذرة شرعا ... ٤ المالكية: جاء في الشرح الكبير: "وهي صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة

стр. 27

الصلاة به أو فيه"١. الشافعية: جاء في مغني المحتاج "بأنها مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص"٢. الحنابلة: جاء في الأنصاف: "كل عين حرم تناولها مع إمكانه لا لحرمتها، ولا لاستقذارها ولا لضرر بها في بدن أو عقل قاله في المطلع٣. وقال في الرعاية٤ النجس كل نجاسة وما تولد منها وكل طاهر طرأ عليه ما ينجسه، قصداً أو اتفاقاً، مع بلل أحدهما أو هما، أو تغير صفتة المباحة بضدها كانقلاب العصير خمراً أو موت ما ينجس بموته ... "٥. الموازنة: نجد أن عبارات ونصوص الفقهاء قد اختلفت في تعريف النجاسة، إلا أنه مع هذا الاختلاف في العبارة فإن مؤداها واحد، لأن من قال إنها عين مستقذرة شرعا فقد عرف النجاسة الحقيقية، وهذا واضح في تعريف الحنفية، أما الحنابلة وإن نهجوا نفس منهج الحنفية في تعريف حقيقة النجاسة، إلا أنهم توسعوا في ذلك، وبينوا أن النجس قد لا يكون مستقذراً، بل قد يوصف بالنجاسة مع عدم استقذاره، أو عدم ضرره، لأن مرجع الحكم بالنجاسة هذا للشرع. أما المالكية والشافعية فقد عرفوا النجاسة الحكمية وذلك بقولهم صفة حكمية أو مستقذر يمنع صحة الصلاة. والذي نخلص إليه من كل ذلك: أن الحكم بالنجاسة هو للشرع، وأن النجس قد يكون مستقذراً وقد لا يكون كذلك، وقد يكون فيه ضرر أو لا يكون فيه ضرر، وأنه يترتب على وجود النجاسة عدم صحة الصلاة، سواء كانت النجاسة على عين

стр. 28

الشخص أو في المكان، وأن النجس لا يجوز تناوله ولا يصح بيعه. وسوف نبحث بيع النجاسات في الباب الأول من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 29

المطلب الثالث: الأعيان المحرمة لغلبة المفسدة فيها هذه الأعيان ليست محرمة لذاتها، بل إن تحريمها لأمر خارج عن ذاتها، بسبب وصف لازم للعقد، ومن هذا بيع ما يؤدي للحرام مثل بيع الخشب لمن يتخذه في آلات اللهو كالمعازف والمزامير، وبيع أواني الذهب والفضة، وبيع الصور، وما في حكمها وغير ذلك مما قصد به الحرام، لما يترتب عليه من ارتكاب المحظور، ولما فيه من التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنهما شرعاً، حيث قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١. وسوف نورد حكم بيع هذه الأشياء في الباب الثاني إن شاء الله.

стр. 30

المطلب الرابع: الأعيان المحرمة لكرامتها هناك بعض الأعيان التي لا يجوز بيعها بناء على حرمتها وقدسيتها، لأن في بيعها إمتهاناً لها وابتذالاً، فإن الشارع الكريم قد حرم بيع بعض الأشياء لكونها شريفة مكرمة، ومصانة مقدسة، وسبب التكريم أن عرض هذه الأشياء للبيع فيه امتهان وابتذال لها، وهذا يتنافى مع تكريمها وصيانتها، ومثال ذلك بيع أرض مكة المكرمة، وبيع المصحف، وبيع الإنسان الحر وبيع أجزائه، حيث إنه من المسائل المهمة في هذا الزمان، وخاصة ما يتعلق بنقل أعضاء الإنسان ونقل الدم وغيره من أجزاء الإنسان، وسوف أجعل لحكم بيع هذه الأعيان فصلاً خاصاً في هذا البحث إن شاء الله.

стр. 31

الباب الأول: في النجاسات وفيه تمهيد وستة فصول تمهيد: في بيان اختلاف الفقهاء في حرمة بيع النجاسات وأسبابه. الفصل الأول: بيع الميتة. الفصل الثاني: بيع الدم. الفصل الثالث: بيع فضلات الإنسان والحيوان. الفصل الرابع: بيع الكلب والخنْزير. الفصل الخامس: بيع الخمر. الفصل السادس: بيع المتنجسات والانتفاع بها.

стр. 32

التمهيد في بيان اختلاف الفقهاء في حرمة بيع النجاسات وأسبابه اتضح فيما سبق أن جمهور الفقهاء قد اشترطوا في المبيع كونه طاهراً. فقد ذكر هذا الشرط المالكية واعتبروه شرطاً في المعقود عليه. حيث جاء في الشرح الصغير: "شرط صحة المعقود عليه طهارة - فلا يصح بيع نجس ولا متنجس لا يمكن تطهيره"١. وهكذا وجدت الشافعية يذكرون هذا الشرط في مقدمة شروط المبيع. فقد جاء في روضة الطالبين: "وأدرجوا تحته منع بيع الكلب والخمر والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره"٢. كما أن شرط الطهارة معتبر أيضاً عند الحنابلة، وإن كانوا قد أدرجوه في شرط المالية وإمكان الانتفاع بالشيء المبيع. حيث ورد في الروض المربع: "الشرط الثالث -أي من شروط البيع-: أن تكون العين المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع عن غير حاجة، بخلاف الكلب لأنه إنما يقتنى لصيد أو حرث أو ماشية، وبخلاف جلد ميتة ولو مدبوغاً لأنه إنما يباح في يابس، والعين -هنا- مقابل المنفعة فتتناول ما في الذمة كالبغل والحمار وكدود القز وكبزرة٣ وكالفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة لا يصح بيعها"٤.

стр. 33

وجاء في منتهى الإرادات: " ... ولا بيع سرجين١ للإجماع على نجاسته ولا بيع دهن نجس كشحم ميتة لأنه بعضها أو دهن متنجس كزيت ... "٢. وهكذا اتضح لنا موقف جمهور الفقهاء من اشتراطهم طهارة المبيع ومنع بيع غير الطاهر، فهؤلاء لم يصححوا بيع النجاسات لأنهم اشترطوا كون المبيع طاهراً فضلاً عن كونه مالاً منتفعاً به. غير أن الحنفية: لم يذكروا شرط طهارة المبيع صراحة، ضمن الشروط المعتبرة لصحة البيع، وإن كانوا قد أدرجوا ذلك عند بيان شرط المالية، ولم يعتبروا مناط المنع نجاسة المبيع، بل جعلوا مناط ذلك عدم شرعية الانتفاع بالشيء المباع، وعلى هذا فقد وجدت الحنفية لم يعتبروا نجاسة المبيع مانعاً من صحة بيعه، وإنما قالوا إنه يشترط أن يكون المبيع مالاً متقوماً أي منتفعاً به شرعاً، ولهذا صححوا بيع السرجين مع كونه نجساً، لأنه مال منتفع به عندهم، ولم يمنع الشرع الانتفاع به. فقد جاء في الهداية: " ... لم يجز بيع الميتة والدم لانعدام المالية التي هي ركن البيع، فإنهما لا يعدان مالاً عندنا"٣, وفي شرح فتح القدير: " ... فالبيع بالميتة والدم باطل، وكذا بالحر لانعدام ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال، فإن هذه الأشياء لا تعد مالاً عند أحد ... والباطل لا يفيد ملك التصرف"٤. هذا وقد سوغ الشارع اقتناء بعض النجاسات التي يصعب الاستغناء عنها، للاستفادة منها، لما لها من فوائد لا يستهان بها، وذلك مثل كلاب الحراسة والصيد ونحو ذلك، حيث ورد النص على جواز اقتنائها في قول النبي: ﷺ "من اقتنى كلباً إلا

стр. 34

كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان" ١. كما أن الله سبحانه قد نص على تحريم الميتة والدم ولحم الخنْزير حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٢ ورغم هذا فقد حثنا الشارع على عدم إهدار الجزء الذي يمكن الانتفاع به من الميتة وهو إهابها طالما أنه معالج بالدباغة حيث قال ﷺ : "هلا استمتعتم بإهابها" ٣ وقيد التحريم بأنه إنما يتناول أكلها فقال: "إنما حرم أكلها" ٤ وأنه إذا دبغ الإهاب فقد طهر. وفي هذا إشارة إلى أن سبب منع بيع الإهاب قبل دبغه إنما هو النجاسة، وأنه لا مانع من بيعه بعد دبغه لانتفاء ذلك المانع بحلول الطهارة المشترطة في صحة البيع شرعاً. وبناء على هذا: فإن الذي حرمه الشارع ومنع بيعه من النجاسات إنما هو النجاسة التي لا ينتفع بها بصورة مشروعة، لأن اقتناءها يعتبر ذريعة إلى محاولة الانتفاع بها، وحيث حرم كل وجه من وجوه الانتفاع بها فقد حرم اقتناؤها وبالتالي حرم بيعها. ومنشأ الخلاف بين الفقهاء ينحصر فقط في الأساس المتخذ لتحريم الميتة٥ فمنهم من يرى أنه النجاسة، ومنهم من يرى أنه عدم المالية، وذلك على نحو ما ذهب إليه الحنفية، فهؤلاء يرون أن نجاسة هذه الأشياء لم تلغ ماليتها فهي أموال يمكن الانتفاع

стр. 35

بها على الرغم من نجاستها وذلك على نحو معين ككلب الحراسة والصيد مثلاً. فإن نجاسة هذه الأشياء تمنع أكلها لا بيعها أو استخدامها بعد تطهيرها، فالمحرم عند أكثر العلماء إنما هو الانتفاع المباشر بالنجس من الميتة ونحوها. أما البيع فالقاعدة أَنَّ كل ما ينتفع به يصح بيعه وما لا فلا وهكذا فهم بعض العلماء كابن حجر العسقلاني١ ومن وافقه قول النبي ﷺ : "إنما حرم أكلها" وقالوا إنه يدل على أن ما عدا أكلها فهو مباح، وهؤلاء فسروا كلمة "حرام" بحرمة الانتفاع، وقالوا يحرم الانتفاع بالميتة إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ، وهذا قول أكثر العلماء، خلافاً لتفسير بعض العلماء كالشافعي ومن وافقه للحرمة بأنها حرمة البيع٢. فنجاسة هذه الأشياء تجعل الانتفاع بها ممتنعا إلا بدليل، فإذا توفر الدليل الذي يسوغ الانتفاع بها بغير الأكل فإن ذلك يعني جواز اقتنائها وتبادلها. وإنه ليس بالضرورة أن تكون عله النهي عن بيع هذه الأشياء هي النجاسة دائماً لأن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن٣ –مثلاً– حرم من أجل الضلال والفساد وأن القدر المشترك بين هذه الثلاثة ليس النجاسة، غير أن هذا مقدر فيه، وذلك بمراعاة أن اقتناء أي نجس أمر غير مرغوب فيه وغير جائز، إلا إذا كانت هناك

стр. 36

مصلحه مشروعة في ذلك، والمصلحة المشروعة في اقتنائه تعني أن ينتفع به، وذلك يعني أنه مال. ولهذا كان مناط صحة البيع وحل الثمن هو وجود منفعة معتبرة شرعاً أو عدم وجودها لأجل أكله أو عدم حله. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... فلا يصح بيع الحشرات، ولا بيع كل سبع، أو طير لا ينتفع به، كالأسد، والذئب، والحدأة، والغراب غير المأكول. ولا نظر لمنفعة الجلد بعد الموت، ولا لمنفعة الريش في النبل، ولا لاقتناء الملوك لبعضها للهيبة والسياسية؛ أما ما ينفع من ذلك كالفهد للصيد، والفيل للقتال، والقرد للحراسة، والنحل للعسل، والعندليب للأنس بصوته، والطاووس للأنس بلونه، والعلق١ لامتصاص الدم فيصح" ٢. وجاء في المهذب: "الأعيان ضربان: نجس، وطاهر فأما النجس فعلى ضربين: نجس في نفسه، ونجس بملاقاة نجاسة، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنْزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات، والأصل فيه ما روى جابر٣ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام "٤،

стр. 37

وروى أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب" ١. فنص على الكلب والخنْزير والميتة والخمر وقسنا عليه سائر الأعيان النجسة"٢. "وأما الأعيان الطاهرة فضربان ضرب لا منفعة فيه، وضرب فيه منفعة، فأما مالا منفعة فيه معفو عنه كالحشرات والسباع التي لا تؤكل للاصطياد والطيور التي لا تأكل ولا تصاد كالحدأة وما لا يؤكل من الغراب فلا يجوز بيعه، لأن مالا منفعة فيه لا قيمة له فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل وبذل العوض فيه من السفه"٣.

стр. 38

الفصل الأول: بيع الميتة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حكم بيع الميتة. المبحث الثاني: حكم بيع أجزاء الميتة. المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الميتة.

стр. 39

تمهيد الميتة لغة: ما لم تدركه تذكية. فقد ورد في مختار الصحاح: "والميتة ما لم تلحقه الذكاة"١. وجاء في لسان العرب: "الموت والموتان ضده الحياة ... والموات بالضم: الموت مات يموت موتاً ... والميتة ما لم تدركه تذكية، والموت السكون، وكل ما سكن فقد مات"٢. وفي المصباح المنير: "الميتة من الحيوان: ما مات حتف أنفه"٣. فالمستقر عليه الحال لدى علماء اللغة: أن الميتة هي كل ما سكن فقد مات، على خلاف بينهم بشأن التعبير عن ذلك. فمنهم من عبر عن هذا بإطلاق الميتة على كل ما لم يذك على ما معنى أن الحيوان المذكى ذكاة شرعية يقابله في الوصف والحكم قرينة غير المدرك بهذه التذكية، في حين أن البعض الآخر عمم إطلاق الميتة على كل من مات حتف أنفه -أي نفق- ليشمل غير المدرك بالتذكية وما اختل شرط من شروط التذكية الشرعية فيه، وكذا ما مات بنفسه بسبب علة أو مرض ونحو ذلك، كالعطش والحرق والغرق وما شابه هذه الأحوال. الميتة في عرف الشرع: اختلفت عبارة الفقهاء عند تعريفهم للميتة شرعا، وإن كانت المعاني المقصودة لديهم في هذا الشأن واحدة حيث إن جميعها يحقق معنى واحداً وهو: ما فارق الحياة بدون تذكية، أو كانت تذكية على وجه غير مشروع، سواء تعلق هذا بحال الفاعل أو بحالة المفعول، وللفقهاء طريقان في التعبير عن هذا: فمنهم من صرح به لفظا كالشافعية والحنابلة، ومنهم من اقتصر على كونه على هيئة غير

стр. 40

مشروعة كالحنفية وما فهم من كلام المالكية اعتمادا على هيئة التذكية الشرعية المتحقق شروطها فيما يتعلق بكل من المذكِّي والمذكَّى، والغرض من التذكية فضلا عن آلة التذكية. وهذا ما قاله الفقهاء: الحنفية: يرون أن الميتة هي ما أصابها الموت ويقصدون بهذا كل دابة تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة، أو كانت ذكاتها على هيئة غير مشروعة. فقد جاء في بدائع الصنائع: "....الميتة اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع...."١. فالميتة عندهم هي ما فارقت الحياة بدون صنع أحد، وكذا ما كانت مفارقته للحياة بصنع -أي تذكية، غير أنها على هيئة غير مشروعة- فما فارق الحياة بدون تذكية يعتبر ميتة حتى لو كان مأكول اللحم، وكذا ما فارق الحياة بصنع غير مشروع، أو كان غير مأكول حتى ولو تمت تذكيته، وهذا مفهوم مذهب الحنفية. والمالكية: لم تنص كتبهم فيما اطلعت عليه٢ صراحة على تعريف الميتة مكتفية ببيان أن ما حصلت ذكاته يكون طاهراً. فقد جاء في مواهب الجليل: ".... وما ذكى يعني أن ما ذكي بأي نوع من أنواع الذكاة من ذبح، أو نحر، أو عقر فيما يذكى بالعقر فهو طاهر وجزؤه، إلا محرم الأكل ... "٣. ويستفاد من هذا: أن الميتة غير المذكى حتى ولو كان مأكول اللحم، ولعل المراد بهذا ما مات حتف أنفه. الشافعية: تعرف الميتة بأنها هي ما زالت حياته بدون ذكاة شرعية حتى ولو كان
следующие страницы →