← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مصلحه مشروعة في ذلك، والمصلحة المشروعة في اقتنائه تعني أن ينتفع به، وذلك يعني أنه مال. ولهذا كان مناط صحة البيع وحل الثمن هو وجود منفعة معتبرة شرعاً أو عدم وجودها لأجل أكله أو عدم حله. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... فلا يصح بيع الحشرات، ولا بيع كل سبع، أو طير لا ينتفع به، كالأسد، والذئب، والحدأة، والغراب غير المأكول. ولا نظر لمنفعة الجلد بعد الموت، ولا لمنفعة الريش في النبل، ولا لاقتناء الملوك لبعضها للهيبة والسياسية؛ أما ما ينفع من ذلك كالفهد للصيد، والفيل للقتال، والقرد للحراسة، والنحل للعسل، والعندليب للأنس بصوته، والطاووس للأنس بلونه، والعلق١ لامتصاص الدم فيصح" ٢. وجاء في المهذب: "الأعيان ضربان: نجس، وطاهر فأما النجس فعلى ضربين: نجس في نفسه، ونجس بملاقاة نجاسة، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنْزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات، والأصل فيه ما روى جابر٣ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام "٤،

стр. 37

وروى أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب" ١. فنص على الكلب والخنْزير والميتة والخمر وقسنا عليه سائر الأعيان النجسة"٢. "وأما الأعيان الطاهرة فضربان ضرب لا منفعة فيه، وضرب فيه منفعة، فأما مالا منفعة فيه معفو عنه كالحشرات والسباع التي لا تؤكل للاصطياد والطيور التي لا تأكل ولا تصاد كالحدأة وما لا يؤكل من الغراب فلا يجوز بيعه، لأن مالا منفعة فيه لا قيمة له فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل وبذل العوض فيه من السفه"٣.

стр. 38

الفصل الأول: بيع الميتة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حكم بيع الميتة. المبحث الثاني: حكم بيع أجزاء الميتة. المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الميتة.

стр. 39

تمهيد الميتة لغة: ما لم تدركه تذكية. فقد ورد في مختار الصحاح: "والميتة ما لم تلحقه الذكاة"١. وجاء في لسان العرب: "الموت والموتان ضده الحياة ... والموات بالضم: الموت مات يموت موتاً ... والميتة ما لم تدركه تذكية، والموت السكون، وكل ما سكن فقد مات"٢. وفي المصباح المنير: "الميتة من الحيوان: ما مات حتف أنفه"٣. فالمستقر عليه الحال لدى علماء اللغة: أن الميتة هي كل ما سكن فقد مات، على خلاف بينهم بشأن التعبير عن ذلك. فمنهم من عبر عن هذا بإطلاق الميتة على كل ما لم يذك على ما معنى أن الحيوان المذكى ذكاة شرعية يقابله في الوصف والحكم قرينة غير المدرك بهذه التذكية، في حين أن البعض الآخر عمم إطلاق الميتة على كل من مات حتف أنفه -أي نفق- ليشمل غير المدرك بالتذكية وما اختل شرط من شروط التذكية الشرعية فيه، وكذا ما مات بنفسه بسبب علة أو مرض ونحو ذلك، كالعطش والحرق والغرق وما شابه هذه الأحوال. الميتة في عرف الشرع: اختلفت عبارة الفقهاء عند تعريفهم للميتة شرعا، وإن كانت المعاني المقصودة لديهم في هذا الشأن واحدة حيث إن جميعها يحقق معنى واحداً وهو: ما فارق الحياة بدون تذكية، أو كانت تذكية على وجه غير مشروع، سواء تعلق هذا بحال الفاعل أو بحالة المفعول، وللفقهاء طريقان في التعبير عن هذا: فمنهم من صرح به لفظا كالشافعية والحنابلة، ومنهم من اقتصر على كونه على هيئة غير

стр. 40

مشروعة كالحنفية وما فهم من كلام المالكية اعتمادا على هيئة التذكية الشرعية المتحقق شروطها فيما يتعلق بكل من المذكِّي والمذكَّى، والغرض من التذكية فضلا عن آلة التذكية. وهذا ما قاله الفقهاء: الحنفية: يرون أن الميتة هي ما أصابها الموت ويقصدون بهذا كل دابة تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة، أو كانت ذكاتها على هيئة غير مشروعة. فقد جاء في بدائع الصنائع: "....الميتة اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع...."١. فالميتة عندهم هي ما فارقت الحياة بدون صنع أحد، وكذا ما كانت مفارقته للحياة بصنع -أي تذكية، غير أنها على هيئة غير مشروعة- فما فارق الحياة بدون تذكية يعتبر ميتة حتى لو كان مأكول اللحم، وكذا ما فارق الحياة بصنع غير مشروع، أو كان غير مأكول حتى ولو تمت تذكيته، وهذا مفهوم مذهب الحنفية. والمالكية: لم تنص كتبهم فيما اطلعت عليه٢ صراحة على تعريف الميتة مكتفية ببيان أن ما حصلت ذكاته يكون طاهراً. فقد جاء في مواهب الجليل: ".... وما ذكى يعني أن ما ذكي بأي نوع من أنواع الذكاة من ذبح، أو نحر، أو عقر فيما يذكى بالعقر فهو طاهر وجزؤه، إلا محرم الأكل ... "٣. ويستفاد من هذا: أن الميتة غير المذكى حتى ولو كان مأكول اللحم، ولعل المراد بهذا ما مات حتف أنفه. الشافعية: تعرف الميتة بأنها هي ما زالت حياته بدون ذكاة شرعية حتى ولو كان

стр. 41

على هيئة المذبوح يعد ميتة، وذلك مثل ذبيحة المجوسي والمحرم وما ذبح بعظم المذبوح من غير المأكول، وأن ما زالت حياته بذكاة شرعية صحيحة فلا يعد ميتة. وأنه يدخل في هذا الجنين المعتبرة فيه ذكاة أمه، وكذا الصيد ما لم تدرك ذكاته، والبعير النادُّ١ والمتردّي إذا ماتا بالسهم، فإن هذا كله تعتبر فيه ذكاته الشرعية. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... والميتة ما زالت حياته لا بذكاة شرعية كذبيحة المجوسي والمحرم - بضم الميم- وما ذبح بالعظم، وغير المأكول إذا ذبح، ودخل الجنين فإن ذكاته بذكاة أمه وصيد لم تدرك ذكاته، والبعير النادُّ والمتردّي إذا ماتا بالسهم ... "٢. وأما الحنابلة: فيرون أن الميتة هو ما مات حتف أنفه أو قتل على هيئة غير مشروعة، والموت عدم الحياة عمن اتصف بها، وهذا المعنى قريب من المعنى اللغوي للميتة. فقد جاء في كشاف القناع: " ... المراد بالميتة ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة، إما في الفاعل أو المفعول. فما ذبح للصنم أو في الإحرام أو لم يقطع منه الحلقوم ميتة، وكذا ذبح ما لا يؤكل لا يفيد الحل ولا الطهارة. ا?. والموت عدم الحياة عما من شأنه، قاله في المطول٣. وقال السيد٤: عدم الحياة عمن اتصف بها وهو الأظهر ... "٥. الموازنة: باستعراض ما قاله الفقهاء بشأن إطلاق اسم الميتة في عرفهم الشرعي يتضح الآتي:

стр. 42

أـ أن الاتفاق حاصل بينهم على أن ما مات حتف أنفه -وهو ما لم تحصل له تذكية شرعية- يعد ميتة، ويستوي في هذا مأكول اللحم وغيره. ب ـ كما أنهم متفقون كذلك على كون مأكول اللحم إذا حصلت تذكيته بطريق غير مشروع يعد ميتة، وكذا غير مأكول اللحم حتى ولو كانت تذكية على هيئة مشروعة، لأن هذه التذكية لا تفيد حلاً ولا طهارة طالما أنه غير مأكول. ? ـ أن الخلاف حاصل بينهم فقط بشأن التعبير عن هيئة التذكية غير المشروعة؛ فالحنفية اقتصروا على إطلاق هذا - أي التذكية غير المشروعة - تاركين تفاصيل ذلك لما يفهم من شرائط التذكية الشرعية، وهكذا هو مفهوم مذهب المالكية، في حين أن الشافعية والحنابلة قد نصوا صراحة على الطريق التي تجعل التذكية غير مشروعة. وعدوا منها: ما يتعلق بالفاعل كذبيحة المجوسي والمحرم، وما يتعلق بالمفعول كتذكية غير المأكول، أو ما يتعلق بالآلة كتذكية بالعظم ونحوه، أو ما يتعلق بالغرض من التذكية كالتذكية للصنم ونحوه. هذا: ورغم أن الفرق في النهاية ليس كبيرا مما يجعل الخلاف في اللفظ فقط دون المعنى فالأقرب إلى المعنى اللغوي هو مسلك كل من الشافعية والحنابلة، حتى اننا وجدناهم يعتدون بنفس العبارات اللغوية. وعلى هذا فالميتة في عرف الشرع هي ما فارقت الحياة من غير تذكية فيما تجب تذكيته، فهي التي ماتت حتف أنفها ولم تذك أي من غير ذبح شرعي، والغالب أن ما ماتت حتف أنفها قد ماتت لعلة مزمنة أو طارئة أو أكل نبات سام ونحوه ذلك مما لا يؤمن ضرره، وهكذا كان الإطلاق الشرعي للميتة شاملاً لمسلك علماء اللغة سواء من اعتبر الميتة هو ما لم تدركه تذكية أو من اعتبرها ما مات حتف أنفه. هذا: ولاستيفاء الحديث عن بيع الميتة يلزمنا بيان حكم بيع الميتة ذاتها وبيع أجزائها كالعظم والجلد والشعر وذلك من خلال النظر في المباحث الآتية.

стр. 43

المبحث الأول حكم بيع الميتة استقر رأي الفقهاء على القول بتحريم الميتة، وذلك لنجاستها وحرمة أكلها، وترتب على ذلك القول بحرمة بيعها، وهذا ما عليه عامة أهل العلم وجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. وإن كان الخلاف بينهم وقع فقط في منهج التعبير عن هذا التحريم، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالتحريم، أو كان فيما يتعلق بالمنع من البيع وغيره من التصرفات الأخرى، وذلك لأن المقرر أن كل شيء حرم تناوله حرم ثمنه فلا يصح بيعه كالميتة، وأن هذا الحكم يسري كذلك بالنسبة للأجزاء المختلفة للميتة لإطلاق النهي عن بيعها١. وعلى هذا: فكل ما حرمه الله سبحانه على العباد فبيعه حرام، وذلك لنجاسته ولتحريم ثمنه، أو لعدم ماليته على رأي الحنفية حيث لم يشترطوا طهارة المبيع وحل ثمنه وإنما اكتفوا بمالية المبيع وإمكان الانتفاع به شرعاً، حيث إن ركن المالية عندهم هو الركن الأهم في البيع. وفي هذا يقول النبي ﷺ : "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" ٢.

стр. 44

وقد جاء في المغني: "ولا يجوز بيع الخنْزير ولا الميتة ولا الدم – قال ابن المنذر:١ أجمع أهل العلم على القول به، وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر، وعلى أن بيع الخنْزير وشراءه حرام، وذلك لما روى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام" متفق عليه٢٣. وهذه نصوص المذاهب المختلفة، والتي يمكن من خلال النظر فيها تقرير وجهة ما قالوا به في هذا الشأن: مذهب الحنفية: يرى فساد بيع الميتة، لأن الميتة محرمة ويفسد البيع إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً. فلم يجز بيع الميتة والدم لانعدام المالية التي هي ركن البيع فإنهما لا يعدان مالاً عند أحد وعليه فالبيع يكون باطلاً. فقد جاء في اللباب شرح الكتاب: "إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسد كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنْزير"٤. فهذا النص يذكر أن البيع بالميتة فاسد. وقال صاحب الهداية: "إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسد كالبيع بالميتة والدم والخمر والخنْزير، وكذا إذا كان غير مملوك كالحر"٥. وجاء في البحر الرائق: "لم يجز بيع الميتة والدم لانعدام المالية التي هي ركن

стр. 45

البيع، فإنهما لا يعدان مالاً عند أحد، وهو في قسم الباطل، والمؤلف١ ﵀ لما استعمل الفاسد في الباب للأعم عبر بعدم الجواز الشامل للباطل والفاسد"٢. فالحنفية يمنعون بيع الميتة ولا يعتبرونها محلاً للتعامل لأنها محرمة، وهم يفرقون فقط بين حالتين بسبب أنهم يفرقون بين الباطل والفاسد بحسب منهجهم في الأصول، وقالوا إن الميتة إذا كانت محلاً للتعاقد وكان المقابل لها نقداً كان العقد باطلاً في حين أنها إذا كانت ثمناً فإن العقد يكون فاسداً يملك فيه المبيع بالقبض من جانب المشتري لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة مال بمال، فالحنفية يمنعون بيع الميتة بسبب حرمتها وعدم ماليتها، وأنهم فقط يخالفون الجمهور في وصف العقد، وقالوا بأنه يختلف هذا الوصف بحسب كون الميتة محلاً للعقد أي مبيعاً فإن العقد في هذه الحالة يكون باطلاً وإن كان ثمناً فالعقد يكون فاسداً وذلك كأثر لما عليه أصولهم من التفرقة بين الباطل بأصله وبين الفاسد بوصفه. مذهب المالكية: القول بعدم جواز بيع الميتة لنجاستها، ولأن النجس لا تحصل به منفعة فضلا عن النهي عنها، لتحريمها وتحريم ثمنها فقد عدو التعامل بشأنها من أكل أموال الناس بالباطل وهو منهي عنه.. فقد جاء في مواهب الجليل: "ولا يجوز بيع ميتة ... "٣. مذهب الشافعية: يرى حرمة بيع الميتة لحرمتها ولنجاستها لاشتراطهم طهاره المبيع لصحة عقد البيع. وقد نص على هذا في المجموع: قال ابن المنذر: "أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة"٤. وفي مغني المحتاج: "إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة

стр. 46

والخنْزير والأصنام ... "١ مذهب الحنابلة: يرى عدم صحة بيع الميتة ولا شيء منها، ولو لمضطر، ولو كانت الميتة طاهرة كميتة الآدمي، لعدم حصول النفع بها. فقد ورد في كشاف القناع: "ولا يصح بيع ميتة ولا شيء منها ولو لمضطر"٢. وكذلك جاء في الروض المربع: "ولا بيع ميتة ولو طاهرة كميتة آدمي لعدم حصول النفع بها" ٣. وجاء فيه أيضاً: "الشرط الثالث - أي من شروط البيع -: أن تكون العين المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع من غير حاجة ... والميتة لا يصح بيعها"٤. بالموازنة بين أقوال الفقهاء: نجد أن الاتفاق قائم بينهم على تحريم بيع الميتة، وذلك لنجاستها ولتحريم ثمنها، أو لعدم ماليتها، أو لعدم جواز الانتفاع بها على قولهم، أي إن الفقهاء قد اتفقوا على منع بيع الميتة إلا أنهم قد اختلفوا فقط -في تعبيرهم عن هذا المنع ووجه تعليلهم له، فقد وجدنا الحنفية يعبرون عنه بالبطلان، في حين عبر عنه المالكية بعدم الجواز، والشافعية سلكوا في هذا مسلك التحريم، أما الحنابلة فقد عبروا عن هذا المنع بعدم الصحة، والناظر في هذا- يجد أنه مجرد خلاف في اللفظ فقط وبالتالي فلا أثر له لأنه لم يغير في الحكم المتفق عليه عندهم وهو منع بيع الميتة، بمراعاة أن الحنفية قد بنوا حكمهم بعدم انعقاد بيع الميتة على عدم ماليتها المعتبرة أساساً في عقد البيع وهذا لا يعني أنهم لا يقولون بحرمتها. هذا: وقد استدل من قال بمنع بيع الميتة لنجاستها وبالتالي لتحريم ثمنها وذلك على نحو ما ذهب جمهور الفقهاء – استدلوا بما يأتي: حديث جابر بن عبد الله السابق وفيه قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام".

стр. 47

أن كل ما حرمه الله سبحانه على العباد فإن بيعه يحرم تبعاً لهذا، وذلك لنجاسته ولتحريم ثمنه، وهكذا الميتة والذي يدل على المبدأ السابق هو قوله ﷺ : "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". وقد رأيت المالكية يستدلون على تحريم بيع النجس ومنه الميتة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١. وقالوا: إن الله سبحانه نهى عن أكل أموال الناس بالباطل والنجس لا تحصل به منفعة يسيرة فكأنه غير منتفع به أصلاً، فأخذ العوض عنه أكل لأموال الناس بالباطل المناقض للتجارة. وهكذا يستقر في الذهن القول بإجماع الفقهاء على منع بيع الميتة أياً كان تعبيرهم عن هذا على نحو ما سبق بيانه. والله تعالى أعلم.

стр. 48

المبحث الثاني حكم بيع أجزاء الميتة تعرض الفقهاء لبيان حكم الشرع بشأن بيع أجزاء الميتة، كأثر من الآثار المهمة لما انتهوا إليه من البيان الخاص ببيع الميتة ذاتها، ومن هذه الأجزاء: العظم، والجلد، والشعر، وما يقرب منها، وسنعرض لما قالوا تبعاً في المطالب الآتية: المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع عظم الميتة ونحوه مثل القرن١، والحافر٢، والظفر٣، والظلف٤، ومنشأ هذا الخلاف أنهم اختلفوا قبل ذلك بشأن مدى طهارة هذه الأشياء أو عدم ذلك، وهذا يستلزم -أولاً- ضرورة إلقاء الضوء على منهج العلماء فيه حتى يمكننا بالتالي الوقوف على حكم الشرع بشأن بيع عظم الميتة. أولاً: آراء الفقهاء بشأن طهارة عظم الميتة مذهب الحنفية: القول بطهارة عظم الميتة، من قرن، وظفر، ونحوهما، وبالتالي فإنه لا مانع من بيع هذه الأشياء، وإن كانوا قد استثنوا من هذا الحكم عظم الخنْزير، فقالوا بنجاسته باعتبار أصله، وذلك لأنه نجس العين، حيث وصفه الله سبحانه بكونه رجساً، فحرم استعمال شعره وسائر أجزائه. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم والشحم والجلد ونحوها أنها نجسة، لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم المسفوح، وأما الأجزاء التي لا دم فيها، وإن كانت صلبة كالقرن، والعظم، والسن، والحافر، والخف، والظلف، والشعر، والصوف، والعصب،

стр. 49

والأنفحة، الصلبة، فليست بنجسة عند أصحابنا ... ولأصحابنا طريقان: أن هذه الأشياء ليست بميتة، لأن الميتة من الحيوان في عرف الشرع اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع، ولا حياة في هذه الأشياء فلا تكون ميتة. والثاني: أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء، وعلى هذا ما أبين من الحي من هذه الأجزاء وإن كان المبان جزءاً فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع، وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر ونحوها فهو على الاختلاف ... وأما الخنْزير ... فإنه نجس العين، لأن الله تعالى وصفه بكونه رجساً فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه، إلا أنه رخص في شعره للخرازين للضرورة. وروي عن أبي يوسف١ في غير رواية الأصول أنه كره ذلك أيضاً ولا يجوز بيعها في الروايات كلها...."٢. فالحنفية: يرون أن أجزاء الميتة التي لا دم سائل فيها مثل القرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والشعر والعصب والأنفحة الصلبة، يرون أن هذه الأجزاء ليست بنجسة، لعدم حياة هذه الأجزاء، فلا تكون ميتة، أو أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها، وإنما لما فيها من الدماء السائلة، وغيرها من الرطوبات النجسة، وهذه الأجزاء ليست بها دماء سائلة، ولا رطوبة فيها، ولهذا كانت غير نجسة. واتفقوا على نجاسة جميع أجزاء الخنْزير كالعظم والشعر ونحوها، وذلك لنجاسة أصله، فيحرم استعماله وجميع أجزائه، وإن كان الترخص في استعمال شعره للخرازين

стр. 50

للضرورة هو منصوص المذهب، خلافا لأبي يوسف، حيث روى عنه القول بكراهة ذلك. مذهب المالكية: قالوا إن العظم ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف طاهر، طالما كان من حيوان مذكى ذكاة شرعية، من ذبح، ونحر، وعقر، ونحو ذلك وإن هذا الحكم وهو الطهارة يسري كذلك على أجزاء ذلك الحيوان المذكى من عظم ولحم وظفر وسن وجلد، وخلافه، وهذا يعني أن المحرم أكله فإنه لا أثر لهذه التذكية، وبالتالي فإن أجزاءه تظل محرمة بحسب أصله لنجاسته والنهي عن تناوله. فقد جاء في تقريرات الشيخ عليش١ بهامش حاشية الدسوقي٢: " ... والطاهر: أَيُّ حيوانٍ ذكي ذكاة شرعية، من ذبح، ونحر، وعقر، ولحم، وظفر، وسن، وجلد، إلا محرم الأكل، كالخيل، والبغال، والحمير، والخنْزير. فإن الذكاة لا تنفع فيها، وأما مكروه الأكل، كسبع، وهر، فإن ذكي لأكل لحمه، طهر جلده تبعاً، لأنه يؤكل اللحم، وإن ذكي بقصد أخذ جلده فقد طهر، ولا يؤكل لحمه، لأنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح، وعلى عدم تبعيضها يؤكل"٣. فمذهب المالكية: أن عظم الميتة يأخذ حكم أصله فإن كان من حيوان مذكى ذكاة شرعية، فإن يكون طاهراً وهذا يعني أن المحرم أكله فإنه لا أثر لهذه التذكية فإن أجزاءه تظل محرمة بحسب أصله لنجاسته. وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: "قوله: وجزؤه" إنما نص على

стр. 51

الجزء بعد النص على الكل، لأنه لا يلزم من الحكم على الكل الحكم على الجزء ... "١. مذهب الشافعية: قالوا إن عظم الميتة ونحوه، كالقرن، والحافر، ونحوهما، يأخذ حكم ميتته، أي إنه نجس بنجاسة تلك الميتة وذلك لأن الأصل عندهم في هذا هو أن حكم الجزء المنفصل بعد الموت حكم ذات الميتة أي أنه على النجاسة بحسب الأصل، فعظم الميتة عند الشافعية نجس بنجاسة أصله. وإن كانوا قد استثنوا من هذا الأصل شعر الميتة، وصوفها، وريشها، ووبرها من المأكول، حيث قالوا بالإجماع على أنه طاهر إذا انفصلت من الميتة بعد موتها. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... ودخل في نجاسة الميتة جميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك، لأن كلا منها تحلّه الحياة، ودخل في ذلك ميتة دود نحو خل وتفاح فإنها نجسة ... والجزء المنفصل من الحيوان الحي ومشيمته كميتته أي ذلك الحي إِنْ طَاهِراً فطاهر وإن نجساً فنجس لخبر "ما قطع من حي فهو ميتة" ٢ ... فالمنفصل من الآدمي، أو السمك، أو الجراد، طاهر، ومن غيرها نجس، وسواء في المشيمة: -وهي غلاف الولد- مشيمة الآدمي وغيره. أما المنفصل من بعد موته، فحكمه حكم ميتته، بلا شك، إلا شعر أو صوف أو ريش أو وبر المأكول فطاهر بالإجماع ... "٣. فمناط الحكم عند الشافعية: أن الجزء المنفصل من الميتة يأخذ حكم ذات الميتة، وأنه يكون نجساً بنجاسة أصله، وقد استثنوا من ذلك الشعر والصوف والريش ونحوه. مذهب الحنابلة: القول بنجاسة عظم الميتة وظفرها ونحو ذلك لأنها تنجس بموت

стр. 52

تلك الميتة، وهذا ما عليه المذهب وعليه الأصحاب، وفي رواية عن الإمام أحمد١ بأن هذه الأشياء طاهرة. فقد جاء في الإنصاف: قوله: "وعظمها وقرنها وظفرها: نجس وكذا عصبها وحافرها: يعني التي تنجس بموتها وهو المذهب وعليه الأصحاب، وعنه طاهر ... "٢. وفي كشاف القناع: "وعظمها أي الميتة وقرنها وظفرها وعصبها وحافرها وأصول شعرها إذا نتف وأصول ريشها إذا نتف وهو رطب أو يابس نجس، لأنه من جملة أجزاء الميتة، أشبه سائرها، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم، لم يستكمل شعراً ولا ريشاً"٣. الموازنة: من خلال النظر فيما سبق يتضح لنا أن الخلاف في مسألة طهارة عظم الميتة ينحصر في مذهبين أساسيين، مع خلاف ضعيف بالنسبة لوجه تعليل من قال بأن عظم الميتة نجس على نحو ما تقرر لدى المالكية في الشق الخاص بكون أصل ذلك العظم نجساً بأن كان من غير مأكول اللحم، أو كان منه من مأكول اللحم غير أنه لم يذك ذكاة شرعية. المذهب الأول: يرى أن عظم الميتة ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف طاهر، وإلى هذا ذهب الحنفية، وإن كانوا قد استثنوا من ذلك عظم الخنْزير، أما الفيل فقد شبهه محمد بن الحسن٤ بالخنْزير، وعند الإمام أبى حنيفة٥ وأبى يوسف: يشبه

стр. 53

السباع، وبالتالي فإنه يجوز بيع عظمه ونحوه وعلى القول بطهارة عظم الميتة رواية عن الإمام أحمد. المذهب الثاني: يرى أن عظم الميتة ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف نجس وبالتالي لا يجوز بيعه وأن هذا ينطبق على كل مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية والحنابلة. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي: أ - أن أم المؤمنين أم سلمة١ ﵂ قالت سمعت النبي ﷺ يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء" ٢. ب - أن أنس٣ ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يتمشط بمشط من عاج"٤. ? - أن ابن عباس٥ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله

стр. 54

تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١ "ألا كل شيء من الميتة حلال إلا ما أكل منها فأما الجلد والقرن والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال لأنه لا يذكى" ٢. د - "أن النبي ﷺ أمر ثوبان٣ ﵁ أن يشتري لفاطمة ﵂ قلادة من عصب وسوارين من عاج" ٤ والعاج هو ناب الفيل، ولو كان نجساً ما أمر النبي ﷺ بشرائه، لأن النجس لا يجوز اعتباره محلاً للبيع أو الشراء. وهذه الآثار في مجملها تدل على طهارة العظام ونحوها مما يترتب عليه القول بجواز بيعها على نحو ما سيرد حالاً. هذا فضلاً عن أن السبب في حرمة الميتة إنما هو الرطوبة السيالة والدماء النجسة، ولما كانت العظام ونحوها لا رطوبة ولا دم فيها، فلا تتحقق نجاستها، وبالتالي فلا مانع من اعتبارها محلاً لإجراء التصرفات عليها ومنها البيع٥. واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي: أ- أن الله سبحانه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٦ والمعروف أن العظم ونحوه بعض الميتة ولهذا تسري عليه أحكامها من القول بالنجاسة وحرمة البيع للنهي عن بيع

стр. 55

الميتة في مجملها لنجاستها. ونوقش هذا: بأن المراد من هذه الآية الكريمة إنما هو حرمة الأكل، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١، بما يفيد أن التحريم مقصور على ما يتأتى به الأكل، حتى إن النبي ﷺ قد صرح بذلك حين قال: "إنما حُرم أكلها" ٢ يعني الميتة، ولما كان العظم وما يشابهه كالصوف وخلافه ليس من المأكولات فإن التحريم الوارد في الآية التي تمسكتم بها لا يشمله وبالتالي فلا ينصرف عليه حكم المنع من البيع الذي قلتم به٣. ب- أن الحياة تحل بالعظام كاللحم وذلك عملاً بقوله سبحانه: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ*قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤. والمقرر أن دليل الحياة هو الإحساس والألم، وهما موجودان في العظم فضلاً عن أن العظم ونحوه ينمو بنمو الجسم، وهذا يؤكد أن فيه الحياة التي يحلها الموت فتتحقق نجاسته بالموت، ويترتب على هذا القول بعدم جواز بيعه قياساً على أصل الميتة٥. ونوقش هذا: بأن النمو والكبر لا يدل على الحياة ضرورة، حيث إن الشجرة والنبات يحدث لهما النماء رغم عدم الحياة فيهما، فضلاً عن عدم التسليم بأن العظم يتألم ويحس بتألم وإحساس اللحم المتصل به٦.

стр. 56

والراجح في هذا الخلاف: -والله أعلم- هو ما ذهب إليه الحنفية ومن وافقهم من القول بطهارة عظم الميتة وذلك لقوة ما استدلوا به وإمكانهم الرد على ما تمسك به غيرهم ولعدم وجود نص صريح يدل على نجاسة العظام، بل وجد بعض النصوص تدل على طهارة عظم الميتة ونحوه وإن كثرة طرقها جعلها تقوي بعضها البعض حتى تحقق قوة الاستدلال. هذا بملاحظة: أن الخلاف بشأن مدى طهارة عظم الميتة وغير ذلك من جميع أجزائها جعلني أتعرض لبحث حكم بيع عظم الميتة لاستكمال وجه أثر هذا الخلاف خاصة وأن البعض اعتبر أصل هذه الأشياء وقال إنها نجسة بنجاسة أصلها مثلما فعل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإن كان بعض الفقهاء قد استثنى من هذا الحكم الشعر والظفر ونحو ذلك. وعليه: فإن بحث حكم بيع عظم الميتة هنا كان عملاً لأصل الخلاف في مسألة طهارة ذلك العظم، وأنه لا أثر لما رجحته من القول بطهارتها على مسار منهج البحث في الرسالة. ثانياً: موقف العلماء من إمكان بيع عظم الميتة مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية إلى القول بجواز بيع عظم الميتة وعصبها وشعرها ووبرها وريشها وخفها وحافرها، وذلك لطهارتها، وإمكان الانتفاع بها. جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما عظم الميتة وعصبها وشعرها وصوفها ووبرها وريشها وخفها وظلفها وحافرها فيجوز بيعها والانتفاع بها عندنا.."١. وجاء في الهداية: " ... ولا بأس ببيع عظم الميتة وعصبها وصوفها وقرنها وشعرها ووبرها، والانتفاع بذلك كله؛ لأنها طاهرة لا يحلها الموت لعدم الحياة"٢. وقد استثنوا من ذلك عظم الخنْزير، فقالوا لا يجوز بيعه، واختلفوا في بيع شعره لاختلافهم في حكمه أطاهر هو أم نجس، والصحيح -عندهم- عدم بيعه لنجاسته،

стр. 57

وخالف محمد في بيع عظم الفيل، فمنع بيعه خلافاً للشيخين. " ... والفيل كالخنْزير نجس العين عند محمد ﵀ وعندهما: بمنْزلة السباع حتى يباح عظمه وينتفع به ... " ١. وجاء في بدائع الصنائع: " ... أما عظم الخنْزير فلا يجوز بيعه ... وأما شعره فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه، والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه ... وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أنه لا بأس ببيع عظم الفيل، وقال محمد ﵀ عظم الفيل نجس لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به"٢. وهكذا: فالحنفية لا يمنعون بيع عظم الميتة إلا عظم الخنْزير؛ حيث اتفقوا على منع بيع عظم الخنْزير لنجاسته بنجاسة أصله، في حين أنهم مختلفون بشأن حكم بيع عظم الفيل، حيث منع بيعه محمد بن الحسن لنجاسته ولعدم الانتفاع به، خلافا لما روى عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من أنه لا بأس ببيع عظم الفيل. مذهب المالكية: اختلف فقهاء المالكية في حكم بيع عظام الميتة وقرونها وأظلافها والانتفاع بها، فقيل يجوز بيعها، وقيل لا يجوز وهو المشهور، ونقل عن ابن عرفة٣ عن أصبغ٤ أنه قال: إذا وقع البيع بعد صلق العظم فلا يفسخ إن فات، وأما إذا وقع البيع قبل صلق العظم فسخ مطلقاً، وهو قول مبني على القول بطهارة العظام بالصلق.

стр. 58

فقد ورد في مواهب الجليل: "أما عظام الميتة وقرونها وأظلافها ففي طهارة ذلك ونجاسته خلاف مذكور في الطهارة، والمشهور النجاسة في ذلك كله، وفي أنياب الفيل فيمنع البيع ... والمشهور أنه نجس فلا يباع ... انتهى ونقل عن ابن عرفة في الطهارة عن أصبغ أنه إذا وقع البيع فإن كانت العظام وأنياب الفيل صلقت فلا يفسخ إن فات، وإن لم تصلق فيفسخ ولو فات. انتهى، وهذا على قوله إنها تطهر بالصلق، وعلى المشهور يكون الحكم واحداً قبل الصلق وبعده"١. مذهب الشافعية: اتفق فقهاء الشافعية على عدم جواز بيع دهن الميتة وعصبها وشعرها وريشها. فقد جاء في المجموع: "ودهن الميتة وعصبها وشعرها ... وكذلك ريشها ... ولا يجوز بيعها بلا خلاف عندنا"٢. هذا: ولم يصرح في كتب الشافعية التي اطلعت عليها٣ إلا بالعصب دون العظم ويمكن تخريج حكم بيع العظم عليه. مذهب الحنابلة: القول بمنع بيع عظم الميتة حتى ولو كان ذلك للمضطر وكذا كان الانتفاع بها على أصل هذا المنع. فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يصح بيع ميتة ولا شيء منها ولو لمضطر ... "٤. وجاء في الإنصاف: " ... وعظمها وقرنها وظفرها نجس ... وهو المذهب ... وعليه الأصحاب وعنه طاهر ذكره في الفروع٥ ... وهو المختار ... قال بعض الأصحاب فعلى هذا يجوز بيعه"٦. فالمستفاد من نصوص الحنابلة: عدم صحة بيع الميتة وكذا كافة أجزائها بما في ذلك العظم ونحوه، على المذهب وما عليه فقهاء الحنابلة خلافاً للرواية الثانية والتي اختارها

стр. 59

المرداوي١. وبناء على هذا: فالمذهب عند الحنابلة: منع بيع عظم الميتة لنجاسته، وهناك رواية عن الإمام أحمد بطهارة عظام الميتة، وقد خرج بعض الحنابلة على هذا القول بجواز بيعها وأن هذا الحكم يشمل كذلك غير العظم في جميع أجزاء الميتة مثل اللبن، والأنفحة، والقرن، والظفر، والعصب، والحافر، والدهن. فأساس منع بيع العظم ونحوه عند الحنابلة هو نجاسة هذه الأشياء، خلافاً لمن قال منهم بطهارتها وبنى على ذلك القول بجواز بيعها. الموازنة: بمراجعة نصوص ما ذكره الفقهاء بشأن حكم بيع عظم الميتة يتضح لنا الآتي: أ- منع بيع عظم الميتة ومنع الانتفاع به. وإلى هذا ذهب المالكية في القول المشهور عندهم وهو مذهب الشافعية والحنابلة أيضاً. ب- جواز بيع عظم الميتة والانتفاع به شرعاً على خلاف فرعي فيما يتعلق بالاستثناء من هذا الحكم خاصة بالنسبة لعظم الخنْزير وعظم الفيل ونابه وذلك على النحو الآتي: ١- جواز بيع عظم الميتة والانتفاع به شرعاً، وهذا قول المالكية غير المشهور، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وهي الرواية المختارة في المذهب، وهو مذهب الحنفية على خلاف بينهم في عظم الخنْزير والفيل ونابه ٢- بالنسبة لعظم الخنْزير -خاصة- فقد استثناه الحنفية من حكم جواز البيع والانتفاع به لنجاسته وهذا هو المذهب عند الحنفية.

стр. 60

٣- بالنسبة لعظم الفيل: فقد أضافه محمد بن الحسن إلى المنع، وقال بأنه لا يجوز بيعه والانتفاع به، وأنه في هذا شأنه شأن عظم الخنْزير. وهناك قول للمالكية: أنه يجوز بيعه والانتفاع به بعد الصلق لا قبله. وعلى هذا: انحصر الخلاف في عظم الميتة في مذهبين: أحدهما بالمنع والآخر بالجواز. وهناك خلاف فرعي فيما يتعلق بعظم الخنْزير وعظم الفيل خاصة عند من قال بجواز الانتفاع بعظم الميتة وذلك في وجه استثناء عظم الخنْزير وعظم الفيل. هذا: وقد بنى من منع بيع عظم الميتة هذا الحكم على القول بنجاسة أصل ذلك العظم والميتة فقد تنجس بنجاستها. واعتبروا هذا دليلاً لهم وهذا يسري على منع الحنفية لبيع عظم الخنْزير وإضافة محمد بن الحسن بيع عظم الفيل، في حين أن من قال بجواز بيع عظم الميتة فقد بنى هذا الجواز على القول بطهارته كما هو الحال عند الإمام أحمد في رواية له ومقابل المشهور عند المالكية وعلى قول من لم يشترط طهارة المبيع كالحنفية والاكتفاء بماليته. والذي يترجح لدي من هذا الخلاف: ما ذهب إليه الحنفية من القول بجواز بيع عظم الميتة والانتفاع به ما عدا عظم الخنْزير بناءً على ما ترجح من قولهم - ١ بشأن طهارته - وعلى هذا فلا مانع من اعتبار عظم الميتة محلاً للتصرفات المالية ومنها البيع والاتجار فيه شأنه في هذا شأن باقي الطاهرات المباحة، خاصة لو كان في هذه العظام نفع للعباد، وذلك لأن المقرر شرعاً أن كل ما فيه مصلحة ونفع للعباد لا يمنعه الشرع بل يسهل طرق التعامل فيه طالما أنه غير محظور شرعاً، مع مراعاة الاستثناء الخاص بالنسبة لعظم الخنْزير وجميع أجزائه حيث استثنى ذلك في إباحة الانتفاع والتداول بالبيع ونحوه، وذلك لنجاسة عينه المقرر بالكتاب والسنة، وهذا الذي ترجح هنا هو أصل مذهب الحنفية الذي أوقف استثناء المنع من البيع عند عظم الخنْزير باعتبار

стр. 61

نجاسة عينه وهذا شامل كذلك لما توسع فيه محمد بن الحسن من تخريجه عظم الفيل على أصل المنع لعظم الخنْزير، وبناء عليه فإن عظم الفيل هو الآخر غير جائز بيعه وأنه لا خلاف بين محمد بن الحسن وفقهاء الحنفية إلا في التوسع في الاستثناء وأنه معهم في القول بطهارة عظم الميتة وإمكان الانتفاع بها من بيع ونحوه وأنه يستثنى من هذا الحكم عظم الخنْزير كما قالوا وأضاف هو كذلك عظم الفيل. وهكذا يكون الراجح في هذا الخلاف ما عليه أصل مذهب الحنفية من القول بجواز بيع عظم الميتة تحقيقاً لمصالح العباد خاصة وأنهم لا يشترطون طهارة المبيع طالما تحققت ماليته. وهذا هو أصل الكلام في المسألة بمراعاة استثنائهم لعظم الخنْزير حيث نصوا على إخراجه من هذا الحكم ومنعوا بيعه، أما بالنسبة لاستثناء عظم الفيل فإنه يترجح شموله بالاستثناء وسريانه عليه كما هو مذهب محمد بن الحسن لأنه أقرب ما يكون في نجاسته للخنْزير والمعنى القائم عليه الاستثناء موجود ومتحقق فيه هو الآخر. والله تعالى أعلم.

стр. 62

المطلب الثاني حكم بيع جلد الميتة اختلف العلماء بشأن مدى جواز بيع جلد الميتة وإخضاعه للتصرفات الأخرى، وهذا الخلاف نشأ عن خلاف في مسألة أخرى وهي مدى تأثير الدبغ على طهارة الجلد١، وهذا يستلزم ضرورة تحقيق القول في هذا الخلاف أولاً، وإظهار وجه الحق

стр. 63

منه بترجيح ما يترجح بالدليل، حتى يمكننا كشف وجه الحقيقة بشأن صلب هذا المبحث والمقصد منه وهو حكم بيع جلد الميتة. أولاً: موقف العلماء من تأثير الدبغ على طهارة الجلد اختلف العلماء بشأن مدى تأثير الدبغ على طهارة الجلد، وذلك على النحو الأتي: مذهب الحنفية: القول بطهارة جميع الجلود بالدبغ ما عدا جلد الخنْزير والآدمي، فأما الخنْزير فلنجاسته بالنص القطعي، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ وأما الإنسان فلكرامته وتشريفه حيث قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ٢. فالدبغ له تأثيره على كافة الجلود حيث قالوا بطهارتها بعده، خلافاً لجلد الخنْزير لنجاسته، وجلد الآدمي لكرامته. فمذهب الحنفية: أن الدبغ مطهر للجلود وأنه بهذا تكون محلاً للبيع والشراء بعد الدبغ، باستثناء جلد الخنْزير لنجاسته، وجلد الآدمي لكرامته. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... فالدباغ تطهر للجلود كلها إلا جلد الإنسان والخنْزير ... والصحيح أن جلد الخنْزير لا يطهر بالدباغ، لأن نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة، بل هو نجس العين فكان وجود الدباغ في حقه والعدم بمنزلة واحدة. وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ، لأن له جلوداً مترادفة، بعضها فوق بعض، كما للآدمي، وأما جلد الإنسان فإن كان يحتمل الدباغ وتندفع رطوبته بالدبغ ينبغي أن يطهر، لأنه ليس بنجس العين

стр. 64

لكن لا يجوز الانتفاع به احتراماً له"١. مذهب المالكية: يقولون بأن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وبالتالي لا يجوز بيعه، وذلك على مشهور المذهب، ولا يصلى عليه، وأن هذا قول الإمام مالك ﵀ خلافاً لمن قال بطهارة الجلد المدبوغ للمنافع دون الصلاة على نحو ما ذكره ابن رشد٢. ولمن رخص فيه مطلقاً إلا من خنْزير بعد دبغه في يابس وماء وهذا هو المشهور في قول مالك. فقد جاء في مواهب الجليل: " ... قال في التوضيح٣: اختلف عبارة أهل المذهب في جلد الميتة المدبوغ، فقال أكثرهم مطهر طهارة مقيدة أي يستعمل في اليابسات والماء وحده، وقال عبد الوهاب٤ وابن رشد نجس ولكن رخص في استعماله في ذلك ولذلك لا يصلى عليه وهو خلاف لفظي، ولفظ ابن رشد من سماع أشهب٥ من كتاب الطهارة المشهور من قول مالك المعلوم من مذهبه أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في المعاني التي ذكرت ... فجلود الميتات كلها نجسة ولو دبغت على المشهور ... "٦.

стр. 65

وجاء في التاج والإكليل: " ... والمشهور المعلوم من قول مالك أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ ... ولا يصلى عليه، ورخص فيه مطلقاً إلا من خنْزير بعد دبغه في يابس وماء، ابن رشد: المشهور أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ إلا للمنافع دون الصلاة، وفي هذه المسألة خمسة أقوال الآتي منها على مذهب مالك في المدونة أن الذي يطهر بذلك جميع الجلود إلا جلود الدواب، وجلود الخنْزير، ومن سماع أشهب من الضحايا وإذا دبغ جلد الميتة فقال ابن عرفة المشهور أنه يستعمل في اليابسات والماء فقط ... "١. وورد في الشرح الكبير: "وجلد" إذا لم يدبغ بل ولو دبغ فلا يؤثر دبغه في طهارة في ظاهره ولا باطنه وخبر: "أيما إهاب٢ دبغ فقد طهر" ٣ ونحوه محمول – عندنا في مشهور المذهب على الطهارة اللغوية وهي النظافة، ولذا جاز الانتفاع به فيما أشار له المصنف بقوله: ورخص فيه أي جلد الميتة مطلقاً سواء كان من جلد مباح الأكل أو محرمة، إلا من جلد خنْزير فلا يرخص فيه مطلقاً ذكي أم لا، لأن الذكاة لا تعمل فيه إجماعاً فكذا الدباغ على المشهور"٤. وجاء في حاشية الدسوقي: " ... قوله وجلد يعني أن الجلد المأخوذ من الحي أو الميت نجس قوله "ولا باطنه" خلافاً لسحنون٥ وابن عبد الحكم٦ القائلين أن

стр. 66

جلد الميتة مطلقاً ولو لخنْزير يطهر بالدباغ طهارة شرعية"١. فخلاصة مذهب المالكية: الاختلاف بشأن طهارة جلد الميتة وبالتالي الانتفاع به وذلك على النحو الآتي: أكثر المالكية: إن جلد الميتة المدبوغ طاهر طهارة مقيدة، يعني أنه يستعمل في اليابسات والماء. وقال عبد الوهاب وابن رشد: إن جلد الميتة نجس، غير أنه قد رخص في استعماله في ذلك أي في اليابسات والماء، ولهذا فإنه لا يصلى عليه. المشهور من مذهب الإمام مالك: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به فيما ذكر. وعلى هذا فالمشهور عند المالكية أن جلد الميتة نجس، وأنه لا يطهره الدباغ. ذكر صاحب التاج والأكليل: أن في هذه المسألة خمسة أقوال، وقال: إن الآتي منها على مذهب مالك في المدونة أن الذي يطهر بذلك جميع الجلود إلا جلود الدواب وجلود الخنْزير، ومن سماع أشهب من الضحايا، وإذا دبغ جلد الميتة فقال ابن عرفة: المشهور أنه يستعمل في اليابسات والماء فقط. ويرى ابن عبد الحكم وسحنون أن جلد الميتة مطلقاً يطهر بالدباغ طهارة شرعية ولو كان جلد خنْزير. مذهب الشافعية: يرون أن جلد الميتة يطهر بالدبغ سواءً كان الجلد لحيوان مأكول اللحم أو كان لغيره، غير أنهم أخرجوا من هذا الحكم كلاً من الخنْزير والكلب، والثابت عندهم هو أن ظاهر الجلد وهو ما لاقى الدابغ يطهر قطعاً أما باطنه وهو ما لم يلاق الدابغ فيطهر على المشهور عندهم، وعلى القول الثاني لا يطهر باطن الجلد لأن آلة الدبغ لا تصل إليه، وهو مردود عليه بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد. وبناء على هذا: يكون الراجح عندهم أن باطن الجلد يطهر بالدبغ كظاهره

стр. 67

فقد جاء في مغني المحتاج: " ... وجلد نجس بالموت ولو من غير مأكول فيطهر بدبغه يعني باندباغه ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح، أو إلقائه على الدابغ كذلك ظاهره وهو ما لاقى الدابغ لقوله ﷺ : "أيما أهاب دبغ فقد طهر" رواه مسلم وفيه في البخاري "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" وكذا باطنه وهو ما لم يلاق الدابغ على المشهور لظاهر الخبرين المتقدمين، والثاني: يقول آلة الدبغ لاتصل إلى الباطن، ودفع بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد"١. فالشافعية: على أن الجلد يطهر بالدباغ وبالتالي يجوز بيعه، وأنهم قد استثنوا من ذلك جلد الخنْزير وجلد الكلب، فلا تأثير للدبغ عليه، وهذا ما عليه المذهب بالاتفاق بالنسبة لظاهر الجلد الذي يلاقي الدبغ، غير أنهم قد اختلفوا بالنسبة لباطن الجلد غير الملاقي للدبغ من حيث مدى تأثير ذلك الدبغ عليه، والمشهور في المذهب أنه يطهر بالدبغ، وأنه في هذا كظاهره. مذهب الحنابلة: يقولون إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ إذا كان لميتة نجس، وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أن الدبغ يؤثر في طهارة الجلد إذا كان جلداً لمأكول اللحم في حال الحياة وبالتالي فإنه يطهر، وذلك مثل جلد الإبل، والبقر، والغنم، وعنه أنه يطهر من جلود الميتة جلد ما كان طاهراً في الحياة من إبل وبقر، ولو كان كذلك جلداً لحيوان غير مأكول كالهر وما دونه خلقة، ولا يطهر جلد ما كان نجساً في حياته كالكلب ولحمه كذلك لأنه ليس محلاً للذكاة. فقد جاء في كشاف القناع: " ... ولا يطهر جلد ميتة نجس بموتها بدبغه ... وعنه أي عن الإمام أحمد يطهر منها أي من جلود الميتة جلد ما كان طاهراً في الحياة من إبل وبقر وغنم وظباء ونحوها، ولو كان جلداً لحيوان غير مأكول كالهر وما دونه خلقة ... ولا يطهر جلد ما كان نجساً في حياته، كالكلب بذكاة كما لا يطهر لحمه بها لأنه ليس محلاً للذكاة فهو ميتة فلا يجوز ذبحه لذلك أي لجلده أو لحمه لأنه عبث وإضاعة لما قد

стр. 68

ينتفع به ... "١. وجاء في الإنصاف: "ولا يطهر جلد الميتة يعني النجسة بالدباغ – هذا المذهب نص عليه أحمد في رواية الجماعة وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم وهو من مفردات المذهب، وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهراً في حال الحياة ... وعنه يطهر جلد ما كان مأكولاً في حال الحياة ... "٢. وفي موضع آخر: " ... وأطلق أبو الخطاب٣ جواز بيع جلد الميتة ... "٤. الموازنة: بمطالعة ما قاله الفقهاء نجد أن خلاصة القول هو أن المسألة يحكمها اتجاهان هما في الحقيقة مذهبان يعالجان الحكم الشرعي بشأنها وذلك على النحو الآتي: الاتجاه الأول: يرى أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، وهذا ما عليه الجمهور، وهو الراجح غير أن هؤلاء لهم وجهة بنى كل مسلك قوله عليها حيث يرى: الحنفية: أن جلد الميتة يطهر مطلقا بالدباغ أي سواء كان لمأكول اللحم أم لا، وأخرجوا من هذا الحكم جلد الخنْزير حيث إنه لا يطهر بالدباغ، وهذا ما عليه إجماع الفقهاء، خلافا لسحنون وابن عبد الحكم. المالكية: يطهر بالدباغ كل جلد حتى جلد الخنْزير وهذا ما قال به سحنون وابن عبد الحكم، وهناك قول للمالكية أنه يطهر طهارة مقيدة باستعماله في اليابسات فقط، وأنه لا يصلى عليه. الشافعية: يسلكون ذات مسلك الحنفية بشأن القول بطهارة جلد الميتة، وإن كانوا

стр. 69

يضيفون الكلب في إخراجه من هذا فضلاً عن الخنْزير. الحنابلة: يقولون يطهر بالدباغ جلد الطاهر حال الحياة، وكذا حال مأكول اللحم. الاتجاه الثاني: يرى أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وأنه لا تأثير للدبغ في هذا الشأن، وهذا هو المذهب المرجوح في المسألة، ولمن قال به وجهات مختلفة في مسلكه وهي حدود المنع أو التقييد: الحنفية: يرون أن جلد الخنْزير لا يطهر بالدباغ. المالكية: أنه لا يؤثر الدباغ في طهارة المدبوغ، وهذا قول عند المالكية، وفي قول عندهم أن هذا خاص بالمائعات. الشافعية: يرون أن جلد الخنْزير والكلب لا يطهران بالدباغ. الحنابلة: يرون عدم تأثير الدبغ على جلد ما كان نجسا في حالة حياته، أو كان غير مأكول اللحم حيث لا يطهر بالدباغ. وعلى هذا: فمجمل القول في المسألة مذهبان: المذهب الأول: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ مطلقاً سواء كان ذلك لحيوان مأكول اللحم أم كان لغير، وإلى هذا ذهب الحنفية ما عدا الخنْزير، والشافعية ما عدا الخنْزير والكلب، وسحنون وابن عبد الحكم من المالكية حتى لو كان جلد الخنْزير، وهو قول للمالكية في اليابسات فقط، والحنابلة فيما عليه الإمام أحمد خاصة بالنسبة لجلد الطاهر في الحياة أو كان لمأكول اللحم. المذهب الثاني: يرى أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وهو عند الحنفية بالنسبة للخنْزير، وعند الشافعية بالنسبة للخنْزير والكلب، وهو قول عند المالكية في المائعات، وقول عند الحنابلة لجلد ما كان نجساً في حالة حياته أو كان جلداً غير مأكول اللحم. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي: أ- ما روى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "مر على شاة ميتة

стр. 70

فقال: " هلا انتفعتم بإهابها"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: " إنما حرم أكلها". ب- ما رواه ابن عباس أيضاً حيث قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ١. وفي رواية أخرى: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ٢. وقد وجه الحنفية ومن وافقهم الاستدلال بهذين الحديثين بأن لفظ الإهاب ورد بهما عاماً وهذا يدل على شموله لكل جلد، وهذا بطبيعة الحال مع مراعاة ما سبق بيانه من تحفظ الحنفية والشافعية بالنسبة لجلد الخنْزير لنجاسته، وبالتالي فلا يؤثر فيه الدبغ بخلاف الكلب عند الحنفية، لأنهم يرون عدم نجاسة عينه حال الحياة للانتفاع به في الحراسة والصيد، وهذا بخلاف ما عليه الشافعية من أن كلاً من الكلب والخنْزير نجس العين حال الحياة، وأنه لا يدفع الدبغ النجاسة عن جلدهما٣. واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي: فقد وجه هؤلاء ما استند عليه أنصار المذهب الأول – من لفظ الطهارة الواردة في الحديثين المذكورين "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وجهوا هذا بأن المراد الطهارة اللغوية يعني النظافة٤. أ- أن الله سبحانه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٥ والمعروف أن جلد الميتة جزء منها فكان محرماً هو الآخر فلم يطهر كاللحم، فضلاً عن أنه جزء محرم بالموت فكان نجساً كما كان قبل الدبغ حيث تأبدت نجاسته. ب- ما روي عن عبد الله بن عكيم٦ حيث قال: كتب إلينا النبي ﷺ "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب

стр. 71

ولا عصب" ١ لأن هذا الحديث ناسخ لما قبله لأنه كان قبل وفاة النبي ﷺ بشهر وذلك على نحو ما رواه ابن عكيم، كما أن لفظه يدل على ما سبق الترخيص والمقرر أن اللاحق ينسخ السابق وأن الثابت هو الأخذ بأحد الأمرين وهو عدم الانتفاع مطلقاً من الميتة بشيء، هذا فضلاً عن أنه قد ثبت أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة٢ "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٣ وفي التاريخ الكبير للبخاري أن النبي ﷺ كتب إليهم: "ألا تنتفعوا من الميتة بشيء" ٤ ٥. ونوقش هذا: بأن حديث عبد الله بن عكيم مرسل وذلك لعدم سماع عبد الله من النبي ﷺ ، فضلاً عن اضطراب سنده ومتنه، فتارة يقول عن كتاب النبي ﷺ ، وتارة يقول عمن قرأ الكتاب، وأخرى عن مشيخة من جهينة وأن الأكثر رواه من غير تقييد، ومنهم رواه بتقيد شهر أو شهرين أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام يدبغ، وبهذا يمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى فينتفي التعارض بينهما. أو أن هذا الحديث عام في النهي عن الانتفاع بالميتة مطلقاً، والأحاديث التي سبق ذكرها كحديث ابن عباس، وحديث ميمونة مخصصة لهذا النهي بما قبل الدباغ مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ، والخاص مقدم على العام سواء تقدم أو تأخر، وهذا فضلاً عن أن الأحاديث التي ثبتت الدباغ أصح إسناداً وأكثر رواة، وسالمة من الاضطراب، فهي أقوى وأولى من حديث عبد الله بن عكيم، ولأنها أيضاً عن سماع،

стр. 72

وحديث عبد الله بن عكيم عن كتابة، والسماع أقوى من الكتابة ١. وبالنسبة لاستدلال أصحاب هذا المذهب بالآية من سورة المائدة، فإنه يرد عليه بأن هذه الآية خصصتها الأحاديث الواردة في هذا الشأن، التي تثبت طهارة جلد الميتة بالدباغ. ويرى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه يطهر بالدباغ جلد ما كان طاهراً في الحياة كالهر، لأن حديث "أيما إهاب دبغ فقد طهر" يتناول الحيوان المأكول وغيره، فيخرج منه ما كان نجساً، لكون الدبغ إنما يؤثر في رفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى ما عداه على العموم، وروي عن الأمام أحمد أيضاً أنه يطهر بالدباغ مأكول اللحم ٢. والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: هو القول بطهارة جلد الميتة إذا دبغ، سواء كان الحيوان مأكول اللحم أم لا، باستثناء جلد الكلب والخنْزير، لأن نجاستهما عينيه لا يؤثر الدباغ فيها. ثانياً: حكم بيع جلد الميتة بعد أن ترجح لدينا القول بطهارة جلد الميتة بعد دبغه، فإنه يلزمنا البحث عن حكم بيع هذه الجلود وإجراء جميع التصرفات عليها من الاستعمال والاقتناء ونحو ذلك، عملاً بأصل الخلاف في مسألة طهارة جلد الميتة، فضلاً عن أصل الميتة ذاتها. فبحث حكم بيع جلد الميتة هنا متفرع على الحديث عن الميتة ذاتها من هذه الزاوية فضلاً عن أن الخلاف حاصل بين الفقهاء بشأن مدى طهارة جلد الميتة من عدمه، سواء كان قبل الدبغ أو بعده، وهذا كله استلزم أن نقوم بالحديث عن حكم بيع جلد الميتة. وهذا ما قاله الفقهاء في هذا الشأن: مذهب الحنفية: أن جلد الميتة المدبوغ يجوز بيعه والانتفاع به، حتى ولو كان لغير مأكول اللحم، طالما أنه قد دبغ، وذلك لإباحة الانتفاع به شرعاً، ولتحقق جانب المالية

стр. 73

فيه، وهذا هو الركن الأعظم عندهم في عقد البيع وقد نص المذهب على أن الجلد غير المدبوغ لا يجوز بيعه، لوجود الرطوبات السيالة فيه، وبهذا فإنه يأخذ نفس حكم الميتة من حيث الحرمة ومنع بيعه شرعاً، وأن جلد الخنْزير لا ينعقد بيعه حتى ولو دبغ، وذلك لنجاسة عينه، وأن أصل المذهب طهارة الجلود بالدباغ، وجواز بيعها، بمراعاة تحفظهم بالنسبة لجلد الخنْزير خاصة. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما جلد السبع والحمار والبغل، فإن كان مدبوغاً أو مذبوحاً يجوز بيعه لأنه مباح الانتفاع به شرعاً، فكان مالاً، وإن لم يكن مدبوغاً ولا مذبوحاً، لا ينعقد بيعه، لأنه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه، فكان حكمه حكم الميتة، ولا ينعقد بيع جلد الخنْزير كيف ما كان لأنه نجس العين بجميع أجزائه، وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ ... ولأن حرمة الميتة ليست لموتها فإن الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان قال ﵊ "أحل لنا ميتتان ودمان" ١ بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة لانجمادها بالموت ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه لزوال الرطوبة عنه"٢. وجاء في الهداية: " ... قال ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ، لأنه غير منتفع به، قال ﵊ "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" وهو اسم لغير المدبوغ، ... ولا بأس ببيعها والانتفاع بها بعد الدباغ، لأنها قد طهرت بالدباغ"٣. مذهب المالكية: اختلف فقهاء المالكية في حكم بيع جلود الميتة، فقد نقل في المشهور عندهم أنه لا يجوز بيع جلود الميتة والانتفاع بها حتى ولو دبغت. وقيل يجوز بيعها بعد الدبغ لا قبله، والقولان مبنيان على قولهم بشأن الطهارة لهذه الجلود خاصة بعد دبغها.

стр. 74

أما قبل الدبغ: فقيل لا يجوز اتفاقاً كما في رواية ابن حارث١ وإن كان ابن رشد المالكي قد روى لنا خلافاً في مذهب المالكية بشأن مدى إمكان الانتفاع بالجلد قبل دبغه وبالتالي جواز بيعه ثلاثة أقوال: الأول: لابن وهب٢ الذي قال بجواز البيع والانتفاع، وهذا القول مبني على سماعه عن ابن القاسم ٣. الثاني: القول بمنع البيع والانتفاع، وهذا هو المروي عن ابن القاسم ورواية عن مالك. الثالث: يجوز الانتفاع دون البيع وهذا القول روى عن ابن القاسم. أما مذهب المدونة فهو منع البيع مطلقاً لعد ذلك من البيوع الفاسدة يعني قبل الدبغ وبعده. فقد جاء في مواهب الجليل: " ... وكذلك جلود الميتة لا يجوز بيعها وإن دبغت، وقيل يجوز، وقال في التوضيح القولان مبنيان على الطهارة ومقابل المشهور لابن وهب في جواز البيع بعد الدبغ انتهى. ونقل ابن عرفة هذين القولين بعد الدبغ، أما قبله فنقل في ذلك طريقتين الأولى لابن حارث لا يجوز اتفاقاً، والثانية لابن رشد في جواز البيع والانتفاع ثلاثة أقوال:

стр. 75

الأول: الجواز فيهما لابن وهب مع قيامه من سماع ابن القاسم. الثاني: المنع فيهما وهو المتقدم في قول ابن القاسم وروايته عن مالك ... والثالث: يجوز الانتفاع لا البيع، وهو رواية لابن القاسم ... ومذهب المدونة: المنع من بيع ذلك كله. قال في البيوع الفاسدة منها ولا يجوز بيع ميتة ولا جلدها وإن دبغ.."١. مذهب الشافعية: اتفق فقهاء الشافعية على عدم جواز بيع الجلد قبل الدبغ، وجواز ذلك بعد دبغه وإجراء جميع التصرفات عليه لأنه طاهر منتفع به، فقد نص المذهب على أن جلد الميتة المدبوغ طاهر حتى ولو كان من غير مأكول اللحم، وعلة المنع قبل الدبغ هي وجود الرطوبات السيالة والدماء النجسة بخلاف حالة الجلد بعد الدبغ من زوال الرطوبة عنه والسيولة مما يترتب على ذلك طهارته وصحة بيعه. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... وجلد نجس بالموت ولو من غير مأكول فيطهر بدبغه يعني باندباغه، ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح، أو إلقائه على الدابغ كذلك ظاهره وهو ما لاقى الدابغ لقوله ﷺ "أيما إهاب دبغ فقد طهر" رواه مسلم وفيه وفي البخاري "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" وكذا باطنه وهو ما لم يلاق الدابغ على المشهور لظاهر الخبرين المتقدمين، والثاني: يقول آلة الدبغ لا تصل إلى الباطن ودفع بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد فعلى الثاني لا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الشيء الرطب، وأما على الأول فهو كالثوب المتنجس ... ويصير المدبوغ والمندبغ كثوب نجس أي متنجس ... وعلى هذا: هل يطهر بمجرد نقعه في الماء أو لا بد من استعمال الأدوية ثانياً؟ وجهان: أصحهما في زيادة الروضة٢. الثاني، والمراد نقعه في ماء كثير وإذا لم نوجبه فيصلى فيه بعد غسله، ويجوز بيعه وإن لم يغسله ما لم يمنع
следующие страницы →