← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا عصب" ١ لأن هذا الحديث ناسخ لما قبله لأنه كان قبل وفاة النبي ﷺ بشهر وذلك على نحو ما رواه ابن عكيم، كما أن لفظه يدل على ما سبق الترخيص والمقرر أن اللاحق ينسخ السابق وأن الثابت هو الأخذ بأحد الأمرين وهو عدم الانتفاع مطلقاً من الميتة بشيء، هذا فضلاً عن أنه قد ثبت أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة٢ "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٣ وفي التاريخ الكبير للبخاري أن النبي ﷺ كتب إليهم: "ألا تنتفعوا من الميتة بشيء" ٤ ٥. ونوقش هذا: بأن حديث عبد الله بن عكيم مرسل وذلك لعدم سماع عبد الله من النبي ﷺ ، فضلاً عن اضطراب سنده ومتنه، فتارة يقول عن كتاب النبي ﷺ ، وتارة يقول عمن قرأ الكتاب، وأخرى عن مشيخة من جهينة وأن الأكثر رواه من غير تقييد، ومنهم رواه بتقيد شهر أو شهرين أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام يدبغ، وبهذا يمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى فينتفي التعارض بينهما. أو أن هذا الحديث عام في النهي عن الانتفاع بالميتة مطلقاً، والأحاديث التي سبق ذكرها كحديث ابن عباس، وحديث ميمونة مخصصة لهذا النهي بما قبل الدباغ مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ، والخاص مقدم على العام سواء تقدم أو تأخر، وهذا فضلاً عن أن الأحاديث التي ثبتت الدباغ أصح إسناداً وأكثر رواة، وسالمة من الاضطراب، فهي أقوى وأولى من حديث عبد الله بن عكيم، ولأنها أيضاً عن سماع،

стр. 72

وحديث عبد الله بن عكيم عن كتابة، والسماع أقوى من الكتابة ١. وبالنسبة لاستدلال أصحاب هذا المذهب بالآية من سورة المائدة، فإنه يرد عليه بأن هذه الآية خصصتها الأحاديث الواردة في هذا الشأن، التي تثبت طهارة جلد الميتة بالدباغ. ويرى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه يطهر بالدباغ جلد ما كان طاهراً في الحياة كالهر، لأن حديث "أيما إهاب دبغ فقد طهر" يتناول الحيوان المأكول وغيره، فيخرج منه ما كان نجساً، لكون الدبغ إنما يؤثر في رفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى ما عداه على العموم، وروي عن الأمام أحمد أيضاً أنه يطهر بالدباغ مأكول اللحم ٢. والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: هو القول بطهارة جلد الميتة إذا دبغ، سواء كان الحيوان مأكول اللحم أم لا، باستثناء جلد الكلب والخنْزير، لأن نجاستهما عينيه لا يؤثر الدباغ فيها. ثانياً: حكم بيع جلد الميتة بعد أن ترجح لدينا القول بطهارة جلد الميتة بعد دبغه، فإنه يلزمنا البحث عن حكم بيع هذه الجلود وإجراء جميع التصرفات عليها من الاستعمال والاقتناء ونحو ذلك، عملاً بأصل الخلاف في مسألة طهارة جلد الميتة، فضلاً عن أصل الميتة ذاتها. فبحث حكم بيع جلد الميتة هنا متفرع على الحديث عن الميتة ذاتها من هذه الزاوية فضلاً عن أن الخلاف حاصل بين الفقهاء بشأن مدى طهارة جلد الميتة من عدمه، سواء كان قبل الدبغ أو بعده، وهذا كله استلزم أن نقوم بالحديث عن حكم بيع جلد الميتة. وهذا ما قاله الفقهاء في هذا الشأن: مذهب الحنفية: أن جلد الميتة المدبوغ يجوز بيعه والانتفاع به، حتى ولو كان لغير مأكول اللحم، طالما أنه قد دبغ، وذلك لإباحة الانتفاع به شرعاً، ولتحقق جانب المالية

стр. 73

فيه، وهذا هو الركن الأعظم عندهم في عقد البيع وقد نص المذهب على أن الجلد غير المدبوغ لا يجوز بيعه، لوجود الرطوبات السيالة فيه، وبهذا فإنه يأخذ نفس حكم الميتة من حيث الحرمة ومنع بيعه شرعاً، وأن جلد الخنْزير لا ينعقد بيعه حتى ولو دبغ، وذلك لنجاسة عينه، وأن أصل المذهب طهارة الجلود بالدباغ، وجواز بيعها، بمراعاة تحفظهم بالنسبة لجلد الخنْزير خاصة. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما جلد السبع والحمار والبغل، فإن كان مدبوغاً أو مذبوحاً يجوز بيعه لأنه مباح الانتفاع به شرعاً، فكان مالاً، وإن لم يكن مدبوغاً ولا مذبوحاً، لا ينعقد بيعه، لأنه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه، فكان حكمه حكم الميتة، ولا ينعقد بيع جلد الخنْزير كيف ما كان لأنه نجس العين بجميع أجزائه، وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ ... ولأن حرمة الميتة ليست لموتها فإن الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان قال ﵊ "أحل لنا ميتتان ودمان" ١ بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة لانجمادها بالموت ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه لزوال الرطوبة عنه"٢. وجاء في الهداية: " ... قال ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ، لأنه غير منتفع به، قال ﵊ "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" وهو اسم لغير المدبوغ، ... ولا بأس ببيعها والانتفاع بها بعد الدباغ، لأنها قد طهرت بالدباغ"٣. مذهب المالكية: اختلف فقهاء المالكية في حكم بيع جلود الميتة، فقد نقل في المشهور عندهم أنه لا يجوز بيع جلود الميتة والانتفاع بها حتى ولو دبغت. وقيل يجوز بيعها بعد الدبغ لا قبله، والقولان مبنيان على قولهم بشأن الطهارة لهذه الجلود خاصة بعد دبغها.

стр. 74

أما قبل الدبغ: فقيل لا يجوز اتفاقاً كما في رواية ابن حارث١ وإن كان ابن رشد المالكي قد روى لنا خلافاً في مذهب المالكية بشأن مدى إمكان الانتفاع بالجلد قبل دبغه وبالتالي جواز بيعه ثلاثة أقوال: الأول: لابن وهب٢ الذي قال بجواز البيع والانتفاع، وهذا القول مبني على سماعه عن ابن القاسم ٣. الثاني: القول بمنع البيع والانتفاع، وهذا هو المروي عن ابن القاسم ورواية عن مالك. الثالث: يجوز الانتفاع دون البيع وهذا القول روى عن ابن القاسم. أما مذهب المدونة فهو منع البيع مطلقاً لعد ذلك من البيوع الفاسدة يعني قبل الدبغ وبعده. فقد جاء في مواهب الجليل: " ... وكذلك جلود الميتة لا يجوز بيعها وإن دبغت، وقيل يجوز، وقال في التوضيح القولان مبنيان على الطهارة ومقابل المشهور لابن وهب في جواز البيع بعد الدبغ انتهى. ونقل ابن عرفة هذين القولين بعد الدبغ، أما قبله فنقل في ذلك طريقتين الأولى لابن حارث لا يجوز اتفاقاً، والثانية لابن رشد في جواز البيع والانتفاع ثلاثة أقوال:

стр. 75

الأول: الجواز فيهما لابن وهب مع قيامه من سماع ابن القاسم. الثاني: المنع فيهما وهو المتقدم في قول ابن القاسم وروايته عن مالك ... والثالث: يجوز الانتفاع لا البيع، وهو رواية لابن القاسم ... ومذهب المدونة: المنع من بيع ذلك كله. قال في البيوع الفاسدة منها ولا يجوز بيع ميتة ولا جلدها وإن دبغ.."١. مذهب الشافعية: اتفق فقهاء الشافعية على عدم جواز بيع الجلد قبل الدبغ، وجواز ذلك بعد دبغه وإجراء جميع التصرفات عليه لأنه طاهر منتفع به، فقد نص المذهب على أن جلد الميتة المدبوغ طاهر حتى ولو كان من غير مأكول اللحم، وعلة المنع قبل الدبغ هي وجود الرطوبات السيالة والدماء النجسة بخلاف حالة الجلد بعد الدبغ من زوال الرطوبة عنه والسيولة مما يترتب على ذلك طهارته وصحة بيعه. فقد جاء في مغني المحتاج: " ... وجلد نجس بالموت ولو من غير مأكول فيطهر بدبغه يعني باندباغه، ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح، أو إلقائه على الدابغ كذلك ظاهره وهو ما لاقى الدابغ لقوله ﷺ "أيما إهاب دبغ فقد طهر" رواه مسلم وفيه وفي البخاري "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" وكذا باطنه وهو ما لم يلاق الدابغ على المشهور لظاهر الخبرين المتقدمين، والثاني: يقول آلة الدبغ لا تصل إلى الباطن ودفع بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد فعلى الثاني لا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الشيء الرطب، وأما على الأول فهو كالثوب المتنجس ... ويصير المدبوغ والمندبغ كثوب نجس أي متنجس ... وعلى هذا: هل يطهر بمجرد نقعه في الماء أو لا بد من استعمال الأدوية ثانياً؟ وجهان: أصحهما في زيادة الروضة٢. الثاني، والمراد نقعه في ماء كثير وإذا لم نوجبه فيصلى فيه بعد غسله، ويجوز بيعه وإن لم يغسله ما لم يمنع

стр. 76

من ذلك مانع ... "١. مذهب الحنابلة: اتفق فقهاء الحنابلة على منع بيع جلد الميتة قبل دبغه، واختلفوا في حكم بيع جلد الميتة بعد دبغه، والصحيح في المذهب القول بمنع بيع ذلك الجلد حتى بعد دبغه، وذلك بناءً على القول بنجاسته وعدم طهارته بالدباغ، وفي المذهب قول بجواز بيع جلد الميتة وهذا ما قال به أبو الخطاب بناء على القول الذي أفاد الطهارة بعد الدبغ، مع اختلافهم فيما يطهر بالدبغ، فقيل يطهر جلد جميع ما كان طاهراً حال الحياة وهو الصحيح في المذهب، وقيل بل تقتصر على ما كان مأكولاً. فقد جاء في المغني: "ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدبغ قولاً واحداً، قاله ابن أبي موسى٢، وفي بيعه بعد الدبغ عنه خلاف ... والصحيح عنه أنه لا يجوز وهذا ينبني على الحكم بنجاسة جلود الميتة وأنها لا تطهر بالدباغ"٣. وجاء في الإنصاف: "ما يطهر بدبغه انتفع به، ولا يجوز أكله على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ونص٤ عليه٥ وقيل: يجوز، وقال في مكان آخر: ويحرم استعمال جلد الآدمي إجماعاً ... ولا يطهر بدبغه، وأطلق بعضهم وجهين انتهى. وفي رواية ... يجوز بيعه على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وعنه لا يجوز ... كما لو لم يطهر بدبغه، وكما لو باعه قبل الدبغ ... وأطلق أبو الخطاب جواز بيعه مع

стр. 77

نجاسته كثوب نجس ... فيتوجه منه بيع نجاسة يجوز الانتفاع بها"١. وجاء في كشاف القناع: " ... ويجوز استعماله أي الجلد المدبوغ من ميتة طاهرة في الحياة فقط في يابس بعد دبغه، لأنه ﵊ وجد شاة ميتة أعطتها مولاة لميمونة٢ من الصدقة فقال ﵊: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" ولأن الصحابة ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة، ونجاسته لا تمنع الانتفاع به كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار. ومفهوم كلامه أنه لا يباح الانتفاع به قبل الدبغ مطلقاً، لمفهوم الحديث. قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: فأما قبل الدبغ فلا ينتفع به قولاً واحداً ولا الانتفاع به بعد الدبغ في مائع من ماء أو غيره لأنه يفضي إلى تعدي النجاسة ... كما يحرم بيع جلد الميتة النجس قبله أي قبل الدبغ، وعنه: أي عن الإمام يطهر منها أي من جلود الميتة ما كان طاهراً في الحياة من إبل وبقر وغنم وظباء ونحوها، ولو كان جلداً لحيوان غير مأكول كالهر وما دونه خلقة ... ولا يطهر جلد ما كان نجساً في حياته كالكلب بذكاة، كما لا يطهر لحمه بها، لأنه ليس محلاً للذكاة فهو ميتة ... "٣. فالمستفاد من نصوص الحنابلة: أنه لا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدبغ قولاً واحداً، وإن كان الخلاف فقط في حكم بيعه بعد الدبغ والصحيح في المذهب أنه لا يجوز بناء على قولهم بعدم طهارة الجلود بدبغها وأن جلود الميتة تظل نجسة حتى بعد دبغها وبالتالي فلا يجوز بيعها لعدم تحقق شرط الطهارة. وبالنسبة لطهارة جلود الميتة، فهناك رواية عن الإمام أنه يطهر بالدبغ جلود ميتة

стр. 78

ما كان طاهراً في الحياة، من إبل، وبقر، وغنم، وظباء، ونحوها، حتى ولو كان جلداً لحيوان غير مأكول كالهر وما دونه خلقه. في حين أنه لا يطهر جلد ما كان نجساً في حياته كالكلب حتى ولو كان ذلك بذكاة قياساً على عدم طهارة لحمه وأن هذه التذكية لا أثر لها لأن الحيوان ليس محلاً للذكاة فهو ميتة حتى ولو تمت ذكاته. الموازنة: نجد أن الفقهاء قد اختلفوا بشأن حكم بيع جلد الميتة بسبب اختلافهم في أثر الدباغ على جلد الميتة وهذا خلاصة ما قالوه: أولاً: منع بيع جلد الميتة مطلقاً، أي سواء كان ذلك بعد الدبغ أو قبله من مأكول اللحم أم لا من مذكى أم لا، وهذا ما ذهب إليه المالكية على نحو ما ورد في المدونة، وهو المروي عن ابن الحارث من المالكية، وهو أحد القولين المحكيين عن ابن عرفة كما أنه هو المنقول عن ابن الحارث في إحدى الطريقين لديه خاصة قبل الدبغ، وهذا هو المذهب الصحيح عند الحنابلة. ثانياً: منع بيع جلد الميتة ومنع الانتفاع به قبل الدبغ، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وإن كان ابن رشد ذكر فيه خلافاً وأورد فيه ثلاثة أقوال أحدها موافق لما قال به الجمهور من القول بمنع البيع ومنع الانتفاع. ثالثاً: منع بيع جلد الميتة وجواز الانتفاع به فقط، وهذا هو القول الثالث عند ابن رشد. رابعاً: جواز بيع جلد الميتة وجواز الانتفاع به، وهذا على القول الثاني عند ابن رشد وهو مبني على سماعه عن ابن القاسم، وهذا هو قول أبي الخطاب. خامساً: جواز بيع جلد الميتة بعد الدبغ سواء كان من غير مأكول اللحم، وهذا أثر لعملية الدبغ وهذا نص المذهب الشافعي وهو أحد القولين المحكيين عن ابن عرفة. سادساً: جواز بيع جلد الميتة بعد الدبغ لما كان مأكول اللحم، وهو ما ذهب إليه الحنفية. ويمكن إجمال الآراء في حكم بيع جلد الميتة في مذهبين:

стр. 79

الأول: الجواز على تفصيل في هذا الجواز. الثاني: المنع على تفصيل في هذا المنع. الأدلة: استدل القائلون بالجواز بما يأتي: ١- ما ورد في حديث ميمونة السابق عرضه عند الحديث عن إمكان طهارة الجلد بالدبغ، وذلك لأن المقرر أن البيع أحد وجوه الانتفاع بهذه الجلود المدبوغة، خاصة وأن الجلد المدبوغ له أهميته في حياة الناس، حيث إنه يدخل في كثير من الصناعات، وهذا بلا شك يعود على الإنسان بالخير والنفع المرادين في تحقيق مقصد التشريع الإسلامي الحنيف، ففي هذا الحديث الذي رواه ابن عباس ﵄ والذي ورد فيه أن رسول الله ﷺ مر بشاه ميتة فقال "هلا انتفعتم بإهابها فقالوا إنها ميتة. فقال إنما حرم أكلها". وفي الحديث الأخر يقول ابن عباس أيضاً سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، وفي رواية أخرى "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، وفي هذا القول ورد لفظ الإهاب عاماً وهذا يدل على شموله لكل جلد، طالما أنه قد لحقه الدبغ وعولج به حتى ولو كان الحيوان غير مأكول اللحم، وحتى لو لم يكن لحيوان مذكى، لأن هذا هو الأثر المباشرة لعملية الدبغ، خاصة وأن الحيوان غير نجس في عينه كالخنْزير عند الحنفية، وكالكلب والخنْزير عند الشافعية. ٢- أن الصحابة –رضوان الله عليهم- لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة، ونجاسته لا تمنع الانتفاع به كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار١. ٣- أن الجلد بعد الدبغ مباح الانتفاع به شرعاً فكان مالاً، وأن حرمة الميتة ليست لموتها، فإن الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان، بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة لانجمادها بالموت، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى

стр. 80

يجوز بيعه لزوال الرطوبة عنه ١. واستدل المانعون لبيع جلد الميتة بما يأتي: تمسك المانعون سواء من قال بمنع بيع جلد الميتة مطلقاً، أو من قال بمنع ذلك قبل الدبغ، أو من قال بمنعه من غير مأكول اللحم ونحو ذلك، تمسكوا بنفس أوجه استنادهم فيما قالوه من عدم طهارة جلد الميتة حتى ولو كان ذلك بعد الدبغ، ولو كان من مأكول اللحم ونحوه. ١- ما روي عن عبد الله بن عكيم – حيث قال: كتب إلينا النبي ﷺ "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" لأن هذا الحديث ناسخ لما قبله، لأنه كان قبل وفاة النبي ﷺ بشهر، وذلك على نحو ما رواه ابن عكيم كما أن لفظه يدل على ما سبق الترخيص والمقرر أن اللاحق ينسخ السابق، وأن الثابت هو الأخذ بأحد الأمرين، وهو عدم الانتفاع مطلقاً من الميتة بشيء، هذا فضلاً عن أنه قد ثبت أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وفي التاريخ الكبير للبخاري: "أن النبي ﷺ كتب إليهم ألا تنتفعوا من الميتة بشيء". ونوقش هذا: بأن حديث عبد الله بن عكيم مرسل لعدم سماعه من النبي ﷺ بالإضافة إلى أنه مضطرب السند والمتن. فضلاً عن أنه يمكن القول بأن هذا الحديث عام في النهي عن الانتفاع بالميتة، ومن هذا بيع جلد الميتة، غير أنه قد خصص بحديث ميمونة، خاصة وأن هذا بعد الدبغ، كما أن حديث ميمونة أصح إسناداً من حديث ابن عكيم. ٢- أن جلد الميتة جزء منها، وحيث كانت محرمة كان هو الآخر محرماً ولهذا فلا يمكن الانتفاع به بالبيع ونحوه والدليل على أن الميتة وجميع أجزائها محرم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢.

стр. 81

هذا فضلاً عن أن الجلد جزء محرم من الميتة بالموت فكان نجساً كما لو كان قبل الدبغ حيث تأبدت نجاسته فامتنع بيعه خاصة عند من يشترط طهارة المبيع وإمكان الانتفاع به شرعاً١. والراجح في هذا الخلاف: هو القول بجواز بيع جلد الميتة بعد دبغه حيث يؤثر الدبغ على الجلد بالطهارة، وإمكان الاستعمال والانتفاع به، وترتيباً على هذا جاز بيعه، لأن هذا هو إعمال للأثر المباشر للدبغ خاصة لو كانت الميتة لمباح أي حلال وقت الحياة تخريجاً على إباحة استعمال وبيع جلد المدبوغ والمذكى ذكاة شرعية، وهذا الذي يترجح هنا موافق لما عليه كل من الحنفية والشافعية وبعض المالكية وبعض الحنابلة بمراعاة ما قالوه من الاستثناءات الواردة في شأن طهارة الجلد المدبوغ كالخنْزير عند الحنفية، والكلب والخنْزير عند الشافعية، حيث لا يؤثر فيه الدبغ، وبالتالي فلا إمكان من بيعه حتى بعد الدبغ، وذلك لنجاسة أصله عند من اشترط طهارة المبيع، وإمكان الانتفاع به، كالشافعية والحنابلة، وحتى عند من لم يشترط هذا واكتفى بالمالية، وذلك لإهانة الخنْزير والكلب، حيث إن في البيع رفعاً لتلك الإهانة. ومما يؤكد هذا الرجحان: قوة ما استدل به المجوزون لبيع جلد الميتة المدبوغ، وسلامته من المعارضة والاضطراب، فضلاً عن أن الدبغ أزال النجاسة المانعة من البيع، والله أعلم.

стр. 82

المطلب الثالث حكم بيع شعر الميتة اختلف الفقهاء بشأن بيع شعر١ الميتة ونحوه، كالصوف٢ والوبر٣ والريش وزغب

стр. 83

الريش١، بناء على خلافهم في حكم طهارتها، وهذا يعني أن الحديث عن إظهار حكم الشرع بخصوص بيع شعر الميتة، متوقف على القول بطهارة هذا الشعر وما في حكمه من عدمه، وهذا يستدعي ضرورة إلقاء الضوء على ما قاله الفقهاء بخصوص طهارة الشعر والصوف ونحوه، حتى نتمكن من إظهار حقيقة الخلاف بشأن حكم بيع الشعر وما يترجح فيه. أولاً: موقف الفقهاء من طهارة الشعر والصوف ونحوهما اختلف الفقهاء بشأن طهارة شعر الميتة ونحوه، من الصوف، والوبر، والريش، والزغب، ونحوه، وذلك على النحو الآتي: مذهب الحنفية: يقولون بطهارة شعر الميتة ونحوه، واستثنوا من ذلك شعر الخنْزير على الصحيح عندهم، فقد قالوا إنه نجس لا يجوز بيعه إهانة له، ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة فإن ذلك العمل لا يتم بدونه، والفيل نجس العين كالخنْزير عند محمد بن الحسن، وعندهما بمنْزلة السباع فيباح عظمه وينتفع به. فقد جاء في الهداية: " ... ولا بأس ببيع عظام الميتة وعصبها وصوفها وقرنها وشعرها ووبرها والانتفاع بذلك كله، لأنها طاهرة لا يحلها الموت لعدم الحياة ... ولا يجوز بيع شعر الخنْزير لأنه نجس العين، فلا يجوز بيعه إهانة له، ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة، فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ... والفيل كالخنْزير نجس العين عند محمد ﵀، وعندهما بمنْزلة السباع حتى يباح عظمه وينتفع به ... "٢. وجاء في بدائع الصنائع: " ... وأما عظم الميتة ... وشعرها وصوفها ووبرها وريشها ... إن هذه الأشياء طاهرة عندنا ... وأما شعره فقد روى أنه طاهر ... والصحيح أنه نجس ... "٣.

стр. 84

فالمستفاد من نصوص مذهب الحنفية: أن عظم الميتة وشعرها وصوفها ووبرها وريشها طاهرة عند الحنفية، أما عظم الخنْزير وكذا شعره، فقد اختلف في المذهب بشأن طهارته، فقيل إنه طاهر، غير أن الصحيح في المذهب أنه نجس، وأن الفيل كالخنْزير نجس العين عند محمد بن الحسن وكذا شعره. مذهب المالكية: صوف ووبر وشعر وزغب وريش جميع الدواب طاهر، حتى ولو كان من الخنْزير وحتى لو جزت بعد موتها، لأن هذه الأشياء لا تحلها الحياة، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت، واستحب في المدونة١ والرسالة٢ أن تغسل إذا جزت من ميتة، وروى ابن رشد من سماع أشهب أن الغسل لا معنى له إذا لم تصبه نجاسة، أما ابن حبيب٣ فقد أوجب غسلها مطلقاً، والصحيح في المذهب وجوب غسلها إذا تيقنت إصابتها بالنجاسة. فقد جاء في حاشية الدسوقي: "والطاهر صوف من غنم، ووبر من إبل وأرنب ونحوهما، وزغب ريش -وهو ما حول القصبة، مما يشبه الشعر-، وشعر-بفتح العين- وقد تسكن من جميع الدواب ولو من خنزير، وأشار إلى شرط طهارة هذه الأشياء بقوله: إن جزت ولو بعد الموت، لأنها مما لا تحله الحياة وما لا تحله الحياة، لا ينجس

стр. 85

بالموت"١. وجاء في التاج والإكليل: "وصوف ووبر وزغب ريش وشعر ولو من خنزير إن جزت ابن عرفه الشعر والصوف والوبر من أي محل أخذ من غير قلع من غير مذكى طاهر، وكذا شعر الخنْزير عند مالك وابن القاسم"٢. جاء في مواهب الجليل: "فرع" إذا جزت هذه الأشياء المذكورة من ميتة فاستحب في المدونة والرسالة أن تغسل؛ قال ابن رشد في سماع أشهب ولا معنى له إذا علم أنه لم يصبه أذى، وأوجب ابن حبيب غسلها فإن تيقنت نجاسته فلا شك في وجوب غسله"٣. مذهب الشافعية: يرون أن شعر أو صوف أو ريش أو وبر مأكول اللحم طاهر بالإجماع، وإن الجزء المنفصل من الحيوان الحي –عامة– يأخذ حكم ميتة ذلك الحيوان، فإن كان طاهراً فهو طاهر، وإن كان نجساً فجزؤه نجس، فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر والمنفصل من غيرها نجس، وأن المنفصل من الحيوان بعد موته فهو كميتته، كذلك أي أنه يكون نجسا، وقالوا إن الشعر على العضو المبان نجس إن كان ذلك العضو نجساً تبعاً، وقالوا إن شعر المأكول المنتف الطالع بأصوله من الجلد في حال حياته طاهر وإلا فهو متنجس يطهر بغسله طالما أن أصله قد انفصل مع شيء مما نبت فيه من الجلد لما فيهما من رطوبه، وقالوا بأن المنفصل من غير المأكول كالحمار الأهلي يكون نجساً، وأنه لو شككنا هل الجزء المنفصل كان من طاهر أو من نجس؟ قلنا بطهارته وذلك لأن الأصل الطهارة والشك في النجاسة والأصل عدم هذه النجاسة فستصحبنا الأصل، وهذا بخلاف الحال فيما لو شككنا هل الجزء المنفصل من مذكي أم لا؟ حيث يعتبر من غير المذكى؛ لأن الأصل عدم التذكية، وأنهم لم يستثنوا من ذلك سوى الشعر، وما في حكمه كالصوف، والريش، والوبر، طالما كان ذلك من

стр. 86

مأكول اللحم، حيث قالوا بطهارته. فقد جاء في مغني المحتاج: "والجزء المنفصل من الحيوان الحي ومشيمته كميتته أي ذلك الحي، إن طاهر فطاهر، وإن نجساً فنجس لخبر "ما قطع من حي فهو ميتة" رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين١. فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر، ومن غيرها نجس، وسواء في المشيمةـ وهي غلاف الولدـ مشيمة الآدمي وغيره. أما المنفصل من بعد موته فحكمه حكم ميتة بلا شك إلا شعر أو صوف أو ريش أو وبر المأكول اللحم فطاهر بالإجماع، ولو نتف منها أو انتتف؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٢ وهو محمول على ما إذا أخذ بعد التذكية أو في الحياة كما هو المعهود، وذلك مخصص للخبر السابق، أما المنفصل من غير المأكول كالحمار الأهلي فنجس، ولو شككنا فيما ذكر هل انفصل من طاهر أو من نجس حكمنا بطهارته لأن الأصل الطهارة وشككنا في النجاسة والأصل عدمها بخلاف ما لو رأينا قطعة لحم وشككنا هل هي من مذكاة ٍ أولا؛ لأن الأصل عدم التذكية. والشعر على العضو المُبان٣ نجس إن كان العضو نجساً تبعاً له؛ وشعر المأكول المنتتف الطالع بأصوله من الجلد في حال حياته طاهر، فإن انفصل أصله مع شيء مما نبت فيه من الجلد وفيهما رطوبة، قال شيخي٤: فهو متنجس يطهر بغسله ... "٥. فخلاصة مذهب الشافعية: أن شعر الميتة طاهر، وذلك استثناء من الأصل المقرر لديهم من أن المنفصل من الميتة بعد موتها فحكمه حكم ميتته، وقالوا إن الشعر إذا نتف أم انتتف من الميتة فهو طاهر، وما قالوه محمول على المأكول بعد التذكية أو في

стр. 87

الحياة، أما المنفصل من غير المأكول كالحمار الأهلي فنجس. وقالوا إنه عند الشك في طهارة أو نجاسة الأصل المنفصل عنه حكمنا بطهارته. وقالوا عن الشعر على العضو المبان نجس إن كان العضو نجساً تبعاً له. وقالوا إن شعر المأكول المنتتف الطالع بأصوله من الجلد في حالة حياته طاهر، لكنه إذا انفصل أصله مع شيء مما نبت فيه من الجلد وفيهما رطوبة فهو متنجس يطهر بغسله. مذهب الحنابلة: أن الميتة إذا كانت طاهرة في الحياة كالغنم، فصوفها ووبرها وشعرها وريشها طاهر، تبعاً له سواء كانت مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم كالهرة وما دونها في الخلقة كابن عرس١ والفأر لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٢ الذي سيق للامتنان فيشمل حالتي الحياة والموت، أما أصول الشعر والريش إذا نتف وهو رطب أو يابس فنجس، مُعللين ذلك بأن هذه الأصول تعد جزءاً من اللحم فهي نجسة باعتبارها من جملة أجزاء الميتة. فقد جاء في الإنصاف: " ... وصوفها وشعرها وريشها طاهر وكذلك الوبر، يعني الطاهر في حال الحياة وهو المذهب"٣. وجاء في كشاف القناع: " ... وأصول شعرها إذا نتف وأصول ريشها إذا نتف وهو رطب أو يابس، نجس لأنه من جملة أجزاء الميتة، أشبه سائرها، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم لم يستكمل شعراً ولا ريشاً، وصوف ميتة طاهرة في الحياة كالغنم طاهر، وشعرها ووبرها وريشها طاهر، ولو كانت غير مأكولة كهر وما دونها في الخلقة كابن عرس والفأر"٤. وبالموازنة بين أقوال الفقهاء: بشأن طهارة شعر الميتة من عدمه نجد أنهم قد

стр. 88

اختلفوا في هذا على النحو الآتي: المذهب الأول: يرى أن شعر جميع الميتة طاهر، وهم الشافعية، والحنابلة، وما عليه الحنفية في إحدى الروايتين عندهم، والمالكية فيما نقله ابن رشد عن سماع أشهب، وجاء في نص المدونة والرسالة باستحباب غسل الشعر إذا جز، ونقل عن ابن حبيب بوجوب الغسل مطلقا، والصحيح في مذهب المالكية وجوب غسل الشعر إذا تيقنت إصابته بالنجاسة. المذهب الثاني: وهو القول الصحيح عند الحنفية أن شعر ميتة الخنْزير نجس وأضاف محمد بن الحسن شعر ميتة الفيل كذلك. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي: أ – قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ١. حيث امتن الله سبحانه في هذه الآية على عباده ببعض النعم، وهي أنهم ينتفعون في حياتهم الدنيا بأصواف الشياه وأوبار الإبل وأشعار الماعز، فعم بالإباحة والانتفاع حال الحياة والموت، فقد ورد ذلك بلفظ العموم الشامل لإباحة الانتفاع حال الحياة والموت على السواء. ب- ما روى عن أم سلمة ﵂: أنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء" ٢ مع مراعاة الخلاف عند المالكية بشأن مسألة الغسل على ما تقرر في أصل المذهب، وبما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، وأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به" ٣. فهذه النصوص ونحوها تفيد طهارة شعر الميتة وصوفها ونحوهما، وهذا ما قال به أصحاب المذهب الأول.

стр. 89

واستدل أصحاب المذهب الثاني: بقولهم إن كل حيوان تنجس بالموت، كان شعره وصوفه نجس على المنصوص، وذلك لأن الشعر ونحوه متصل بالحيوان اتصال خلقة، فيتنجس بالموت حتى ولو كان من مأكول اللحم، طالما أنه لم يذك حيث اعتبر فيه حكم أصله، وهو ذلك الحيوان الميت. والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: هو القول بطهارة شعر الميتة ونحوه - إلا شعر الخنْزير- وذلك للأحاديث الدالة على طهارة شعر الميتة وصوفها ونحوهما وذلك على نحو ما مرّ من استدلال المذهب الأول. فالشعر وما في حكمه كالصوف والوبر والريش لا وجه للقول بنجاسته، لأنه لو كان كذلك لما أبيح أخذه من الحي –أي حال الحياة– ولهذا كان القول بطهارة الصوف والشعر والريش والوبر ونحو ذلك هو المتمشى مع تحقيق مصالح العباد التي تهدف إلى تحقيقها الشريعة الإسلامية دائماً خاصة وأن هذه الأشياء كثيراً ما تدخل في الصناعات التي تعود علينا بالنفع العظيم، والله تعالى أعلم. ثانياً: آراء العلماء بشأن حكم بيع شعر الميتة: اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع شعر الميتة وما في حكمه، وذلك كأثر طبيعي لاختلافهم السابق بشأن طهارة شعر الميتة ونحوه، فمن قال بطهارة هذه الأشياء، جوز بيعها والتصرف فيها تحقيقاً لمصالح العباد في الانتفاع بهما، في حين أن من قال بنجاسته وعدم طهارته فإنه يمنع بيع هذه الأشياء، ويتضح هذا من خلال ما يأتي: مذهب الحنفية: القول بجواز بيع شعر الميتة وصوفها ووبرها وريشها ونحو ذلك والانتفاع بها. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما عظم الميتة وعصبها وشعرها وصوفها ووبرها وريشها وخفها وظلفها وحافرها فيجوز بيعها والانتفاع بها عندنا ... "١. غير أن فقهاء المذهب قد اختلفوا بشأن حكم بيع شعر الخنْزير، فقيل يجوز بيعه

стр. 90

لأنه طاهر، وقيل لا يجوز بيعه إهانة له لأنه نجس، وهو الصحيح في المذهب، إلا أنهم جوزوا استعماله للخرازين للضرورة لأن عمل الخرز لا يتأتى إلا به١. وجاء في بدائع الصنائع: " ... وأما عظم الخنْزير وعصبه فلا يجوز بيعه لأنه نجس العين، وأما شعره، فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه، والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه، لأنه جزء منه، إلا أنه رخص في استعماله للخرازين للضرورة"٢. وجاء في الهداية: "ولا يجوز بيع شعر الخنْزير لأنه نجس العين فلا يجوز بيعه إهانة له، ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة، فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ... "٣ وجاء في البحر الرائق: "قوله: "وشعر الخنْزير" أي لم يجز بيعه إهانة له لكونه نجس العين كأصله"٤. فنص البحر الرائق على أن شعر الخنْزير لم يجز بيعه، وذلك إهانة له لكونه نجس العين لأصله، ولم يتكلم عن الخرازة به، خلافا لما ورد في الهداية وبدائع الصنائع وغيرهما من النص على أن الخرز بشعر الخنْزير جائز للضرورة خروجا عن الأصل العام عندهم وهو منع بيع شعر الخنْزير عملا بحرمة أصله ونجاسته. مذهب المالكية: قالوا بجواز بيع شعر الميتة مطلقاً –أي حتى ولو كان ذلك من خنزير- فهؤلاء يرون طهارة صوف الميتة ووبرها وشعرها وريشها وزغب الريش، وعلى هذا فإنه يجوز عندهم الانتفاع به وإمكان بيعه، غير أنه يجب على البائع إخبار المشتري بأنه أو ما نسج منه لميتة وسبب ذلك ليس النجاسة وإنما هو كراهة النفوس لذلك. فقد جاء في مواهب الجليل: "فإن أراد بيع الصوف وما معه المأخوذ من الميتة أو

стр. 91

بيع ما نسج منه فعليه أن يبين ذلك فإن النفوس تكرهه"١. مذهب الشافعية: عدم جواز بيع شعر الميتة وريشها وصوفها وما في حكم ذلك، وهذا ما عليه اتفاق فقهاء المذهب الشافعي، بناءً على نجاسة هذه الأشياء، حيث قالوا إن كل حيوان تنجس بالموت، فإن شعره وصوفه نجس على المنصوص، وذلك لأن الشعر ونحوه متصل بالحيوان اتصال خلقه فيتنجس بالموت. فقد جاء في المجموع: " ... ودهن الميتة وعصبها وشعرها.. وكذلك ريشها.. ولا يجوز بيعها بلا خلاف عندنا"٢. وجاء في شرح المحلي على منهاج الطالبين بهامش قليوبي وعميرة " ... وللبيع شروط خمسة: أحدها طهارة عينه، فلا يصح بيع الكلب والخمر وغيرها من نجس العين ... والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره، لأنه في معنى نجس العين، كالخل واللبن، وكذا الدهن كالزيت والسمن، لا يمكن تطهيره في الأصح. والثاني يمكن غسله بأن يصب عليه في إناء ماء يغليه ويحرك بخشبه حتى يصل إلى جميع أجزائه ... "٣. فالاتفاق في مذهب الشافعية: على عدم جواز بيع شعر الميتة لنجاسته، وقد اشترطوا في المبيع طهارة عينه، وقالوا بأن الحيوان يتنجس بالموت، حتى ولو كان أصله طاهراً مأكولاً، وذلك بناء على أن الشعر متصل بالحيوان بطبيعة خلقته، وبالتالي فإن الشعر يتنجس بمجرد الموت. مذهب الحنابلة: جواز بيع شعر وريش الميتة ووبرها، إذا كانت لطاهر حالة الحياة، حيث إن هذه الأشياء طاهرة في المذهب عند الحنابلة، على نحو ما سبق بيانه٤، فلا مانع من بيعها، فإن كانت هذه الأشياء لغير طاهر حال حياته، فإنها تكون نجسة، وبالتالي فلا يجوز بيعها. فقد جاء في الإنصاف: "وصوفها وشعرها طاهر وكذلك الوبر يعني الطاهر في

стр. 92

حال الحياة وهو المذهب"١. أما بالنسبة لأصول الشعر إذا نتفت وأصول الريش إذا نتف فلا يجوز بيعه، سواء كان رطباً أو يابساً وذلك لنجاسته، لأنه من جملة أجزاء الميتة فأشبه سائرها، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم. جاء في كشاف القناع: "الميتة ... وأصول شعرها إذا انتف وأصول ريشها إذا انتف وهو رطب أو يابس نجس، لأنه من جملة أجزاء الميتة أشبه سائرها، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم ... "٢. ويظل هذا على عموم منع بيع الميتة وجميع أجزائها على نحو ما ورد في المرجع السابق أيضاً " ... ولا يصح بيع ميتة ولا شيئ منها ولو لمضطر ... "٣ وعلى هذا فمذهب الحنابلة: أن الشعر إذا كان من حيوان طاهر في حال حياته كالغنم ونحوها فإن ذلك الشعر يكون هو الآخر طاهراً ولا مانع من بيعه، بخلاف ما إذا كان لميتة غير طاهرة حال الحياة، وكذلك أصول الشعر وأصول الريش إذا انتفت وهي رطب فإنها نجسة لا يجوز بيعها. الموازنة: نجد أن أقوال العلماء بشأن بيع شعر الميتة وما في حكمه تتلخص فيما يأتي: أ- جواز بيع شعر الميتة وصوفها ووبرها وما في حكم ذلك والانتفاع به، وهذا مذهب الحنفية والمالكية ومذهب الحنابلة، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنْزير، واشترط المالكية على البائع إبانة ذلك، يعني إبانة أن الصوف صوف ميتة، أو إنه صنع من صوف ميتة أي أنه يجب على البائع بيان ذلك للمشتري، حتى يكون المشتري على بينة من أمره. خاصة وان نفوس الناس تعاف وتكره صوف الميتة. وهذا التحفظ عند المالكية كان لهذا السبب، وليس لأن صوف الميتة عندهم نجس.

стр. 93

ب - منع بيع شعر الميتة وما في حكمه وعدم جواز الانتفاع بذلك، وهو مذهب الشافعية. علماً بأن وجه بحث حكم الشرع بشأن بيع شعر الميتة هنا هو أن أصل الميتة المراد بيع شعرها نجس، وأن الخلاف حاصل بين الفقهاء بشأن مدى طهارة شعر الميتة من عدمه، فجريان الكلام عن بيع شعر الميتة كان مؤسساً على هذا. وقد استدل الحنفية ومن وافقهم: على جواز بيع شعر الميتة وما في حكمه والانتفاع به، استدلوا بأدلة متعددة سبق الاستناد إليها عندما قرر هؤلاء طهارة شعر الميتة وصوفها وريشها وما في حكم ذلك، لأنهم يقولون بطهارة هذه الأشياء، وقد ترتب على هذا قولهم بجواز بيعها وإمكان اعتبارها محلا ً للتعاقد بالبيع ونحوه من جميع التصرفات الأخرى فضلاً عن أن الشعر وما شابهه لا تحله الحياة، وذلك بدليل أن الحيوان لا يتألم ولا يحس إذا قطع منه، وما لا تحله الحياة لا يحله الموت، وذلك لأن الموت خلف الحياة، ولما كان الموت لا يحله، فإنه لا يتنجس به فيكون طاهراً وحيث كان كذلك، فلا مانع من بيعه طالما أنه محل لانتفاع الناس به، لأنه من متطلبات حياتهم. وقد استند الشافعية: فيما ذهبوا إليه من قولهم بمنع بيع شعر الميتة وما في حكمه، استندوا على ما تأصل لديهم من اشتراط طهارة المبيع، وما تقرر من قولهم بنجاسة شعر الميتة وصوفها ووبرها ونحو ذلك، بناء على أنَّ الشعر متصل بالحيوان اتصال حياة وخلقة، وأنه يتنجس بالموت، وبالتالي فإنه لا يمكن الانتفاع به شرعا، ً مما يترتب عليه القول بعدم جواز بيع هذه الأشياء١. والذي يترجح هنا -والله أعلم- هو القول بجواز بيع شعر الميتة وصوفها وريشها ونحو ذلك تأسيساً على رجحان القول بطهارة هذه الأشياء فيما سبق بيانه، مع مراعاة أن هذا الحكم بجواز البيع يستثنى منه شعر الخنْزير لنجاسة عينه، وهذا الترجيح قائم على قوة ما استدل به هؤلاء، ومما يؤكد رجحان القول بجواز بيع شعر الميتة وما في

стр. 94

حكمه كالصوف، والريش، والوبر ونحو ذلك خاصة وأن هذا القول يتلاءم مع مقاصد الشريعة الإسلامية من تحقيق مصالح العباد، لأن هذه الأشياء غالبا ً ما تدخل في الصناعات المتعددة، والتي يتحقق منها النفع العظيم للعباد والذي يعد هدفا ً أسمى من تشريع الأحكام لهؤلاء للعباد.

стр. 95

المبحث الثالث خلاصة القول بشأن بيع الميتة استبان لنا مما سبق من حديث عن بيع الميتة، أو بيع أجزائها ما يأتي: ١- حرمة بيع الميتة، وأن هذا محل اتفاق بين الفقهاء، وذلك تأسيساً على نجاسة عينها، وقد ترتب على هذا حرمة ثمنها والانتفاع بها، حيث إن الميتة تأباها النفوس السليمة وتستقذرها، فضلاً عما أثبته الطب الحديث من أن الميتة تعتبر موضعاً لاحتواء الميكروبات والمواد الضارة فهي مضرة بالصحة لاحتباس الدم فيها، وتزاحم الميكروبات عليها. وقد ثبتت حرمة الميتة بالنص الصريح حيث قال سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ وقد ذكر الإجماع على تحريمها معظم العلماء كالماوردي٢، والمقدسي٣، والبهوتي٤ وغيرهم٥.

стр. 96

٢- أنه قد خرج عن هذا الأصل جواز اتخاذ بعض أجزائها استثناء من الحكم العام فيها وهو الحرمة، وذلك تحقيقاً لمنافع العباد، ورفعاً للحرج عنهم، أو لما لحق بها في إزالة النجاسة كالدبغ مثلاً، أو كان ذلك لضرورة١، أو للنص على الجواز ويتضح هذا بما يأتي: أ- أن بيع شعر الميتة وصوفها ووبرها ونحوه جائز عند الجمهور، لطهارته خلافاً للشافعية الذين يرون عدم جواز البيع بسبب نجاسة هذه الأشياء. ب- أن بيع جلد الميتة بعد دبغه جائز عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وابن وهب في سماعه عن ابن القاسم، خلافاً لما روى عن الإمام مالك في رواية عن ابن القاسم، وقال الحنفية بإمكان بيعه قبل الدبغ أيضاً لأن النجاسة غير مانعة من صحة البيع عندهم.

стр. 97

الفصل الثاني بيع الدم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الدم المسفوح. المبحث الثاني: حكم بيع الدم المسفوح. المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الدم.

стр. 98

التمهيد الدم وسيلة الحياة في جسم الإنسان وفي كثير من الحيوانات الأخرى١، فهو في الإنسان يعتبر عضواً من الأعضاء المهمة التي تقوم بوظائف عديدة لا غنى عنها للإنسان٢، فهو من حيث إنه سائل يجري في أوصال الإنسان وأجزاء جسده لينشر بها الحياة ويزودها بالغذاء والدفء٣ فالدم يحمل الغذاء الممتص من المعدة والأمعاء لينشره ويوزعه على جميع أجزاء الجسد، ودوران الدم مظهر من مظاهر الحياة، فالقلب يضخه، والكبد يستقلب أملاحه وسمومه، والكلية تصفيه٤، هذا والمراد بالدم -هنا- دم الحيوان وهذا الدم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: الدم المسفوح. والثاني: الدم غير مسفوح. وفي المباحث الآتية نستوضح تعريف الدم المسفوح مع بيان حكمه وحكم بيعه: المبحث الأول تعريف الدم المسفوح الدم في اللغة: سائل أحمر يسري في عروق الحيوان، وقيل المدُمَّى شديد الحمرة، يقال ثوب مُدمَّى، وخيل مدماة، ويقال دَمَىِ الجُرحُ دَمَّى ودمياً، خرج منه الدم ولم يسل فهو دم، ويقال أدمى فلانا: ضربه حتى خرج منه الدم٥. فقد جاء في مختار الصحاح: "الدم أصله دموُ بالتحريك، وتثنيته دميان، وبعض العرب يقولون: دموان، وقال سيبويه٦: أصله دَمْىُ، وقال المبرد٧: أصله دمى

стр. 99

بالتحريك، وتصغير الدم دُمَىُّ، وجمعه دماء"١. وفي المصباح المنير: "دمَى الجرح دَمىً من باب تعب، ودمياً أيضاً على الصحيح خرج منه الدم فهو دم.... ويقال أصل الدم دَمْى بسكون الميم، لكن حذفت اللام وجعلت الميم حرف إعراب، وقيل الأصل بفتح الميم ويثنى بالياء فيقال دميان، وقيل أصله واو ولهذا يقال دموان، وقد يثنى على لفظ الواحد فيقال دمان"٢. فالدم من حيث وصفه عند علماء اللغة يقوم على وصف مهم وهو الحمرة، على اختلاف درجاتها خاصة ما كان منها شديداً في حمرته، والوصف الآخر هو السيلان بحيث يكون جارياً في عروق الحيوان وغيره من كل ما هو حي. والمسفوح في اللغة: هو المصبوب أي المراق المنصب. فقد جاء في المصباح المنير: "سفح الرجل الدم والدمع سفحاً من باب نفع صبه وربما استعمل لازماً فقيل سفح الماء إذا انصب فهو مسفوح وسافح، وسافح الرجل المرأة مسافحة وسفاحاً من باب قاتل وهو المزاناة، لأن الماء يصب ضائعاً، وفي النكاح غُنْية عن السفاح، وسفح الجبل مثل وجهه وزناً ومعنىً"٣. فالسفح هو الصب والإراقة والانصباب، وهو في كل هذا معناه الجاري المهراق، فالدم هو الدم الجاري من مورده عند موجب هذا وتحقق سببه. الدم المسفوح في عرف الشرع: هو الدم الجاري المسال وهو المهراق أو المصبوب والمنصب وهو الدم الذي جرى بعد موجب خروجه وهو الذكاة. فقد جاء في مواهب الجليل: " ... قال في التوضيح: المسفوح: الجاري"٤.

стр. 100

وجاء في حاشية الدسوقي: "والحاصل أن الدم إذا جرى بعد موجب خروجه وهو الذكاة كان مسفوحاً"١. فالدم المسفوح هو الدم المراق الجاري ومنه ذلك الذي يسيل من الحيوان المأكول اللحم ويخرج عند تذكيته ٢. حكم الدم عند الفقهاء مذهب الحنفية: اتفق فقهاء الحنفية على أن المحرم من الدم إنما هو الدم المسفوح دون الدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح، لأنه طاهر لعدم وصفه بالمسفوح، وخرج عليه دم الأوزاغ٣ والدماء السائلة من جميع الحيوانات. واختلفوا في حكم دم السمك فذهب أبو يوسف إلى أنه نجس خلافاً لأبي حنيفة ومحمد اللذين يقولان بطهارته. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... ودم الأوزاغ نجس؛ لأنه سائل، وكذا الدماء السائلة من سائر الحيوانات ... وأما دم السمك فقد روى عن أبي يوسف أنه نجس ... وعند أبي حنيفة ومحمد طاهر ... والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح ... "٤. مذهب المالكية: ذهب فقهاء المالكية إلى أن الدم المسفوح، وهو الدم الذي يجري بعد موجب خروجه وهو الذكاة الشرعية نجس، وأن الحكم بالنجاسة يشمل الدم

стр. 101

الخارج من السمك والقُرَاد١ والذباب والحلم٢. فقد جاء في حاشية الدسوقي: "والحاصل أن الدم إذا جرى بعد موجب خروجه وهي الذكاة كان مسفوحاً، وهو نجس"٣. وجاء في مواهب الجليل: " ... ودم لم يسفح قال في التوضيح المسفوح الجاري، وغير المسفوح كالباقي في العروق، وقال ابن فرحون٤ كالباقي في محل التذكية وفي العروق، وهو طاهر مباح الأكل على ظاهر المذهب. انتهى. وهو المشهور؛ وقيل نجس، وانظر ما مراده بالباقي في محل التذكية، هل أثر الدم الذي في محل ذبح الشاة، أو الدم الذي يبقى في محل نحر الشاة ويخرج بعد سلخها إذا طعنت، فإن أراد الأول فهو نجس لأنه من الدم المسفوح ... تنبيهان: الأول: قد يفهم من قوله في التوضيح أن المسفوح هو الدم الجاري: أن ما لم يجر من الدم داخل في غير المسفوح وأنه طاهر ولو كان من آدمي أو ميتة أو حيوان حي وهو كذلك، فقد قال اللخمي٥: الدم على ضربين: نجس، ومختلف فيه؛ فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا خرج في حال الحياة أوفي حين

стр. 102

الذبح لأنه مسفوح؛ واختلف فيما بقي في الجسم بعد الذكاة، وفي دم ما ليس له نفس سائله وفي دم الحوت: انتهى. فيفهم من كلام اللخمي أن دم الآدمي والحيوان الذي لا يؤكل والميتة نجس مطلقاً سواء جرى أو لم يجر وهو ظاهر ... ويؤيد ذلك قول البساطي١ هنا: مراد المصنف أن الدم الذي لم يجر بعد موجب خروجه شرعاً فهو طاهر، فخرج الدم القائم بالحي لأنه لا يحكم عليه بالطهارة ولا بالنجاسة، والدم المتعلق بلحم الميتة وأنه نجس، وما جرى عند الذكاة فإنه أيضاً نجس. الثاني: الدم الذي يخرج من قلب الشاة إذا شق هل هو مسفوح أو غير مسفوح، لم أر فيه نصاً، والذي يفهم من كلام البرز لي٢ واللخمى أنه غير المسفوح فتأمله"٣. فالنص يفيد: أن ابن فرحون خص الدم غير المسفوح بالباقي في محل التذكية وفي العروق، واعتبر هذا النوع من الدم على هذا الحال طاهراً مباحاً أكله على ظاهر مذهب المالكية. في حين أن البعض يرى نجاسة ذلك النوع من الدم؛ وتساءل صاحب مواهب الجليل عن مراد من قال بنجاسة الدم غير مسفوح، واعتبر نجاسته إذا كان مراده بهذا أثر الدم في محل الذبح، وقال لأنه على هذا الحال يكون من الدم المسفوح المقرر نجاسته، ثم استطرد موضحا ًما ذكره صاحب التوضيح بأنه حيث تقرر أن الدم المسفوح هو الدم الجاري، فإنه يترتب على هذا أنه ما لم يجر من الدم داخل في غير

стр. 103

المسفوح، وأنه طاهر حتى لو كان من آدمي أو ميتة أو حيوان حي، وعرض لما قاله اللخمي: من أن الدم على ضربين: أحدهما: نجس مثل دم الإنسان ودم ما لا يجوز أكله ودم ما يجوز أكله إذا خرج في حال الحياة أو وقت الذبح لأنه مسفوح. وثانيهما: مختلف فيه وهو ما بقي في الجسم بعد الذبح، وكذا دم الحوت، ودم ما ليس له نفس سائلة. وهذا يفهم منه: أن دم الآدمي والحيوان الذي لا يؤكل والميتة نجس مطلقاً سواء جرى أو لم يجر، وقال صاحب المواهب: إن هذا هو الظاهر. ثم عرض للدم الخارج من قلب الشاة عند شقه هل هو مسفوح أم لا؟ قائلاً بأنه لم يرد فيه نص، ومفهوم كلام البرزلي واللخمي أنه غير مسفوح. وفي الشرح الكبير: "وأن النجاسة تشمل حتى الدم الخارج من السمك، والذباب، والقراد، ودم مسفوح ولو من سمك، وذباب، وقراد، وحلم"١. وفي حاشية الدسوقي: " ... وهل الدم المسفوح الذي في السمك هو الخارج عند التقطيع الأول، لا ما خرج عند التقطيع الثاني، أو الجاري عند جميع التقطيعات، واستظهر بعض الأول"٢. أما ابن العربي من المالكية: فقد ذهب إلى طهارة الدم الخارج من السمك والذباب والقراد ونحوها وتظهر ثمرة الخلاف في أكل السمك الذي يوضع بعضه فوق بعض ويسيل دمه، فعلى كلام ابن العربي يؤكل كله، وعلى القول الآخر لا يؤكل منه إلا الصف الأعلى فقط٣. وجاء في مواهب الجليل: " ... خلافاً لمن قال بطهارته منها أي من المذكورات

стр. 104

وهو ابن العربي١"٢. فالمستفاد من نصوص المالكية: أن الدم المسفوح هو الدم الذي يجري بعد موجب خروجه وهو الذكاة، وأن هذا الدم نجس، وأن ما يقابله في الوصف والحكم إنما هو الدم غير المسفوح، وهو الباقي في العروق، حيث قالوا بطهارته وإباحة تناوله تبعاً لما علق به من اللحم والعظم. واختلفوا في الدم الباقي في محل الذبح: فقيل: إنه نجس، غير أن المشهور في المذهب أنه طاهر مباح الأكل، وقال اللخمي من المالكية: إن دم الآدمي ودم الحيوان الذي لا يؤكل والميتة نجس مطلقاً سواء جرى أم لم يجر، وقد اختلفوا كذلك بالنسبة للدم الخارج من السمك والذباب والقراد ونحو ذلك، وأن الظاهر في المذهب ما قال به ابن العربي من القول بطهارته. مذهب الشافعية: ذهب فقهاء الشافعية إلى نجاسة الدم المسفوح، حتى لو تحّلب من سمك أو كبد أو طحال، مع العلم بأن الكبد والطحال طاهران عندهم. فقد جاء في نهاية المحتاج: "والمستحيل في باطن الحيوان نجس فمنه دم ... ولو تحلب من سمك وكبد وطحال لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٣ أي سائلاً ... وخرج بالمسفوح في الآية الكبد والطحال"٤. واختلف فقهاء المذهب الشافعي في حكم الدم الباقي على اللحم والعظم من البهائم

стр. 105

المذبوحة، فذهب الحليمي١ وجماعة إلى أنه نجس معفو عنه وهو الظاهر في المذهب، لأنه دم مسفوح إلا أنه لم يسل لقلته وقال غيرهم إنه طاهر، وقيل إن مراد من عبر بالطاهر أنه معفو عنه. وجاء في مغني المحتاج: " ... أما الدم الباقي على اللحم فقيل إنه طاهر ... وظاهر كلام الحليمي وجماعة أنه نجس معفو عنه، وهذا هو الظاهر؛ لأنه دم مسفوح، وإن لم يصل لقلته"٢. وفي نهاية المحتاج: "أما الدم الباقي على اللحم وعظامه من المذكاة فنجس معفو عنه كما قاله الحليمي ... فمراد من عبر بطهارته أنه معفو عنه"٣. واختلف فقهاء المذهب في دم السمك: فقالوا إنه نجس كغيره من الدماء، وقيل بل طاهر لأن ميتة السمك طاهرة فكذا دمه. فقد جاء في المهذب: "وفي دم السمك وجهان: أحدهما نجس كغيره، والثاني طاهر؛ لأن ميتة السمك طاهرة فكذا دمه"٤. ونقل عن فقهاء الشافعية هذا الخلاف في دم الجراد، ونقل عن الرافعي مثله في الدم المستحلب من الكبد والطحال، والصحيح في المذهب النجاسة في كل ذلك. وجاء في المجموع: "أما الوجهان من دم السمك فمشهوران، ونقلهما الأصحاب أيضاً في دم الجراد، ونقلهما الرافعي٥ أيضاً في الدم المستحلب من الكبد

стр. 106

والطحال، والأصح في الجميع النجاسة"١. فالمستفاد من نصوص الشافعية: أن الدم المسفوح نجس، وأن هذا الحكم يشمل ما تحلب في الأصل من سمك وكبد وطحال. أما بالنسبة للدم الباقي على اللحم والعظم من البهائم المذبوحة فقد اختلفوا في حكمه، فقال الحليمي ومن وافقه إنه نجس، وهذا هو الظاهر في المذهب، وذلك لأنه دم مسفوح غير أنه لم يسل لقلته، ويرى الآخرون أنه طاهر. وقد فسروا هذا بأنه معفو عنه. مذهب الحنابلة: قال الحنابلة بنجاسة الدم المسفوح، وقد استثنوا من هذا الحكم دم السمك حيث قالوا بطهارته باعتبار أن ميتته طاهرة مباحة، وأن ما له نفس سائلة كالذباب والبق والبراغيث والقمل ونحو ذلك، فقد اختلف فقهاء المذهب بالنسبة لحكم دمه حيث وجدت روايتان في المذهب الحنبلي، الأولى: أنه نجس حيث إنه يشبه الدم المسفوح، والثانية: أنه طاهر لأنه دم حيوان لا ينجس بالموت. وأما بالنسبة للدم الباقي على العروق فمباح عندهم. فقد قال ابن الجوزي٢: "المحرم هو الدم المسفوح"٣. وجاء في الكافي: "والدم نجس ... إلا دم السمك فإنه طاهر، لأن ميتته طاهرة مباحة، وفي دم ما لا نفس له سائله كالذباب والبق والبراغيث والقمل، روايتان؛ إحداهما: نجاسته، لأنه دم أشبه المسفوح. والثانية: طهارته، لأنه دم حيوان لا ينجس

стр. 107

بالموت، أشبه دم السمك، وإنما حرم الدم المسفوح"١. أما بالنسبة للدم الباقي على العروق، والدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح، وما بقي من العروق فمباح. فهذا النص يفيد: أن الأصل في الدم نجاسته، وأن دم السمك طاهر وذلك على سبيل الاستثناء من هذا الأصل، وأن الخلاف حاصل في المذهب الحنبلي حول دم ما لا نفس له سائلة، مثل الذباب ونحوه مابين القول بطهارته والقول بنجاسته، وأن الدم الباقي على العروق وفي خلل اللحم فمباح عندهم. فقد جاء في الإنصاف: " ... قال في الفروع: ولم يذكر جماعة إلا دم العروق. وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافاً في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرق، بل يؤكل معها"٢. وجاء في نفس الموضع "غير ما يبقى منه في عرق مأكول بعد ذبحه ولو ظهرت حمرته أي حمرة دم عرق المأكول فإنه طاهر مباح، وكذا ما يبقى في خلال اللحم بعد الذبح طاهر"٣. هذا: وقد اختلف فقهاء المذهب الحنبلي في دم السمك والبق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها، فالصحيح في المذهب أنها طاهرة وقيل إنها نجسة. " ... ومنها: دم السمك وهو طاهر على الصحيح في المذهب وعليه الأصحاب، ويؤكل وقيل نجس ومنها: دم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها وهو طاهر على الصحيح من المذهب ... وهذا ظاهر المذهب ... وعنه نجس"٤. وجاء في كشاف القناع: "وغير دم سمك وغير دم بق وقمل وبراغيث وذباب

стр. 108

ونحوه مما لا يسيل دمه فدمه طاهر"١. واتفق فقهاء المذهب الحنبلي على طهارة الكبد والطحال وأنهما دمان. فقد جاء في الإنصاف: "ومنها الكبد والطحال وهما دمان. لا خلاف في طهارتهما"٢. فالحنابلة: يرون أن الدم المسفوح نجس، وأنه بالنسبة لدم السمك فهو طاهر باعتبار أن ميتته طاهرة، وإن كان نص الإنصاف يفيد أنه مختلف فيه، وأن الصحيح في المذهب أنه طاهر وهذا ما عليه الأصحاب وقالوا بجواز أكله، وقيل إنه نجس. أما بالنسبة لدم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها فالصحيح في المذهب أنه طاهر، وهذا هو الظاهر في المذهب، وعنه أنه نجس، ولم يذكر هذا الخلاف صاحب الكشاف بل نص على القول بطهارته. أما الدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح، وما بقى في العروق، فقد قال الحنابلة إنه مباح. أما الكبد والطحال فهما دمان وأنه لا خلاف عندهم في طهارته. الموازنة: بمطالعة ما ذكره العلماء بشأن حكم الدم يتضح الآتي: أولاً: بالنسبة للدم المسفوح: فالإجماع حاصل بين الفقهاء على حرمة تناوله كثيراً كان أم قليلاً، وهو الذي يسيل من الحيوان الحي، وكذلك الحيوان الذي يحرم أكله وإن ذكي، أي إن الدم المسفوح وهو الخارج من الذبيحة عند ذبحها وكذا الذي يسيل منها حال حياتها حرام بالاتفاق بين العلماء. ووجه هذا التحريم: أن مثل هذا النوع من الدم يحمل الرطوبات النجسة وأنه لا يطيب اللحم إلا بخروجه، ولهذا تقرر عند عامة الفقهاء تحريم تناول الدم المسفوح وعدم جواز الانتفاع به، وأنه لا يجوز اعتباره محلاً للتداول بين الناس، سواء كان من مأكول اللحم أو كان من غيره، بل هذا أولى بالحكم، وهذا وجه ما استند عليه العلماء

стр. 109

في أمر تحريم الدم المسفوح وما في حكمه. وعلى هذا فالدم المسفوح نجس، ويحرم تناوله والانتفاع به، وذلك لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ٣. وفي هذا يقول الشوكاني٤: اتفق العلماء على أن الدم حرام وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٥ فيحمل المطلق على المقيد، لأن ما خلط باللحم غير محرم. ونقل القرطبي٦ الإجماع في ذلك٧. هذا: وهناك أدلة تدل على تحريم الدم وعلى نجاسته منها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٨. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ٩.وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ

стр. 110

مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ١. أن امرأة جاءت إلي النبي ﷺ وقالت له: "إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي" ٢. فالسنة المطهرة أوضحت أن الدماء كلها نجسة من آدمي أو حيوان، وذلك بدليل الأمر بالغسل والمبالغة في إزالته، وهذا دليل على نجاسته، وذلك مفهوم من الحديث السابق، ولهذا كانت الدماء المسفوحة كلها نجسة، وذلك بإجماع الفقهاء لثبوت نجاسة الدم بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، وحيث ثبت نجاسته، فإن حكمه من حيث التناول والانتفاع يكون هو الآخر محرماً، ثم يترتب على هذا كله عدم إمكان اعتباره محلاً للبيع وغيره من جميع التصرفات الأخرى على نحو ما سيرد إن شاء الله. وقال ابن العربي: "اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى ها هنا مطلقاً٣ وعينه في سورة الأنعام مقيداً بالمسفوح، وحمل العلماء ها هنا٤ المطلق على المقيد إجماعاً"٥. وقال أيضاً: "الصحيح أن الدم إذا كان مفرداً حرم منه كل شيء وإنما حرم الدم بالقصد إليه" ٦. وفي هذا يقول العلامة الشوكاني: "وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام". وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٧. فيحمل المطلق على المقيد٨.
следующие страницы →