← Акыда

Акыда · id 7575

التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (122 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.. فهذا شرح مختصر للقصيدة السنية والمنظومة البهية المشهورة بـ (الحائية) لناظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف رحمهما الله. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه، وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود رحمة الله فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح.

стр. 2

قال الذهبي ﵀ منوهاً بهذه المنظومة مبيناً لأهميتها: " هذه القصيدة متواترة عن ناظمها رواها الآجري وصنف لها شرحاً، وأبو عبد الله ابن بطة في الإبانة"١، وممن شرحها ابن البناء ٢، وشروحاتهم لا أعلم لها وجوداً، وممن شرحها أيضاً الإمام السفاريني وشرحه لها مطبوع في مجلدين بعنوان "لوائح الأنوار السَنية ولواقح الأفكار السُنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية". وقد سميت هذا الشرح "التحفة السَنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية" وأصله دروس ألقيتها في مسجد الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام ١٤١٧هـ كتبه عني أحد طلاب العلم فيها وهو الأخ الفاضل يحيى بن علي يحيى، ثم قمت بمراجعته والإضافة عليه وتنقيحه حسب الاستطاعة، وهو جهد المقل وبضاعة الضعيف المقصر، فما كان فيه من حق وصواب فهو من الله وحده، وما كان فيه من خطأ ونقص فهو بسبب ضعفي وقصوري وقلة علمي، ولا يفوتني هنا أن أشكر كل من قدم أي نوع من أنواع المساعدة والتعاون في سبيل إخراج هذا الكتاب سواء في صفه وتنضيده، أو مراجعته وتصحيحه، أو طباعته ونشره، وأسأل الله أن يجزي الجميع خير الجزاء، كما أسأله أن ينفع به ويتقبله بقبول حسن ويجعله لوجهه خالصاً ولعبادة نافعاً إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 3

ترجمة موجزة للناظم ابن أبي داود١ اسمه ونسبه وكنيته: هو الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، عبد الله بن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث، أبو بكر السجستاني. ولادته: ولد الإمام أبو بكر بن أبي داود بسجستان في سنة ثلاثين ومائتين (٢٣٠ هـ) . نشأته وطلبه للعلم: سافر به أبوه وهو صغير من سجستان يطوف به شرقاً وغرباً بخراسان وأصبهان وبغداد والكوفة ومكة والمدينة والشام ومصر وغيرها يسمع ويكتب، واستوطن ببغداد، وكان أول شيخ سمع منه محمد بن أسلم الطوسي، وسر أبوه بذلك؛ لجلالة محمد بن أسلم. وكان ذا أهمية عالية منذ صغره في التحصيل والطلب، ومن دلائل هذه الهمة قوله ﵀:"دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، فأخذت به ثلاثين مد باقلا، فكنت آكل منه، وأكتب عن أبي سعيد الأشج، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثين ألف حديث ما بين مقطوع ومرسل"٢ وكان حافظاً متقناً، قال رحمة الله: "حدثت من حفظي بأصبهان بستة وثلاثين ألف حديث، ألزموني الوهم فيها في سبعة أحاديث فلما انصرفت

стр. 4

وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت أحدثهم به".١ ويقول تلميذه أبو حفص ابن شاهين مبيناً قوة حفظه: "أملى علينا ابن أبي داود سنين وما رأيت بيده كتاباً، إنما كان يملي حفظاً فكان يقعد على المنبر بعدما كبر ويقعد دونه بدرجة ابنه أبو معمر بيده كتاب فيقول حديث كذا فيسرده من حفظه حتى يأتي على المجلس". بعض شيوخه: روى عن أبيه، وأحمد بن صالح، ومحمد بن بشار، وعمرو بن عثمان الحمصي، وإسحاق الكوسج، وعمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن يحيى الذهلي. بعض تلاميذه: حدث عنه خلق كثيرون منهم ابن حبان صاحب الصحيح، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وأبو أحمد الحاكم، وابن بطة، ومحمد بن عمر بن زنبور الوراق، وأبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، ونصف بن علي الوزير، وأبو القاسم بن حبابة. مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه: ـ قال الحافظ أبو محمد الخلال: " كان ابن أبي داود إمام أهل العراق، ومن نصب له السلطان المنبر، وقد كان في وقته بالعراق أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغه هو". ـ وقال الخطيب البغدادي: " كان فقيهاً عالماً حافظاً".٢ ـ وقال ابن خلكان: "كان أبو بكر ابن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد، عالماً متفقهاً عليه إماماً".

стр. 5

ـ وقال الذهبي: "وكان من بحور العلم بحيث إن بعضهم من فضله على أبيه". وقال أيضاً: "كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد". وقال أيضاً: "والرجل من كبار علماء المسلمين ومن أوثق الحفاظ". عقيدته: كان ﵀ على عقيدة السلف أصحاب الحديث، وليس أدل على ذلك من منظومته الحائية هذه، فإنه قرر فيها ـ وعلى وجازتها ـ مجمل الاعتقاد على طريقة أهل السنة والجماعة. وقد ثبت عنه أنه قال عقب هذه المنظومة: " هذا قولي، وقول أبي، وقول شيوخنا، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال علي غير ذلك فقد كذب". وهي منظومة عظيمة في تقرير المعتقد الحق الذي كان عليه أهل السنة والجماعة تدل على مكانة ناظمها وسعة باعه، وحسن معتقده، وطيب نصحه. وعلى كلٍ فإمامة ناظمها ومكانته معروفة لدى أهل العلم، فهو من أئمة السلف، وأوعية السنة، وحفاظ الحديث، ودعاة الحق والهدى، متفق على إمامته وفضله ﵀ وغفر له ولجميع أئمة المسلمين. مؤلفاته: وصفه الذهبي بأنه صاحب التصانيف، فمن جملة تلك التصانيف: السنن، والبعث، والمصاحف، وشريعة المقارئ، والناسخ والمنسوخ.

стр. 6

وفاته: توفي ﵀ ببغداد في شهر ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة (٣١٦هـ) عن سبعة وثمانين عاماً، وقيل صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر، وخلف ثلاثة بنين: عبد الأعلى، ومحمداً، وأبا معمرٍ عبيد الله، وخمس بناتٍ.

стр. 7

نص المنظومة قال ﵀: (تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيًا لعلك تفلح) (ودن بكتاب الله والسنن التي (وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... أتت عن رسول الله تنجو وتربحُ) بذلك دان الأتقياء وأفصحوا) (ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهمٍ وأسجحوا) (ولا تقل القرآن خلقٌ قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ) (وقل يتجلى الله للخلق جهرةً ... كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ) (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ ... وليس له شبهٌ تعالى المسبح ُ) (وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرحُ) (رواه جريرٌ عن مقال محمدٍ ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجحُ) ١٠ (وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح ُ) ١١ (وقل ينزل الجبار في كل ليلةٍ ... بلا كيف جل الواحد المتمدحُ) ١٢ (إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتحُ) ١٣ (يقول ألا مستغفرٌ يلقى غافراً ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنحُ) ١٤ (روى ذاك قومٌ لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا) ١٥ (وقل: إن خير الناس بعد محمدٍ ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجحُ) ١٦ (ورابعهم خير البرية بعدهم ... عليٌ حليف الخير بالخير منجحُ) ١٧ (وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرحُ) ١٨ (سعيدٌ وسعدُ وابن عوف وطلحة ... وعامر فهرٍ والزبير الممدحُ) ...

стр. 8

١٩ (وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تك طعاناً تعيب وتجرحُ) ٢٠ (فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آيٌ للصحابة تمدح ُ) ٢١ (وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين، والدين أفيحُ) ٢٢ (ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصحُ) ٢٣ (وقل يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرحُ) ٢٤ (على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذا جاء يطفحُ) ٢٥ (وإن رسول الله للخلق شافعٌ ... وقل في عذاب القبر حقٌ موضحُ) ٢٦ (ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفحُ) ٢٧ (ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقالٌ لمن يهواه يردي ويفضحُ) ٢٨ (ولا تكن مرجيًا لعوباً بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزحُ) ٢٩ (وقل: إنما الإيمان: قول ونيةٌ ... وفعلٌ على قول النبي مصرحُ) ٣٠ (وينقص طوراً بالمعاصي وتارةً ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجحُ) ٣١ (ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرحُ) ٣٢ (ولا تك من قومٍ تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدحُ) ٣٣ (إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خيرٍ تبيت وتصبحُ)

стр. 9

الاعتصام بالكتاب والسنة ومجانبة البدع (تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيًا لعلك تفلح ُ) (ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربحُ) بدأ الناظم منظومته في الاعتقاد بهذين البيتين العظيمين، وهذان البيتان فيهما الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة والتحذير من البدع، وقد بدأ بهما قبل بيان الاعتقاد ومسائله على طريقة أهل السنة في كتب الاعتقاد وقد جرت عادتهم في الغالب على البدء بهذا الأمر، وهذا منهم تحديدٌ لمصدر التلقي في أصول الدين وفروعه؛ ليكون بناء المعتقد وقيامه على أسس سليمة وأصول صحيحة قويمة، وعندما يحدد العبد مصدره في التلقي، ويكون مصدره من المنبع الأساس وهو الكتاب والسنة، فإنه يرى ما سواه من المنابع كدراً، فلا يأخذ منها شيئاً ولا يجعلها مصدراً له في دينه وعقيدته، وإنما يتلقى من المنبع الصافي والمعين النقي الذي لا شائبة فيه ولا كدر، فيسلم له بذلك معتقده ويصح إيمانه. وأهل السنة مصدرهم في التلقي هو: الكتاب والسنة، بهما يأخذون، وعنهما يتلقون، وعليهما يعولون، لا يحيدون عنهما قيد أنملةٍ بل هم كما قال الأوزاعي: "ندور مع الكتاب والسنة حيث دارا"، ولا يحدثون شيئاً من قبل أنفسهم.

стр. 10

يقول شيخ الإسلام ﵀: "ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني، الاعتقاد لله ولرسوله ﷺ ". فمن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق والتسليم. ولذا نجد كتب أهل السنة تبدأ بتحديد المصدر قبل بسط الاعتقاد، وهذا نستفيده مما كان يداوم عليه رسول الله ﷺ في خطبة الجمعة، فكان دائماً يقول في مقدمتها: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها...."١ الحديث. وتكراره ﷺ لذلك كل جمعة فيه تأكيد على أهمية العناية بهذا المصدر وضرورة رعايته والمحافظة عليه. قوله: (تمسك) التمسك في اللغة الأخذ بالشيء والاعتصام به، وهذا مأخوذ من قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:١٠٣) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (لأعراف:١٧٠) (حبل الله) للعلماء فيه أقوال، وأكثرها عند المفسرين: القرآن كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀، وهو مراد الناظم هنا؛ لأنه ذكر السنة بعده،

стр. 11

والناظم ﵀ بقوله: "تمسك بحبل الله" يخاطب السني ويقول له: ليكن مرجعك دائماً وأبداً كتاب الله، ومع تمسكك به: (اتبع الهدى) أي: السنة. و (الهدى) في الكتاب والسنة يطلق على أمرين: ١- التوفيق والإلهام. ٢- الدلالة والبيان والإرشاد. ومن خلال السياق يمكن معرفة المراد. فقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص:٥٦) وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية٢٧٢) وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (لأعراف:١٧٨) وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) كل هذه الآيات في هداية التوفيق، وليست لأحد غير الله تعالى وكان النبي ﷺ يستهدي ربه فيقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الهدى والسداد" ١ فالذي يشرح الصدر ويوفق ويهدي هو الله ولذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه ﷺ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص:٥٦)

стр. 12

والأخرى: هداية الدلالة والبيان. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت:١٧) ولو كان من باب هداية التوفيق لما استحبوا العمى على الهدى. قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:١٠) وهذه الهداية تكون كذلك للأنبياء والصالحين والعلماء، ومن ذلك قوله تعالى في حق رسوله ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: من الآية٥٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة:٢٤) (اتبع الهدى) أي ألزم طريق الهدى والرشاد الذي بينه ودل عليه رسول الله ﷺ فهو خير هديٍ وأكمله، وفي الحديث يقول ﷺ "وخير الهدى هدى محمد" ١، وفي رواية:"وخير الهدي" الهدى: لدلالة والإرشاد، والهدي: الطريق، وهديه ﷺ ما بينه للناس ودلهم عليه مما أوحى إليه ربه، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وهديه ﷺ هو خير زاد ليوم المعاد، والوقوف بين يدي رب العباد. وفي حثه ﵀ على التمسك بالسنة إبطال لقول الطائفة الضالة الذين يتسمون بـ (القرآنيين) الذين يقولون: نحن لا نأخذ إلا بالقرآن، ومن

стр. 13

كان كذلك فهو ليس بآخذٍ حتى بالقرآن؛ لأن الله قد أمر في كتابه في آيات عديدة بالأخذ بالسنة والتمسك بها، ولذا لا يكون العبد متمسكاً بالقرآن إلا إذا أخذ بالسنة، فلا بد من الأخذ بالأمرين معاً. قال الله تعالى آمراً أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (الأحزاب:٣٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية٧) الشطر الأول من البيت وهو قوله: (تمسك بحل الله واتبع الهدي) فيه تحديدٌ للمصدر في التلقي، ولما حدده حذر من مخالفته فقال: (ولا تك بدعياً) . وهو بهذا السياق يشير إلى أصل مهم وهو: أن من نخلى عن حبل الله وتخلى عن السنة فهو آخذ بسبيل بدعة وضلالة؛ ولذا عرف بعض أهل العلم البدعة: بما ليس بالسنة. فالناظم ﵀ يقول: ولا تك بدعياً بترك الكتاب والسنة، وهو بهذا يشير إلى الهُوَة العميقة التي سقط فيها المبتدعة جميعاً، وهي تركهم للكتاب والسنة، وإلا كانوا أهل سنة وجماعة، ولما كانوا أهل أهواء وبدع، فالبدعي هو: من ترك الكتاب والسنة ولم يتلق عنهما، ولم يأخذ دينه منهما. ومن نظر إلى عامة أهل البدع وجد أن منشأ ضلالتهم هو عدم التمسك بالكتاب والسنة، إما بالاعتماد على العقول والآراء، أو المنامات، أو الحكايات، أو غير ذلك مما جعله أهل الأهواء مصدراً لهم في الاستدلال.

стр. 14

وقوله: (لعلك تفلح) هذه نتيجة التمسك بالكتاب والسنة واجتناب البدع. و (الفلاح) كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وقد قيل لا كلمة في اللغة أجمع للخيرات من كلمة الفلاح، والفلاح لا يكون إلا بالتمسك بالكتاب والسنة والابتعاد عن البدع، ومن لم يتمسك بالكتاب والسنة، وذهب إلى شيء من تلك المصادر لم يفلح؛ ولهذا جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: "ما ارتدى أحدٌ بالكلام فأفلح"؛ وعندما ناظر الشافعي بشراً فتغلب عليه وخرج بشرٌ قال الشافعي: "لا يفلح". وهذا المعنى دل عليه القرآن الكريم كما في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة:١-٥) و (لعل) عند الناظم هنا ليست للترجي؛ لأن من اعتصم بالكتاب والسنة ففلاحه متحقق، إلا إن قصد فعل العبد بتحقيقه لهذا المقام وتتميمه لهذا الاعتصام. ثم قال ﵀ مؤكداً على لزوم التمسك بالكتاب والسنة: (ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح)

стр. 15

(دن) فعل أمر من الفعل دان يدين ديناً. والمعنى: أقم دينك على الكتاب والسنة وآمن وأطع وامتثل ما جاء فيهما، بتصديق الأخبار وفعل الأوامر وترك النواهي. وقوله: " والسنن التي أتت عن رسول الله " السنن: جمع سنة، والمراد الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ الثابتة عنه، فقوله: "أتت عن رسول الله" هذا تقييد وإرشاد إلى أن السنن لابد أن تصح حتى يؤخذ بها وتكون مقبولة، فإن صحت سواء بطريق التواتر أو الآحاد فهي حجة وعمدة في أمور الدين كلها العقيدة وغيرها. قوله: (تنجو) لم يذكر من أي شيء؛ ليعم النجاة من كل شر وبلاء في الدنيا والآخرة. وقوله (وتربح) هذا زيادة على النجاة، فالنجاة رأس المال وفوقه أرباح متعددة بحسب قوة اعتصام المرء بالكتاب والسنة أرباح دنيوية وأرباح أخروية. قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:٣٨) وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية١٢٣) جاء عن ابن عباس ـرضي الله تعالى عنهماـ أنه قال في معنى هذه الآية: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة".

стр. 16

صفة الكلام (وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا) (ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهمٍ وأسجحوا) (ولا تقل القرآن خلق قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضح) لعل الناظم بدأ بهذه الصفة قبل غيرها من الصفات؛ لمناسبة السياق، وذلك أنه بدأ في البيتين الأولين بذكر التمسك بالكتاب والسنة، فلما ذكر وجوب التمسك بالقرآن، بدأ بذكر أبيات فيها ذكر عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على الذين خالفوا الحق وباينوه وجانبوا معتقد أهل السنة فيه، فهذه الأبيات فيها بيان موجز لمعتقد أهل السنة في هذه المسألة، وردٌ على أصناف من أهل البدع، وهم طوائف عديدة، أشار الناظم إلى بعضهم فبدأ ﵀ بالكلام في هذه المسألة بقولة: (وقل غير مخلوق كلام مليكنا) (قل) الخطاب لصاحب السنة المتمسك بالكتاب والسنة، أي: قل معتقداً مؤمناً بهذا الأمر غير شاكٍ فيه ولا مترددٍ؛ لأن القول إذا أطلق فإنه يشمل قول القلب وقول اللسان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١٣٦) أي: قولوا ذلك بقلوبكم إيماناً واعتقاداً وبألسنتكم نطقاً وتلفظاً. (غير مخلوق كلام مليكنا) وهذا فيه إثبات أمرين يتعلقان بصفة الكلام:

стр. 17

الأمر الأول: أن الكلام صفة لله، فالقرآن كلام الله وليس كلام أحد من المخلوقين، وإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، بخلاف المعتزلة الذين قالوا هو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق. والمضافات إلى الله تعالى نوعين: مضاف إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف مثل سمع الله وبصر الله وقدرة الله وكلام الله وعلم الله، وضابطه ما إذا كان المضاف وصفاً لا يقوم إلا بموصوف، ومضاف إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى الخالق مثل عبد الله وأمة الله وناقة الله وبيت الله، وضابطه ما إذا كان المضاف عيناً قائماً بنفسه. وهكذا الشأن فيما قال فيه "من الله" فقد يكون منه وصفاً، وقد يكون منه خلقاً. فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (السجدة: من الآية١٣) . القول وصف للرب سبحانه ونعت من نعوته. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ (الجاثية: من الآية١٣) . ما في السماوات وما في الأرض جميعاً هو من الله خلقاً وإيجاداً. وفي هذا الباب ضل طائفتان: المعتزلة حيث جعلوا الجميع إضافته إلى الله إضافة خلق وإيجاد؛ ليصلوا إلى مبتغاهم وهو القول بأن كلام الله مخلوق، وغلاة الصوفية حيث جعلوا الجميع إضافته إلى الله إضافة وصف؛ ليصلوا إلى مبتغاهم وهو القول بالحلول ووحدة الوجود تعالى الله عما يصفون. والحق وسط بين ذلك، والحاصل أن إضافة الكلام إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.

стр. 18

وعندما يقال كلام مليكنا هذا يتمضن الأصل في الصفات، وهو أن ما يضاف إلى الله من الصفات يثبت له على وجه يليق به، وهذا تضمنه قوله (كلام مليكنا) أي هي صفة لله تليق به ولا تشبه صفات المخلوقين، فهو سبحانه له الكمال في ذاته وصفاته. ولذا قال بعض السلف: إذا أردت أن تعرف الفرق بين كلام الله وكلام المخلوقين فهو كالفرق بين الخالق والمخلوق. والقاعدة عند أهل العلم: أن الإضافة تقتضي التخصيص، فعندما يضاف الكلام إلى الله فأنه يخصه ويليق بجلاله وكماله، وعندما يضاف الكلام إلى المخلوق فيخصه ويليق بعجزه ونقصه، ولا يلزم من اتفاق الشيئين في الاسم أن يتفقا في الحقيقة والمسمى. هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين المخلوق والخالق. الأمر الثاني: قوله: (غير مخلوق) ، وهذا فيه رد وإبطال لقول من قال إن كلام الله مخلوق من المخلوقات التي أوجدها الله بقدرته، فالناظم بين بطلان هذا المعتقد بقوله: (غير مخلوق) ، والقول بخلق القرآن هو معتقد الجهمية والمعتزلة وغيرهم. والجهمية يصرحون بهذا ويقولون: القرآن مخلوق والكلام مخلوق ولا يقولون هو كلام الله، ولهذا حاول شيخهم تحريف قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (النساء: من الآية١٦٤) . إلى نصب لفظ الجلالة فراراً من إضافة الكلام إلى الله.

стр. 19

وأما المعتزلة فيضيفون الكلام إلى الله ولكنهم يجعلونه من باب إضافة المخلوق إلى الخالق. والأشاعرة والكلابية أيضاً يقولون بخلق القرآن، ولكن لا يصرحون بذلك، ويقولون: الكلام نوعان كلام نفسي ليس بحرف ولا صوت وهذا يضيفونه إلى الله، أما الكلام اللفظي الذي يشتمل على الحرف والصوت والذي هو القرآن فهو مخلوق، وهو عبارة أو حكاية عن كلام الله وليس كلام الله بل هو مخلوقٌ من جمل سائر المخلوقات، وبذلك يلتقون مع الجهمية. فالناظم بقوله: (غير مخلوق) أبطل جميع هذه المقالات. فالقرآن كلام الله حقيقة، وهو بحرف وصوت سمعه جبريل من الله ، وألفاظه ومعانيه كلام الله، ليس كلام الله ألفاظه دون معانيه، ولا معانيه دون ألفاظه. وقوله (مليكنا) فيه إثبات صفة الملك لله. فالله مالك الملك، والملك كله لله. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:٢٦) . والمخلوق إذا ملك شيئاً فإنما هو بتمليك الله له، فالله مالك الدنيا والآخرة، والملك من معاني الربوبية؛ لأن الربوبية لها معانٍ منها: السيد والمطاع والملك.

стр. 20

قوله ﵀ (بذلك) : الإشارة هنا إلى ما تقدم في الشطر الأول من بيان المعتقد الحق في كلام الله. (دان الأتقياء) : أي آمنوا واعتقدوا ذلك، والأتقياء: دانوا بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، فهذا معتقدهم الذي لا يحيدون عنه، والنقول عنهم في ذلك كثيرة، فاللالكائي ﵀ عقد فصلاً في (شرح الاعتقاد) في بيان أن كلام الله غير مخلوق وسمي أكثر من خمسمائة نفس من هؤلاء، وبعضهم يروي عنهم ذلك بالإسناد، كلهم يقرر أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر والنقول عنهم في هذا المعنى كثيرة جداً. وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل قد حكاه قبله الطبراني قوله: (الأتقياء) : اختيار هذه الصفة لأهل السنة في غاية الجودة والدقة، فالتقوى: هي الوقاية بأن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه، فتقوى الله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضب الله وسخطه وقاية تقيه بفعل الأوامر وترك النواهي، ولهذا أفضل ما فسرت به التقوى قول طلق بن حبيب ﵀: " التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله". قال ابن القيم ﵀: " وهذا من أحسن ما عرفت به التقوى"، وقال الذهبي في ترجمته: "وقد أحسن وأجاد"، وكذلك شيخ الإسلام أشاد بهذا التعريف، وكذا ابن رجب.

стр. 21

فهؤلاء الأعلام ـ أعني أئمة أهل السنةـ اتقوا الله بلزوم السنن والطاعات وبترك النواهي والمحدثات، وأعظم ما تركوه وابتعدوا عنه الكفر والبدع والمحدثات والتي منها القول بخلق القرآن وإضافةً إلى ما فيه من كفر وضلال فقد ترتب عليه من المفاسد والأخطار عند من قال به شيء كثير؛ ولذلك ترتب على قول الجهمية به امتهان لكلام الله وعدم مبالاة به؛ لأنه بزعمهم مخلوق من المخلوقات. (وأفصحوا) : أي إضافة إلى أنهم دانوا بذلك واعتقدوه بقلوبهم فقد أفصحوا به وصرحوا به وأبانوه وقرروه في المجالس ووضحوه، وانصروا له، ولا سيما عندما يعلن أهل الباطل باطلهم ويصرحون بضلالهم. ولهذا ينقل عن أبي إسحاق الإسفراييني أنه كان كل جمعة يقف ويقول القرآن كلام الله غير مخلوق خلافاً لقول الباقلاني، وذلك حتى لا يظن من يأتي بعدنا أننا على معتقده؛ وذلك لأنه كان في عصره، نقل ذلك عنه شيخ الإسلام في (شرح العقيدة الأصفهانية) . وهذا أي الإفصاح قد مضى عليه أهل السنة في تآليفهم، فما تجد كتاباً مؤلفاً في الاعتقاد إلا وفيه التصريح بذلك والإفصاح به، بل أفردوا في ذلك كتباً ومصنفات. قال: (ولاتك في القران بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهمٍ وأسجحوا) بعد أن أنهى الناظم الكلام على المسألة الأولى بدأ يرد على طائفة من طوائف الجهمية، وهم الواقفة.

стр. 22

معلوم أن مذهب أهل السنة هو أنهم يفصحون ويصرحون بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومذهب الجهمية يصرحون فيه بضد ذلك وهو أن القرآن مخلوق، ونشأ على إثر عقيدة الجهمية هذه بدعة الواقفة، فنشؤوا متأثرين ببدعة الجهمية الذين قالوا القرآن مخلوق، وبدؤوا ينشرون ذلك بين الناس، وأخذوا يثيرون الشبه، وأهل السنة يردون عليهم، ففي هذه الأجواء نشأ الواقفة الذين تأثروا بالجهمية ـوهم قوم شكاك ـ فقالوا القرآن كلام الله ولا يقال مخلوق ولا غير مخلوق، وإنما قالوا ذلك لتأثرهم ببدعة الجهمية ودخولها في نفوسهم، ولذلك لم يستطيعوا الإفصاح بالمعتقد الحق وهو أن القرآن غير مخلوق، ولذا قال الإمام أحمد: " الواقفة جهمية"، والناظم أيضاً يقول ذلك فقد وصفهم بأنهم: "أتباع لجهم"، وبعض أهل العلم قال: هم شر من الجهمية، ووجهه: أن معتقد الجهمية مصرح فيه بالباطل، وهو أن القرآن مخلوق، فنقده وبيان فساده للناس بالحجج والبراهين سهل، ولكن لما يأتي الواقفة ويقررون مذهبهم على أنه من باب الورع ويقفون في هذه الصفة، فهذا من أخطر ما يكون على العوام، فيظنون أن في قولهم شيئاً من الوسطية والاعتدال، والواجب الإفصاح بالمعتقد الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. وعدم الإيمان به أو التوقف والتردد كله زيغٌ وضلال، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: من الآية١٥) . والتوقف عن الإيمان بالحق نوعٌ من الشك والريب.

стр. 23

(جهم) : هو ابن صفوان، رأس من رؤوس الجهمية، وقد ذكر أهل العلم أن منشأ هذا التعطيل: أن الجهم أخذه عن الجعد بن درهم عن أبان بن سمعان عن طالوت ابن أخت لبيد عن لبيد بن الأعصم اليهودي وهو أخذ ذلك عن يهود اليمن، هذه هي سلسلة هذا الضلال متصلة باليهود، ومن هنا يعلم أن أساس التعطيل هم اليهود كما أنهم هم أساس الرافضة. (أسجحوا) أسجح بالشيء أي لانت به نفسه، فأتباع جهم لانت نفوسهم ومالت قلوبهم إلى هذا المعتقد، وفي نسخة (أسمحوا) وهو بمعناه أي: سمحت نفوسهم باعتقاد هذا القول وتقريره رغم فساده وبطلانه. ثم قال: (ولا تقل القرآن خلق قرأته ... ) أي لا تقل قراءتي بالقرآن مخلوقة، وهذا فيه الرد على بدعة أخرى غير بدعة الواقفة، ألا وهي بدعة اللفظية الذين يقولون لفظي بالقرآن مخلوق، أو تلاوتي بالقرآن مخلوقة أو قراءتي بالقرآن مخلوقة. ومنشأ هذه البدعة هي بدعة الجهمية نفسها، وشبهتهم هي شبهة الجهمية؛ لأن اللفظ والتلاوة والقراءة كلها مصادر تحتمل أحد أمرين: تحتمل الملفوظ والمتلو والمقروء وهو كلام الله وهذا غير مخلوق، وتحتمل حركة اللسان والشفاه والحنجرة وصوت الإنسان وهي مخلوقة، فعندما يقال لفظي بالقرآن مخلوق يحتمل أحد هذين. فاللفظية هم ـ كما قرر أهل العلم ـ جهمية؛ وإنشاؤهم لهذه البدعة إنما كان لتقرير مذهب الجهم من طريق آخر وشبهة أخرى؛ للتلبيس على الناس، فهو عندما يقول "لفظي

стр. 24

بالقرآن مخلوق" يرجع إلى قول الجهمية القائلين بخلق القرآن، ولذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره: "اللفظية جهمية". أي: من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو قائل بقول الجهم. قال الإمام أحمد ﵀: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع"؛ لأن قوله (لفظي بالقرآن مخلوق) يحتمل أمرين أحدهما مخلوق وهو حركة اللسان والآخر غير مخلوق وهو كلام الله، وباطل أن يقال إن كلامه سبحانه مخلوقٌ. وعندما يقول (لفظي بالقرآن مخلوق) يحتمل أيضاً أمرين أحدهما حركة اللسان وباطل أن يقال هذا غير مخلوق، والآخر المتلو المقروء وهذا غير مخلوق، ولذا كان الصواب التفصيل، فإن قصد به الملفوظ فهو كلام الله غير المخلوق، وإن أراد حركة اللسان والحنجرة وصوت العبد فهو مخلوق، فالصوت صوت القاري والكلام كلام الباري، والكلام إنما يضاف إلى من قاله ابتداءً لا إلى من قاله إبلاغاً وأداءً، ولذا قال الإمام أحمد: "القرآن كلام الله حيثما توجه" أي سواءً حفظ في الصدور، أو كتب في السطور، أو تلي بالألسن، أو سمع بالآذان. والعلة في نهي الناظم عن قول اللفظية هي المبينة في قوله: (فإن كلام الله باللفظ يوضح) ، وهذا معنى قول أهل السنة: القرآن كلام الله ألفاظه ومعانيه ليس كلام الله اللفظ دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ، واللفظ به يوضح المعنى، ويبين المراد، ويجلي المقصود.

стр. 25

إثبات رؤية الله تعالى (وقل يتجلى الله للخلق جهرةً ... كم البدر لا يخفى وربك أوضح) (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ ... وليس له شبهٌ تعالى المسبح) (وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح) (رواه جريرٌ عن مقال محمدٍ ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح) الرؤية حق دل عليها الكتاب والسنة المتواترة، وأجمع عليها المسلمون، ولا ينكر الرؤية إلا الجهمية الضلال ومن تأثر بهم، وقد قال بعض السلف مثل الشافعي: من أنكر رؤية الله حري أن يحرم منها. (وقل) الخطاب موجه لصاحب السنة ومن يريد إتباع سنة النبي ﷺ ولزوم أمره واقتفاء أثره، وأما صاحب الهوا والآراء والمنطق وغير ذلك فإنه لا يقيم للسنة وزناً ولا يرفع بها رأساً ولا يعبأ بها. قل يا صاحب السنة غير متردد ولا شاك: (يتجلى) التجلي هو الظهور والبيان أي يظهر (الله للخلق) والمراد بالخلق المؤمنون، فهم الذين ينعم عليهم سبحانه يوم القيامة برؤيته ويكرمهم بالنظر إليه، بل إن رؤيتهم له سبحانه هي أجل مقاصدهم وأعظم غاياتهم وأهدافهم، ومن دعائهم: "اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء

стр. 26

مضرة ولا فتنة مضله" وهو دعاءٌ ثابت عن النبي١ ﷺ من حديث عمار بن ياسر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أما الكفار فلا يرونه كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:١٥) ولئن كان حجب الكفار عن رؤية الرب العظيم نوعاً من العقوبة، فإن تمكين المؤمنين منها أجل هبة وأعظم عطية. (جهرة) أي عياناً جهاراً ليس بينهم وبين الله ما يحجبهم عنه (كما البدر لا يخفى) البدر: هو القمر ليلة الرابع عشر عندما يمتلئ نوراً، وعندما لا يكون بيننا وبينه سحاب، فإن المؤمنين يرونه جميعاً ولا يحتاجون إلى تضام وتزاحم لرؤيته شأن الأشياء الدقيقة، وكذلك لا يتضارون في رؤيته فلا يحصل لأحد ضرر في رؤيته، وكل ذلك يؤكد أن الرؤية تكون حقيقة وبيسر وسهولة، فإن الشمس والقمر يراهما الناس بأبصارهم رؤيةً حقيقية دون عنت أو مشقة، والنبي ﷺ قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ... " ٢، والكاف للتشبيه ولكن ليس التشبيه هنا للرب بالقمر أو الشمس ـ تعالى الله عن ذلك ـ وإنما التشبيه هنا للرؤية بالرؤية؛ لأن الكاف دخلت على الرؤية وهي فعل العبد، فالتشبيه للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي، أي كما أن رؤية القمر تكون للناس حقيقةً عياناً بأبصارهم، فكذلك رؤية الله تكون حقيقية عياناً بأبصارهم.

стр. 27

(كما) الكاف للتشبيه، و (ما) زائدة، أي كالبدر. (وربك أوضح) القمر مخلوق من مخلوقات الله ومع ذلك يراه الناس ليلة البدر عياناً بياناً بدون ضيم وضرر ونحو ذلك، فكيف بالرب الخالق تعالى؟! فإنه أوضح من كل شيء سيراه المؤمنون بأبصارهم عياناً على الحقيقة. قوله: (وربك) أي: أيها المخاطب بهذا النظم، وهو رب الخلائق أجمعين، رباهم بنعمه لا رب لهم سواه ولا خالق لهم غيره. وربوبيته لخلقه نوعان: عامة وخاصة؛ فأما العامة بالخلق والرزق والإنعام والصحة ونحو ذلك من الأمور التي هي عامةً في المؤمن الكافر والبر والفاجر، وأما الخاصة فهي التربية على الإيمان والهداية للطاعة والتوفيق للعبادة وهذه مختصة بالمؤمنين. قال: (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ ... وليس له شبه تعالى المسبح) هذا البيت ذكره الناظم بعد إثبات الرؤية لله؛ ليبين به أن إثباتها حقيقة لا يستلزم تشبيه الله بالمولود أو بالوالد، ولا يستلزم التشبيه؛ لأن أهل السنة يثبتون الصفات على وجهٍ يليق بالله تعالى، والإضافة تقتضي التخصيص في الصفة التي تضاف إلى الله ليست كالصفة التي تضاف إلى المخلوق، فعندما تضاف الصفة إلى الله فإنها تليق بكمال الله، وإذا أضيفت إلى المخلوق فإنها تليق بضعفه ونقصه.

стр. 28

ومن هنا يعلم أن مقالة التعطيل أساسها التمثيل، فالمعطل بلغ درجة التعطيل لما مثل، فلم يفهم من الصفة التي أضيفت إلى الله إلا عين الصفة التي يعلمها من المخلوق، فكل معطل سائر تحت هذا الوهم الفاسد كما قال أحد هؤلاء يصف المتكلمين: "أناس مضوا تحت التوهم يظنون أن الحق معهم ولكن الحق ورائهم"، هذا ذكره الذهبي عن أبي حيان التوحيدي، ثم قال: "وأنت حامل لوائهم". يقولون: لو أثبتنا الرؤية لله حقيقة، لأثبتنا له الجسمية ولشبهناه بالمخلوق الحادث؛ لأن الرؤية لا تقع إلا على ذي جسم، وهذا قياس فاسد، حيث قاسوا الله بالمخلوق، ولهذا قال السلف: "ولا يقاس بخلقه"، فالناظم جاء بهذا البيت؛ ليزيل التوهم الذي قد يأتي، وهذا التوهم جاء بعد مقالة الجهمية، وأما قبلها فلا وهم، فإن الصحابة لم يخطر ببالهم شيء من ذلك. أي مع أنه يُرى يوم القيامة حقيقة بالأبصار (ليس بمولودٍ وليس بوالدٍ) أي لم يتفرع عن غيره ولم يتفرع عنه غيره وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ٣،٤) . (وليس له شبه) أي: الله ، والشبه هو المثيل والنظير، والله لا شبيه له ولا مثيل له ولا نظير افي أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله. قال الله تعالى: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: من الآية١١) وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ (مريم: من الآية٦٥)

стр. 29

وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:٤) وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية٢٢) . ويؤخذ من هذا أن إثبات الصفات لا يقتضي التمثيل فإن التمثيل أمر آخر غير إثبات الصفات. يقول الإمام أحمد ﵀: "المشبه الذي يقول يد كيدي وسمع كسمعي ... والله يقول: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "، فالذي يثبت الصفات لله على الوجه الذي يليق به ليس بمشبه، وإنما المشبه الذي يشبه صفات الله بصفات خلقه، وأهل السنة مطبقون على ذم هؤلاء المشبهة، وأن مقالتهم مقالة كفر وضلال. والمعطلة يرمون أهل السنة بالتشبيه، إما لأنهم لم يفهموا مقالتهم، أو أنهم أصحاب أغراض سيئة وقصد فاسد. (تعالى) أي عن الشبيه والنظير أي ارتفع قدره وجل شأنه وتعاظم أن يكون له شبيه أو نظير فهو ينزه الله عن ذلك. والتعالي من العلو وهو الرفعة، وهو ثابت لله ذاتاً وقدراً وقهراً. (المسبح) أي المنزه؛ لأن التسبيح في اللغة التنزيه، وهذا التسبيح عبادة مقربة لله ورد الأمر بها في مواطن كثيرة، بل جاء الترغيب والحث على الإكثار من التسبيح في الأوقات المختلفة، ورتب على القيام به الأجور العظيمة والثواب الجزيل وفي الحديث: "من قال حين يصبح سبحان الله

стр. 30

وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" ١ وهو كلام حبيب إلى الرحمن كما في الحديث "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله بحمده، سبحان الله العظيم" ٢ وفي الحديث: "أحب الكلام إلى الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "٣. وتسبيح الله يكون عما لا يليق به. وأما المعطلة فيفهمون من التسبيح تنزيه الله عن الصفات، ولذا يقولون: سبحان المنزه عن الصفات، قال أحد أهل العلم: "فانظروا إلى تسبيح الجهمية كيف أدى بهم إلى التعطيل"، فهذا التسبيح أدى بهم إلى الزيغ والضلال. ولا يجوز لمسلم أن يسبح الله عما جاءت به المرسلون، وإنما يجب تسبيح الله عما جاء به أعداء الرسل المخالفون لهم، ولذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: أعداء الرسل ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٨٠-١٨١) ، نزه نفسه عما يصفه به أعداء الرسل؛ لأنه يتضمن التشبيه والتعطل، وسلم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه في حق الله من النقص والعيب.

стр. 31

ومن أسماء الله (القدوس والسلام) وهما من أسماء التنزيه، فينزه الله عن أن يوصف بصفات نقص أو أن يوصف بالنقص، وينزه سبحانه عن أن يشبه أحداً من خلقه أو يسببه أحدٌ من خلقه، وينزه سبحانه عن أن يوصف بما لا يليق به، أما أوصافه سبحانه اللائقة بجلاله وكماله فليس من التسبيح في شيء نفيها وتعطيلها. قال: "وقد ينكر الجهمي ... " (قد) عندما تدخل على المضارع فإن لها أحولاً بحسب الساق، أحياناً تكون للتقليل، وأحياناً للتكثير، وأحياناً للتحقيق والتأكيد، وهنا المراد التحقيق والتأكيد، فيقول: حقيقة مقالة الجهمية إنكار رؤية الله، ولذا يقول الإمام أحمد ﵀: "من ينكر الرؤية فهو جهمي". (والجهمي) أي المتأثر بالجهم بن صفوان شيخ الطريقة وأستاذ القوم. (هذا) أي رؤية الله، ولما ذكر مقالة الجهمية بدأ بالرد عليهم فقال: (وعندنا) أي نحن معاشر أهل السنة والجماعة (بمصداق ما قلناه) أي بتصديق الذي قلناه وهو إثباتنا للرؤية (حديث مصرح) ليس بالتخرصات والآراء، بل بالنصوص من الكتاب أو السنة. (مصرح) أي صحيح الدلالة على إثبات الرؤية، وفي نسخة أخرى: (حديث مصحح) أي صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ ، والمعنيان يكمل أحدهما الآخر، فالحديث في الرؤية مصحح من قبل الأئمة، بل هو متواتر، نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض المتلقاة بالقبول،

стр. 32

المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة"١. ومصرح بإثبات الرؤية لله سبحانه، فلم يبق لمبطلٍ متعلق. (رواه جرير عن مقال محمد) أي رواه الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ﵁ عن قول النبي ﷺ وهو في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة. روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذا نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا" ٢، يعيني الفجر والعصر. هذا ما أشار إليه الناظم هنا، وحديث الرؤية حديث متواتر رواه عن النبي ﷺ غير واحد من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله وغيرهم ﵃، والواجب الوقوف عند الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ سواء منها المتواتر أو الآحاد، لكن أهل التعطيل لا يقيمون لها وزناً ولا يرفعون لها رأساً، بل يشمئزون من ذكرها ويتكلفون في دفعها وردها. وبعد أن رد الناظم على الجهمية قال: (فقل) أي يا صاحب السنة (مثل ما قال) أي رسول الله ﷺ ، لا مثل ما يقوله الجهمية المعطلة النفاة.

стр. 33

(في ذاك) أي في الرؤية، أو في صفات الله عموماً، فكأن الناظم هنا يعطي منهجاً دقيقاً هو سبيل النجاة؛ أن يقول السني في صفات الله كما قال النبي ﷺ وهذا معنى ما قاله الإمام أحمد ﵀: "نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه ﷺ لا نتجاوز القرآن والحديث". (تنجح) أي بذلك يكون نجاحك، والنجاح هو الظفر ونيل المقصود وهو هنا الظفر بفضل الله، وتحقيق المعتقد الحق، والفوز بسعادة الدنيا والآخرة.

стр. 34

إثبات صفة اليدين لله تعالى ١٠ (وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح) هذا البيت عقد لإثبات هذه الصفة العظيمة صفة اليدين لله تعالى على وجه يليق بجلاله، وأهل السنة يثبتون اليدين لله حقيقة على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله دون تشبيهٍ بيدي المخلوق، بل يقولون: لله يدان حقيقيتان لا تشبهان يدي المخلوق، وهذا شأنهم في إثبات جميع الصفات فهم عند الإثبات يحذرون من منزلقين خطيرين هما: التعطيل والتمثيل، فمنهجهم في الصفات يقوم على أصلين هما: الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل، فأهل السنة يثبتون اليد لله بلا تمثيل لها بصفة المخلوق وينزهون الله عن النقص، ولكن دون تعطيل له عن إثبات اليد الحقيقية اللائقة بجلاله وكماله. ويضاد هذا المنهج الذي يقوم عليه مسلك أهل السنة في إثبات الصفات منهجان منحرفان: الأول: إثباتٌ بتمثيل، وهم المشبهة اللذين يمثلون صفات الله بصفات خلقه وأهل السنة ليسوا مشبهةً إذ التشبيه منهج ضلال وكفر؛ لأن من يقول عن ربه إن يده كيده وسمعه كسمعه وبصره كبصره فهو إنما يعيد صنماً من الأصنام ووثناً من الأوثان.

стр. 35

الثاني: تنزيه بتعطيل، وهم المعطلة الذين يجحدون صفات الله وينفونها بحجة تنزيه الله عن مماثلة خلقه، وهم أقسام كثيرة: منهم من يعطل الأسماء والصفات، ومنهم من يعطل الصفات دون الأسماء، ومنهم من يعطل بعض الصفات دون بعض. ومعطل الصفات عابد للعدم، ولذا قيل: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً. وهذان المنهجان وما تفرع عنهما يجمعهما وصف جامع هو الإلحاد في أسماء الله وصفاته، وقد أمرنا الله تعالى أن نذر هذا المنهج وتوعد أهله بأشد الوعيد في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (لأعراف:١٨٠) الممثلة يقولون في اليد: يد كأيدينا فلم يثبتوا لله يده التي تليق به، والمعطلة يقولون: يلزم من إثباتها التمثيل فلا نثبت لله يداً حقيقيةً. ولهذا "فكل معطل ممثل وكل ممثل معطل". "كل معطل ممثل"؛ لأن تعطيله للصفات إنما قام على ساق التمثيل، فما جحد اليد إلا لأنه توهم أول الأمر أن إثباتها لله حقيقة يلزم منه التشبيه فنفى عن الله اليد، فهو لما يقرأ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص: من الآية٧٥) ، لا يفهم منه إلا يد المخلوق وهذا يدفعه إلى تنزيه الله، ولا سبيل عنده إلى تنزيه الله إلا بنفي هذه اليد عن الله، وعلى هذا مضى عامة معطلة الصفات يعطلونها؛ لأنهم لا يفهمون من المضاف إلى الله إلا عين ما يرونه ويشاهدونه في

стр. 36

المخلوق. ولهذا يصرح بعضهم بهذا فيقولون: "لا نعقل يداً إلا عين ما نراه في الشاهد"، فهم فروا من شر ووقعوا في شر أخبث منه، ثم إنهم لما عطلوا صفة الله نتيجة للتمثيل الذي هم مرضى به انتقلوا به إلى تمثيل آخر، فمثلوا الله إما بالمعدومات أو الجمادات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيلهم، ويظهر من هذا أن كل معطل ممثل مرتين مرة قبل التعطيل ومرة بعده، فكل تعطيل محفوف بتمثيلين. "وكل ممثل معطل": من يمثل صفة الله بصفة خلقه فهو معطل وليس معطلاً مرة واحدة بل معطل ثلاث مرات، فالذي يقرأ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: من الآية٧٥) ، ثم يفهم منها يد كأيدينا وقع في التعطيل ثلاث مرات: ١- كونه عطل الله عن صفة اليد الحقيقية اللائقة به التي لا تشبه يد المخلوقين. ٢- كونه عطل هذا النص وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: من الآية٧٥) عن مدلوله، ومدلوله إثبات يد حقيقية تليق بالله، وصرفه إلى إثبات يد تشبه يد المخلوقين. ٣- كونه عطل النصوص الكثيرة في القرآن النافية للتشبيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (لشورى: من الآية١١) . ولم يسلم من التعطيل والتمثيل أحد من الطوائف برمتها غير أهل السنة والجماعة، ومن سواهم معطلة ممثلة في الوقت نفسه، وإن كان يزعم كل واحد منهم في ظاهر قوله أنه غير معطل أو غير ممثل.

стр. 37

والناظم بدأ إثبات صفة اليد بالرد على الجهمية، والجهمية هم أساس الشر ورأس البلاء في تعطيل الصفات، ولذا فكل معطل جهمي، وكل معطل شيخه الأول الجهم بن صفوان؛ لأنهم ورثوا منه تركة التعطيل ولكنهم في أخذهم عنه يتفاوتون، فبعضهم أخذ منه بحظ وافر، وبعضهم أخذ منه دون ذلك. (وقد ينكر الجهمي) أي يجحد السائر على منهج الجهم والمتأثر بشبهه، و (قد) هنا للتأكيد والتحقيق. (أيضاً) أي مع إنكاره للصفات الأخرى. (يمينه) أي ثبوت اليمين واليد لله تعالى. وهنا سؤال: كيف أنكر الجهمية اليمين واليد لله مع أن اليد ثابتة في القرآن والسنة بمئات النصوص، ووصفت بصفات كثيرة لا تجعل من يقرأ تلك الأدلة يتردد في إثباتها لله، بل قد وصفت اليد بصفات تصل إلى مائة صفة، مثل الطي والقبض والبسط والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الصفات، كلها تؤكد إثبات هذه الصفة لله حقيقةً على الوجه اللائق به. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف غرس الجهم في نفوس من تأثر به عدم إثبات اليد لله؟ وقبل مقالة الجهم كان كل من يقرأ آيات الصفات في القرآن لا يفهم منها إلا الصفات الحقيقية اللائقة بالله, ويعلم ذلك بالنظر إلى العوام الذين لم يلتقوا بالجهمي أو أي متكلم، فإذا تليت عليهم آية في الصفات لا يفهمون منها إلا الصفة الحقيقية.

стр. 38

فدبر الجهم خطة وبدأ بتعقيد القواعد الكليات لجحد الصفات، فهو لا يستطيع أن يأتي إلى الناس رأساً ويقول لهم: ليس لله يد، فجاء بألفاظ مجملة ونزه الله عنها، وجعل تنزيه الله عنها أصولاً كليةً عند هؤلاء، ثم توصل إلى إنكار الصفات من خلال ذلك, حيث جاء بلفظ الجسم والحيز والجهة, فقال مثلاً: هل الله جسم؟ فأخذ يقرر أن الله ليس بجسم ولا يوصف بالجسمية، فلما قرر ذلك ومكنه من نفوسهم أخذ يقرر فيهم ما يريد فقال: لو أثبتنا لله اليد أثبتنا له الجسمية ولو أثبتنا له الجسمية شبهناه بخلقه ومن ثم غرس فيهم تعطيل الصفات. ولكن واجهته مشكلة وهي النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي تصادم تقريره، فدلهم على التحريف، وبهذا توصل الجهم إلى تقرير إنكار صفات الله لدى من استهوتهم شبهته واستفزهم ضلاله وباطله من ذوي الجهل وقلة البصيرة في الدين. (اليمين) صفة ثابتة لله، فالله له يدان حقيقيتان، وفي رواة لمسلم إثبات يدين لله: يمين وشمال، ومن أهل العلم من صوب أن لفظ الشمال لم يثبت وإنما الثابت (الأخرى) بدل الشمال، وعلى كلٍ فهذه الرواية ليست معارضة لقوله ﷺ : "وكلتا يدي ربي يمين" ١؛ لأن أهل العلم وضحوا أن المراد بقوله ﷺ : "وكلتا يدي ربي يمين" نفي توهم النقص؛ لأنه قد يتبادر إلى بعض الأذهان أن الشمال أو الأخرى أنقص من اليمين.

стр. 39

واليمين ثابتة لله في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر:٦٧) ، وفي هذه الآية رد بين على المعطلة الذين قالوا إن إثبات اليد لله يلزم منه تشبيه الله بالخلق. فيقال لهم: كيف يفهم عاقل تأمل هذه الآية أنه يلزم من إثبات اليد لله حقيقة تشبيه الله بالمخلوق وقد وصفت يده سبحانه بهذه العظمة والكمال. ويرد عليهم بأنه لا يلزم من اتفاق الشيئين في الاسم أن يتفقا في الحقيقة والمسمى، هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين الخالق والمخلوق؟ (وكلتا يديه) وفيه إثبات اليدين لله حقيقةً على الوجه اللائق به، وهذا التنصيص بأن له يدين جاء في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة: من الآية٦٤) . وفي الحديث: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض". رواه البخاري ومسلم١. وهذه الآية والحديث من أقوى الأدلة في الرد على من قال يده قدرته، فيقال لهم: هل لله قدرتان؟ وبإجماع أهل الإسلام أنه ليس لله قدرتان، وتفسيرها بالنعمة أيضا مردود؛ لأنه لا يقول أحد إن لله نعمتين بل نعمه

стр. 40

كثيرة، وماذا يقول هؤلاء في الحديث؟ هل يقولون وبقدرته الأخرى أو بنعمته الأخرى أو ماذا يقولون؟! ولا يعارض ثبوت اليدين لله أن اليد قد جائت في بعض النصوص بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يّس:٧١) وكذلك جائت مفردة كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الملك:١) لأن لغة العرب تتسع للأخبار عن المثنى بالجمع أو المفرد، وقد ورد ذلك في القرآن كما في قوله تعالى:﴾ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴿ (التحريم: من الآية٤) ،وما زال العرب يقولون رأيتك بعيني، وسمعتك بأذني، والمراد عينيَّ وأذنيَّ، فلا تعارض إذاًَ بين الألفاظ الواردة. ومثله تماماً في قول العين. (وكلتا يديه بالفواضل) الفواضل جمع فاضلة، وهو الخير والجود والكرم والعطاء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: من الآية٦٤) روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"١.
следующие страницы →