المخلوق. ولهذا يصرح بعضهم بهذا فيقولون: "لا نعقل يداً إلا عين ما نراه في الشاهد"، فهم فروا من شر ووقعوا في شر أخبث منه، ثم إنهم لما عطلوا صفة الله نتيجة للتمثيل الذي هم مرضى به انتقلوا به إلى تمثيل آخر، فمثلوا الله إما بالمعدومات أو الجمادات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيلهم، ويظهر من هذا أن كل معطل ممثل مرتين مرة قبل التعطيل ومرة بعده، فكل تعطيل محفوف بتمثيلين.
"وكل ممثل معطل": من يمثل صفة الله بصفة خلقه فهو معطل وليس معطلاً مرة واحدة بل معطل ثلاث مرات، فالذي يقرأ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: من الآية٧٥) ، ثم يفهم منها يد كأيدينا وقع في التعطيل ثلاث مرات:
١- كونه عطل الله عن صفة اليد الحقيقية اللائقة به التي لا تشبه يد المخلوقين.
٢- كونه عطل هذا النص وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: من الآية٧٥) عن مدلوله، ومدلوله إثبات يد حقيقية تليق بالله، وصرفه إلى إثبات يد تشبه يد المخلوقين.
٣- كونه عطل النصوص الكثيرة في القرآن النافية للتشبيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (لشورى: من الآية١١) .
ولم يسلم من التعطيل والتمثيل أحد من الطوائف برمتها غير أهل السنة والجماعة، ومن سواهم معطلة ممثلة في الوقت نفسه، وإن كان يزعم كل واحد منهم في ظاهر قوله أنه غير معطل أو غير ممثل.
стр. 37
والناظم بدأ إثبات صفة اليد بالرد على الجهمية، والجهمية هم أساس الشر ورأس البلاء في تعطيل الصفات، ولذا فكل معطل جهمي، وكل معطل شيخه الأول الجهم بن صفوان؛ لأنهم ورثوا منه تركة التعطيل ولكنهم في أخذهم عنه يتفاوتون، فبعضهم أخذ منه بحظ وافر، وبعضهم أخذ منه دون ذلك.
(وقد ينكر الجهمي) أي يجحد السائر على منهج الجهم والمتأثر بشبهه، و (قد) هنا للتأكيد والتحقيق.
(أيضاً) أي مع إنكاره للصفات الأخرى.
(يمينه) أي ثبوت اليمين واليد لله تعالى. وهنا سؤال: كيف أنكر الجهمية اليمين واليد لله مع أن اليد ثابتة في القرآن والسنة بمئات النصوص، ووصفت بصفات كثيرة لا تجعل من يقرأ تلك الأدلة يتردد في إثباتها لله، بل قد وصفت اليد بصفات تصل إلى مائة صفة، مثل الطي والقبض والبسط والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الصفات، كلها تؤكد إثبات هذه الصفة لله حقيقةً على الوجه اللائق به.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف غرس الجهم في نفوس من تأثر به عدم إثبات اليد لله؟ وقبل مقالة الجهم كان كل من يقرأ آيات الصفات في القرآن لا يفهم منها إلا الصفات الحقيقية اللائقة بالله, ويعلم ذلك بالنظر إلى العوام الذين لم يلتقوا بالجهمي أو أي متكلم، فإذا تليت عليهم آية في الصفات لا يفهمون منها إلا الصفة الحقيقية.
стр. 38
فدبر الجهم خطة وبدأ بتعقيد القواعد الكليات لجحد الصفات، فهو لا يستطيع أن يأتي إلى الناس رأساً ويقول لهم: ليس لله يد، فجاء بألفاظ مجملة ونزه الله عنها، وجعل تنزيه الله عنها أصولاً كليةً عند هؤلاء، ثم توصل إلى إنكار الصفات من خلال ذلك, حيث جاء بلفظ الجسم والحيز والجهة, فقال مثلاً: هل الله جسم؟ فأخذ يقرر أن الله ليس بجسم ولا يوصف بالجسمية، فلما قرر ذلك ومكنه من نفوسهم أخذ يقرر فيهم ما يريد فقال: لو أثبتنا لله اليد أثبتنا له الجسمية ولو أثبتنا له الجسمية شبهناه بخلقه ومن ثم غرس فيهم تعطيل الصفات.
ولكن واجهته مشكلة وهي النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي تصادم تقريره، فدلهم على التحريف، وبهذا توصل الجهم إلى تقرير إنكار صفات الله لدى من استهوتهم شبهته واستفزهم ضلاله وباطله من ذوي الجهل وقلة البصيرة في الدين.
(اليمين) صفة ثابتة لله، فالله له يدان حقيقيتان، وفي رواة لمسلم إثبات يدين لله: يمين وشمال، ومن أهل العلم من صوب أن لفظ الشمال لم يثبت وإنما الثابت (الأخرى) بدل الشمال، وعلى كلٍ فهذه الرواية ليست معارضة لقوله ﷺ : "وكلتا يدي ربي يمين" ١؛ لأن أهل العلم وضحوا أن المراد بقوله ﷺ : "وكلتا يدي ربي يمين" نفي توهم النقص؛ لأنه قد يتبادر إلى بعض الأذهان أن الشمال أو الأخرى أنقص من اليمين.
стр. 39
واليمين ثابتة لله في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر:٦٧) ، وفي هذه الآية رد بين على المعطلة الذين قالوا إن إثبات اليد لله يلزم منه تشبيه الله بالخلق. فيقال لهم: كيف يفهم عاقل تأمل هذه الآية أنه يلزم من إثبات اليد لله حقيقة تشبيه الله بالمخلوق وقد وصفت يده سبحانه بهذه العظمة والكمال.
ويرد عليهم بأنه لا يلزم من اتفاق الشيئين في الاسم أن يتفقا في الحقيقة والمسمى، هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين الخالق والمخلوق؟ (وكلتا يديه) وفيه إثبات اليدين لله حقيقةً على الوجه اللائق به، وهذا التنصيص بأن له يدين جاء في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة: من الآية٦٤) .
وفي الحديث: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض". رواه البخاري ومسلم١.
وهذه الآية والحديث من أقوى الأدلة في الرد على من قال يده قدرته، فيقال لهم: هل لله قدرتان؟ وبإجماع أهل الإسلام أنه ليس لله قدرتان، وتفسيرها بالنعمة أيضا مردود؛ لأنه لا يقول أحد إن لله نعمتين بل نعمه
стр. 40
كثيرة، وماذا يقول هؤلاء في الحديث؟ هل يقولون وبقدرته الأخرى أو بنعمته الأخرى أو ماذا يقولون؟!
ولا يعارض ثبوت اليدين لله أن اليد قد جائت في بعض النصوص بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يّس:٧١)
وكذلك جائت مفردة كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الملك:١)
لأن لغة العرب تتسع للأخبار عن المثنى بالجمع أو المفرد، وقد ورد ذلك في القرآن كما في قوله تعالى:﴾ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴿ (التحريم: من الآية٤) ،وما زال العرب يقولون رأيتك بعيني، وسمعتك بأذني، والمراد عينيَّ وأذنيَّ، فلا تعارض إذاًَ بين الألفاظ الواردة. ومثله تماماً في قول العين.
(وكلتا يديه بالفواضل) الفواضل جمع فاضلة، وهو الخير والجود والكرم والعطاء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: من الآية٦٤)
روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"١.
стр. 41
(تنفح) والنفح العطاء، وفي بعض النسخ (تنضح) ، والنضح هو الرش والسقي، والمقصود أنه يعطي الجزيل ويكرم عباده ويعطيهم العطاء الواسع، كما في الحديث: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ... "
واليد من صفات الله الذاتية، والناظم عندما يذكر إنكار الجهمية لليد يشير بذلك إلى إنكارهم للصفات الذاتية الأخرى كالوجه والقدم والعين والساق ونحوها فمضمون كلامه الرد عليهم في إنكارهم بقية الصفات الذاتية؛ لأنًّ القول في الصفات واحد.
وصفات الله نوعان:
ذاتية وضابطها: هي التي لا تنفك عن الذات، ولا تعلق لها بالمشيئة.
وفعلية وهي: التي تتعلق بالمشيئة.
ولا فرق عند أهل السنة والجماعة بين الصفات من حيث الإثبات فكلها حق تثبت لله كما وردت ويؤمن بها كما جائت بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
стр. 42
إثبات صفة النزول لله تعالى
١١ (وقل بنزل الجبار في كل ليلةٍ ... بلا كيف جل الواحد المتمدح)
١٢ (إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح)
١٣ (يقول ألا مستغفرٌ يلق غافراً ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح)
١٤ (روى ذاك قومٌ لا يرد حديثهم ... ألا خاب قومٌ كذبوهم وقبحوا)
هذه الأبيات في إثبات نزول الله في كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأهل السنة مذهبهم في النزول هو مذهبهم في بقية الصفات، فكل صفة لله ثبتت في الكتاب والسنة يمرها أهل السنة كما جاءت ويثبتونها لله كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها لها رسوله ﷺ ، وليس أحد من أهل السنة يتقدم بين يدي الله ورسوله معترضاً على قوله بأن يقول بعد إثبات الله الصفة: هذا لا يليق بك يالله، أو بعد إثبات الرسول ﷺ لها هذا لا يليق بالله، فينفي عن الله الصفات تنزيهاً لله عما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ وكأنه أعلم بالله من نفسه وأعلم بالله من رسوله ﷺ تعالى الله عما يقولون وسبحان الله عما يصفون. ولذا أهل السنة يقولون لابد من أصول ثلاثة لمن أراد الاشتغال بالأسماء والصفات:
стр. 43
الأول: أن يقر في نفسه أنه لا أحد أعلم بالله من الله. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية١٤٠) .
الثاني: أنه لا أحد أعلم بالله من خلق الله من رسول الله ﷺ ، فهو أعلم الخلق بالله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣-٤) .
الثالث: أن الله بالنسبة لنا غيب لم نره، فلا مجال للإنسان أن يخوض فيما هو غائب عنه من وصف إلا بوحي. وعليه فالطريقة الحقة في باب الصفات: أن نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث، كما قال الأوزاعي ﵀: "ندور مع السنة حيث دارت"، أي نفياً وإثباتاً.
فمن تقررت في قلبه تلك الأصول امتنع أن يخوض في الصفات بما لا يعلم, وعلم فساد مذهب أهل الكلام الباطل الذين يتقدمون بآرائهم وعقولهم الفاسدة بين يدي الله ورسوله ﷺ .
(النزول) قد وردت به السنة, وحديثه متواتر رواه عن النبي ﷺ ثمانية وعشرون صحابياً، وهذا يعني أن النبي ﷺ قال هذا القول: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا"١ غير مرة، وهو ﵊ أفصح الناس وأبلغهم وأنصحهم، وقد بلغ ما أنزل إليه أتم البلاغ، وبينه أحسن البيان وأوضحه، وهو أحسن خلق الله تنزيها لله وتعظيماً له، فقال في أكثر من
стр. 44
مرة "ينزل ربنا" وإثباته ﷺ لربه هذه الصفة لا يتنافى مع تنزيهه له سبحانه، فماذا يقول المعطلون المعترضون على قول الله ورسوله ﷺ والمتقدمون بين يدي الله ورسوله ﷺ ؟ أما الصحابة والتابعون وأئمة السلف فلم ينقل عن أحدٍ منهم أنه قال هذا لا يليق بالله وأنه ليس على ظاهره، وأما الذين أولوا هذه الصفة وقالوا لا تليق بالله وأنها ليست على ظاهرها وهم المعطلة الجهمية ومن لف لفهم فيقولون: الله لا ينزل؛ لأنا لو أثبتنا لله النزول لأثبتنا له الحركة والمكان، وهكذا ينفون عن الله صفة النزول، وهذه التعليلات العقلية لها منشأ فاسد في قلوب هؤلاء انبثق منهم إنكارهم للصفات، وهو قياس الخالق بالمخلوق، أو فهم الصفة التي تضاف إلى الخالق كما يفهمون من الصفة التي تضاف إلى المخلوق، فقالوا: لو أثبتنا لله النزول لأثبتنا له الحركة والانتقال والمكان، وهذه الأمور من صفات الحوادث والله منزه عن الحوادث، والنتيجة إذاً نفي هذه الصفة.
يقال لهم: إذا كانت تعليلاتكم هذه صحيحةً، فلماذا يقول النبي ﷺ في غير ما مجلس: "ينزل ربنا"؟ يجيب هؤلاء المتكلمون: النبي ﷺ لم يقصد بقوله هذا نزول الله، وإنما أراد نزول الملك. يقال لهم: إذا كان ذلك كذلك فإن هذا الكلام من النبي ﷺ أقرب ما يكون إلى الألغاز والتعمية منه إلى الفصاحة والبيان.
وإذا كان كلام هؤلاء حقاً لكان اللازم على النبي ﷺ أن يقول: ينزل ملك ربنا صراحةً، ولكنه لم يفعل ولو مرة، فهو في كل مرة يقول:
стр. 45
(ينزل ربنا) ولو كان كلامهم حقاً لقال ولو في مجلس واحد: ينزل ملك ربنا؛ حتى يحمل المطلق على المقيد، ولكنه لم يفعل، وقولهم هذا بلا شك فيه طعن في علم النبي ﷺ وفصاحته، وطعن في نصحه ﷺ ؛ لأنه يقال لهؤلاء: هذا الذي تقولونه هل علمه النبي ﷺ أم لم يعلمه؟ فإن قالوا: لم يعلمه وعلمناه دونه فهو تجهيل للرسول ﷺ ، وإن قالوا هذا أمر علمه النبي ﷺ يقال لهم: هل هو قادر على الإفصاح عنه وبيانه للأمة بوضوح أم ليس بقادر؟ فإن قالوا ليس بقادر على الإفصاح عنه وأفصح عنه الجهمية فهذا طعن في فصاحته وبيانه، وإن قالوا قادر على الإفصاح عنه، يقال لهم: هذا فيه طعن في نصحه؛ لأنه عالم قادر ومع ذلك لم يفصح لأنه لم يقل ولا مرة واحدة ينزل ملك ربنا، وإن قالوا هو نصح الأمة وبين، قيل لهم: أعطونا ولو حديثاً واحداً قال فيه النبي ﷺ : ينزل ملك ربنا.
وهذه الأمور الثلاثة يمكن أن تقال في شأن من ينفي أي صفة من الصفات، ثم الحديث نفسه يرد على هذا التأويل كما سيأتي.
والناظم ﵀ يثبت نزول الله على وجه يليق به جل وعلا, وأهل السنة في النزول يحترزون من أمرين:
١- تعطيل النزول ونفيه.
٢- تكييف النزول.
على القاعدة (إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل) .
стр. 46
(قل) الخطاب لصاحب السنة والعقيدة السلفية أي قل ذلك غير متردد ولا مرتاب، بل قله مؤمناً موقناً؛ لأن هذه الكلمة قالها النبي ﷺ في غير مجلس، فإذا قلت ذلك لم تزد على أن قلت مثل ما قال النبي ﷺ ، ولم تزد على أن آمنت بما آمن به النبي ﷺ .
وهذا البيت اشتمل على الأصلين، ففي قوله: "ينزل الجبار في كل ليلة" احتراز من التعطيل.
وفي قوله: "بلا كيف جل الواحد ... " احتراز من التكييف وفي نفيه للتكييف نفي للتمثيل؛ لأن الممثل مكيف، ولذا (كل ممثل مكيف وليس كل مكيف ممثلاً) ؛ لأن الممثل يقول ينزل الله كنزول المخلوق, وهو في الوقت نفسه كيفّ صفات الله بكيفية صفة المخلوق, وليس كل مكيف ممثلاً؛ لأن التكيف يكون بتمثيل، وقد يكون بلا تمثيل وإنما بتخيل في الذهن.
(بلا كيف) مراد الناظم بهذا القول، أي: بلا كيف معلوم لنا، فهو نفي لعلمنا بالكيفية وليس نفياً للكيفية؛ لأن ما لا كيفية له لا وجود له، فإن صفات الله لها كيفية الله أعلم بها، ولذا قال الإمام مالك ﵀: "والكيف مجهول" ولم يقل: الكيف معدوم.
والعلم بكيفية الصفات فرع عن العلم بكيفية الذات، فإذا قال الجهمي كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قل كيف هو في ذاته؟ فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له.
стр. 47
فأهل السنة يقولون ينزل الله إلى السماء الدنيا كما أخبر رسول الله ﷺ ، ولا يكيفون، فلا يجعلون لصفة الله كيفية ككيفية صفة المخلوق، ولا كيفية يتخيلونها في الذهن، والمعطلة الذين نفوا النزول إنما نفوه بعد تكييف؛ لأنه قد استقر في أذهانهم النزول الذي في المخلوق، وهذا الذي فهموه في عقولهم ظنوا أن أهل السنة يثبتونه فرموهم بالتشبيه.
وبعضهم افترى على شيخ الإسلام أنه نزل عن المنبر وقال: ينزل الله كنزول هذا، ذكر ذلك ابن بطوطة في رحلته وهذا كذب وافتراء عليه رحمة الله؛ لأنه كان في السجن في الوقت الذي مر فيه ابن بطوطة دمشق، والذي يريد أن يعرف عقيدة الشيخ يقرأ كتابه "شرح حديث النزول" وقد قرر فيه إبطال تشبيه نزول الله بنزول المخلوقين في مواضع، والذي دفع هؤلاء إلى هذا الافتراء على شيخ الإسلام وغيره هو أنهم لم يفهموا من النزول إلا نزول المخلوق ولما رأوا أهل السنة يثبتون هذا النزول وصفوهم بالتشبيه. وحاشاهم من التشبيه.
(الجبار) هو الله وهو اسم من أسمائه كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الحشر:٢٣) .
والجبر الذي في اسمه الجبار من دلالاته: الإصلاح، يقال: جبر كسره أي أصلحه، وجبر حال الفقير، أي أصلحه.
ومن مدلولاته العلو والقهر، أي العلي على خلقه والقاهر فوق عباده.
стр. 48
(جل) أي عظم قدره عن التكييف سواء كان مبناه الأوهام، أو القياس بصفات المخلوق، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾ (الرحمن:٧٨) .
(الواحد) المتفرد بصفات كماله ونعوت جلاله.
(المتمدح) المتمدح صفة للواحد، أي الذي يمدحه المؤمنون ويثنون عليه فهو الذي أسبغ على العباد من النعم وأولاهم من العطاء ما يوجب مدحهم له، وحسن الثناء عليه وحمده، وهو جل وعلا لا يحصي أحد الثناء عليه، وهو سبحانه يثني عليه ويمدح على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلى نعمه وعطاياه التي لا تعد ولا تحصى.
(إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح)
هذه الجملة في هذا البيت مكملة للبيت السابق، فهذا كقوله: ﷺ "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" فالجار والمجرور في قوله "إلى طبق الدنيا" متعلق بقوله"ينزل الجبار".
(طبق) هو الغطاء، والسماء غطاء للأرض، وكل سماء غطاء للسماء التي دونها، وسماء الدنيا سميت بذلك؛ لقربها من الأرض.
(يمن بفضله) المن هو البذل والعطاء فينزل سبحانه ليعطي ويتفضل على العباد بالخيرات وأنواع الهبات.
стр. 49
(فتفرج أبواب السماء وتفتح) ، قوله: (تفرج) أي تنشق وتنفتح والسماء لها أبواب دل على ذلك نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ (لأعراف: من الآية٤٠) .
وقد جاء في بعض روايات حديث النزول أن أبواب السماء تفتح وقت النزول الإلهي، ففي المسند للإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله إلى السماء الدنيا، ثم تفتح أبواب السماء، ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر"١.
(يقول) أي الله سبحانه عندما ينزل، فالقائل هو الله؛ لأنه لا يصح أن يقول الملك "من يستغفرني من يسألني من يدعوني" وهذا يبين بطلان قول الجهمية: إن الذي ينزل هو الملك؛ لأنه لو كان الذي ينزل هو الملك لقال: إن الله يغفر الذنوب فمن يستغفره، كما في الحديث الآخر: "إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل وينادي أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه ... "٢ الحديث.
وجاء في بعض روايات حديث النزول أن الله يقول: "لا أسأل عن عبادي أحداً غيري"٣ وهي مبطلة لمقالة هؤلاء؛ لأن هذا لا يمكن أن يقوله إلا الله.
стр. 50
(ألا مستغفرٌ) ، (ألا) أداة تحضيض، فهو يحض على الاستغفار والإستمناح، والمستغفر: طالب الغفران.
(يلق غافراً) هو الله الغفور ذو الرحمة ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية١٣٥) .
(مستمنح) من يطلب المنح وهو العطاء، أي يسأل الله الخير والرزق، والخير شاملٌ لأمور كثيرة.
(فيمنح) أي فيمنحه الله حاجته ويعطيه سؤله، فإن خزائنه ملأى لا يغيضها نفقة، يقول تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني وأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر".١
ثم ذكر الناظم ﵀ دليل النزول فقال:
(روى ذاك قوم لا يرد حديثهم) الإشارة بقوله: (ذاك) إلى النزول الإلهي الثابت، أي: الذين رووا حديث النزول ثقات أثبات لا يرد حديثهم بل يتلقى بالقبول، والحديث متواتر، نص على ذلك غير واحد من الأئمة منهم: شيخ الإسلام في (شرح حديث النزول) ، وابن القيم في (الصواعق المرسلة) ، والذهبي في (العلو) ، والسيوطي في (الأزهار المتناثرة) ،
стр. 51
والكتاني, وقد ذكر ابن القيم في (الصواعق) أن ثمانية وعشرين صحابياً رووه, وذكرهم.
(ألا خاب) (ألا) أداة استفتاح وتنبيه, أي خسر الذين كذبوا هؤلاء الرواة الأثبات الذين نقلوا النزول عن النبي ﷺ .
وهؤلاء الذين كذبوا الصحابة في هذه الأمور قبلوا عنهم أحاديث الأحكام, فلم هذا التفريق؟! قال عباد بن العوام: (قدم علنا شريك فسألته عن الحديث: "إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان"١ قلنا: إن قوماً ينكرون هذه الأحاديث!! قال فما يقولون؟ قلنا: يطعنون فيها، فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج وبالصوم، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث) .
وهذا الضلال مبني على القاعدة التي قعدها المعتزلة: أن خبر الآحاد لا يقبل في العقيدة، مع أن حديث النزول متواتر، فما الضابط عندهم؟ ومن يتأمل يجد أن الضابط عند هؤلاء هو: أن كل حديث خالف مذهبهم ردوه بحجة أنه خبر آحاد وإن كان متواتراً، وكل حديث وفق هواهم قبلوه ولو كان مكذوباً، ولذا اعتمدوا على الحديث المكذوب: "أول ما خلق الله العقل"، فالقوم أصحاب أهواء.
الناظم ﵀ لم يذكر العلو والاستواء، لكن في ضمن الأبيات التي ذكرها إشارة إلى ذلك فاكتفى به؛ لأن في إثبات النزول إثباتاً للعلو، ولهذا
стр. 52
أورد الإمام الذهبي ﵀ هذه المنظومة بكاملها في كتابه (العلو) في سياق ما نقله عن الأئمة من نقول في تقرير علو الله على خلقه، وسبق أن مر قول الناظم ﵀ (تعالى المسبح) وأن فيه إثبات العلو لله ذاتاً وقدراً وقهراً، وسيأتي أيضاً قوله: (وذو العرش يصفح) وفيه إثبات العرش العظيم الذي استوى عليه الرب .
стр. 53
عقيدة أهل السنة في الصحابة
١٥ (وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح)
١٦ (ورابعهم خير البرية بعدهم ... عليٌ حليف الخير بالخير منجح)
١٧ (وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح)
١٨ (سعيدٌ وسعدٌ وابن عوفٍ وطلحة ... وعامر فهرٍ والزبير الممدح)
١٩ (وقل خير قولٍ في الصحابة كلهم ... ولا تك طعاناً تعيب وتجرح)
٢٠ (فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آي للصحابة تمدح)
هذا مختصر لمعتقد أهل السنة في الصحابة، ومع اقتضاء المنظومة الاختصار إلا أن الناظم قد أتى منه بالشيء الكثير، وبدأه بذكر التفاضل بينهم ﵃ أجمعين.
(قل) أي يا صاحب السنة ويا من يريد لنفسه المعتقد الصحيح، معتقد أهل السنة والطائفة المنصورة والفرقة الناجية، قل وأنت منشرح الصدر غير شاك ولا مرتاب:
(إن خير الناس بعد محمد) أي أفضل الناس وأزكاهم بعد محمد ﷺ ، والناظم هنا يقرر من هم أفضل أمة محمد ﷺ ، فيقول: إن خير الناس بعد محمد ﷺ (وزيراه قدماً) وهما: أبو بكر وعمر ﵄، و (الوزير)
стр. 54
في اللغة هو العوين للملك والذي يحمل عنه أثقاله ويشير عليه ويعينه، ولذا وصف الناظم أبا بكر وعمر بأنهما وزيران له ﷺ .
(قدماً) اسم زمان من القدم، أي هما وزيران له منذ بداية الدعوة، لأن نصرتهم للنبي ﷺ كانت قديمةً، وقد جاء في حديث يرفع إلى النبي ﷺ عند الترمذي والحاكم أن النبي ﷺ قال: "ما من نبي إلا كان له وزيران من أهل الأرض ووزيران من أهل السماء فوزيرا السماء هما جبريل وميكال ووزيرا الأرض أبو بكر وعمر"١، ولكن الحديث ضعيف، وله طريقان آخران ضعيفان، لكن ثبت في فضلهما وخيريتهما أحاديث.
روى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص ـ رضي الله تعالى عنه ـ: "أنه سأل النبي ﷺ فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، فقلت: ثم من؟ فقال عمر بن الخطاب" ٢.
وليسا أفضل هذه الأمة فحسب بل هما أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين كما في الحديث: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين".
وهو مروي عن غير واحد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وجابر وأبو سعيد، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه٣.
стр. 55
وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "كنا زمن النبي لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم"١، وروى البخاري عن محمد بن الحنيفة قال: قلت لأبي يعني علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ "أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين"٢، وقد تواتر هذا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ رضي الله تعالى عنه ـ بل جاء عنه أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري"٣؛ وذلك لأنه افترى الكذب عندما قدم علياً على الوزيرين.
والنصوص الواردة في تفضيل أبي بكر وعمر كثيرة جداً، أوردها أهل العلم في الكتب التي تعتني بمناقب الصحابة، وتفضيل أبي بكر وعمر على الصحابة كلهم محل اتفاق بين أهل العلم، وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد أنه قال: "من فضل علياً على أبي بكر وعمر أو قدمه عليهما في الفضيلة والإمامة دون النسب فهو رافضي مبتدع فاسق".
(ثم عثمان) أي ثم يأتي بعد هذين الوزيرين عثمان بن عفان ـ رضي الله تعالى عنه ـ ذو النورين وثالث الخلفاء الراشدين صاحب المناقب الكثيرة والفضائل العديدة.
стр. 56
(الأرجح) أفعل تفضيل، أي الأرجح في الميزان، فعثمان ﵁ هو ثالثهم في الفضل على الأرجح، وكأن الناظم يشير إلى خلاف وقع بين السلف، وأقوالهم في ذلك ثلاثة ذكرها شيخ الإسلام: منهم من قدم عثمان وهو قول الأكثرين من أئمة السلف ومنهم من قدم علياً، ومنهم من توقف، والذي استقر عليه أمر أهل السنة: أن ترتيبهم في الفضل هو كترتيبهم في الخلافة.
قال:
(ورابعهم خير البرية بعدهم ... على حليف الخير بالخير منجح)
أي رابع الصحابة في الفضل هو علي بن أبي طالب ﵁، (خير البرية) أي خير الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان. و (البرية) من: برأ الله الخلق يبرؤهم أي خلقهم.
وعليٌ هو ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته وأبو السبطين صاحب المناقب الكثيرة، وقد أشار الناظم إلى بعض فضائله.
(حليف) أي المحالف للخير الذي حليفه الخير دائماً يحظى بالخير وينال الخير ويحصله أي أنه دائماً ملازم للخير.
(بالخير منجح) من النجاح، وهو تحصيل المقصود والظفر به.
وفي بعض النسخ (بالخير يمنح) ، وفي نسخة (بالخير ممنح) أي أنه يعطي الناس ويمنحهم، ففيه وصفه بالسخاء والجود والكرم.
стр. 57
(وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح)
أي هؤلاء المذكورين من الصحابة الخلفاء الأربعة، وكذلك الذين سرد أسماءهم في البيت الآتي، (للرهط) وهم عشيرة الرجل، ويطلق على ما دون العشرة، وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وفي بعض النسخ (والرهط) ولعله الأقرب، ويكون الضمير في قوله (وإنهم) عائداً على الأربعة والرهط معطوف عليه، والمقصود بهم الستة المذكورون في البيت الذي بعده.
(لا ريب فيهم) لا تهمة ولا شك فيهم وفيما سينالونه من الله من الفضل ولا شك في منزلتهم عند أهل السنة، ولا ريب في أنهم من أهل الجنة.
(على نجب) جمع نجيب وهو أكرم المال وأنفسه، والمراد أنهم يسرحون في الجنة على نجب الفردوس وهي النوق الكريمة والخيل الكريمة يروحون عليها ويغدون في الجنة، روى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة"١.
وروى الترمذي عن سليمان بن بريدة بن الحصيب عن أبيه أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: "إن
стр. 58
أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت إلا فعلت"، قال: وسأله رجل فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه، قال: "إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك" ١ وسنده ضعيف، لكنه جاء من طريق أخرى مرسلاً بسند صحيح، وله شاهد من حديث بريدة ﵁ فيرتقي بذلك إلى درجة الحسن، كما في السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ (برقم ٣٠٠١) .
ويقصد الناظم ﵀ بهذا أن هؤلاء مقطوع لهم بالجنة شهد لهم بذلك رسول الله ﷺ ، وسيأتي إن شاء الله ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك.
(الفردوس) اسم من أسماء الجنة، وهو اسم لأعلى الجنة وأوسطها وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة"٢.
(بالنور تسرح) أي بمن عليها من أهل النور والوضاءة والبهاء والحسن، (تسرح) أي تذهب حيث شاء راكبها، وفي بعض النسخ (في
стр. 59
الخلد تسرح) والخلد هي الجنة؛ لأنها دار النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. وفي هذا أن أهل الجنة يتزاورون فيها ويغدون ويروحون لتتم لذتهم وليكمل أنسهم وسرورهم، نسأل الله الكريم من فضله.
ثم قال:
(سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح)
هذا تفسير وبيان للرهط بذكر أسمائهم، وهؤلاء الستة مع الأربعة الخلفاء هم العشرة المبشرون بالجنة كما بشرهم بذلك النبي ﷺ في الحديث الثابت الصحيح. فهم الرهط الذين لا ريب في دخولهم الجنة، ولا ريب أنهم على نجب الفردوس في جنة الخلد يسرحون، وقد ورد في بشارتهم بالجنة أحاديث، منها ما رواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن النبي ﷺ أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" ١، وفي الترمذي وابن ماجه عن سعيد بن زيد مثله.٢
стр. 60
قال الناظم:
للمصطفى خير صحب نص أنهم ... فيجنة الخلد نصاً زادهم شرفاً
هم طلحة وابن عوف والزبير مع ... أبي عبيدة والسعدان والخلفاء
(سعيد) هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل، ابن عم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، (وسعد) هو ابن أبي وقاص، (وابن عوف) هو عبد الرحمن، (وطلحة) هو ابن عبيد الله، (وعامر فهر) هو أبو عبيدة عامر بن الجراح الفهري القرشي، (والزبير) هو ابن العوام.
(الممدح) أي: الذي له المدائح الكثيرة، والمدائح الكثيرة لهؤلاء جميعاً ومن أعظم هذا المدح تبشيرهم بالجنة، وينظر في مناقب هؤلاء على الخصوص كتاب (الرياض النضرة في مناقب العشرة) للمحب الطبري.
(وقل خير قولٍ في الصحابة كلهم ولا تك طعاناً تعيب وتجرح)
ولما ذكر الناظم هؤلاء تكلم عن الصحابة عموماً فقال: (وقل خير قول في الصحابة كلهم) أي لا يكن قولك الخير وكلامك الحسن خاصاً بهؤلاء الذين ذكروا بل قل خير قول في الصحابة جميعهم، فكلهم عدول أهل فضل ونبل.
стр. 61
والصحابي: هو الذي لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، فكل من كان بهذه الصفة فهو من الصحابة وقل فيه خير قول، ولما ذكر الله في سورة الحشر المهاجرين والأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠) .
فذكر الله لمن جاء بعدهم صفتين هما: سلامة الصدر وسلامة اللسان، وهكذا يجب أن يكون صاحب السنة تجاه الصحابة فلا يحمل عليهم في قلبه غلاً ويكون سليم اللسان فلا يقدح فيهم ولا يخوض فيما شجر بينهم بل يقول عنهم ما يزيد حبهم في القلوب. والناظم ﵀ أشار إلى تحقيق هاتين الصفتين بقوله: (وقل خير قول) وقد مر معنا أن القول إذا أطلق يشمل قول القلب وقول اللسان، ويكون المعنى قل فيهم خير قول بقلبك بأن يكون سليماً من الغل والحقد ولا يحمل تجاههم إلا الخير، وبلسانك بأن يكون سليماً من الطعن والقدح ولا تتكلم عنهم إلا بالخير.
(ولا تك طعاناً تعيب وتجرح) لما أمر ورغب صاحب السنة في أن يقول في الصحابة خير قول، حذره من أن يقع في الطعن والتجريح لأي أحد منهم، (طعاناً) أي كثير الطعن، والمقصود النهي عن الطعن في الصحابة، وليس المقصود النهي عن المبالغة في الطعن، فقد يأتي على وزن (فعال) ملا يراد به المبالغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: من الآية٤٦) . أي: ليس بذي ظلم، وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "ليس المؤمن بالطعان
стр. 62
ولا اللعان ولا الفاحش والبذيء" ١ أي ليس بذي طعن وليس بذي لعن، هذا مع عموم المسلمين، فكيف بالأمر مع الصحابة المعدلين.
(تجرح) الجرح هو الكلم، فالخوض فيما شجر بين الصحابة والنيل منهم ليس دأب أهل السنة ولا من منهجهم، بل هو شأن أهل الأهواء وسبيل أهل الضلال.
والناظم هنا يقرر عدالة الصحابة ومكانتهم، الذين شرفهم الله بصحبة نبيه ﷺ وسماع الروحي منه غضاً طرياً كما أنزل، فهم عدول ثقات، وهم حملة الدين ونقلته للأمة، يقول ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ: "من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
ومن هنا يعلم أن أي طعن في الصحابة فإنما هو طعن في الدين؛ لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول؛ لأن الصحابة هم الذين نقلوا الدين، ولذا ما من حديث نرويه عن النبي ﷺ إلا والواسطة بيننا وبينه أحد الصحابة، فالطعن فيهم طعن في الدين، ولذا يقول أبو زرعة الرازي ﵀: "إذا رأيتم الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلموا أنه زنديق؛ لأن الدين حق، والقرآن حق وإنما نقل لنا ذلك الصحابة فهؤلاء أرادوا
стр. 63
الجرح في شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة وهم بالجرح أولى وهم زنادقة".
فتكفير الصحابة وتكذيبهم دسيسة من دسائس اليهود وليس المقصود به الطعن في الصحابة ذاتهم، وإنما المقصود الحيلولة بين الناس وبين الدين، فعندما يروج الروافض أن أبا هريرة ﵁ كذاب أو غيره من الصحابة فإن من انطلت عليه هذه الدعاية ينصرف عن الدين ولا يثق به ولا يطمئن لعدم ثقته بمن نقله، وأي ثقة تبقى في دين يرمى حملته بالكذب ويتهمون بالكفر، وبهذا يعرف مراد القوم.
وقد حذر النبي ﷺ من سب الصحابة أشد التحذير وأمر بالإمساك عن القدح فيهم أو الطعن.
ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".١
وثبت عنه ﷺ فيما رواه عنه ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا".٢ والمراد: إذا ذكروا بغير الجميل.
فالصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ لا يذكرون إلا بالخير والجميل والإحسان مع الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، خلاف ما يفعله ذوو القلوب المنكوسة والعقول المعكوسة من خوضٍ في الصحابة أو بعضهم طعناً وتنقصاً وسباً وتجريحاً. ففعلوا نقيض ما أمروا به، واقترفوا ضد ما دعوا إليه.
стр. 64
روى مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت لعروة بن الزبير: "يا ابن أخي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم".١ نعوذ بالله من الزيغ والبهتان، ونسأله سبحانه ألا يجعل في قلوبنا غلاً لأحد من أهل الإيمان، وأن يغفر للصحابة الأبرار العدول الأخيار ولكل من اتبعه بالخير والإحسان.
ثم إن الناظم لما بين مكانة الصحابة وحث على قول الخير فيهم وحذر من الطعن فيهم قال مبيناً الدليل على ما ذكر:
(فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آي للصحابة تمدح)
ما سبق هو تقرير لمعتقد أهل السنة في الصحابة، وهذا البيت فيه دليل ذلك المعتقد؛ ولذا فإن المنظومة على اختصارها ذكرت فيها المباحث بأدلتها، وقوله: (فقد نطق ... ) من قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية:٢٩) .
(الوحي) هو القرآن الكريم كلام الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
(المبين) الواضح البين الذي لا لبس فيه ولا غموض، والمبين للشرائع والأحكام، والموضح لطريق الحق والهدى من الباطل والضلال.
стр. 65
(بفضلهم) الجار والمجرور متعلق بالفعل نطق، والقرآن مليء بالأدلة التي تبين فضل الصحابة ومن ذلك ما أشار إليه الناظم ﵀ بقوله:
(وفي الفتح آي للصحابة تمدح) ، وفي نسخة (في الصحابة تمدح) يشير إلى أن الوحي مليء بالأدلة الدالة على فضل الصحابة، وينبه في الوقت نفسه على كثرة الآيات في سورة الفتح التي تمدح الصحابة وتبين فضائلهم، وعند تأمل هذه السورة نجد مواضع كثيرة فيها مشتملة على مدح الصحابة: ففي أول السورة قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الفتح:٤) ثم بعدها بآيات قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح:١٠) .
ثم ذكر حال المخلفين من الأعراب، ثم قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (الفتح:١٨) ، ثم بعدها بآيات قال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الفتح:٢٦) .
ثم ختم السورة بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً
стр. 66
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: من الآية٢٩) .
فكل هذه الآيات في فضل الصحابة، بل الآية الأخيرة فيها ذكر فضل الصحابة في القرآن، وبيان فضلهم في التوراة والإنجيل، بذكر مثلهم في التوراة وهو أنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ومثلهم في الإنجيل وهو أنهم: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ .
وهذه الآية احتج بها بعض السلف منهم الإمام مالك على كفر الروافض؛ لأن الله يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .
وبهذا أنهى الناظم الكلام عن الصحابة؛ حيث بين مكانتهم وفضلهم، وحذر من الطعن فيهم والجرح لهم، وقرر بإيجاز عقيدة أهل السنة والجماعة فيهم ـ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين.
стр. 67
الإيمان بالقدر
٢١ (وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح)
هذا البيت في إثبات الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر، كما جاء في حديث جبريل المشهور، قال أخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره". وهذا جزء من حديث طويل خرجه مسلم عن ابن عمر عن أبيه عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ والحديث له قصة كما في مسلم، فإن ابن عمر جاءه رجلان فقالا له: إن قبلنا قومٌ يقرؤون القرآن ويقولون إن الأمر أنفٌ ولا قدر. فقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر، فإني سمعت أبي يقول: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ وذكر الحديث.١
فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وأصل من أصول الدين، وعمود من أعمدته، وإن انهدم فلا يبقى إيمان ولا دين. فالدين له فروع كثيرة ولكنه يقوم على ستة أصول لا ينفعك بعضها عن بعض منها الإيمان
стр. 68
بالقدر، وبزوال شيء منها ينهدم الدين ولا يبقى. ولذا جاء عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: "القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر فقد نقض تكذيبه توحيده". أي أنه إذا لم يكن إيمان بالقدر فليس هناك توحيد. والكفر بالقدر كفر بالله كما قال أحمد ﵀: "القدر قدرة الله". وقد جاء في القرآن نصوص كثيرة واضحة الدلالة ليس فيها أدنى إشكال في أن الأمور كلها بقدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر:٤٩) ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (الأحزاب:٣٨) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٩) ، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى:٣،٢) ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (طه: من الآية٤٠) ، فكل شيء بقدر الأعيان والصفات، فأعيان المخلوقات وكذلك ما يقوم بها من صفات كالحركات والسكنات والكلام والسكوت كلها بقدر، وقد جاء عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ عند البخاري في خلق أفعال العباد١:" كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك".
ولا تسقط ورقة من شجرة إلا بقدر, حتى العجز والكيس بقدر قدره الله وقضاه كما قال ﷺ :"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" رواه مسلم٢. من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
стр. 69
فكل شيء بقدر ولا يمكن أن يكون في الكون شيء لم يرده الله ولم يخلقه إذ الملك ملكه والخلق خلقه، والإيمان بهذا واجب وقد أجمع أهل السنة عليه، وتتلخص عقيدتهم في الإيمان بالقدر بأن يؤمن العبد بأن الله سبق في علمه وجود الكائنات وما يعمله العباد من خير وشر، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، وأن وجود أي شيء من ذلك إنما يكون بمشيئته، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء.
وعليه فالإيمان بالقدر لا يكون إلا بالإتيان بمراتب القدر، وهي أربع مراتب:
١- الإيمان بعلم الله الأزلي، وأنه أحاط بكل شيء علماً، وأنه علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (لأنفال:٢٣)
يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ (سبأ:١،٢) ، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:١٦)
٢- الإيمان بالكتابة وأن كل شيء كتب ودون في اللوح المحفوظ.
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾
стр. 70
(القمر:٥٢-٥٣) ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج:٧٠) ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد:٢٢) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال رسول الله ﷺ : "كتب الله المقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" رواه مسلم،١ وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب فجرى بتلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" رواه أحمد والترمذي.٢
١- الإيمان بالمشيئة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٩) ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) .
وقال رسول الله ﷺ في وصيته لابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".٣
стр. 71
وللشافعي أربعة أبيات يقول عنها ابن عبد البر إنها من أثبت ما نسب إليه، ومن أحسن ما قيل في القدر نظماً:
ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... وفي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
٤- الإيمان بالإيجاد والخلق وأن الموجد الخالق للأشياء كلها هو الله تعالى كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر:٦٢) ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٦)
فهذه هي مراتب الإيمان بالقدر، وليس هناك مخلوق إلا ويمر بهذه المراتب، وهذه المراتب لا إيمان بالقدر إلا بالإيمان بها، وكل مرتبة منها عليها عشرات الأدلة من الكتاب والسنة، جمعها أحدهم في بيت واحد فقال:
علمٌ كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجادٌ وتكوينٌ
ثم إنه قد نشأ في الأمة فرقتان ضلتا في هذا الباب. فرقة كان ضلالها بنفي القدر، وأخرى بالغلو في إثباته، وكلاهما على طرفي نقيض، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وخير الأمور الوسط.
стр. 72
وغلاة منكري القدر كانوا ينكرون القدر بمراتبه الأربعة، وهؤلاء ذكر غير واحد من أهل العلم أنهم انقرضوا، ثم صار أمر خلفهم إلى إثبات العلم والكتابة وإنكار المشيئة والإيجاد، فيقولون إن الله علم فعل الإنسان وكتبه ولكنه لم يشأه ولم يوجده وإنما خلقه الإنسان.
وكان أحمد ﵀ يقول: "ناظروا القدرية بالعلم فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا" وهؤلاء يسمون القدرية النفاة، وهم المعتزلة وهم الذين ورد فيهم أنهم مجوس هذه الأمة؛ لقولهم بخالقين؛ كالمجوس الذين قالوا بإثبات خالقين النور والظلمة، والمعتزلة أثبتوا خالقين: الله وهو خالق الأعيان، والإنسان وهو خالق أفعاله.
ويقابل هؤلاء القدرية المجبرة وهم الجبرية الجهمية، وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، قالوا أفعال العباد بقدرة الله ولا قدرة ولا مشيئة للعبد فيها بل هو كالورقة في مهب الريح مجبور على فعل نفسه، والفاعل الحقيقي هو الله والإنسان ليس له مشيئة بل هو مثل الورقة في مهب الريح، ومن هنا سموا جبرية، وهؤلاء لا يطبقون مذهبهم في كل شيء بل يطبقونه في حالات دون حالات، وهذا تناقض، والتناقض دليل فساد المذهب، وهذه عادة أهل البدع الوقوع في التناقض. فإنه لو زنى الجبري وترك الصلاة وارتكب الموبقات فاعترض عليه أحد قال أنا مجبور كالورقة في مهب الريح. بينما هو نفسه لو جاء شخص وضربه أو اعتدى على ماله أو حقٍ من حقوقه وقال أنا كالورقة في مهب الريح لم يقبل منه الجبري ذلك، وهذا هو
стр. 73
التناقض، فهو في الأمور التي يحبها يقول أنا مجبور، وإذا فعل به ما يكره ترك مذهبه. ومن هنا يعلم أن مذهب أهل البدع ليس عن عقيدة وإنما هو عن أهواء وشهوات. ولذا قال بعض أهل العلم لأحدهم: "أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري"؛ لأنه إذا فعل الطاعة قال: أنا الفاعل لها بمشيئتي ولا قدرة لله عليها، وإذا فعل المعاصي قال: أنا مجبور ولا مشيئة لي. وهذا يبين أنهم أهل أهواء ومتبعون لحظوظ النفس.
ويرد على الفرقتين بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٨،٢٩) ففي قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ رد على الجبرية، وفي قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... ﴾ رد على القدرية.
(وبالقدر المقدور أيقن) أي آمن بالقدر المقدور، أي الصادر عن الرب سبحانه مقدراً محكماً، وقد عرفنا أنه لا إيمان بالقدر إلا بالإيمان بمراتبه الأربعة.
وقوله: (أيقن) اليقين ضد الشك والمراد أي لا يكن في قلبك أي شك في ذلك، فاليقين انتفاء الشك، وهو تمام العلم وكماله فإذا وجد شك أو تردد أو ظن ذهب اليقين. ولا يكفي العلم فقط بل لابد من اليقين.
(فإنه دعامة عقد الدين) (الدعامة) بكسر الدال: عماد البيت وأساس البناء، و (العقد) بكسر العين القلادة، فالدين عبارة عن عقد ينتظم أموراً كثيرةً، وله شعب متنوعة وأجزاء متعددة وأعمال وفيرة وله أعمدة ودعائم يقوم عليها بناؤه، والإيمان بالقدر هو أحد هذه الأعمدة والدعائم
стр. 74
التي يقوم عليها هذا البناء، وهذا يؤكد أن زوال هذا الركن يؤدي إلى زوال الدين والإيمان، وانفراط هذا العقد المبارك.
(والدين) أل هنا للعهد وهو إما ذهني أو ذكري، وهو هنا ذهني أي الدين المعهود وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩) وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: من الآية٣) ، ولا يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥)
(أفيح) أي واسع، فيه أعمال كثيرة، وطاعات عديدة، وعبادات متنوعة وأحكام جليلة، ولكنه يقوم على أعمدة راسخة وأسس متينة، ومن تلك الأعمدة الإيمان بالقدر.
وينبغي أن يعلم أنه لا يتنافى مع الإيمان بالقدر فعل الأسباب بل إن من تمام الإيمان بالقدر فعل الأسباب، ويوضحه حديث علي ﵁ عن رسول الله ﷺ عندما قال له بعض الصحابة: فيما العمل؟ أفي أمر مستأنف أم في أمر قدر وقضي؟ قال: "بل فيما قدر وقضى" قالوا ففيما العمل؟ قال: "اعملوا فكل مسير لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة".١
стр. 75
وهذه الكلمة من النبي ﷺ فيها برد اليقين والشفاء. ولذا لما قال لهم ذلك كان منهم أمران: آمنوا بالقدر، وتنافسوا في فعل الأعمال واجتهدوا في الإتيان بالطاعات. وقوله ﷺ "اعملوا" لا يوجه لمن لا مشيئة له، بل هو موجه لمن له مشيئة يختار بها ما يريد، وهذا يدل على أن الإنسان عنده مشيئة بها يختار ما يريد وهذا متقرر عند كل الناس في أمر الدنيا. وقوله ﷺ : "فكل ميسر لما خلق له" أي: أن مشيئة العبد التي يعمل بها تحت مشيئة الله فالعبد له مشيئة بها يختار ويريد وليس مجبراً كالورقة في مهب الريح. فإذا كان الأمر كذلك فإن علينا أن نحرص على ما ينفعنا ونستعين بالله ونطلب منه العون والتوفيق كما قال ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله". ١