← Акыда

Акыда · id 7575

التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (122 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وللشافعي أربعة أبيات يقول عنها ابن عبد البر إنها من أثبت ما نسب إليه، ومن أحسن ما قيل في القدر نظماً: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ... وفي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن ٤- الإيمان بالإيجاد والخلق وأن الموجد الخالق للأشياء كلها هو الله تعالى كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر:٦٢) ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٦) فهذه هي مراتب الإيمان بالقدر، وليس هناك مخلوق إلا ويمر بهذه المراتب، وهذه المراتب لا إيمان بالقدر إلا بالإيمان بها، وكل مرتبة منها عليها عشرات الأدلة من الكتاب والسنة، جمعها أحدهم في بيت واحد فقال: علمٌ كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجادٌ وتكوينٌ ثم إنه قد نشأ في الأمة فرقتان ضلتا في هذا الباب. فرقة كان ضلالها بنفي القدر، وأخرى بالغلو في إثباته، وكلاهما على طرفي نقيض، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وخير الأمور الوسط.

стр. 72

وغلاة منكري القدر كانوا ينكرون القدر بمراتبه الأربعة، وهؤلاء ذكر غير واحد من أهل العلم أنهم انقرضوا، ثم صار أمر خلفهم إلى إثبات العلم والكتابة وإنكار المشيئة والإيجاد، فيقولون إن الله علم فعل الإنسان وكتبه ولكنه لم يشأه ولم يوجده وإنما خلقه الإنسان. وكان أحمد ﵀ يقول: "ناظروا القدرية بالعلم فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا" وهؤلاء يسمون القدرية النفاة، وهم المعتزلة وهم الذين ورد فيهم أنهم مجوس هذه الأمة؛ لقولهم بخالقين؛ كالمجوس الذين قالوا بإثبات خالقين النور والظلمة، والمعتزلة أثبتوا خالقين: الله وهو خالق الأعيان، والإنسان وهو خالق أفعاله. ويقابل هؤلاء القدرية المجبرة وهم الجبرية الجهمية، وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، قالوا أفعال العباد بقدرة الله ولا قدرة ولا مشيئة للعبد فيها بل هو كالورقة في مهب الريح مجبور على فعل نفسه، والفاعل الحقيقي هو الله والإنسان ليس له مشيئة بل هو مثل الورقة في مهب الريح، ومن هنا سموا جبرية، وهؤلاء لا يطبقون مذهبهم في كل شيء بل يطبقونه في حالات دون حالات، وهذا تناقض، والتناقض دليل فساد المذهب، وهذه عادة أهل البدع الوقوع في التناقض. فإنه لو زنى الجبري وترك الصلاة وارتكب الموبقات فاعترض عليه أحد قال أنا مجبور كالورقة في مهب الريح. بينما هو نفسه لو جاء شخص وضربه أو اعتدى على ماله أو حقٍ من حقوقه وقال أنا كالورقة في مهب الريح لم يقبل منه الجبري ذلك، وهذا هو

стр. 73

التناقض، فهو في الأمور التي يحبها يقول أنا مجبور، وإذا فعل به ما يكره ترك مذهبه. ومن هنا يعلم أن مذهب أهل البدع ليس عن عقيدة وإنما هو عن أهواء وشهوات. ولذا قال بعض أهل العلم لأحدهم: "أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري"؛ لأنه إذا فعل الطاعة قال: أنا الفاعل لها بمشيئتي ولا قدرة لله عليها، وإذا فعل المعاصي قال: أنا مجبور ولا مشيئة لي. وهذا يبين أنهم أهل أهواء ومتبعون لحظوظ النفس. ويرد على الفرقتين بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٨،٢٩) ففي قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ رد على الجبرية، وفي قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... ﴾ رد على القدرية. (وبالقدر المقدور أيقن) أي آمن بالقدر المقدور، أي الصادر عن الرب سبحانه مقدراً محكماً، وقد عرفنا أنه لا إيمان بالقدر إلا بالإيمان بمراتبه الأربعة. وقوله: (أيقن) اليقين ضد الشك والمراد أي لا يكن في قلبك أي شك في ذلك، فاليقين انتفاء الشك، وهو تمام العلم وكماله فإذا وجد شك أو تردد أو ظن ذهب اليقين. ولا يكفي العلم فقط بل لابد من اليقين. (فإنه دعامة عقد الدين) (الدعامة) بكسر الدال: عماد البيت وأساس البناء، و (العقد) بكسر العين القلادة، فالدين عبارة عن عقد ينتظم أموراً كثيرةً، وله شعب متنوعة وأجزاء متعددة وأعمال وفيرة وله أعمدة ودعائم يقوم عليها بناؤه، والإيمان بالقدر هو أحد هذه الأعمدة والدعائم

стр. 74

التي يقوم عليها هذا البناء، وهذا يؤكد أن زوال هذا الركن يؤدي إلى زوال الدين والإيمان، وانفراط هذا العقد المبارك. (والدين) أل هنا للعهد وهو إما ذهني أو ذكري، وهو هنا ذهني أي الدين المعهود وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩) وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: من الآية٣) ، ولا يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥) (أفيح) أي واسع، فيه أعمال كثيرة، وطاعات عديدة، وعبادات متنوعة وأحكام جليلة، ولكنه يقوم على أعمدة راسخة وأسس متينة، ومن تلك الأعمدة الإيمان بالقدر. وينبغي أن يعلم أنه لا يتنافى مع الإيمان بالقدر فعل الأسباب بل إن من تمام الإيمان بالقدر فعل الأسباب، ويوضحه حديث علي ﵁ عن رسول الله ﷺ عندما قال له بعض الصحابة: فيما العمل؟ أفي أمر مستأنف أم في أمر قدر وقضي؟ قال: "بل فيما قدر وقضى" قالوا ففيما العمل؟ قال: "اعملوا فكل مسير لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة".١

стр. 75

وهذه الكلمة من النبي ﷺ فيها برد اليقين والشفاء. ولذا لما قال لهم ذلك كان منهم أمران: آمنوا بالقدر، وتنافسوا في فعل الأعمال واجتهدوا في الإتيان بالطاعات. وقوله ﷺ "اعملوا" لا يوجه لمن لا مشيئة له، بل هو موجه لمن له مشيئة يختار بها ما يريد، وهذا يدل على أن الإنسان عنده مشيئة بها يختار ما يريد وهذا متقرر عند كل الناس في أمر الدنيا. وقوله ﷺ : "فكل ميسر لما خلق له" أي: أن مشيئة العبد التي يعمل بها تحت مشيئة الله فالعبد له مشيئة بها يختار ويريد وليس مجبراً كالورقة في مهب الريح. فإذا كان الأمر كذلك فإن علينا أن نحرص على ما ينفعنا ونستعين بالله ونطلب منه العون والتوفيق كما قال ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله". ١

стр. 76

الإيمان باليوم الآخر ٢٢ (ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح) ٢٣ (وقل يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرح) ٢٤ (على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفح) ٢٥ (وإن رسول الله للخلق شافعٌ ... وقل في عذاب القبر حقٌ موضح) هذه الأبيات يتحدث فيها الناظم عن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد مر في الأبيات السابقة بعض هذه الأركان وهذه الأركان الستة مترابطة لا ينفك بعضها عن بعض والإيمان ببعضها يوجب الإيمان ببعضها الآخر والكفر ببعضها كفر بباقيها. وقد جمع بين هذه الأركان في نصوص كثيرة من القرآن قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٧) ، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ

стр. 77

كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: من الآية٢٨٥) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ (النساء:١٣٦) . فالإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين، ومن لا يؤمن باليوم الآخر لا يؤمن بالله. والناظم يتحدث هنا عن هذا الركن العظيم. ولأن المنظومة مختصرة لا مجال فيها للبسط والإطناب فإنه أشار إلى بعض الأمور الكائنة في اليوم الآخر منبهاً بذلك إلى الأمور الأخرى التي لم يتمكن من ذكرها مراعاة للاختصار. وقد ذكر في هذه الأبيات الأربعة جملة من أمور يوم القيامة فذكر منكراً ونكيراً، والحوض، والميزان، وإخراج عصاة الموحدين من النار والشفاعة، وعذاب القبر. والإيمان باليوم الآخر ضابطه: الإيمان بكل ما أخبر الله به وما أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت. وهذا من أجمع ما يكون في تعريف الإيمان باليوم الآخر؛ لشموله لكل ما يكون بدايةً من دخول القبر إلى افتراق الناس إلى فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير. ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة لأنها أمارات وعلامات على دنوها وقرب مجيئها. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمد: من الآية١٨)

стр. 78

وفي حديث جبريل قال: "أخبرني عن الساعة، قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان". ١ فالساعة لها علامات كبرى تكون عند قرب قيامها، وعلامات صغرى تكون قبل ذلك. فالإيمان بهذه العلامات من الإيمان باليوم الآخر. ثم الإيمان بالقبر وفتنته وعذابه ونعيمه، وأن الناس يفتنون في القبور. قال ﷺ : "عذاب القبر حق"،٢ وقد كان يتعوذ منه دبر كل صلاة. (ولا تنكرن) (لا) ناهية، و (تنكرن) من الإنكار وهو الجحد وعدم الإثبات. (جهلاً) مفعول لأجله، أي لا تنكر وجودهما لأجل جهلك وبسبب قلة علمك. (نكيراً ومنكراً) هذان ملكان من ملائكة الله زرق العيون سود الوجوه كما في الترمذي من حديث أبي هريرة: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ثم ينور له

стр. 79

فيه، ثم يقال له نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم, فيقولان: نم كتومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك, وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري, فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك, فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك"١ , وسبب هذه التسمية لأنهما يأتيان على صورة منكره لم يعهدها الإنسان وليس فيها أنس للناظرين, ويسميان الفتانان؛ لأنهما يفتنان الناس في قبورهم. فالإيمان بالمنكر والنكير من الإيمان باليوم الآخر. وقد سأل رجل الإمام أحمد: هل نقول المنكر والنكير أم الملكين؟ قال: "المنكر والنكير هكذا هو". فالحديث صح في ذكر هذين الاسمين فيجب الإيمان بهذين الاسمين والمعتزلة الذين يحكمون عقولهم في الشرع يردون هذا ولا يؤمنون به ويقولون: لا يصح أن يقال عن بعض ملائكة الله أنه منكر ونكير فأنكروا هذا بالعقل وهذا من غلبة الجهل وقلة العلم من هؤلاء بالشرع ولذا قال الناظم: (جهلاً) أي لا تنكرن يا صاحب السنة بسبب الجهل هذا الأمر. وهذا إشارة منه إلى أنه لا ينكر منكرا ونكير إلا الجاهل، أما العالم بالكتاب والسنة فأنه يؤمن به. والمعتزلة وإن كانوا أهل كلام فإنهم ليسوا أهل علم. ولذا قال أبو يوسف: "العلم بالكلام جهل والجهل بالكلام علم". فالعلم: قال الله قال

стр. 80

رسوله ﷺ قال الصحابة. فالمتكلم وإن كان صاحب فصاحة وبيان ومنطق وجدل فإنه جاهل لا علم له. ثم إن هذين الملكين يأتيان العبد في قبره ويجلسانه ويسألانه من ربك وما دينك ومن نبيك. ولذا من الأمور المهمة نشر هذه الأصول الثلاثة بين الناس وتعليمهم إياها لأنها أول ما يسأل عنه الإنسان في قبره. ولذا كان من نصيحة الإمام محمد بن عبد الوهاب للأمة تأليفه لرسالته الجليلة الأصول الثلاثة وأدلتها. وعلى ضوء جواب الإنسان على هذه الأسئلة وتثبيت الله له من عدم تثبيته يكون الناس على قسمين قسم يعذبون في قبورهم وقسم ينعمون. وعذاب القبر حق، قال الله في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر:٤٦) فهم الآن يعذبون في القبر يومياً إلى قيام الساعة وهذا حال كل كافر بالله، أما أهل التوحيد ممن هم عصاة وأهل كبائر ليس تعذيبهم في القبر كتعذيب الكافر وإنما يعذبون على قدر كبائرهم. وأما المؤمن فإنه منعم في قبره. ولا يجوز إنكار عذاب القبر ونعيمه بالعقل والمنطق والتجارب، خاصة تجارب الملاحدة حيث قالوا: حفرنا القبور فلم نجد جنة ولا ناراً ولم نر عذاباً ولا نعيماً، وليكن فإن الله يقول في صفة المتقين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة:٢-٣) أي: يؤمنون بكل ما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله ﵈.

стр. 81

ثم إن الناظم قد بدأ كلامه عن الإيمان باليوم الآخر بالكلام عن الملكين منكر ونكير إشارة إلى أن القبر وما فيه هو أول منازل الآخرة وأن من مات قامت قيامته، والمؤمن يؤمن بهذا وبكل ما يكون بعده؛ فنؤمن بالنفخ بالصور وهو قرن ينفخ فيه والموكول به إسرافيل. والنفخات ثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام، وبعض العلماء جعلها نفختين، والصحيح أنها ثلاث، وكلها ذكرت في القرآن: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (النمل:٨٧) ، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر:٦٨) . فينفخ في الصور النفخة الأولى فيفزع الناس ثم ينفخ فيه فيصعقون ثم ينفخ فيقومون لرب العالمين وفي الحديث أن بينهما أربعين. ولا يدرى أربعين ماذا؟ وجاء في وصف قيامهم بأنهم: "يقومون حفاة عراة غرلاً"١. وكذلك الإيمان بالحشر أي حشر الناس في عرصات يوم القيامة لله، ويحشرون كلهم من أولهم إلى آخرهم يجمعون على صعيد واحد ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (الكهف:٤٧) . وكذلك الإيمان بدنو الشمس من الخلائق وتفاوت الناس في العرق ومن يظلهم الله ومن لا يظلهم.

стр. 82

وكذلك الإيمان بالدواوين ومجيء الرب لفصل القضاء والإيمان بالصراط وكل ما جاء بالكتاب والسنة. وفي ذكر الناظم للمنكر والنكير وتحذيره من إنكار وجودهما وإنكار ما يقومان به من مهام الله وهما ملكان من الملائكة إشارة إلى وجوب الإيمان بالملائكة عموماً وبأسمائهم ووظائفهم وأوصافهم وأعدادهم الواردة في الكتاب والسنة إجمالاً وتفصيلا فيما فصل، بل الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصوله العظام. (ولا الحوض والميزان إنك تنصح) أي ولا تنكرن جهلاً الحوض المورود والذي أعده الله لنبيه ولأمته. وجاء وصف هذا الحوض أن: "طوله شهر وعرضه شهر، ومائه أحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، وعدد كيزانه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً". ١ وأحاديث الحوض متواترة كما ذكر ذلك السيوطي وغيره وذكر أنه مروي عن خمسين صحابياً. وجاء في الحديث: "لكل نبي حوض".٢ وفي بعض الأحاديث ذكر ﷺ "أن بعض الناس يذاد عن هذا الحوض فيقول النبي أصحابي أصحابي فيقال له إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"،٣ وهو محمول على من ارتد عن الإسلام ومات مرتداً، ومن العجب أن يحمل

стр. 83

الروافض هذا الحديث على صحابة النبي ﷺ ، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة لم يغيروا ولم يحدثوا بعده كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:٢٣) . وأما الذين بدلوا وحرفوا هم الروافض حتى إنهم حرفوا القرآن وزادوا فيه وأنقصوا. فهم رموا الصحابة بما هم أهله. والشاهد أن الإيمان بالحوض المورود واجب ولا ينكره إلا جاهل بالحديث. (والميزان) ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالميزان الذي ينصب يوم القيامة ﴿و َنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء:٤٧) ، فتوزن الأعمال والدواوين والأشخاص. وهو ميزان حقيقي وهو كفتان يوضع على كفة الحسنات ويوضع على كفة السيئات. ومن ذلك حديث البطاقة. والشاهد فيه ذكر الكفتين وهو قوله (فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة) . وجاء فس بعض الآثار: "له لسان وكفتان"، وهو مروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ذكره أبو الشيخ من طريق الكلبي، ويروي أيضاً عن الحسن، ولم يأتي ذكر اللسان في حديث مرفوع. وأحاديث الميزان متواترة، والقرآن مليء بالآيات عن الميزان، وهي موازين تزن بمثاقيل الذر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:٨،٧) . ويدخل تحت هذا الإيمان بالدواوين

стр. 84

وأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال من وراء الظهر، وما يتبع ذلك من نعيم أو عذاب، ومن انقسام إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير. (وقل يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرح) (على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفح) هذان البيتان يذكر الناظم ﵀ فيهما أهل الكبائر من عصاة الموحدين الذين أدخلوا النار بسبب كبائرهم وذنوبهم، وأنهم يخرجون على هذه الهيئة التي ذكر وأنهم يطرحون على أنهار الجنة فيحيون بمائه وتعود لهم صحتهم وتزدان هيأتهم. وقد أخذ هذا ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتةً حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" فقال رجل من القوم كأن رسول الله ﷺ قد كان في البادية. رواه مسلم،١ وقوله: (ضبائر) أي الجماعات. وفي الصحيحين عنه ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال قال رسول الله ﷺ : " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من

стр. 85

كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياء أو الحياة-شك مالك- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".١ (وقل يخرج الله العظيم بفضله) أي يخرجهم من النار وإنما هو فضل من الله وحتى إذنه للشافع فضل من الله وتشريف له أي للشافع. (من النار أجساداً من الفحم) لأن النار أهلكتهم وأماتتهم وأحرقتهم حتى صاروا فحماً، والفحم هو الجمر الطافي وهو أسود اللون. (تطرح) أي يلقون على النهر فالجار والمجرور في قوله (على النهر) متعلق بالفعل المضارع (تطرح) . (الفردوس) اسم من أسماء الجنة، ويطلق أيضاً على أعلى الجنة وفي الحديث، قال رسول الله ﷺ : "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة ووسط الجنة وفوقه عرش الرحمن". ٢ (كحب حميل السيل) وفي بعض النسخ (كحبة حمل السيل) وهما بمعنى واحد، و (الحب) بالكسر هو بروز الصحراء مما ليس بقوت، وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، وأما (الحبة) بفتح الحاء فهي ما يزرعه الناس، وحميل السيل أي: الذي يحمله السيل؛ لأن السيل إذا جاء حمل معه البذور ثم يلقيها على جنبتيه ثم تحيى هذه البذور وتنبت بماء السيل، وهكذا الشأن يكون في هؤلاء المخرجين.

стр. 86

(إذ جاء يطفح) أي: إذ جاء ذلك السيل يعني وقت مجيئه (يطفح) أي فيض، يقال طفح الإناء أي: امتلأ وارتفع الماء فيه. وهؤلاء الذين ضرب لهم هذا المثل هم من أهل الكبائر والعظائم فيما دون الشرك، وأما المشركين الكفار فهم مخلدون في النار أبد الآبدين، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يخرجون منها أبداً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (فاطر:٣٦،٣٧) . فهذا شأن الكفار ومآلهم، وأما مرتكبو الكبائر وعصاة الموحدين فحكمهم عند أهل السنة أنهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم وإن أدخلهم النار فلا يخلدون فيها بل يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين. والبيتان يتضمنان الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. وفي البيتين أيضاً إشارة إلى الجنة ونعيمها والنار وعذابها، والإيمان بذلك وبكافة التفاصيل الواردة في الكتاب والسنة المتعلقة بالجنة والنار هو من الإيمان باليوم الآخر.

стр. 87

وإن رسول الله للخلق شافعٌ ... وقل في عذاب القبر حقٌ موضح (وإن رسول الله) فيه الإيمان بالرسول ﷺ وبجميع خصائصه، والرسول: هو من بعثه الله بوحيه الكريم وذكره الحكيم مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. والمراد برسول الله هنا، أي محمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، صاحب المقام المحمود والحوض المورود الشافع المشفع صلوات الله وسلامه عليه. (للخلق) إشارة إلى الشفاعة العظمى التي تكون في عرصات يوم القيامة والتي يغبطه عليها الأولون والآخرون، وهذه الشفاعة من الرسول ﷺ تكون لجميع الخلائق بأن يبدأ في حسابهم، وحديث الشفاعة حديث متواتر قد ورد من عدة أوجه عن الجماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأنس وحذيفة وغيرهم رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ملا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم

стр. 88

فيأتون آدم ﵇ فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس بالمهد صبيا اشفع لنا ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري

стр. 89

اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمداً ﷺ فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى".١ ويدخل في عموم قول الناظم: (للخلق شافع) الإيمان بجميع أنواع الشفاعات الواردة المختصة بالنبي ﷺ مثل شفاعته لأهل الجنة بدخول الجنة وشفاعته لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه العذاب، وشفاعته لأهل الكبائر ممن استحقوا دخول النار بأن لا يدخلوها، ومن دخلها منهم بأن يخرج منها، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء والصالحون والملائكة. (وقل في عذاب القبر حق موضح) أي آمن وصدق بعذاب القبر. (والقبر) مفرد جمعه قبور وأقبر، وهو من نعم الله ومنته على بني آدم أن هداهم لهذا الأمر تكريماً وإحساناً، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (عبس:٢١) أي: جعل له قبراً يوارى فيه بدنه إكراماً له وتفضلاً عليه، ولم

стр. 90

يجعله ممن يلقى على وجه الأرض فيتعفن ويتأذى منه الناس أو تأكله الوحوش والطيور والسباع. (موضح) أي موضح في الكتاب والسنة، ولذا يجب على كل مسلم أن يقول عذاب القبر حق، والأدلة على أن عذاب القبر حقٌ من الكتاب والسنة كثيرة، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر:٤٦) . وعن عائشة ﵂ أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: "نعم عذاب القبر حق" قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر. رواه البخاري.١ وفي رواية لأحمد "أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق". ٢ وعن أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه مسلم.٣

стр. 91

حكم مرتكب الكبيرة والتحذير من مذهبي الخوارج والمرجئة ٢٦ (ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا) ... (فكلهم يعصي وذو العرش يصفح) ٢٧ (ولا تعتقد رأي الخوارج إنه) ... (مقال لمن يهواه يردي ويفضح) ٢٨ (ولا تك مرجياً لعوباً بدينه) ... (ألا إنما المرجي بالدين يمزح) هذه الأبيات تشتمل على بيان حكم مرتكب الكبيرة، وهي أول المسائل التي نشب فيها الخلاف بين فرق الأمة. فنشأت مذاهب الخوارج والمعتزلة والمرجئة، والناظم في هذه الأبيات بين أولاً قول أهل السنة القول الحق، ثم ذكر قول الخوارج محذراً منه. بدأ بالقول الحق فقال: (ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... ) ، (لا) ناهية. والمعنى: لا تعتقد كفر أهل الصلاة وإن عصوا كما في الحديث: "من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا" ١، وفي قوله (أهل الصلاة) إشارة إلى كفر تارك الصلاة وأن من لا يصلي فهو كافر ليس بمسلم، والأدلة على كفر تارك الصلاة في الكتاب والسنة كثيرة جداً، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ

стр. 92

وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١١) . وقال تعالى مخبراً عن أصحاب الجحيم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر:٤٢،٤٣) . وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله –رضي الله تعالى عنهما- قال قال رسول الله صلى عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة".١ وفي المسند وغيره عن بريدة –رضي الله تعالى عنه- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبنهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".٢ وفي المسند وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف".٣ وروى الترمذي عن عبد الله بن شفيق قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"٤. والنصوص في هذا المعنى كثيرة.

стр. 93

(وإن عصوا) سواء ارتكبوا كبائر أو صغائر، فلا يجوز تكفيرهم بذلك، فهو ﵀ يتحدث عن حكم المسلم المصلي إذا ارتكب معاصي دون الكفر فإنه لا يكفر ولا يخرج من الدين، أما إذا وقع في كفر أو شرك فأمر آخر، أما هنا فالناظم يتكلم عن أهل الصلاة إذا وقع من أحدهم ذنوب دون الشرك بالله فإنه لا يجوز تكفيره باتفاق أهل السنة والجماعة مادام يعلن إسلامه ولم يأت بأمر مكفر، أما إذا جاء بأمر مكفر فإنه يكفر، وفي عامة كتب الفقه يعقد باب حكم المرتد، وفيه تبين الأمور التي من قالها أو فعلها كفر وارتد عن الإسلام، ولشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالة نافعة مختصرة بعنوان (نواقض الإسلام) ذكر فيها أموراً عشرة ينتقض بفعل أي واحد منها الإسلام. ثم في تكفير المعين لابد من إقامة الحجة عليه فإذا أقيمت عليه الحجة فإنه حينئذ يكفره أهل العلم؛ لأنهم أعلم بأحوال الناس ومن يستحق منهم التكفير ومن لا يستحق، وأما عامة الناس فشأنهم الاستفادة من أهل العلم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ (التحريم: ٨) والخطاب للمطيع والعاصي وناداهم جميعاً باسم الإيمان، وفي هذا دليل على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) والاقتتال من كبائر الذنوب. ومع ذلك سماهم مؤمنين فدل ذلك على أن

стр. 94

ارتكاب الكبائر لا يخرج من الملة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (البقرة:١٧٨) وهذه وردت في شأن القاتل، فسمى القاتل أخاً لوالي المقتول والأخوة هنا أخوة الدين، فدل ذلك على أن القتل وغيره من كبائر الإثم لا ينتقل به المسلم من الدين. ولما كانت المنظومة مختصرة لا يمكن استيعاب الأدلة فيها اكتفى الناظم بالإشارة إلى قوله ﷺ : "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" ١، ولهذا قال: (فكلهم يعصي) فإذا كان تكفير أهل المعاصي سائغاً فلا يبقى أحد عندئذ على الإسلام، فإن النبي ﷺ أخبر في هذا الحديث الذي أشار إليه الناظم أ، كل بني آدم خطاء. وفي الحديث الآخر قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم" ٢. (وذو العرش يصفح) كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر:٥٣) . وهذا فيه دلالة على عظيم عفو الله، وجميل صفحه، وسعة مغفرته، وكمال رحمته، وأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره، فمن تاب تاب الله عليه، والحسنات ماحية للذنوب، والمصائب كفارات، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 95

(ذو العرش) ما يقال فيه (ذو) شأنه شأن المضافات إلى الله وهي على نوعين: ١- إضافة الصفة إلى الموصوف كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾ (الرحمن:٧٨) . فالجلال والإكرام وصفان لله . ٢- إضافة المخلوق إلى الخالق ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ (غافر: ١٥) فالعرش مخلوق من مخلوقات الله وهذه الإضافة تقتضي التشريف والتكريم. والعرش هو أكبر المخلوقات، وهو سقفها وهو على المخلوقات كالقبة. والعرش الحقيقي وهو في اللغة سرير الملك كما في قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل:٢٣) أي ملكة سبأ. وعرش الرحمن له قوائم كما في الحديث: "فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" ١، وله حملة وهم من الملائكة وعددهم ثمانية ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة:١٧) ، وهناك ملائكة حافون من حول العرش. وصفات العرش كثيرة. ويجب الإيمان بوجود العرش ولا يجوز الخوض فيه بالتأويلات الفاسدة، بل نؤمن بأنه عرش حقيقي عظيم كريم مجيد، ونؤمن بجميع صفاته الواردة في القرآن والسنة، ونؤمن بأن الله مستو عليه استواءً يليق بجلاله كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .

стр. 96

أما أهل الكلام فلا يؤمنون بالعرش بل يؤولونه بتأويلات فاسدة. وكذلك يحرفون معنى الاستواء، فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) ما من كلمة من هذه الآية إلا وقد حرفها هؤلاء، ولهم شبه بها يجحدون الاستواء، من أعظمها: لو كان الله مستوياً على العرش للزم أن يكون محتاجاً إليه. وأساس هذه الشبهة قياس الخالق بالمخلوق وفهم الصفة المضافة إلى الله على ضوء فهم الصفة المضافة إلى المخلوق. فهم وجدوا أن المخلوق إذا استوى على شيء يكون محتاجاً إليه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (الزخرف:١٢،١٣) ، فلو غرق الفلك لغرق من عليه ولو سقطت الدابة لسقط من عليها، فدل على احتياجه إلى الفلك والأنعام وإلى كل ما يستوي عليه، ثم جاءوا إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) ولم يفهموا من الاستواء المضاف في الآية إلى الله إلا عين استواء المخلوق وقالوا يلزم من إثبات ذلك احتياجه إلى العرش، فبناء على هذه الشبهة التي في عقولهم، نفوا استواء الله على العرش، وبعد ذلك هم أمام أحد خيارين: إما أن يقولوا الله ليس فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه، وإما أن يقولوا الله في كل مكان، فهم فروا من شر ثم وقعوا في شرور أعظم وبلاء أشد. وعوداً على مرتكب الكبيرة فالقول الحق فيه أنه لا يكفر، ولا يقال إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنما يقال مؤمن بإيمان فاسق بكبيرته أو يقال مؤمن ناقص الإيمان.

стр. 97

ثم انتقل الناظم إلى ذكر قولين باطلين في المسألة فقال: (ولا تعتقد رأي الخوارج ... ) (لا تعتقد) لا تؤمن ولا تدن. (رأي الخوارج) عبر عنه بأنه رأي؛ لأنه رأي من نتائج عقولهم ومن نسج أفكارهم لا يقوم على دليل من الكتاب والسنة. والخوارج إنما سموا بذلك لأمرين: ١- أنهم خرجوا على الخليفة علي بن أبي طالب ﵁، وكفروه وناصبوه العداء. ٢- أنهم خرجوا على السنة ففارقوها سواء فيما يتعلق بولي الأمر أو بالمسائل الأخرى. فالناظم يحذر من الخوارج وقد صحت الأحاديث في التحذير منهم قال الإمام أحمد صحت من عشرة أوجه. فهو يحذر من رأي الخوارج عموماً، ومن رأيهم في مرتكب الكبيرة خصوصاً، فإن مذهبهم في مرتكب الكبيرة أنه بذلك يكون كافراً خارجاً من الملة وهو يوم القيامة من المخلدين في النار أبد الآباد. والمعتزلة قالوا بقول الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة واختلفوا في شيء واحد. فاتفقوا أنه يخرج من الإيمان وأنه يخلد يوم القيامة في النار. وخالفوهم في مسألة التنصيص على أنه كافر فقالت المعتزلة ليس بمؤمن وليس بكافر بل هو في منزلة بين المنزلتين فحقيقة قولهم: ليس عنده شيء من الإيمان ولم يدخل في الكفر. وفي الحقيقة مؤدى المذهبين واحد.

стр. 98

(إنه مقال لمن يهواه) هذا تعبير دقيق؛ لأن هذه الفرق والمذاهب في حقيقة أمرها مجرد أهواء بها يتركون الكتاب والسنة؛ ولذا جاء في الحديث "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء"١، فهو يمتلئ قلبه بالهوى فيعمى بصره ولا يهتدي إلى حق ولا يبصر نصاً ولا حديثاً بل يمضي في هواه. والذي يهوى مقال الخوارج لا يحصل من ورائه إلا الخسران والخزي والفضيحة ولهذا قال الناظم: (يردي ويفضح) ، فمآل من يهوى هوى الخوارج الخسران والردى في الدنيا والآخرة، وكذلك يفضح ويخزى ولا أعظم من هذا الخزي بأن يكفر المسلمين ويترك الملحدين، ويتسلط على أهل الإسلام ويسلم منه عباد الأوثان. ثم انتقل إلى قول المرجئة فقال: (ولا تك مرجياً ... ) ما وصف به الناظم المرجئة من أحسن ما يوصفون به فإن المرجئة يمزجون بالدين ويلعبون به، وكلما غلا المرء في الإرجاء كان مزحه ولعبه بالدين أكبر فغلاة المرجئة يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. والإيمان عندهم المعرفة فقط. فأي مزح ولعب بالدين أكبر من هذا، وأي فتح لباب المعاصي والموبقات أعظم من هذا. ينقل عن أحد المرجئة أنه مر على رجل يشرب الخمر، فشتمه المخمور، فقال المرجي: أهذا جزائي وقد جعلتك مؤمناً كامل الإيمان.

стр. 99

والإرجاء في اللغة: التأخير، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (لأعراف:١١١) . وإنما سمي المرجئة بذلك لأنهم أخروا العمل عن الإيمان وقالوا العمل ليس جزءا من الإيمان. ثم افترق المرجئة إلى فرق، قسم قالوا: الإيمان المعرفة فقط. وقسم قالوا: إنه مجرد التصديق. وقسم قالوا: إنه مجرد النطق. وقسم قالوا: إنه مجرد النطق والاعتقاد. وهم متفاوتون في الإرجاء، متفوقون على إخراج العمل من مسمى الإيمان. وبقدر حظهم من الإرجاء والغلو فيه يستحقون من الوصف الذي ذكره الناظم. ووجه اللعب والمزح بالدين على ضوء هذه العقيدة: أن الفاسق إذا قيل له: إيمانك مثل إيمان النبي ﷺ فهل يقبل على الدين؟ أم أنه سيقول إذا كان إيماني تاماً كاملاً وهذه حالي مثل إيمان النبي ﷺ فما الحاجة إلى الالتزام بالدين، فتكون النتيجة إذاً هي اتخاذ الدين لهواً ولعباً، والغلاة من المرجئة يقولون: كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة فإنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وهذا قول في غاية الخبث والفساد، وهو سبيل لترك الصلوات ومنع الزكاة وترك الصيام والحج وغير ذلك من الطاعات وذريعة لفعل الفواحش

стр. 100

والموبقات، ولا يرتاب عاقل أن هذا لعب بالدين، وأي عبث أفظع وأشد من هذا العبث. وعلى كلٍ فهذه الأبيات الثلاثة اشتملت على بيان أقوال الطوائف في مرتكب الكبيرة، وهي ثلاثة أقوال: قول أهل السنة والجماعة وهو قول عدل وسط، وقولان متناقضان.

стр. 101

تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه ٢٩ (وقل: إنما الإيمان: قولٌ ونيةٌ) ... (وفعلٌ على قول النبي مصرح) ٣٠ (وينقص طوراً بالمعاصي وتارةً) ... (بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح) قوله: (وقل إنما الإيمان ... ) إلخ ذكر ﵀ في هذا البيت عقيدة أهل السنة في الإيمان وأنه عندهم يقوم على ثلاثة أركان: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالقلب والجوارح. وقد دل على دخول هذه الأمور الثلاثة في الإيمان أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهي لا تحصى لكثرتها. والناظم ﵀ كعادته يدعو صاحب السنة إلى العقيدة الصحيحة السالمة من الشوائب فيقول: (قل إنما الإيمان ... ) (قولٌ) وذلك بأن يقول المرء بلسانه ما أمره الله به، وهو على قسمين: ١- أصلٌ: وهو قول ما يقوم عليه الدين وينبني، وهو الشهادتان وفي الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... "١. ٢- وفرعٌ: وهو ما يبنى على هذا الأصل وينمو عليه، وهو سائر الطاعات

стр. 102

التي تؤدى باللسان كالتسبيح وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. (ونية) أي اعتقاد صحيح في القلب يبني عليه عمله قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " ١، فإذا كان عند الإنسان قول وعمل بلا نية في قلبه فهو المنافق وهو الذي يكون ذا أعمال صالحة في الظاهر وباطنه بخلاف ذلك، قال الله تعالى قي بيان حال المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة:١٤) . وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون:١) . (وفعل) أي أن العمل داخل في مسمى الإيمان ولا يقول بخروجه إلا المرجئة. وقد سبق الكلام عليهم. والفعل هو العمل، وهو شامل لعمل القلب مثل المحبة والخشية والإنابة والحياء والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، وعمل الجوارح مثل الصلاة والصيام والزكاة والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من أعمال الجوارح. ومن الأحاديث الجامعة لهذه الأمور الثلاثة؛ حديث أبي هريرة المعروف بحديث شعب الإيمان "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا

стр. 103

الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ١ فهذا الحديث الجامع دل على دخول ما يكون باللسان والجوارح والقلب في مسمى الإيمان. أم دلالته على ما يكون باللسان ففي قوله: "أعلاها قول لا إله إلا الله"، والقول يشمل قول القلب وقول اللسان عندما يطلق. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:٣٠) وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٦) . فالمراد بقوله: ﴿قُولُوا﴾ أي بقلوبكم وألسنتكم. ولذلك لا ينصرف القول إلى القول باللسان فقط إلا عندما يقيد قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران:١٦٧) . وهي صريحة في أن القول يكون بالقلب واللسان ولذلك أهل السنة عندما يقولون في كتبهم الإيمان قول فهو شامل لأمرين قول القلب وقول اللسان. وأما دلالته على دخول ما يكون بالجوارح في مسمى الإيمان ففي قوله: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وهذا يدل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. فإماطة الأذى عمل يقوم به الإنسان وهو جزء من الإيمان وشعبة من شعبه.

стр. 104

وأما دلالته على دخول ما يكون بالقلب في مسمى الإيمان ففي قوله: "والحياء شعبة من الإيمان" والحياء عمل من أعمال القلوب، وهو داخل في مسمى الإيمان، فالخشية والتوكل والرغبة والرهبة وغيرها من الأعمال القلبية المأمور بها كلها داخلة في مسمى الإيمان. (على قول النبي مصرح) (مصرح) مبتدأ مؤخر خبره شبه الجملة (على قول النبي) وهذه الأمور الثلاثة مصرح بها كما قال الناظم في قول النبي ﷺ في أحاديث كثيرة فمن قال بذلك فقوله مبنيٌ على ما جاء عن الرسول ﷺ ، ومما يدل دلالة صريحة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس –رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" ١، وهو صريح في دخول العمل في مسمى الإيمان، والنصوص في هذا المعنى كثيرة. (وينقص طوراً ... ) أي الإيمان ينقص تارة، ففي هذا البيت يقرر الناظم أن الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف.

стр. 105

أما الزيادة فمصرح بها في القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة:١٢٤) وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ (مريم:٧٦) وقال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (الإسراء:١٠٩) والهدى والخشوع من الإيمان. وأما النقصان فمصرح به في السنة قال رسول الله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين ... "١، وهذا النقص لا تحاسب عليه المرأة؛ لأنها مأمورة بترك الصلاة والصيام وقت الحيض، وقوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"٢. وقد جاءت آثار عن الصحابة صريحة في أن الإيمان يزيد وينقص، فعن عمير بن حبيب الخطمي أنه قال: الإيمان يزيد وينقص. قيل وما زيادته ونقصانه؟ قال إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه. وفي هذا الباب ورد عنهم وعن السلف عموماً آثار كثيرة، بل هو محل إجماع وموضع اتفاق

стр. 106

(بطاعته ينمي) أي أن الإيمان يزيد بطاعة الله, يقال: نمى ينمي نمياً ونماءً, أي: زاد وكثر, وفي نسخة: (بطاعته ينمو) وهو بمعناه يقال: نما ينمو نمواً, أي زاد وكثر. قال في اللسان: "نمى: النماء: الزيادة. نمى ينمي نمياً ونماءً: زاد وكثر, وربما قالوا: ينمو نمواً".١ (وفي الوزن يرجح) أي أنه في الميزان يوم القيامة يثقل؛ لزيادته بالطاعات والبعد عن معاصيه. وفي هذين البيتين بين الناظم أمرين حول عقيدة أهل السنة في الإيمان هما: ١- أن الإيمان قول وعمل. ٢- أنه يزيد وينقص. فالأول فيه رد على المرجئة, والثاني فيه رد على المرجئة وكذلك على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن الإيمان شيء واحد, لا يزيد ولا ينقص, والذي أفسد على جميع هؤلاء دينهم هو اعتقادهم أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ, إذا ذهب بعضه ذهب كله. ثم إن الإيمان يزيد بأمور ينبغي على المسلم أن يحرص عليها ليزداد إيمانه منها: تدبر القرآن, ومعرفة أسماء الله وصفاته, والتفكر في آيات الله ومخلوقاته, ودراسة سيرة الرسول ﷺ , وسير الأخيار من المؤمنين, والاجتهاد

стр. 107

في فعل الطاعات, وينقص بأمور ينبغي على المسلم أن يحذرها ليسلم إيمانه منها: اتباع خطوات الشيطان, وطاعة النفس الأمارة بالسوء، والافتتان بالدنيا, ومخالطة أهل الشر والفساد, والغفلة والإعراض, والانسياق وراء الشهوات. والمسلم العاقل ينصح لنفسه في إيمانه لتثقل به موازينه يوم لقاء الله ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف٨٠) . والناظم ﵀ يشير إلى هذا المعنى عندما قال: (وفي الوزن يرجح) .

стр. 108

التحذير من الرأي، ومن القدح في الحديث وأهله ٣١ (ودع عنك أراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح) ٣٢ (ولا تك من قومٍ تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح) (ودع) أي: اترك، واحذر، واجتنب. (آراء الرجال وقولهم) أي لا تبن دينك وعقيدتك على الآراء المتكلفة والأقوال المحدثة بل ابنها على الكتاب والسنة ففيهما السلامة والعصمة، وقد جاء عن السلف ﵏ نقول كثيرة في التحذير من الآراء وذم الرأي وأهله، من ذلك قول عمر –رضي الله تعالى عنه-: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم السنة أن يحفظوها فأعملوا عقولكم".١ وقال علي -رضي الله تعالى عنه-: "لو كان الدين يأخذ بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره".٢ والمراد بالرأي هنا أي الرأي المذموم القائم على الحدس والظن والعقل المجرد مع تعطيل النصوص وإهمالها والصدود عنه والإعراض، وهو الرأي

стр. 109

الذي أحدثت به البدع، وأنشأت به الضلالات، وعطلت به الأسماء والصفات، فمثل هذه الآراء العاطلة والتقريرات الباطلة لا ينبغي لمسلم أن يرعيها باله، بل الواجب أن تطرح وأن يحذر منها وأن لا يغتر بتزيين أهل الباطل لها. يقول الأوزاعي ﵀: "عليك بالأثر وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم". قوله (آراء الرجال) ذكر الرجال هنا لا مفهوم له، فالرأي الباطل مذموم سواء كان من الرجال أو النساء، ولكن ذكر الرجال؛ لأنهم أصحاب الرأي في الغالب. (فقول رسول الله) أي الصحيح الثابت عنه ﷺ . (أزكى) أي: أطهر وأنقى وأخلص، وفي بعض النسخ (أولى) أي: بالأخذ والتقديم. (وأشرح) أي للصدر وللفؤاد والقلب وأدعى للطمأنينة. والناس يوم القيامة لا يسألون إلا عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص:٦٥) فلا يسألون عن آراء الرجال وأقوالهم، وإنما يسألون عما جاءتهم به رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه. قوله: (ولا تك من قوم ... ) إلخ

стр. 110

هذا البيت في غاية التناسق مع الذي قبله حيث أشاد الناظم في البيت الأول ضمناً بحملة السنة ونقلة الحديث من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فهؤلاء هم خير الناس وأفضلهم, فليس عندهم آراء منطقية ولا فلسفات عقلية ولا أقوال متكلفة، وإنما الذي عندهم تمسك بالنصوص والتزام بالسنة النبوية، ثم حذر في هذا البيت من طريق أهل اللهو والباطل الذين يطعنون في هؤلاء الأئمة والأفذاذ والعلماء الأمجاد فقال: (ولا تك) أي احذر أن تكون يا صاحب السنة ويا من هداك الله إلى لزوم هدي خير الأمة. (من قوم تلهوا بدينهم) أي ممن اتخذوا دينهم لهواً ولعباً. وهذا شامل لأهل البدع وأهل الفسق والفجور؛ فإن الجميع يشتركون في ذلك بين مقل ومستكثر بسبب جهلهم بالسنة، ومن جهل شيئاً عاداه. (فتطعن في أهل الحديث وتقدح) وهذه نتيجة اتخاذ الدين لهواً ولعباً: السخرية بأهل الحق والتهكم بالمتمسكين بالسنة والوقعية في أهل الخير والفضل والنبل، وهذه هي حيلة المفاليس في كل زمان وأوان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ (المطففين:٢٩-٣١) . ولو كان القوم أهل حق وحجة لنافحوا عنه بالبرهان ولقابلوا الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ولكن لا حيلة للعاطل المفلس إلا التهكم والسخرية
следующие страницы →