والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه
؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق] (١).
س ١٦٧: هل يسمع أهل القبور سلام من يسلم عليهم أثناء زيارتهم ؟
الجواب: هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، والإمام ابن كثير (٤)، والعلامة الشنقيطي (٥): أن الأموات يسمعون سلام الزائر لهم، ويرد الله عليهم أرواحهم حتى يردوا ﵇.
قال الإمام ابن كثير (٦): [والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: (مَا مِنْ أَحَد يَمُرّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُسْلِم كَانَ يَعْرِفهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّم عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ رُوحه حَتَّى
стр. 142
يَرُدّ ﵇ (١)، ثم ذكر آثارًا كثيرة جدا عن الصحابة، وعن التابعين ﵏، والله تعالى أعلم (٢) ..
قال ابن عثيمين: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والسنة قد بينت فيها بعض الأشياء، فقد صح عن النبي ﷺ "أن العبد إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه فإنه يسمع قرع نعالهم" (٣)، وأخبر الرسول ﷺ أنه ما من مسلم يمر بقبر مسلم فيسلم عليه، وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه، فرد ﵇. وهذا الحديث صححه ابن عبد البر ﵀ وذكره ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) ولم يتعقبه، وربما يؤيد هذا أن الرسول ﵊ كان إذا خرج إلى المقابر قال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين"، وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا ينفع غيره ولو سمعه، يعني أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره كما أنه لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره، معتقداً لذلك مزية وبدعة من البدع، ودعاؤك إياه شرك أكبر مخرج من الملة (٤).
стр. 143
س ١٦٨: هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟
الجواب: قال ابن عثيمين: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً ويكون عذابه مستمرًّا.
وأما إن كان عاصياً وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة وحينئذ يكون منقطعاً (١).
стр. 144
من بدع الجنائز
قبل الوفاة:
١ - وضع المصحف عند رأس المحتضر.
٢ - قراءة سورة «يس». على المحتضر.
٣ - توجيه المحتضر إلى القبلة.
بعد الوفاة:
١ - إخراج الحائض والنفساء والجنب من عنده.
٢ - وضع غصن أخضر في الغرفة التي مات فيها.
٣ - ترك أهل الميت الأكل حتى يفرغوا من دفنه.
٤ - التزام البكاء حين الغداء والعشاء.
٥ - الإعلان عن وفاة الميت من على المنائر.
٦ - قولهم عند إخبار أحدهم بالوفاة: الفاتحة على روح فلان.
غسل الميت:
١ - ذكر الغاسل، ذكرًا من الأذكار عند كل عضو يغسله.
٢ - سدل شعر الميتة من بين ثدييها.
الكفن والخروج بالجنازة:
١ - كتابة دعاء على الكفن.
٢ - اعتقاد بعضهم أن الجنازة إذا كانت صالحة خف ثقلها على حامليها
стр. 145
وأسرعت.
٣ - إخراج الصدقة مع الجنازة.
٤ - التزام البدء في حمل الجنازة باليمين.
٥ - الإبطاء في السير بها.
٦ - القول خلفها: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء.
الصلاة عليها:
١ - الصلاة على الغائب مع العلم أنه صلي عليه في موطنه.
٢ - وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة.
٣ - قراءة دعاء الاستفتاح.
الدفن وتوابعه:
١ - إنزال الميت في القبر من قبل رأس القبر.
٢ - جعل الوسادة أو نحوها تحت رأس الميت في القبر.
٣ - قراءة: «منها خلقناكم». في الحثوة الأولى و «فيها نعيدكم». في الثانية، و «ومنها نخرجكم تارة أخرى». في الثالثة.
التعزية وملحقاتها:
١ - الاجتماع في مكان للتعزية.
٢ - تحديد التعزية بثلاثة أيام.
٣ - حفر القبر قبل الموت استعدادًا له.
стр. 146
زيارة القبور:
١ - زيارة قبر الأبوين كل جمعة.
٢ - ذهابهم إلى المقابر في يومي العيدين، ورجب، وشعبان، ورمضان.
٣ - زيارتها يوم الاثنين، والخميس.
٤ - نقش اسم الميت، وتاريخ موته على القبر.
٥ - السفر لزيارة قبره (١).
* * *
стр. 147
ملحوظات حول متابعي الجنائز
أولاً: مضايقة المسلمين في طرقاتهم، أو في المقبرة .
كثيرًا ما ترى من يقف موقفًا خاطئًا، فيضايق المارة، ويعطل السير ليدرك صلاة الجنازة، أو يزعج المشيعين بصوت سيارته القريبة من أماكن جلوس المشيعين للجنازة، أو يؤذيهم بالحرارة الصادرة من سيارته وهو جالس فيها، وهو يريد أن يفعل سنة وقد أذى الآخرين، فلربما ارتكب محرمًا وهو لا يشعر، والنبي أمر بإزالة الأذى عن الطريق لا بوضعه فيه.
وأذكر القارئ الكريم بشيء من أحاديث المصطفى في فضل إماطة الأذى، وحرمة أذية المسلمين ومضايقتهم.
١٦ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يُميط الأَذَى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» (١).
وقال في حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (٢).
стр. 148
وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: [وذكر من حقوق الطريق كف الأذى (٢)، وهي كلمة جامعة تتضمن: الأذى القولي: بأن يتكلموا على الإنسان إذ مرّ، أو يتحدثوا فيه بعد ذلك بالغيبة ونحوها.
والأذى الفعلي: بأن يضايقوه في الطريق بحيث يملؤون الطريق حتى يؤذوا المارة، ولا يحصل المرور إلا بتعب ومشقة] (٣).
ثانيًا: تقديم صلاة الفريضة على صلاة الجنازة لمن فاتتهم الصلاة الأولى مع أن هناك سعة في الوقت .
وقد سبق في السؤال رقم (٤٢) بيان ذلك.
ثالثًا: الكلام الزائد، والضحك، ورفع الصوت وربما البيع داخل المقبرة .
يكثر من بعض الناس عدم التهيب والاستشعار لموقف الدفن وحضور الجنازة، وقد شاهدت بعض الناس في المقبرة حال الدفن
стр. 149
وهو يضحك، وبعضهم يستقبل المكالمات عبر الهاتف الجوال ويعقد المواعيد ويصرف أمور دنياه، وهذا يدل على الغفلة وعدم تقدير ما ينبغي في ذلك المقام من السكينة والإخبات والاتعاظ والاعتبار.
قال ابن عثيمين: [قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا، أو أن يتبسم ويضحك] (١).
وقد كان السلف الصالح ﵃ بخلاف هذا كانوا إذا رأوا الجنائز نظروا إليها نظر المعتبرين وتكلموا عندها بكلام الموفقين وكانوا يقولون القول ويعملون بمقتضاه.
وقد ذكر ابن الخراط حال السلف عند رؤية الجنازة وفي المقبرة وحال الدفن فقال: [يروى عن أبي هريرة ﵁ أنه كان إذا رأى جنازة قال امض ونحن على أثرك].
[وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغد فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له].
[ومرت بالحسن البصري جنازة فقال يا لها موعظة ما أبلغها وأسرع نسيانها يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة ثم قال يا غفلة شاملة للقوم كأنهم يرونها في النوم ميت غد يدفن ميت اليوم].
[وقال أسيد بن حضير ما شهدت جنازة وحدثت نفسي بشيء سوى ما يفعل بالميت وما هو صائر إليه].
стр. 150
[وقال الأعمش كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المعزى فيها لكثرة الباكين وإنما بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت].
[وقال ثابت البناني كنا نشهد الجنازة فلا نرى إلا باكيا].
[وقال إبراهيم النخعي كانوا يشهدون الجنازة فيرى فيهم ذلك أياما كأن فيهم الفكرة في حال الموت وفي حال الميت].
وهذه المظاهر من الكلام في أمور الدنيا، والضحك، حال التشييع للجنازة تدل على قسوة القلب. والغفلة عن المصير المحتوم، فعن جَابِرٍ، قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جِنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ قَالَ: " إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا). (١)
قال القرطبي ﵀: قوله إن الموت فزع؛ أي يفزع إليه ومنه، وهو تنبيه على استذكاره وإعظامه وجعله من أهم ما يخطر بالإنسان.
والمقصود من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت، فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل كان هذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، فأمر الشرع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم تعظيمًا لأمر الميت واستشعارًا به. (٢)
وقال ابن الحاج لما ذكر جنائز السلف: كَانَتْ عَلَى الْتِزَامِ الْأَدَبِ وَالسُّكُونِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّضَرُّعِ حَتَّى إنَّ صَاحِبَ الْمُصِيبَةِ كَانَ لَا يُعْرَفُ مِنْ بَيْنِهِمْ لِكَثْرَةِ حُزْنِ الْجَمِيعِ وَمَا أَخَذَهُمْ مِنْ الْقَلِقِ وَالِانْزِعَاجِ بِسَبَبِ
стр. 151
الْفِكْرَةِ فِيمَا هُمْ إلَيْهِ صَائِرُونَ وَعَلَيْهِ قَادِمُونَ حَتَّى لَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَلْقَى صَاحِبَهُ لِضَرُورَاتٍ تَقَعُ لَهُ عِنْدَهُ فَيَلْقَاهُ فِي الْجِنَازَةِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى السَّلَامِ الشَّرْعِيِّ شَيْئًا لِشُغْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْخُذَ الْغِذَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِشِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْجَزَعِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁: مَيِّتُ غَدٍّ يُشَيِّعُ مَيِّتَ الْيَوْمِ (١).
وقال أيضا: ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي كَوْنِهِمْ يَسْبِقُونَ الْجِنَازَةَ وَيَجْلِسُونَ يَنْتَظِرُونَهَا وَيَتَحَدَّثُونَ إذْ ذَاكَ فِي التِّجَارَاتِ وَالصَّنَائِعِ وَفِي مُحَاوَلَةِ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كَيْفَ يُرْجَى قَبُولُ شَفَاعَتِهِ؟ بَلْ بَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْمَيِّتُ يُقْبَرُ فِي الْغَالِبِ، بَلْ بَعْضُهُمْ يَتَضَاحَكُونَ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ وَآخَرُونَ يَتَبَسَّمُونَ وَآخَرُونَ يَسْتَمِعُونَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (٢).
[وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه كان يلقى الرجل في الجنازة من خاصة إخوانه قد بعد عهده به فلا يزيده على السلام حتى يظن الرجل أن في صدره عليه موجدة كل ذلك لانشغاله بالجنازة وتفكره فيها وفي مصيرها حتى إذا فرغ من الجنازة لقيه وسأله ولاطفه وكان منه أحسن ما عهد].
[ورأى عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ رجلا يضحك في جنازة فقال أتضحك وأنت في جنازة والله لا أكلمك أبدا]. (٣)
стр. 152
وقد سبق في السؤال رقم (١٣٨) بيان ذلك.
رابعًا: عدم وصل الصفوف .
فتجد الكثير من أهل الفضل والصلاح لا يحرصون على تطبيق هذه السنة التي ورد فيها فضائل عظيمة عن رسول الأمة
فنجد البعض يصلون مجموعة في أطراف الصفوف مع أن الصف لم يكتمل.
أو يحصل من بعضهم تركه لفرجة ظاهرة بينه وبين من يليه، أو يرى فرجة في الصف الذي أمامه ولا يتقدم لسدها ووصل الصف المقدم.
والبعض الآخر يصلي على الجنازة مع مجموعة قليلة خلف الصفوف وبينهم وبين الصفوف المكتملة مسافات بعيدة.
إن عدم اكتمال الصف، وتخلل الفرج، فيه تفويت أجور عظيمة، ومخالفة لما حث عليه النبي في الأحاديث، والآثار الواردة ومنها:
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» (١).
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (٢).
стр. 153
ومن الآثار أيضًا:
عن ابن مسعود ﵁ قال: [رَأَيْتنَا وَمَا تُقَام الصَّلَاة حَتَّى تتكامل الصُّفُوف] (١).
وعن إبراهيم النخعي أنه [كان يكره أن يقوم الرجل في الصف الثاني، حتى يتم الصف الأول، ويكره أن يقوم في الصف الثالث، حتى يتم الصف الثاني] (٢).
فهذه الأحاديث والآثار، تبين فضيلة إكمال الصفوف، وسد الفرج، وأن ذلك من تمام الصلاة، ومن مظاهر عز المسلمين، وتكاتفهم، وأنهم كالجسد الواحد، ومما يوحي للنفوس بالأخوة، والتعاون، فليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة خالية في الصفوف الأُوَل، وليبادر إلى وصل الصفوف، وسد الفرج، ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
خامسا: الذهاب لمكان العزاء بعد الدفن مباشرة وعدم الوقوف على القبر والدعاء له .
وهذا خلاف الهدي النبوي فقد كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (٣).
وقال عمرو ابن العاص قال: [إِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَأقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي] (٤).
стр. 154
قال المناوي: [قال الآجري: يسن الوقوف بعد الدفن قليلاً والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات] (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: [باب الوقوف بعد دفن الميت والدعاء له والاستغفار له].
وذلك أن الميت إذا دفن فإنه يأتيه ملكان يسألان عن ربه، ودينه، ونبيه، فكان النبي
إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه يعني عنده، وقال «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (٢)، فيسن للإنسان إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يقف عنده ويقول: اللهم اغفر له ثلاث مرات اللهم ثبته ثلاثًا؛ لأن النبي (كان غالب أحيانه إذا دعا دعا ثلاثًا ثم ينصرف)] (٣).
سادسا: يقع من بعض من يشهد دفن الجنازة، وخاصة الذين يتولون الدفن ومن حولهم- يقع من بعضهم - لغط ومزادة في الكلام ، حيث يريد كل أن يفرض رأيه وأن يعمل ما يظنه هو الصواب، وربما أفضى ذلك إلى الخصومة، وخاصة إذا تكلم من لا علم عنده بكيفية الدفن وإنزال الميت في قبره. وهذا الذي تقدم لا ريب أنه خطأ فاحش، فمثل ذلك الموقف المفترض أن تخيم عليه السكينة والخشوع، مع الاعتبار والدعاء للميت.
стр. 155
ألا ترى كيف وصف البراء بن عازب حضورهم إحدى الجنائز مع النبي حيث وصف جلوسهم وانتظارهم تجهيز القبر وجلوسهم حول النبي بقوله: (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) (١).
يعني لو رأتهم طير لحطت على رؤوسهم وما طارت لخشوعهم وسكينتهم وامتناع أدنى صوت منهم، حتى تظنهم الطير شيئًا جامدًا لا يتحرك من شدة خشوعهم وسكينتهم.
ثم إن من المفترض- أيضًا- أن يسمع الناس لأهل العلم إن كان معهم أحد منهم، فإن الدفن وإنزال الميت في قبره ووضعه فيه إلى آخر ذلك … كل هذا عبادة ينبغي أن تؤدى على الوجه المشروع والمأثور عن المعصوم وأدرى الناس بذلك هم طلبة العلم وأهله (٢).
وقد سبق في السؤال رقم (١١٤) فتوى حول هذا الموضوع.
أسأل الله العلي العظيم الرحمن الرحيم أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يفسح لهم في قبورهم، وأن يجعلها روضة من رياض الجنة، وأن يتوفانا مؤمنين غير خزايا ولا ندامى ولا مفتونين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* * *