Полный текст (482 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[البلاغة ٢ - المعاني]-
كود المادة: LARB٤١٠٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ فوائد علم البلاغة، ووجه الحاجة إلى دراستها .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
فوائد علم البلاغة، وبيان وجه الحاجة إلى دراسته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذا العلم الجديد القدر، العظيم الشأن، الذي هو بالنظر إلى سائر العلوم العربية من الأهمية بمكان، وقد زاد من أهميته أن عليه المعوّل الأكبر في تدبر معاني ومعالم ما جاء به الوحي المبين، وأن عليه المعول الأكبر أيضًا في تذوق وفهم ما خلفه أجدادنا من كنوز التراث.
ومن المهم أن تكون بداية لقائي بكم عن معرفة فوائد علم البلاغة، وبيان وجه الحاجة إلى دراستها، ثم التثنية بعد بما اعتاده علماء البلاغة قبل الخوض في دراسة مباحث علم المعاني، من حديث عن الفصاحة، وعلاقتها بالبلاغة.
إن علم البلاغة معدود من جملة العلوم الإسلامية كما أنه معدود في جميع علوم الأدب وتحتل البلاغة بين هذه العلوم مكانة سامية ومنزلة رفيعة، وموضع علم البلاغة من العلوم العربية موضع الرأس من الإنسان أو اليتيمة من قلائد العقيان، فهي مستودع سرها، ومظهر جلالها، فلا فضيلة لكلام على كلام إلا بما يحويه من لطائفها، ويودع فيه من مزاياها وخصائصها، ولا تبريز لمتكلم على آخر إلا بما يحوقه من وشيها، ويلفظه من درها، وينفثه من سحرها، ويجنيه من يانع ثمرها.
стр. 3
دراسة علوم البلاغة وقواعدها تمكن الدارس من تحقيق الأهداف والفوائد التي توخاها المؤلفون في هذا العلم، ويمكن تلخيص هذه الفوائد فيما يلي:
١ - أنها وسيلة إلى معرفة إعجاز القرآن الكريم، فإذا أغفل الإنسان علم البلاغة وأخل بمعرفة قواعدها لم يستطع أن يدرك إعجاز النظم الكريم، ولم يعرف من أي جهة أعجز الله العرب عن أن يأتوا بسورة من مثله، وكان الرأي البعيد عن الصواب رأي إبراهيم النظام صاحب مذهب الصرفة إذ قال: "إن القرآن ليس معجزًا بفصاحته وبلاغته وأن العرب كانوا قادرين على أن يأتوا بمثله، ولكن الله صرفهم عن ذلك تصديقًا لنبيه وتأييدًا لرسوله ﷺ حتى يؤدي رسالة ربه". وقد انبرى للرد على النظام جم غفير من العلماء، منهم الجاحظ والباقلاني والفخر الرازي، وناضلوا نضالهم المحمود، الذي خلد لهم في بطون الكتب، فكتبوا الفصول الممتعة مبينين فساد رأي النظام مقررين أن إعجاز القرآن إنما كان بما حوى من وجوه بلاغية، فاق فيها كلام العرب شعرهم ونثرهم، وارتقى بذلك عن مستوى كلام البشر. وإنما كان ردهم لقوله بالصرفة من وجوه:
أولها: أنه يستلزم أن يكون المعجز الصرفة لا القرآن، وهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين. ثانيها: أن التحدي وقع بالقرآن على كل العرب، فلو كان الإعجاز بالصرفة، لكانت على خلاف المعتاد؛ أعني لكانت الصرفة إلى كل واحد ضرورة بالنسبة إليه فحسب، فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتادًا له، وليس للقرآن كذلك.
стр. 4
ثالثها: وقد استدل به بعضهم على فساد القول بها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) ومن المعلوم أن القرآن تحدى العرب غير ما مرة، ولو بمثل أقصر سورة منه، ثم سجل العجز عليه وقال بلغة واثقة: أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ولن يفعلوا، ولو ظاهرهم الإنس والجن، فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا، ولو كانوا أجبن خلق الله؟.
رابعها: أن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب، ويبلغ فيه الغاية القصوى، ويوقف فيه على الحد المعتاد حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله، والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها، وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديًا بمعارضتها، فلو أتى الرسول بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والافتراق وكثرة دواعي التحدي؛ علم أن ذلك من عند الله بلا ريب. خامسها: أن العرب الذين تحداهم القرآن كانوا مضرب المثل في الحمية والأنفة وإباء الضيم، كما كانت صناعتهم البيان، وديدنهم التنافس في ميادين الكلام، فكيف لا يحركهم هذا التحدي والاستفزاز؟ وكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة؟.
سادسها: أن القرآن فضلًا عما ذكر أثار حفائظهم، وسفه عقولهم وعقول آبائهم، ونعى عليهم الجمود والجهالة والشرك، بل وأقام حربًا شعواء على أعز ما لديهم من عقائد وعوائد، فكيف يسكتون بعد كل هذا التقريع والتشنيع ما دامت هذه المساجلة هي السبيل المتعين لإسكات خصمهم لو كان ذلك باستطاعتهم؟.
стр. 5
سابع هذه الوجوه في رد القائلين بالصرفة: أن العرب قد تفننوا واستفرغوا وسعهم في إيذاء النبي ﷺ حتى تآمروا على قتله، وأرسلوا إليه الأذى في مهاجره، فشبت الحرب بينهم وبينه في خمس وسبعين موقعة، منها سبع وعشرون غزوة، وثمان وأربعون سرية، فهل يقول عاقل: إنهم كانوا في تشاغل عما كان يتحداهم به، غير معنيين، ولا آبهين له، أو يقول: إنهم -أو واحد منهم- حال المعارضة بمقتضى دافع الصرفة؟ ثم ألم يكف القائلين بالصرفة -قديمًا وحديثًا أعني بهم السابقين وأذنابهم من المعاصرين- شهادة أعداء القرآن أنفسهم في أوقات تخليهم عن عنادهم، فتلك الشهادة التي خرجت من فم الوليد، والفضل ما شهدت به الأعداء.
ونخلص من كل هذا إلى أنه، وبدراسة الأسباب التي تكون الجملة بها بليغة، وبدراسة أنواع الأساليب الموجز منها والمطنب، وبدراسة أبواب التشبيه والاستعارة والكناية، وأبواب البديع وغير ذلك من الوجوه والألوان؛ نعرف كيف ارتفع الأسلوب القرآني إلى مستوى الإعجاز، وليس بعجيب أن يكون الهدف الأول والأسمى من دراسة علوم البلاغة الوصول إلى معرفة إعجاز القرآن، فإن علوم العربية نشأت أصلًا لتخدم هذا الكتاب المبين، وتحفظه من التحريف، وتظهر فضله على جميع الكلام الآخر. فالبلاغة من هذه الجهة لها غاية دينية تتصل بالدين والعقيدة، وهذه الغاية هي التي رأيناها عند أوائل الكاتبين في هذا العلم، بل إن كلامهم في إعجاز القرآن كان هو الدعامة التي قام عليها هذا العلم.
ثاني فوائد تعلم البلاغة وقواعدها: هو استجلاء ما في القرآن الكريم من معان وأحكام وأخبار وقضايا، فلا بد للناظر في القرآن من الإلمام بقواعد هذا العلم لمعرفة ما يدل عليه التكرار، وما ينطوي عليه الحذف، وما يفيده هذا التأويل، وغير ذلك مما يتصل
стр. 6
بقواعد هذا العلم. فالمفسر الذي يتعرض لتفسير آية من آيات الذكر الحكيم لا بد له من الإلمام بقواعد البلاغة، والفقيه المستنبط للأحكام لا بد له من معرفة قواعد البلاغة، والمتعرض لقصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم وما يتعرض لأخبار الأمم وسيرهم، لا بد لكل هؤلاء من معرفة قواعد البلاغة وأصولها.
الفائدة الثالثة: التدرب على التكلم بالبليغ من القول، فإذا أراد صاحب اللسان العربي أن ينشئ أدبًا، شعرًا كان أو نثرًا، لا يتسنى له ذلك إلا إذا ألمّ بقواعد هذا العلم، وجعله مصباحًا يهدي خطاه ويسدد قلمه بما يعرفه من تركيب الأساليب الرفيعة، وأسباب رفعتها وجمالها، أما إذا فاته هذا العلم المفرق بين كلام جيد وآخر قبيح، وبين شعر بارد وآخر رصين كان ذلك سببًا لأن يمزج الصفو بالكدر من الأساليب، ويخلط بين الرفيع والوضيع، وقد قالوا: شعر الرجل قطعة في عقله. الفائدة الرابعة: أن علوم البلاغة تعد من أمضى أسلحة الناقد الأدبي، فهي بلا شك تصقل الذوق، وتنمي في صاحبها القدرة على التفرقة بين الكلام الجيد والكلام الرديء، فهي تساعد على إدراك الجمال وتذوق الحسن في ألوان الكلام، فالناقد الأدبي وهو يتعرض لنتاج أدبي لا يستطيع الحكم على هذا النتاج إلا بمعرفة قواعد علم البلاغة، حتى يمكن إبراز ما تضمنه هذا العمل الأدبي من أسباب الجودة أو الرداءة.
أما الفائدة الخامسة لتعلم البلاغة: فهي القدرة على حسن الاختيار، فإذا أراد مؤلف أن يضع كتابًا، فإن معرفته بقواعد البلاغة تعينه على أن يختار فيه من جيد المنظوم والمنثور ما يثري به مادته العلمية، ويجعله شاهدًا على ما يسوقه من معان وأفكار.
стр. 7
الفائدة السادسة: وضع قواعد البلاغة ومعرفتها يحول دون الفوضى في الحكم والتخليط فيه، فإذا اختلف اثنان في الحكم على عمل أدبي ما احتكما إلى علم البلاغة، وكان في احتكامهما ما يرد المخطئ عن خطئه. ثم إن البيان في حد ذاته -وتلك هي الفائدة السابعة- فضيلة تسمو على كثير من الفضائل؛ ولذا يفتخر به النبي ﷺ فيقول: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)) ويقول أحد الشعراء:
كفى بالمرء عيبًا أن تراه ... له وجه وليس له لسان
أشهر رجال البلاغة الذين ألفوا فيها
هذا، ومن أشهر رجال البلاغة الذين ألفوا فيها: أبو الهلال حسن بن عبد الله بن سهل العسكري، ولد في مدينة عسكر مدينة من كور الأهواز بخوزستان بين البصرة وفارس، ونشأ بها طوال حياته، ولم يبرحها إلا نادرًا. عاش حياته فقيرًا مغمورًا خامل الذهن، فلم يحظ بما هو خليق به من المجد ونباهة الشأن، كما حظي غيره من العلماء والأدباء في العصر الذي عاش فيه، وإن كان حظي بعد موته بالتقدير والاحترام بما ألف وكتب. وقد تتلمذ على طائفة من العلماء الفضلاء من أشهرهم: أبوه أبو الحسن عبد الله العسكري اللغوي، وأبو سعيد الحسن بن سعيد، وتوفي أبو هلال العسكري سنة
стр. 8
٣٩٥ عن خمسة وثمانين عامًا. ومن أشهر مصنفاته كتاب (جمهرة الأمثال) كتاب (الفرق بين المعاني) كتاب (شرح الحماسة) كتاب (الصناعتين) وهو الكتاب الذي اشتهر به واقترن به اسمه.
وكذا عبد الله بن عبد الرحمن أبو بكر الجرجاني، شيخ البلاغة، النحوي المشهور، المتكلم على مذهب الأشعري، الفقيه على مذهب الشافعي. أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد الفارسي ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، كان من كبار أئمة العربية والبيان مع الدين المتين والورع والسكون، وتوفي سنة ٤٧١ هجرية. ومن أشهر مصنفاته: (المغني في شرح الإيضاح) في نحو ثلاثين مجلدًا، و (الجمل) و (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة). ومن أشهر المؤلفين في البلاغة: سراج الدين يوسف بن أبي بكر محمد بن علي أبو يعقوب السكاكي الخوارزمي، ولد في قرية خوارزم في عهد السلطان الرابع للدولة الخوارزمية "إيل إرسلان بن إكز". كان في أول أمره حدادًا، وبقي كذلك حتى جاوز الثلاثين، ثم انصرف إلى العلم انصرافًا كليًّا، قد تتلمذ على طائفة من العلماء الفضلاء من أشهرهم: سديد الدين بن محمد الخياطي، ومحمود بن صاعد بن محمود الحارثي، وبرهان الأئمة محمد بن عبد الكريم التركستاني، وكان يجيد اللغتين: التركية والفارسية إلى جانب معرفته التامة باللغة العربية.
وقد عكف السكاكي على تحصيل العلم والمعرفة فصار عالمًا محققًا في علوم شتى: كالبلاغة، وعلم الكلام، والفقه، والكيمياء، وعلم خواص الأرض، وأجرام
стр. 9
السماء، ولقد طبقت شهرته الآفاق حتى صار الإمام المشهور المقصود من جميع الجهات، وتوفي سنة ٦٢٦ من الهجرة. ومن أهم مصنفاته (مفتاح العلوم) (شرح الجمل) وهو شرح لكتاب (الجمل) للإمام عبد القاهر الجرجاني. من أشهر الذين كتبوا في البلاغة: جلال الدين قاضي القضاة محمد بن القاضي سعد الدين عبد الرحمن القزويني الشافعي، ونسبته إلى قزوين ترجع إلى أن بعض أجداده سكنها، وهو عربي أصيل؛ إذ تعود نسبته إلى أبي دلف العجلي قائد المأمون. ولما شب تفقه على أبيه، وعلى علماء وطنه، وقد نزل مع أبيه وأخيه بلاد الروم، وتولى القضاء في بعض أعمالها، ثم قدم دمشق مع أخيه إمام الدين، الذي تقلد وظيفة قاضي القضاة ببلاد الشام، وكان ينوب عنه.
وفي أثناء ذلك عكف على حلقات العلماء حتى أتقن علم اللغة، وأصول الفقه وعلوم البلاغة، وولي خطابة دمشق في جامعها الأموي الكبير، فلمع اسمه، وطلبه السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى القاهرة، فقدم عليه سنة ٧٢٤ وخطب بجامع القلعة بين يديه، فأعجب به وولاه قضاء دمشق وخطابتها جميعًا، ولم يلبث أن استخدمه وولاه قضاء الديار المصرية، فنبه ذكره، وطار صيته، ثم وافته المنية، فتوفي سنة ٧٣٩. ومن أشهر مصنفاته كتاب (تلخيص المفتاح) وهو تلخيص لكتاب (مفتاح العلوم) للسكاكي وكتاب (الإيضاح بتلخيص المفتاح) وهو شرح مطول لما أجمله في كتاب (تلخيص المفتاح). لكن ثمة فروقًا تميز أسلوب كلّ من عبد القاهر والسكاكي والخطيب، فلقد كان أسلوب عبد القاهر في كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) أسلوبًا بليغًا ممتازًا، يساعد على تربية ملكة البلاغة، ولا يفسدها، ولا عيب فيه إلا أنه
стр. 10
يسرف في العبارات المترادفة، حتى تطغى على تقرير القواعد، وعلى ما عني به من استخلاص أسرارها من الشواهد النثرية والشعرية. وهو فيما عني به من الأمرين الناقد الأديب والبليغ الحاذق، وقد طفر بهذا في علم البلاغة طفرة لم يسبق إليها، ولم يأت بعده من سار على هديها.
ثم جاء أبو يعقوب السكاكي بعد عبد القاهر فلمح ما أشار إليه فيما سبق، من الفروق الثلاثة بين مباحث علم البلاغة: المعاني والبيان والبديع، فميز بعضها عن بعض تمييزًا تامًّا، وجعل لكل مبحث منها علمًا خاصًّا، فكان من هذه علوم البلاغة الثلاثة السابقة، ثم جاراه في تقرير قواعدها، وزاد عليه زيادات كثيرة في تقريرها، وهذا في قسم البيان من كتابه (مفتاح العلوم) وقد جرى على ترتيبه لهذه المباحث من أتى بعده من المتأخرين، فكان السكاكي عمدتهم في هذا الترتيب. ولا شك أن السكاكي بهذا يعد إلى حد ما من تلاميذ مدرسة عبد القاهر، ولكنه كان ناقدًا، ولم يكن أديبًا؛ لأن أسلوبه في كتابه لم يكن أسلوب البليغ الرصين مثل عبد القاهر؛ لأن العجمة كانت غالبة على أسلوبه، وكان الأسلوب التقريري الذي لا يعنى إلا بتقرير القواعد غالبًا عليه، فكان في أسلوبه كثير من الغموض والتعقيد، وضعف التأليف، ومثل هذا قد يفيد الناظر فيه علمًا، ولا يفيده أسلوبًا بليغًا، بل يفسد فيه ملكة البلاغة، وبهذا يكون ضرره أكبر من نفعه.
وقد جاء بعد السكاكي عالمان كبيران أرادا أن يحذوا في علم البلاغة حذوه، أولهما ابن مالك النحوي المشهور في كتابه (المصباح لتلخيص المفتاح) وثانيهما الخطيب القزويني في كتابيه (تلخيص المفتاح) و (الإيضاح لتلخيص المفتاح) وثانيهما كان كالشرح للأول. فأما مصباح ابن مالك فإنه لم يهذب كثيرًا من
стр. 11
مفتاح السكاكي في علم البلاغة؛ لأن ملكة النحو كانت غالبة عليه، وكان هذا سببًا في إعراض المتأخرين عن كتابه، وأما تلخيص الخطيب القزويني فإنه هذب كثيرًا في مفتاح السكاكي، فقدم في مباحثه وأخر، وزاد عليه ما تجب زيادته من كتب البلاغة.
وكان أسلوبه فيه أوضح من أسلوب السكاكي، ولكنه جعله أسلوبًا تقريريًّا لا يعنى إلا بجمع القواعد في أوجز لفظ حتى أسرف في الإيجاز إسراف عبد القاهر في الإطناب، وجعل من تلخيصه متنًا يحتاج إلى شروح وحواشٍ وتقارير، ولكن عيبه هذا كان موضع تقدير المتأخرين وإعجابهم، فلما فرغ من تلخيصه شعر هو أيضًا بحاجته إلى شرح، فوضع كتابه (الإيضاح) كشرح له، يجري على ترتيبه في إطناب يختصره أحيانًا من كتابي عبد القاهر، وأحيانًا من كتاب السكاكي مع شيء من التهذيب فيه، ومع كثير من النقد الذي يفصله أحيانًا، ويرمز إليه أحيانًا بقوله: "وفيه نظر" وبهذا جاء (الإيضاح) وسطًا بين إيجاز (التلخيص) وإسهاب عبد القاهر. وكان بهذا هو الكتاب المميز عن غيره من كتب البلاغة القديمة، ولا يزال حتى يومنا هذا.
ولكنه على هذا لم يرزق من الحظوة عند المتأخرين ما رزق التلخيص؛ لأنهم شغفوا بالمتون حفظًا وشرحًا، وقد نظروا إلى التلخيص على أنه متن من المتون، فشغفوا بحفظه وشرحه، وكان من السابقين إلى شرحه سعد الدين التفتازاني، فوضع له شرحًا مطولًا سماه (المطول)، وشرحًا مختصرًا سماه (المختصر)، وكان سعد الدين من علماء العجم الذين تأثروا بالسكاكي في طريقته التقريرية، وفي ضعف أسلوبه لضعف سليقته العربية، بل كان هو وأمثاله ممن أتى بعد السكاكي من علماء العجم أضعف من السكاكي ذوقًا وسليقة، فمضوا في الطريقة
стр. 12
التقريرية إلى أن وصلوا إلى نهايتها في البعد عن الذوق الأدبي، ثم أخذوا ينشرونها هنا وهناك إلى أن غزت علماء العرب وغزت جميع العلوم من عربية إلى دينية إلى غيرها من العلوم، وصارت عنايتها بتقرير عبارات المتون أكثر من عنايتها بتقرير مسائل العلوم.
ثم تهافت المتأخرون من علماء البلاغة على شرحي سعد الدين على (التلخيص) يضعون عليها الحاشية بعد الحاشية، ويضعون على الحاشية التقرير بعد التقرير، وشغف المدرسون بتلك الكتب في الجامع الأزهر وغيره من الجامعات الإسلامية في الأقطار المختلفة، يتعمقون في درسها إلى أقصى حدود التعمق، وينتقلون في درسها من المتن إلى الحاشية إلى التقرير في استقصاء غريب، وتفنن في الفهم والبحث، ولو كان هذا في صميم مسائل البلاغة لهان الخطب، ولكن أكثره في بحوث خارجة عن هذه المسائل، وفي أسلوب ركيك يفسد ملكة البلاغة، فإذا كانت فيه فائدة قليلة فإنها تضيع في هذا الخضم الذي لا فائدة فيه. وقد تأبى كتاب (الإيضاح) وطريقته السابقة على المتأخرين من علماء البلاغة، فلم يضعوا عليه من الشروح والحواشي والتقارير مثلما وضعوا على كتاب (التلخيص) اللهم إلا شرحًا ضعيفًا للإقصاء، ولما كان كتاب (التلخيص) كالأصل لكتاب (الإيضاح) كان هذا مما يدعو قارئه إلى أن يرجع في كثير من مسائله إلى ما وضع على كتاب (التلخيص) من شروح وحواش وتقارير. لكن -وهذا من شديد ما يؤسف له- إذا رجع إليها غرق في ذلك الخضم من البحوث، التي ربما ضاع به ما يكتسبه من كتاب (الإيضاح) من ذوق أدبي لأن تلك الشروح والحواشي والتقارير تغطي عليه.
стр. 13
تعريف الفصاحة وشروطها وعلاقتها بالبلاغة
وننتقل الآن بعد هذه الإلمامة عن جهود البلاغيين، وعن أهم ما كتب في علوم البلاغة، للحديث عن الفصاحة باعتبارها جزءًا وقيدًا في تعريف البلاغة، كما سنعرف فيما بعد، وللحديث أيضًا عن علاقتها -أي الفصاحة- بالبلاغة؛ إذ من المعلوم أن طائفة من البلاغيين ظلت حتى عصر عبد القاهر الجرجاني لا تفرق بين الفصاحة والبلاغة؛ لالتقائهما في الإبانة عن المعنى وإظهاره، وإن فرق بينهما المعنى اللغوي، ومن هؤلاء عبد القاهر الجرجاني نفسه، فإنه لم يكن يفرق بين المعنيين؛ حيث فسر الفصاحة في (دلائل الإعجاز) بأنها خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريقة مخصوصة. ولكن طائفة أخرى من البلاغيين كانت تصر على التفريق بين المعنيين وفاء بحق المعنى اللغوي لكل منهما، ومن هؤلاء أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥، فقد فرق بينهما موضحًا أن الفصاحة مقصورة على اللفظ، والبلاغة مقصورة على المعنى إلى أن حسم هذا الأمر معاصر عبد القاهر الجرجاني ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦.
الفصاحة في اللغة: هي الظهور والبيان ويوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم. فيقال: كلمة فصيحة، وكلام فصيح، ومتكلم فصيح، والبلاغة في اللغة تنبئ عن الوصول والانتهاء والإتقان والجودة، ويوصف بها الكلام والمتكلم فقط. فيقال: كلام بليغ، ومتكلم بليغ، ولم يسمع كلمة بليغة إلا أن يقصد بالكلمة خطبة أو قصيدة، فيكون من المجاز أعني من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
стр. 14
ولما كانت معرفة البلاغة متوقفة على معرفة الفصاحة لكونها مأخوذة في تعريف البلاغة، وجب علينا البدء بالتعرف على ملامح الفصاحة، ولما كانت لابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦ قدم راسخة في معرفة حقيقة الفصاحة، وجعلها معيارًا نقديًّا أصيلًا من المعايير البلاغية والنقدية من خلال كتابه (سر الفصاحة) فقد وجب علينا أيضًا معرفة ما أتحف به العربية من لطائف نقدية في هذا المجال؛ لنؤكد الصلة الوثيقة بين كل من الفصاحة والبلاغة من جهة، والنقد الأدبي الأصيل من جهة أخرى، ولننهي العزلة التي فرضها المتأخرون من البلاغيين على البلاغة العربية.
وإليك ما قاله ابن سنان الخفاجي في هذا المجال، أورد ابن سنان الخفاجي في كتابه (سر الفصاحة) أن الفصاحة لغة: هي الظهور والبيان، ومنها قولهم: أفصح اللبن، إذا انجلت رغوته، وفصح فهو فصيح، قال الشاعر:
وتحت الرغوة اللبن الفصيح
وقال: "أفصح الصبح إذا بدا ضوءه، وأفصح كل شيء إذا وضح، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ (القصص: ٣٤) وفصح النصارى: عيدهم، وقد تكلمت به العرب، قال حسان بن ثابت:
ودنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعًا أكلّة المرجان
قال: ويجوز أن يكون ذلك لاعتقادهم أن عيسى ﵇ ظهر فيه. ولكن صاحب (البغية) يرى أن هذه الكلمة عبرية لا عربية، وهي بمعنى الصفح؛ لأن الله تعالى صفح في يوم هذا العيد عن بني إسرائيل، وأخرجهم مع موسى ﵇ من مصر
стр. 15
وسمي الفصيح فصيحًا كأنهم سموه بيانًا؛ لإعرابه عما عبر به عنه، وإظهاره له إظهارًا جليًّا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)) ". ثم فرق ابن سنان بين الفصاحة والبلاغة بأن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، ولكن البلاغة لا تكون إلا وصفًا للألفاظ مع المعاني، فلا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها: بليغة، وإن قيل فيها: فصيحة. وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا، كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه؛ أي في غير موضع الإسهاب؛ لأن البلاغة -كما سنذكر- تزيد عن الفصاحة بأن بها مطابقة مقتضى الحال.
ثم بين ابن سنان أن الناس قد حدوا البلاغة بحدود، إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست حدودًا صحيحة، كقول بعضهم في تعريف البلاغة مثلًا: لمحة دالة. وقول آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وقول آخر: البلاغة أن تصيب فلا تخطئ، وتسرع فلا تبطئ. وقول من قال: البلاغة اختيار الكلام وتصحيح الأقسام. ثم بدا الكلام على شروط لفصاحة اللفظة المفردة وفصاحة الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض، فأورد ابن سنان شروطًا لفصاحة اللفظة المفردة، وجعلها أيضًا شروطًا لفصاحة الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض، بعد أن عقد صلة وثيقة بين الفصاحة والبلاغة من جهة، وبين النقد الأدبي من جهة أخرى، وهذه الشروط هي ما يلي:
أولًا: أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج؛ لأن الحروف التي هي أصوات تجري في السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شك أن الألوان
стр. 16
المتباعدة المتباينة إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة، وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
فالوجه مثل الصبح مبيض ... والفرع مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد
ثانيًا: أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنًا ومزية على غيرها، وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة، كما أنك تجد لبعض النغم والألوان حسنًا يتصور في النفس، ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من جنسه، مثاله في الحروف: العين مع الذال مع الباء، فإن السامع يجد لقولهم: العذيب. اسم موضع وعذيبة اسم امرأة وعَذْب وعَذُب وعذبات، ما لا يجده فيما يقارب هذه الألفاظ في التأليف، وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط، ولكنه تأليف مخصوص مع البعد، ولو قدمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على الصيغة الأولى في تقديم العين على الذال بضرب من التأليف في النغم، يفسده التقديم والتأخير. وليس يخفى على أحد أن تسمية الغصن غصنًا وفَنَنًا أحسن من تسميته عُسْلُوجًا، وأن أغصان البان أحسن من عساليج الشَّوْحَط في السمع، والشوحط شجر يتخذ منه القسي أو الرماح. ثالثًا: أن تكون الكلمة -كما قال الجاحظ- غير متوعرة وحشية، كقول أبي تمام:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه ... بلا طائر سَعْلٍ ولا طائر كهل
فإن كهلًا ها هنا من غريب اللغة، وقد روي أن الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة، وليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين، وهو قوله:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره ... رباح بن سعد رده طائر كهل
стр. 17
ومن ذلك ما يروى عن أبي علقمة النحوي من قولهم: ما لكم تتكأكئون، وافْرَنْقِعُوا؛ لأنها كلمات وحشية. رابعًا: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية، كما قال الجاحظ أيضًا، ومثال الكلمة العامية قول أبي تمام:
جَلَّيْتُ والموت مُبْدٍ حُر صفحته ... وقد تَفَرْعَنَ في أفعاله الأجل
فإن تفرعن مشتق من اسم فرعون، وهو من ألفاظ العامة، وعادتهم أن يقولوا: تفرعن فلان إذا وصفوه بالجبرية، فأما قول أبي الطيب المتنبي:
إني على شرفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات. خامسًا: مقاييس الفصاحة عند ابن سنان الخفاجي أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة، ويدخل في هذا القسم ما ينكره أهل اللغة، ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة، وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية، كما أنكروا على أبي الشيص قوله:
وجناح مقصوص تحيف ريشه ... ريب الزمان تحيف المقراض
وقالوا: ليس المقراض من كلام العرب وقد تكون الكلمة عربية؛ إلا أنها قد عبر بها عن غير ما وضعت له في عرف اللغة، كما قال البحتري:
تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
فوضع الأيم مكان الثيب، وليس الأمر كذلك، فليست الأيم هي الثيب في كلام العرب، وإنما الأيم هي التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا كما قال تعالى:
стр. 18
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) وليس مراده تعالى نكاح الثيبات من النساء دون الأبكار، وإنما يريد اللواتي لا أزواج لهن، وقد يكون من الشاذ مما أنكره أهل اللغة ما جاء به حذف من الكلمة، كما قال النجاشي:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أراد: ولكن اسقني. وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فتصير حرفًا كما قال ابن هرمة في رثاء ابنه:
وأنت على الغواية حيث ترمى ... وعن عيب الرجال بمنتزاح
أي ببعيد عنه، وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في الجمع أو غيره، كما في قول الطرماح:
وأكره أن يعيب علي قومي ... خجايا الأرذلين ذوي الحِنات
فجمع إحنة على غير جمع الصحيح لأنها إحنة وإحن، ولا يقال حنات، ومن هذا الفصل أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره، كما في قول شاعر:
لها أشارير من لحم منمرة ... من الثعالي ووخز من أرانيها
يريد من الثعالب وأرانبها. ومنها إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر:
مهلًا أعازل قد جربت من خلقي ... إني أجود لأقوام وإن ضننوا
وأما صرف ما لا ينصرف كقصر الممدود، ومد المقصور، وحذف الإعراب للضرورة، وتأنيث المذكر، وتذكير المؤنث فإن هذا وأشباهه وما يجري مجراه، وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير؛ فإنني أوثر صيانتها عنه هكذا يقول ابن سنان؛ لأن الفصاحة تنبئ عن اختيار الكلمة وحسنها وطلاوتها، ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب طرحها.
стр. 19
سادسًا: ألا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا أوردت، وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وإن كملت فيها الصفات التي بيناها، ومثل هذا قول عروة بن الورد العبسي:
وقلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عندما وانى تورح
سابعًا: ألا تكون الكلمة كثيرة الحروف، فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة، ومن ذلك قول أبي نصر بن نباتة:
فإياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم ... ألا إن مغناطيسهن الذوائب
فمغناطيسهن كلمة غير مرضية. ومن هذا النوع أيضًا قول أبي تمام:
فلأذربيجان اختيال بعدما ... كانت معرس عبرة ونكال
سمجت ونبهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرة وجمال
فكلمة "فلأذربيجان" كلمة رديئة لطولها وكثرة الحروف وخروجها بذلك عن المعتاد في الألفاظ إلى الشاذ النادر. ثامنًا: أن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك، ومثال ذلك قول الشريف الرضي ﵀:
يولع الطل بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم
فلما كانت الريح المقصودة هنا نسيمًا مريضًا ضعيفًا حسنت العبارة عنه بالتصغير، وكان للكلمة طلاوة وعذوبة.
стр. 20
وأما قول أبي الطيب:
ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعزل
أي أكففت دمعي، فالتصغير فيه مختار؛ لأن العادة جارية في قلة عدد من يصحب الإنسان في مثل هذه المواضع، ولهذا كانوا في الأكثر ثلاثة، وجرى ذكر الصاحبين والخليلين في الشعر كثيرًا لهذا السبب، كما قال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقص لبانات الفؤاد المعذب
وقال ابن نباتة:
قفا فاقضيان لذة من حديثه ... علانية إن السرار مريب
والذي نريد أن نخلص إليه أنه وعلى الرغم من اختلاف الأصل اللغوي لكلمتي الفصاحة والبلاغة إلا أنهما يلتقيان في الإبانة عن المعنى وإظهاره، وقد لحظ هذا كثير من البلاغيين المتقدمين، فجعلوهما في الاصطلاح شيئًا واحدًا، وعلى رأس هؤلاء البلاغيين الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) حيث عقد فصلًا في تحقيق القول على الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وما شاكل ذلك من ألفاظ مترادفة. يقول عبد القاهر: "ومن المعلوم أنه لا معنى لهذه العبارات غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما كانت له دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب". انتهى. ومن ذلك يتضح أن الفصاحة والبلاغة عنده بمعنى واحد، وهو رأي الزمخشري من بعده وكذلك الفخر الرازي.
وهناك رأي آخر لبعض البلاغيين المتقدمين يفرق بين الفصاحة والبلاغة في الاصطلاح تبعًا لاختلاف مدلولهما اللغوي؛ إذ يقول: الفصاحة تمام آلة البيان. هذا ذكره في (الصناعتين) فهي مقصورة على اللفظ لأن الآلة تتعلق باللفظ دون
стр. 21
المعنى. أما البلاغة فهي إنهاء المعنى إلى القلب، فتكون مقصورة على المعنى، وأن ابن سنان الخفاجي يرى أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفًا للألفاظ مع المعاني، فلا يقال في كلمة واحدة تدل على معنى يفضل على مثلها: بليغة، وإن قيل فيها: فصيحة. ويؤخذ عليه أن ما ذكره صحيح في جانب البلاغة، أما الفصاحة فإنها ليست مقصورة على وصف الألفاظ المفردة فقط، بل إنها تكون وصفًا للفظ وللتركيب أيضًا بدليل قوله بعد ذلك: فكل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا، كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه.
وخلاصة القول هنا: أن الفصاحة والبلاغة مختلفان، وهذا الرأي القائل باختلافهما هو الذي اختاره المتأخرون من مدرسة السكاكي، ومن نسج على منواله، وقد استقر على ذلك الدرس البلاغي إلى عصرنا الحاضر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 22
الدرس: ٢ الفصاحة والبلاغة .
стр. 23
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(الفصاحة والبلاغة)
معنى الفصاحة والبلاغة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وبعد:
فقد جرت عادة البلاغيين قبل الشروع في مباحث علم المعاني أن يذكروا مقدمة في بيان معنى الفصاحة والبلاغة، وانحسار علم البلاغة في العلوم الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع على غرار ما صنع الخطيب القزويني في كتابه (الإيضاح)، وهذا اتجاه سديد وصنيع محمود؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وليس من الحكمة أن نشرع في تفاصيل علم من العلوم قبل أن نقف على المراد به والغرض منه، وقد وردت كلمة الفصاحة في اللغة بمعان كثيرة، كلها كما ذكرنا قبل ذلك تنبئ عن الظهور والبيان، ومن ذلك قول العرب: أفصح اللبن. أي انجلت عنه رغوته فظهر. وقولنا: سرينا حتى أفصح الصبح. أي بدا ضوءه. ومنه المثل المشهور: أفصح الصبح لذي عينين. وهذا يوم فصيح ومفصح؛ أي جلي لا غيم فيه، ولا ضباب. وأفصح به أي صرح به. ويقال: فصح الأعجمي وأفصح: إذا خلصت لغته من اللكنة واللحن وانطلق لسانه بالعربية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (القصص: ٣٤) أي أبين وأظهر مني قولًا. ويقال أيضًا: أفصح الصبي في منطقه إذا أبان ووضح كلامه في أول أمره. وفصح الرجل وتفصح: إذا كان عربي اللسان فازداد فصاحة. والتفصح: استعمال الفصاحة. وقيل: التشبه بالفصحاء. هكذا ذكره ابن منظور في كتابه (لسان العرب).
والفصيح في اللغة المنطلق اللسان في القول، الذي يعرف جيد الكلام من رديئه، فهو طلق اللسان يكشف عن معانيه ويعبر عن مشاعره، ويعرب عن ضميره بلفظ
стр. 24
فصيح. فمعنى الفصاحة كما يتضح من هذه الاستعمالات، يدور حول الظهور والبيان والبلاغة في اللغة كلمة كما قلنا تنبئ عن الوصول والانتهاء، من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها، ومبلغ الشيء منتهاه. ويقال: بلغ الرجل بفتح اللام كذا بلوغًا إذا وصل وانتهى إليه. ويقال: بلغ بضم اللام بلاغة إذا أتى بكلام بليغ مؤثر يصل إلى أعماق النفس، وسميت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. هكذا في (لسان العرب) في مادة بلغ. وإذا كان الأمر كذلك فنعرض للمعنى الاصطلاحي لكلمتي الفصاحة والبلاغة عند المتأخرين، فنقول: إن معنى الفصاحة يختلف باختلاف موصوفها، وهي تقع صفة للكلمة والكلام والمتكلم. تقول: كلمة فصيحة، وكلام فصيح، ومتكلم فصيح.
العيوب المخلة بفصاحة الكلمة
فصاحة الكلمة تعني أن تكون الكلمة جارية على القواعد المستنبطة من استقراء كلام العرب، متناسبة الحروف، كثيرة الاستعمال متداولة على الألسن، وإن شئت فقل: أن تكون الكلمة سلسلة سائغة واضحة المعنى موافقة للعرف اللغوي، وقد عرفها علماء البلاغة بقولهم: هي سلامتها من عيوب ثلاثة: تنافر الحروف، ومخالفة القياس اللغوي، والغرابة. أما تنافر الحروف، فهو -كما ذكر الخطيب القزويني في (الإيضاح) - وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها
стр. 25
وكراهيتها في الأسماع، فإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيبًا مخلًّا بفصاحتها، وهذا التنافر منه ما هو متناه في الثقل، ومنه ما هو دون ذلك.
فمن الأول الذي يوجب التناهي في الثقل كلمة "الهخع" هكذا بهاء مضمومة في أوله، في قول عربي سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهخع. وقد قالوا: إنه اسم نبات ترعاه إبل. وقيل: إنه كلمة معاياه لا أصل لها. وعلى أي حال فأنت تدرك ما في هذه الكلمة من الثقل الشديد، ومن هذا القبيل أيضًا كلمات: عقجق والظش والصصا والشصاصا. ومثال الثاني الذي أقل في تناهيه في الثقل عن سابقه، كلمة مستشزرات في قول امرئ القيس:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
المتعثكل: يعني المتراكم. غدائره: الغدائر هي الزوائد.
مستشزرات إلى العلا ... تضل المدار في مسنًّا ومرسل
يقول: إن ذوائب شعرها مرتفعات، ولكثرته تغيب خصله وتختفي في المفتول منه والمرسل، أو تغيب المدارى في المفتول منه والمرسل. فأنت تجد في كلمة مستشزرات هنا تنافرًا يحسه السمع، وتكرهه الأذن، وإن كان أخف في الثقل على اللسان من النوع الأول، وقد نشأ الثقل من توسط الشين المهموسة الرخوة بين التاء المهموسة الشديدة والزاي المجهورة، ومن هذا القبيل أيضًا كلمة اطلخم في قول الشاعر:
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غُبْسًا دهاريسا
اطلخم يعني: اشتد وتفاقم. عشواء: صفة لمحذوف أي ليلة عشواء شديدة الظلمة. غبسًا: جمع غبساء كعشواء. والدهاريس يعني: الدواهي.
стр. 26
وككلمة النُقَاخ في قول الشاعر:
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد
ومثل كلمة سويداواتها في قول المتنبي:
إن الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
وقد نشأ ثقلها من طولها كما ترى، وأيضًا من ذلك كلمة الجِرِشَّا في قول المتنبي يمدح سيف الدولة:
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشا شريف النسب
ولعلك تدرك التنافر في كلمة الجرشا بالإضافة إلى خفاء معناها، ففيها غرابة أيضًا، ولا مانع من وجود أكثر من عيب في الكلمة الواحدة، كالتنافر والغرابة معًا. ولكن ما سبب التنافر؟ وهل هناك ضابط يمكن الاحتكام إليه في الحكم على الكلمة بالتنافر أو عدمه؟ قالوا في الإجابة عن ذلك: إن التنافر يكون لتقارب مخارج الحروف جدًّا، فهي بمنزلة مشي المقيد أو لتباعد مخارج الحروف جدًّا، فهي بمنزلة الطفرة، ومع أنه لا يمكن تجاهل ما لمخارج الحروف وهيئة تأليفها من الأثر في خفة الكلمة وثقلها إلا أنه لا يجري على قاعدة معروفة مضطردة، بل هو أمر أغلبي، فقد تكون الكلمة فصيحة مع قرب مخارج حروفها، مثل كلمة: الجيش والشجر. ومثل: ذقته بفمي. فالباء والميم أحرف شفوية متقاربة المخارج، ولا ثقل فيها.
وقد تكون الكلمة فصيحة مع بعد مخارج حروفها مثل: علم وأمر وألم، بل إن الكلمتين قد تتركبان من حروف واحدة، وتكون إحداهما ثقيلة دون الأخرى، وذلك مثل علم، ومَلَع، فالأولى خفيفة على اللسان، ولا ينبو عنها الذوق، بخلاف الثانية مع اتحاد حروفها. والحق أن المعول عليه في ذلك، هو الذوق العربي
стр. 27
السليم المكتسب بالنظر في كلام العرب وتذوق أساليبهم، فما يعده الذوق السليم ثقيلًا عسر النطق فهو متنافر، سواء أكان ذلك من قرب مخارج الحروف أو من بعدها أم من غير ذلك، وما كان خفيفًا على اللسان لا ينفر منه السمع، ولا ينبو عنه الطبع فهو فصيح.
ونحن إذا احتكمنا إلى الذوق السليم في كلمة مستشزرات الواردة في معلقة امرئ القيس، نجد أنها قد عبرت عن المعنى الذي يريده الشاعر أصدق تعبير، فهو يصف شعرها بكثرته وتداخله وتشابكه، ولذلك عمد إلى كلمة فيها هذا التداخل والتشابك، وهي مستشزرات التي تداخلت أصوات حروفها، وكاد صوت التاء والشين يختفي بين صوتي الراء والسين، فهي أكثر ملاءمة للمقام الذي وردت فيه من بديلتها مرتفعات مثلًا أو مستشرفات، وصورتها توحي بصورة الشعر الذي يصفه الشاعر لا سيما بعد قوله: "أثيث كقنو النخلة المتعثكل" فالسياق يستدعي كلمة مستشزرات ويلح عليها، ولذلك جاءت معبرة عن مراده في دقة ومؤثرة في قوة. كذا قاله البعض، وذهب إليه.
كما أن طول الكلمة ليس عيبًا في كل الأحوال وعلى الإطلاق، وقد وردت في القرآن الكريم كلمات طويلة، ومع ذلك، فهي خفيفة على اللسان، لا ثقل فيها مثل قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٧) وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥) وأظنك معي، لا تجد صعوبة في النطق بهاتين الكلمتين ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾، و ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ومثلهما ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (هود: ٢٨) فطول الكلمة ليس على إطلاقه يعد عيبًا، ولذلك نقول: إن الأحكام البلاغية يجب أن تبنى على الأعم الأغلب، ولا تبنى على القطع والإطلاق؛ لأن القاعدة لا تطرد في كل الأحوال، والذوق العربي السليم هو الحكم الفيصل في مثل هذه الأمور.
стр. 28
ثاني هذه الأمور المخلة بفصاحة المفردة أو اللفظة أو الكلمة بعد تنافر الحروف: مخالفة القياس اللغوي، وهي أن تجيء الكلمة على خلاف ما ثبت عن العرب الخلص، كأن تستعمل في غير ما وضعت له في عرف اللغة لا على سبيل المجاز مثل الأيم في قول البحتري:
يشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
وقد استعمل الأيم بمعنى الثيب؛ حيث جعلها في مقابل البكر، والأيم في اللغة تطلق على المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أم ثيبًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) وليس مراده تعالى نكاح الثيبات منهن دون الأبكار، وإنما أراد اللاتي لا أزواج لهن، ومنه أن تكون الكلمة مخالفة للقياس الصرفي، كما في قول أبي النجم العجلي:
الحمد لله العلي الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل
فإن القياس يقتضي إدغام المتماثلين، فيقول: الأجل، ولكنه فك الإدغام لضرورة الشعر مخالفًا بذلك ما تقرره القواعد الصرفية، ومنه كذلك قول أبي الطيب المتنبي:
فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بُوقَات لها وطبول
فكلمة "بوقات" غير فصيحة لأن القياس يقتضي جمع بوق على أبواق جمع تكسير، ولم يرد جمعه على بوقات. ومن صور المخالفة أيضًا حذف بعض الكلمة، كما في قول الشاعر:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أراد: ولكن اسقني. فحذف النون، وهكذا نرى أن مخالفة الكلمة في الوضع اللغوي عيب في صيغتها يخرجها عن الفصاحة، ومن ثم عن البلاغة. ولعلك
стр. 29
تلاحظ أن العيب المخل بالفصاحة هنا ليس مقصورًا على مخالفة القياس الصرفي فقط، بل تعددت صوره ومواضعه ليدخل فيه كل ما ينكره أهل اللغة لمأخذ لغوي أو صرفي، أو تصرف في الكلمة بزيادة أو نقص غير معهودين؛ ولذلك سمي هذا العيب مخالفة القياس اللغوي، فالقول بأنه مخالفة القياس الصرفي قول ناقص، وإن شئت فقل: مخالفة الوضع اللغوي، أما مخالفة القياس فقط، فلا تكفي؛ إذ قد يحمله بعض الناس على القياس الصرفي فقط، وهذا خطأ؛ لأن مخالفة القياس الصرفي لا تخل دائمًا بالفصاحة، فقد تكون الكلمة مخالفة لقواعد الصرف، وهي مع ذلك فصيحة لموافقتها للوضع اللغوي، مثل كلمة استحوذ، والقياس الصرفي يقتضي إعلالها بقلب الواو ألفًا فيقال: استحاذ كاستقام واستجاب، نقول في مثلها: نقلت حركة الواو إلى الحرف الساكن الصحيح قبلها، ثم قلبت الواو الساكنة ألفًا لانفتاح ما قبلها، فتصير استحاذ، كاستقام واستجاب. وهي مع ذلك فصيحة لموافقتها ما نقل عن واضع اللغة.
ومن هذا القبيل كلمات: آل، وماء، وأبا يأبى، بفتح العين في المضارع، وعور يعور، فآل، وماء أصلهما: أهل ومَو، فأبدلت الهاء همزة، وإبدال الهمزة من الهاء مخالف للقياس، وأما يأبى، فالقياس فيه كسر العين، وهي هنا الباء؛ لأن فعل بفتح العين لا تفتح عينه في المضارع إلا إذا كانت عينه أو لامه حرف حلق، كسأل وقرأ ومنع، وأما عور يعور فقد بقيت الواو على حالها، ولم تقلب ألفًا لأن الوصف منه على أفعل فعلاء، وهو أعور عوراء، فالفعل لم يستوف شرط الإعلال؛ ولذلك استعمل هكذا عور يعور، بدون إعلال. فهذه الأمثلة وما يشاكلها فصيحة الاستعمال، وإن خالفت القياس الصرفي لثبوت استعمالها لدى العرب الفصحاء، فهي موافقة لما ثبت عن الواضع.
стр. 30
ثالث هذه العيوب المخلة بفصاحة الكلمة بعد تنافر الحروف ومخالفة القياس اللغوي: الغرابة، وهي أن تكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال عند العرب الخلص. ويفهم من هذا أن غير العرب الخلص من المحْدثين، الذين ظهروا بعد تفشي اللحن وشيوع الخطأ في اللغة، وضعف الملكات اللغوية، هؤلاء وغيرهم من المولدين لا يعول عليهم في الحكم على الكلمة بالغرابة، وفهم معنى الكلمة الغريبة يحتاج إلى أحد أمرين: البحث، والتنقيب عنها في كتب اللغة المبسوطة.
ب- التخريج على وجه بعيد لتردد الكلمة بين معنيين أو أكثر بلا قرينة معينة، فمن النوع الأول الذي يحتاج إلى البحث والتنقيب عنه في معاجم اللغة، كلمتا: تكأكأتم، وافرنقعوا، في قول عيسى بن عمر النحوي حين سقط عن راحلته، فتجمع الناس حوله، فصاح فيهم: "ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا عني". ويريد اجتمعتم علي، فتنحوا عني. فقد استطاع هذا النحوي بذكائه أن يشغلهم بهاتين الكلمتين الغريبتين على سبيل المزاح والمداعبة حتى ينهض من عثرته، ويفلت من بين أيديهم، ولذلك قال بعضهم: دعوه، فإن شيطانه يتكلم بالهندية. وهذا دليل على ما في الكلمتين من غرابة تحتاج إلى مراجعة كتب اللغة المبسوطة؛ للكشف عن المعنى المراد منهما. ومن هذا النوع أيضًا كلمات الطرموق بمعنى الطين، بمعنى الإسهال والإطشاش والإبْرِغْشاش أي الشفاء، وفَدَوْكَس أي الأسد، وخنْدَرِيس أي الخمر، والابْتِشاك أي الكذب، كل هذه كلمات غريبة، قال الشاعر:
وما أرضى لمقلته بحِلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
стр. 31
فالغرابة في هذه الكلمات تخل بفصاحتها، ومن ثم ببلاغتها؛ لما يترتب عليها من غموض المعنى وإبهامه. ومن النوع الثاني للغرابة الذي يحتاج في فهمه إلى تخريج، لكن على وجه بعيد قول رؤبة بن العجاج يصف محاسن محبوبته:
أيام أبدت واضحًا مفلجا ... أغر براقا وطرفًا أدعجا
ومقلة وحاجبًا مزججا ... وفاحمًا ومرسنًا مسرجا
فالمرسن: أنف الناقة، ثم أريد به مطلق أنف على سبيل المجاز المرسل، ثم أطلق على أنف محبوبته، والشاهد في قوله: "مسرجا". فقد وصف به أنف المرأة، وهو غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد به، وبالتالي فهو غير فصيح؛ ولذلك اختلفوا في تخريجه فقيل: هو من قولهم: سيوف سريجية. نسبة إلى حداد يقال له سريج يجيد صناعة السيوف. فهو يريد تشبيه أنفها بالسيف السريجي في الدقة والاستواء من نسبة المشبه إلى المشبه به، وقيل: هو مأخوذ من السراج أي المصباح أي أن أنفها شبيه بالسراج في الرونق والضياء، فهو مأخوذ من قولهم: سرج الله وجهه؛ أي: بهجه وحسنه. وعلى كلا التقديرين فهو غير ظاهر الدلالة على معناه؛ لأن مادة فعل بالتشديد إنما تدل على نسبة شيء إلى آخر، كما يقال: شرّف فلان فلانًا أي نسبه إلى الشرف. وكفره أي نسبه إلى الكفر. فهو مُشَرَّف ومُكَفَّر، أي منسوب إلى الشرف والكفر، لكن هذه النسبة لا تدل على تشبيه المنسوب بالمنسوب إليه كما أراد الشاعر؛ إذ لم يرد استعمال اللفظ فيها فدلالته على التشبيه بعيدة.
والواقع أن عزل الكلمة عن الإطار التي انتظمت في سلكه هو الذي يوحي بهذا الغموض في معنى اللفظ، بل ويؤدي إلى الجرأة في إصدار أحكام تحتاج في كثير
стр. 32
من الأحيان إلى مناقشتها قبل الإذعان لها أو التسليم بها. وعلى هذا الأساس نجد أن كلمة مسرجًا في قول رؤبة السابق تتصف بالغرابة على النحو الذي أشرنا إليه إذا أخذت وحدها من البيت الذي وردت فيه، وفي هذا تجاهل لدلالة السياق التي تعين المعنى عند الإشكال، وهي من أبرز القرائن الدالة على مراد المتكلم. فإذا نظرنا إلى الكلمة في سياقها، فسوف نجد أنها بعيدة عن الغرابة، هذا على رأي بعض البلاغيين المحْدثين؛ لأنها لا تحتمل إلا تخريجًا واحدًا، هكذا يقولون، وهو أن الشاعر يصف أنف محبوبته بالدقة والاستواء كالسيف السريجي المشهور بدقته واستوائه، فهذا المعنى هو الذي يلائم السياق، خاصة إذا علمنا أن الشاعر يتفجع على محبوبته الموصوفة بتلك الصفات. أما تشبيه الأنف بالسراج في بريقه، فلا معنى له، كما أنه لا يتفق مع الجو النفسي الذي يسيطر على عاطفة الشاعر.
إن وضع الكلمة موضعها من السياق والنظر إليها على أنها لبنة في بناء محكم الأواصر أمر ينبغي أن يوضع في الاعتبار لدى الدارسين في البلاغة والنقد؛ لأن الكلمات لا تكتسب دلالة محددة قبل أن توضع في السياق، ولله در عبد القاهر حين يقول: "وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها، وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة وفي خلافه قلقة ونابية ومستكرهة إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما! وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقًا للتالية في مؤداها".
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن مقياس الغرابة ينبغي ألا يؤخذ على إطلاقه، بل لا بد أن يقيد بإطار المدة الزمنية التي استعملت فيها الكلمة، فاللغة
стр. 33
تتطور من عصر إلى عصر، كما يتطور المتحدثون بها جيلًا بعد جيل، وقد تبدو الكلمة غريبة بالنسبة لنا في هذا العصر، لكنها ليست كذلك حين توضع في إطارها التاريخي، وقد تنبه لذلك المتأخرون من شراح (تلخيص المفتاح) حيث نصوا على أن الحكم على الكلمة بالغرابة حين تكون غير مأنوسة الاستعمال إنما هو في عرف الأعراب الخلص؛ وذلك لأن العبرة بعدم ظهور المعنى وعدم مأنوسية الاستعمال بالنسبة للعرب العرباء، سكان البادية لا بالنسبة للمولدين وإلا خرج كثير من قصائد العرب بل جلها عن الفصاحة، فإنها الآن لغلبة الجهل باللغة على أكثر علماء هذه الأزمان فضلًا عمن عداهم لا يعرفون مفرداتها فضلًا عن مركباتها.
ولو نظرنا إلى الغرابة بالنسبة إلى استعمال الناس الذين لا يتمتعون بالحس اللغوي الشائع لدى العرب الخلص لكان جميع ما كتب من الغريب غير الفصيح، والقطع بخلافه، ولعلنا نقرأ في الشعر الجاهلي، وفي القرآن الكريم كثيرًا من الكلمات التي تحتاج لفهم معناها إلى البحث عنه في كتب اللغة، وهي مع ذلك فصيحة، لم يقل أحد بغرابتها؛ لأنها كانت كذلك في عصرها السالف، ولذلك ذهب ابن يعقوب المغربي إلى أن الحكم على الكلمة بالغرابة أمر نسبي، والكلمة حينئذ غير مخلة بالفصاحة بالنسبة إلى العرب الخلص؛ لأنها عندهم ظاهرة المعنى. ومنها غريب القرآن والحديث، فغرابتهما مستحسنة؛ لعدم إخلالهما بالفصاحة، فيكون ذلك باعتبار قوم وهم المُوَلَّدُون دون قوم، وهم الخلص.
وواضح أنه يعني الغريب الحسن، وقد قسموا الوحشي إلى قسمين: غريب حسن، وغريب قبيح. فالنوع الأول فصيح لا يعاب استعماله على العرب لتداوله
стр. 34
وظهور معناه، ومنه غريب القرآن والحديث. والنوع الثاني غير فصيح قطعًا، ويعاب استعماله مطلقًا لعدم تداوله على لسان أهل البادية، ومثل ذلك جُحَيْش بالفريد أي المستبد برأيه، وجَفَخَت، والحَلْقَد أي سيئ الخلق، والابتشاك بمعنى الكذب، وقد يطلقون على هذا النوع الوحشي الغليظ أو المتوعر، وكتب اللغة زاخرة بكثير من غريب اللغة الذي يمجه الذوق، وينفر منه السمع. وزاد بعض البلاغيين شرطًا آخر في فصاحة المفرد، وهو خلوصه من الكراهة في السمع، هكذا ذكره الخطيب القزويني؛ بأن يتبرأ السمع من سماعه كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة؛ لأن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس بسماعه، ومنها ما تكره سماعه كلفظ الجرشا في قول المتنبي:
كريم الجرشا شريف النسب
فالسمع ينفر من سماع هذا اللفظ، والذوق يمجه ويبرأ منه، ولا سيما في مقام المدح، فالمتنبي كان يمدح سيف الدولة الحمداني، ويعدد مناقبه، ومناقب المدح يقتضي الإتيان بألفاظ عذبة سلسلة سائغة واضحة المعنى، والبعد بقدر المستطاع عن الكلمات الغريبة التي ينبو عنها الطبع، وينفر منها السمع، كما في كلمة الجرشا وغيرها. والحق أن هذا الشرط لم يأت بجديد فيما يتعلق بفصاحة المفرد؛ ذلك أن الكراهة في السمع إما أن تكون راجعة إلى تنافر الحروف في الكلمة أو إلى غرابتها أو إليهما معًا، فليست شيئًا آخر غيرهما، وكلمة الجرشا فيها تنافر خفيف بالإضافة إلى غرابتها، وهذه الألفاظ تتردد كثيرًا في شعر المتنبي، ويبدو أنه كان يتعمد الإتيان بها لاستعراض قدرته اللغوية في هذا المضمار.
стр. 35
فصاحة الكلام
ونأتي الآن للحديث عن فصاحة الكلام، فما هي يا ترى؟
فصاحة الكلام هي خلوصه من تنافر الكلمات، وضعف التأليف، والتعقيد مع فصاحة كلماته؛ لأن فصاحة الكلمة شرط في فصاحة الكلام، فلو اشتمل الكلام على كلمة واحدة غير فصيحة لم يكن فصيحًا، ومن ثم لم يكن بليغًا. أما تنافر الكلمات، فهو وصف في الكلمات مجتمعة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها، فالتنافر هنا ناشئ من اجتماع الكلمات عند النطق بها، وإن كانت كل كلمة منها سهلة النطق خالية من التنافر بين حروفها عند انفرادها. وقد قسم البلاغيون تنافر الكلمات إلى قسمين: تنافر ثقيل، وهو ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على اللسان، وعسر النطق بها عند أدائها، وقد مثلوا له بهذا البيت الذي أنشده الجاحظ:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فالتنافر واضح في الشطر الثاني، وقد زعموا أنه من أشعار الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع. ومن هذا النوع قول الشاعر:
أَزَجٌ زَلُوج هَزْرَفِي زفارف ... هَزُف يَبز الناجيات الصوافنا
الناجيات الصوافنا يعني: الخيل السريعة القوية، وقول غيره:
سلسلسل الريق لم لم يرو حر ظما ... بل بلبل القلب لما زاده ألم
стр. 36
وفي هذه الأمثلة نلاحظ التنافر الشديد بين الكلمات وعدم التلاؤم، فهي تبدو عند النطق بها متعادية متجافية، لا تآلف بينها، ولا انسجام. النوع الثاني: تنافر خفيف؛ أي أن الثقل فيه أخف وطأة من سابقه، وقد مثلوا له بقول أبي تمام يمدح موسى بن إبراهيم:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي ... وإذا ما لمته لمته وحدي
يقول: إنه كريم إذا مدحته شاركني الناس جميعًا في مدحه؛ لأنه جدير بهذا المدح لطيب معدنه ونبل أخلاقه، وإذا لمته لا يوافقني أحد على هذا اللوم؛ لأنه لا يستحق عتابا، ولا لومًا في نظرهم. والشاهد في قوله: أمدحه مع التكرار، فإن فيه ثقلًا خفيفًا لما بين الحاء والهاء من التنافر، وهما من حروف الحلق، فإذا تكررت الكلمة تضاعف ذلك الثقل، وحصل التنافر المخل للفصاحة. أما مجرد الجمع بين الحاء والهاء في أمدحه، فإنه لا يخل بفصاحة الكلام، كيف وقد وقع مثله في القرآن؟! نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (ق: ٤٠) فكلمة ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ اجتمع فيه الحاء مع الهاء، والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجترئ عليه مؤمن، فالثقل هنا ناشئ من تكرار الفعل مع الجمع بين الحاء والهاء. ومنه أيضًا قول الشاعر:
لو كنت كنت كتمت السر كنت كما كنا ... نكون ولكن ذاك لم يكن
فتكرار الكاف والنون في كلمات هذا البيت أوجد ثقلًا، وإن كان خفيفًا إلى حد ما عن النوع الأول، ومنه قول الآخر:
وازور من كان له زائرا ... وعافٍ عافَ العرف عرفانه
стр. 37
فأنت تشعر بالثقل الناشئ من توالي الكلمات على نسق معين في الشطر الثاني، وإن كانت كل كلمة على انفرادها فصيحة خالية من الثقل. هذا والفيصل في الحكم على الكلام بالتنافر وعدمه هو الذوق السليم. ثاني العيوب المخلة بفصاحة الكلام: ضعف التأليف، وهو أن يكون تأليف الكلام جاريًا على خلاف المشهور من قواعد النحو العربي عند جمهور النحاة، فإذا ورد الكلام مخالفًا لقاعدة نحوية مشهورة لدى الجمهور، فهو خارج عن الفصاحة، وإن كان صحيحًا عند بعض النحويين، أما مخالفة الكلام للمجمع عليه من القواعد فخطأ لا ضعف تأليف، وهذا الخطأ في التأليف يبعد الكلام عن الفصاحة من باب أولى، فمن صور ضعف التأليف عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، قول حسان بن ثابت:
فلو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
فالضمير في مجده يعود على مطعم، وهو مفعول فمرتبته التأخير عن فاعله وبذلك عاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهذا خروج بالكلام عن سنن المشهور من القواعد التي ارتضاها جمهور النحاة. ومنه قول الآخر:
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فالضمير في ربه يعود على عدي، وهو مفعول، وذلك ممتنع عند الجمهور، فلا يصح أن يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به نحو: ضرب غلامه زيدًا، حتى لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، أما عود الضمير على متأخر لفظًا دون رتبة فهو جائز، نحو قولك: ضرب غلامه زيد؛ لأن "زيد" فاعل فرتبته
стр. 38
التقديم، وإن تأخر لفظًا. ومن ضعف التأليف أيضًا وضع الضمير المتصل موضع الضمير المنفصل بعد إلا في قول الشاعر:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
وقول الآخر:
ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول
فقد وقع الضمير المتصل بعد إلا في قوله: "إلاك"، وهذا مخالف لما ارتضاه الجمهور. ومنه أيضًا: نصب المضارع بدون ناصب كما في قول الشاعر:
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ... ويذكر عيبًا في أخيه قد اختفى
وكقول طرفة بن العبد:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فقد نصب الفعل "ينسى" والفعل "يذكر" في البيت الأول بدون ناصب، كما نصب طرفة الفعل "أحضر" بدون أداة نصب أيضًا، وليس هذا من المواضع التي تعمل فيها أن مضمرة جوازًا أو وجوبًا، وعلى هذا فإن حذف أداة النصب مع بقاء عملها في هذين البيتين مخالف لرأي جمهور النحاة، فهو ضعف تأليف، يخل بفصاحة الكلام، ومن ثم ببلاغته. ثالث الأمور المخلة بفصاحة الكلام: التعقيد، وهو أن يكون الكلام غير واضح الدلالة على المعنى المراد به. وهو نوعان؛ الأول: التعقيد اللفظي، وهو أن يكون الكلام غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد به؛ لخلل في نظمه وتركيبه لعدم ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني؛ بسبب تقديم أو تأخير أو فصل بأجنبي بين موصوف وصفته أو بدل ومبدل منه أو مبتدأ وخبر، ونحو ذلك مما يعقد اللفظ،
стр. 39
ويجهد السامع في فهم المراد من الكلام. ومثاله قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك بن مروان، يقول:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
يريد أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا؛ يعني ملكًا، أبو أمه أبوه، فالمعنى الذي أراد الفرزدق أن يثبته للممدوح بسيط جدًّا، وهو أن هذا الممدوح لا يشبهه أحد على الإطلاق في فضائله إلا ابن أخته هشام بن عبد الملك، وهو بذلك يمدح الاثنين معًا، ولكن الفرزدق تعسف في القول حين أسرف في ارتكاب هذه الضرورات التي أدت بالتالي إلى خفاء المعنى المراد، وذلك لعدم ترتيب الألفاظ في الذكر على موجب ترتيب المعاني في النفس. ومع أن كلًّا من هذه المخالفات في نظم الكلام جائز باتفاق النحويين إلا أن اجتماعها على هذا النحو قد أورث الكلام تعقيدًا بحيث لا يفهم مغزاه من لا يعلم قصته، فقد فصل الشاعر بين المبتدأ "أبو أمه" والخبر "أبوه" بأجنبي عنهما وهو "حي" كما فصل بين الموصوف حي وصفته يقاربه بأجنبي، وهو "أبوه". كذلك فصل بين البدل "حي" والمبدل منه مثله بكلام كثير، وقدم المستثنى "مملكًا" على المستثنى منه "حي" فازداد البيت تعقيدًا حتى ضرب به المثل في تعسف اللفظ، كما يقول عبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة).
ولا يكاد يخلو كتاب من كتب البلاغة من ذكر هذا البيت شاهدًا للتعقيد اللفظي، وأيًّا ما قيل في البيت، فالبيت غير فصيح لما فيه من التعقيد اللفظي، ومن أمثلة هذا التعقيد اللفظي قول الفرزدق أيضًا:
إلى ملكٍ ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
стр. 40
أراد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، فقدم وأخر حتى جعل المعنى مبهمًا والنظم مختلًّا، ومنه كذلك قول المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
والمراد: جفخت بهم شيم دلائل على الحسب الأغر، وهم لا يجفخون بها، فقدم وأخر، وفصل بين المتلازمين حتى أورث البيت تعقيدًا لفظيًّا، ناهيك عن الغرابة في كلمة جفخت، وكلمة يجفخون، ولو قال: فخرت ويفخرون لأصبح بمنأى عن الغرابة. ومن ذلك أيضًا قول آخر:
أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
وأصله: أنى يكون آدم أبا البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان؛ أي الجن والإنس. ومنه كذلك قول الآخر يصف دارا بالية:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرًا رسومها قلما
يريد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا، كأن قلمًا خط رسومها، فاختل نظمه وتعقد تركيبه، وربما ظن بعض الناس أن ضعف التأليف يغني عن التعقيد اللفظي، وهذا غير صحيح لأن التعقيد اللفظي يكون باجتماع أمور تؤدي إلى استغلاق الكلام وصعوبة الوصول إلى معناه، وإن كانت جائزة باتفاق النحاة، كالتقديم والتأخير والحذف والإضمار ونحو ذلك. فالتعقيد اللفظي غير ضعف التأليف، لكنها قد يجتمعان في مثال واحد، كما في بيت الفرزدق: إلى ملك ... إلى آخر البيت، وينفرد ضعف التأليف في مثل: ضرب غلامه زيدًا، وفي مثل: جاءني أحمد بتنوين أحمد، وينفرد التعقيد اللفظي في مثل إلا عمرًا الناسَ ضاربٌ محمد، وهذا جائز نحويًّا، وأصله محمد ضارب الناسَ إلا عمرًا؛ أي أن بينهما العموم والخصوص الوجهي؛ بحيث يجتمعان وينفرد كل منهما على حدة.
следующие страницы →