← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي هذه الأمثلة نلاحظ التنافر الشديد بين الكلمات وعدم التلاؤم، فهي تبدو عند النطق بها متعادية متجافية، لا تآلف بينها، ولا انسجام. النوع الثاني: تنافر خفيف؛ أي أن الثقل فيه أخف وطأة من سابقه، وقد مثلوا له بقول أبي تمام يمدح موسى بن إبراهيم: كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي ... وإذا ما لمته لمته وحدي يقول: إنه كريم إذا مدحته شاركني الناس جميعًا في مدحه؛ لأنه جدير بهذا المدح لطيب معدنه ونبل أخلاقه، وإذا لمته لا يوافقني أحد على هذا اللوم؛ لأنه لا يستحق عتابا، ولا لومًا في نظرهم. والشاهد في قوله: أمدحه مع التكرار، فإن فيه ثقلًا خفيفًا لما بين الحاء والهاء من التنافر، وهما من حروف الحلق، فإذا تكررت الكلمة تضاعف ذلك الثقل، وحصل التنافر المخل للفصاحة. أما مجرد الجمع بين الحاء والهاء في أمدحه، فإنه لا يخل بفصاحة الكلام، كيف وقد وقع مثله في القرآن؟! نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (ق: ٤٠) فكلمة ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ اجتمع فيه الحاء مع الهاء، والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجترئ عليه مؤمن، فالثقل هنا ناشئ من تكرار الفعل مع الجمع بين الحاء والهاء. ومنه أيضًا قول الشاعر: لو كنت كنت كتمت السر كنت كما كنا ... نكون ولكن ذاك لم يكن فتكرار الكاف والنون في كلمات هذا البيت أوجد ثقلًا، وإن كان خفيفًا إلى حد ما عن النوع الأول، ومنه قول الآخر: وازور من كان له زائرا ... وعافٍ عافَ العرف عرفانه

стр. 37

فأنت تشعر بالثقل الناشئ من توالي الكلمات على نسق معين في الشطر الثاني، وإن كانت كل كلمة على انفرادها فصيحة خالية من الثقل. هذا والفيصل في الحكم على الكلام بالتنافر وعدمه هو الذوق السليم. ثاني العيوب المخلة بفصاحة الكلام: ضعف التأليف، وهو أن يكون تأليف الكلام جاريًا على خلاف المشهور من قواعد النحو العربي عند جمهور النحاة، فإذا ورد الكلام مخالفًا لقاعدة نحوية مشهورة لدى الجمهور، فهو خارج عن الفصاحة، وإن كان صحيحًا عند بعض النحويين، أما مخالفة الكلام للمجمع عليه من القواعد فخطأ لا ضعف تأليف، وهذا الخطأ في التأليف يبعد الكلام عن الفصاحة من باب أولى، فمن صور ضعف التأليف عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، قول حسان بن ثابت: فلو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما فالضمير في مجده يعود على مطعم، وهو مفعول فمرتبته التأخير عن فاعله وبذلك عاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهذا خروج بالكلام عن سنن المشهور من القواعد التي ارتضاها جمهور النحاة. ومنه قول الآخر: جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فالضمير في ربه يعود على عدي، وهو مفعول، وذلك ممتنع عند الجمهور، فلا يصح أن يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به نحو: ضرب غلامه زيدًا، حتى لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، أما عود الضمير على متأخر لفظًا دون رتبة فهو جائز، نحو قولك: ضرب غلامه زيد؛ لأن "زيد" فاعل فرتبته

стр. 38

التقديم، وإن تأخر لفظًا. ومن ضعف التأليف أيضًا وضع الضمير المتصل موضع الضمير المنفصل بعد إلا في قول الشاعر: وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار وقول الآخر: ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول فقد وقع الضمير المتصل بعد إلا في قوله: "إلاك"، وهذا مخالف لما ارتضاه الجمهور. ومنه أيضًا: نصب المضارع بدون ناصب كما في قول الشاعر: قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ... ويذكر عيبًا في أخيه قد اختفى وكقول طرفة بن العبد: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فقد نصب الفعل "ينسى" والفعل "يذكر" في البيت الأول بدون ناصب، كما نصب طرفة الفعل "أحضر" بدون أداة نصب أيضًا، وليس هذا من المواضع التي تعمل فيها أن مضمرة جوازًا أو وجوبًا، وعلى هذا فإن حذف أداة النصب مع بقاء عملها في هذين البيتين مخالف لرأي جمهور النحاة، فهو ضعف تأليف، يخل بفصاحة الكلام، ومن ثم ببلاغته. ثالث الأمور المخلة بفصاحة الكلام: التعقيد، وهو أن يكون الكلام غير واضح الدلالة على المعنى المراد به. وهو نوعان؛ الأول: التعقيد اللفظي، وهو أن يكون الكلام غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد به؛ لخلل في نظمه وتركيبه لعدم ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني؛ بسبب تقديم أو تأخير أو فصل بأجنبي بين موصوف وصفته أو بدل ومبدل منه أو مبتدأ وخبر، ونحو ذلك مما يعقد اللفظ،

стр. 39

ويجهد السامع في فهم المراد من الكلام. ومثاله قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك بن مروان، يقول: وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه يريد أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا؛ يعني ملكًا، أبو أمه أبوه، فالمعنى الذي أراد الفرزدق أن يثبته للممدوح بسيط جدًّا، وهو أن هذا الممدوح لا يشبهه أحد على الإطلاق في فضائله إلا ابن أخته هشام بن عبد الملك، وهو بذلك يمدح الاثنين معًا، ولكن الفرزدق تعسف في القول حين أسرف في ارتكاب هذه الضرورات التي أدت بالتالي إلى خفاء المعنى المراد، وذلك لعدم ترتيب الألفاظ في الذكر على موجب ترتيب المعاني في النفس. ومع أن كلًّا من هذه المخالفات في نظم الكلام جائز باتفاق النحويين إلا أن اجتماعها على هذا النحو قد أورث الكلام تعقيدًا بحيث لا يفهم مغزاه من لا يعلم قصته، فقد فصل الشاعر بين المبتدأ "أبو أمه" والخبر "أبوه" بأجنبي عنهما وهو "حي" كما فصل بين الموصوف حي وصفته يقاربه بأجنبي، وهو "أبوه". كذلك فصل بين البدل "حي" والمبدل منه مثله بكلام كثير، وقدم المستثنى "مملكًا" على المستثنى منه "حي" فازداد البيت تعقيدًا حتى ضرب به المثل في تعسف اللفظ، كما يقول عبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة). ولا يكاد يخلو كتاب من كتب البلاغة من ذكر هذا البيت شاهدًا للتعقيد اللفظي، وأيًّا ما قيل في البيت، فالبيت غير فصيح لما فيه من التعقيد اللفظي، ومن أمثلة هذا التعقيد اللفظي قول الفرزدق أيضًا: إلى ملكٍ ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره

стр. 40

أراد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، فقدم وأخر حتى جعل المعنى مبهمًا والنظم مختلًّا، ومنه كذلك قول المتنبي: جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل والمراد: جفخت بهم شيم دلائل على الحسب الأغر، وهم لا يجفخون بها، فقدم وأخر، وفصل بين المتلازمين حتى أورث البيت تعقيدًا لفظيًّا، ناهيك عن الغرابة في كلمة جفخت، وكلمة يجفخون، ولو قال: فخرت ويفخرون لأصبح بمنأى عن الغرابة. ومن ذلك أيضًا قول آخر: أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد وأصله: أنى يكون آدم أبا البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان؛ أي الجن والإنس. ومنه كذلك قول الآخر يصف دارا بالية: فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرًا رسومها قلما يريد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا، كأن قلمًا خط رسومها، فاختل نظمه وتعقد تركيبه، وربما ظن بعض الناس أن ضعف التأليف يغني عن التعقيد اللفظي، وهذا غير صحيح لأن التعقيد اللفظي يكون باجتماع أمور تؤدي إلى استغلاق الكلام وصعوبة الوصول إلى معناه، وإن كانت جائزة باتفاق النحاة، كالتقديم والتأخير والحذف والإضمار ونحو ذلك. فالتعقيد اللفظي غير ضعف التأليف، لكنها قد يجتمعان في مثال واحد، كما في بيت الفرزدق: إلى ملك ... إلى آخر البيت، وينفرد ضعف التأليف في مثل: ضرب غلامه زيدًا، وفي مثل: جاءني أحمد بتنوين أحمد، وينفرد التعقيد اللفظي في مثل إلا عمرًا الناسَ ضاربٌ محمد، وهذا جائز نحويًّا، وأصله محمد ضارب الناسَ إلا عمرًا؛ أي أن بينهما العموم والخصوص الوجهي؛ بحيث يجتمعان وينفرد كل منهما على حدة.

стр. 41

الكلام الفصيح لا بد أن يجيء ترتيب ألفاظه في النطق على حسب ترتيب المعاني في الفكر، فلا يشتمل على ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار إلا إذا قامت قرينة تدل عليه، وبدون القرينة يكون الكلام مبهمًا معقدًا بعيدًا عن الفصاحة. الأمر الثاني: التعقيد المعنوي: وهو أن يكون الكلام غير واضح الدلالة على المعنى المراد به؛ لخلل واقع في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود، فلا يستطيع السامع أن يقف على المراد منه، كقول العباس بن الأحنف: سأطلب بُعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا يقول الشاعر: سأوطن نفسي على تحمل الفراق، ومقاساة الأحزان والأشواق؛ لأحظى من وراء ذلك بوصل يدوم، ومسرة لا تزول، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومع كل عسر يسر، ولكل بداية نهاية. وقد اشتمل الشطر الثاني في هذا البيت على كنايتين، الأولى في قوله: "وتسكب عيناي الدموع" حيث كنى بسكب الدموع عن الحزن الشديد نتيجة الفراق، وقد أصاب في هذا التخريج لأن البكاء عنوان الحزن، ودليل عليه كقولك: أبكاني وأضحكني. أي ساءني وسرني. ومنه قول حطان بن المعلى، وهو أحد شعراء الحماسة: أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى والكناية الثانية في قوله: "لتجمدا" حيث كنى بجمود العين عن السرور بلقاء الأحبة والفرح بالوصال، وقد أخطأ في هذا؛ لأن الجمود هو خلو العين من الدموع في حال إرادة البكاء منها، لا بد من هذا القيد، فلا يكون كناية عن السرور، وإنما هو كناية عن بخل العين بالدموع وقت إرادة البكاء، والدليل على ذلك وروده في الشعر كثيرًا بهذا المعنى، كقول الشاعر: ألا إن عينًا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود وكقول الخنساء: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى

стр. 42

فالجمود في كلا البيتين كناية عن بخل العين بالدمع وقت الحزن والأسى، فهي عين جمود، وكذلك قول أهل اللغة: سنة جماد يعني لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن فيها، ومعنى هذا أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، كذلك لو كان جمود العين يصلح أن يكنى به عن السرور لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. وذلك مما لا شك في بطلانه، فقد اتضح لك بعد كل هذا أن التعقيد المعنوي في قول العباس بن الأحنف كامن في كلمة لتجمدا، وذلك بسبب خفاء الانتقال من المعنى اللغوي إلى المعنى المراد أو المعنى الكنائي الذي يريده الشاعر أي السرور بلقاء الأحبة، مع أن جمود العين في الاستعمال العربي الشائع إنما يكون كناية عن بخلها بالدمع حال إرادته منه، وهذا مما عقد الكلام وأبعده عن ميدان الفصاحة. ومن أمثلة التعقيد المعنوي أن تقول: نشر الملك ألسنته في المدينة أي وأنت تريد جواسيسه؛ إذ ليس من المعهود استعمال اللسان بمعنى الجاسوس؛ لأنه لا تلازم بين اللسان ومعنى الجاسوسية، وإنما المعهود استعمال اللسان بمعنى اللغة على سبيل المجاز المرسل، الذي علاقته الآلية؛ لأن اللسان آلة اللغة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤) أي متكلمًا بلغة قومه، فاستعمال اللسان في معنى الجاسوس غير مفهوم لخفاء اللزوم بين المعنيين، وهذا تعقيد معنوي يسلب الكلام فصاحته. ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم فقد استعمل الظلم في معنى الدفاع عن النفس، والظلم تسليط الأذى على الناس لا دفع الأذى عن النفس فلا علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى الكنائي الذي أراده الشاعر، بذلك لا ينتقل الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني

стр. 43

بسهولة لخفاء اللزوم بين المعنيين، ففي البيت إذن تعقيد معنوي، وإن كان من الممكن أن يجعل هذا التعبير من قبيل المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠) بذلك يكون فصيحًا. وقد أضاف بعض البلاغيين إلى ما سبق في فصاحة الكلام خلوه من كثرة التكرار وتتابع الإضافات، والحق أنهما لا يخلان بفصاحة الكلام إلا إذا ترتب عليها ثقل في النطق، وكراهة في السمع، وبذلك يدخلان في تنافر الكلمات، وقد سبق الحديث عنه، فمن كثرة التكرار الذي يحدث ثقلًا في الكلام قول المتنبي يصف فرسًا: وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد ولعلك تلاحظ الثقل الناتج عن كثرة الضمائر، وتكرار أدوات الربط في: لها منها عليها، ومن تتابع الإضافات الذي يخل بالفصاحة قول ابن بابَك: حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع ففيه إضافة حمامة إلى جرعى، وإضافة جرعى إلى حومة، وإضافة حومة إلى الجندل؛ بذلك ما فيه من الثقل وصعوبة النطق بهذه الإضافات المتتابعة، التي ينبو عنها الذوق، أما إذا سلم كل منهما من الثقل على لسان، والكراهة في السمع، فلا إخلال بالفصاحة لورودهما بالكلام، وقد وقع شيء من ذلك في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: ٧، ٨) وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (مريم: ٢) كما جاء في الحديث أيضًا في قوله ﷺ : ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فالأذن لا تشعر بثقل الكلمات، واللسان لا يجد صعوبة في النطق بها، على الرغم من كثرة التكرار، الأمر الذي يؤكد أن هذا أمر مرجعه إلى

стр. 44

الذوق. ومما حسن فيه ذلك من أقوال الشعراء ما جاء في قول ابن المعتز، وقد ساقه الإمام عبد القاهر، يقول: وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح وقول الخالدي يصف غلامًا له: ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد وصيرفي القريض وزّان ديـ ... ـنار المعاني الدقاق منتقد فقد تتابعت الإضافات في البيت الأول في قوله: "عتاق دنانير الوجوه". وفي البيت الأخير: "وزان دينار المعاني"، مع السلامة من الثقل والاستكراه؛ لذلك جاءت مليحة لطيفة فصيحة. فصاحة المتكلم وبعد أن تحدثنا عن مصطلحي فصاحة الكلمة، فصاحة الكلام، بقي أن نعرج على فصاحة المتكلم: وقد ذكر البلاغيون أن فصاحة المتكلم -وعلى رأس هؤلاء الخطيب القزويني- ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، فالملكة كيفية راسخة في النفس، يستطيع بها المتكلم أن يعبر عن مقصوده متى شاء في أي معنى من المعاني، كالمدح والذم والفخر والرثاء والنسيب، وغيرها بلفظ فصيح. فقد استطاع أن يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح في غرض واحد من الأغراض السابقة دون غيره لم يكن فصيحًا؛ لعدم رسوخ تلك الصفة في نفسه، فالمدار على الاقتدار أي أن تكون لديه القدرة على التعبير الفصيح، وإن لم ينطق بالفعل؛ ليشمل حالتي النطق

стр. 45

والسكوت، فهو فصيح وإن لم ينطق؛ لأن لديه القدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره في أي غرض بلفظ فصيح. وهذه الملكة موهبة تصقلها القراءة، وحفظ القرآن، والتدرب على التعبير عن الأفكار والعواطف تعبيرًا جيدًا، يرتفع عن مستوى الكلام العادي، ويرقى إلى مكانة رفيعة، وحينئذ يصبح هذا الأسلوب عادة له، وطبيعة عنده، لا يتخلف في حال من الأحوال، ولا يتأبى عليه في غرض من الأغراض، فيكون آنذاك جديرًا بهذا الوصف، فيقال: إنه متكلم فصيح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 46

الدرس: ٣ ما يعنيه مصطلح البلاغة - علم المعاني "أحوال الإسناد الخبري ".

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (ما يعنيه مصطلح البلاغة - علم المعاني "أحوال الإسناد الخبري") ما يعنيه مصطلح البلاغة، سواء وقعت وصفًا للكلام أو المتكلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد خلق الله أجمعين، سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سلك طريقه إلى يوم الدين، وبعد: فنقول -وبالله التوفيق-: إن البلاغة تختلف معناها باختلاف موصوفها، وهي تقع صفة للكلام والمتكلم، ولا يوصف بها المفرد، يقال: كلام بليغ، ومتكلم بليغ، ولا يقال: كلمة بليغة. وإن قيل فيها: فصيحة. ولقد حظيت البلاغة العربية باهتمام القدماء من النقاد والأدباء والبلاغيين، فأدلى هؤلاء بآرائهم في معنى البلاغة على نحو ما أورده الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين). ومن هذه التعريفات أن البلاغة معرفة الفصل من الوصل، وما قيل من أنها الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خَطَل. والخطل في اللغة: الكلام الفاسد الكثير المضطرب. ومن أنها تصحيح الأقسام واختيار الكلام، ومن أنها وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة، ومن أنها قول تضطر العقول إلى فهمه بأيسر العبارة، ومن أنها إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، ومن أنها حسن العبارة مع صحة الدلالة، ومن أنها دلالة أول الكلام على آخره، وارتباط آخره بأوله، ومن أنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. وهذه الأقوال في تعريف البلاغة ليست تعريفات جامعة مانعة، بل هي أوصاف للبلاغة، وكل تعريف منها يتناول جانبًا من جوانب البلاغة ومقصدًا من مقاصدها، وهدفًا من أهدافها، وليس فيها -على كثرتها- تعريف يمكن الاقتصار عليه والاكتفاء به في توضيح معنى البلاغة، ولعل أقرب التعريفات إلى تعريف المتأخرين للبلاغة هو قول أبي هلال العسكري: "البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك، مع صورة مقبولة ومعرض حسن". هكذا في (الصناعتين).

стр. 48

فهذا التعريف مع وضوحه يشير إلى غاية البلاغة، والأثر الذي تحدثه في نفس القارئ والسامع، كما يركز على حسن الصورة فليست البلاغة إفهام المعنى فقط؛ لأن العيي يفعل ذلك، وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وبذلك يتفاضل القائلون، ويعلو بعض الكلام على بعضه في درجات البلاغة. وقد عرف المتأخرون البلاغة بقولهم: هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. كذا في (الإيضاح) للقزويني. ولكي نفهم هذا التعريف لا بد من الوقوف على معنى مصطلحي الحال ومقتضى الحال حتى يتسنى لنا إدراك معنى المطابقة لمقتضى الحال، وهو التعريف المأثور للبلاغة، والذي ارتضاه المتأخرون من علماء البلاغة وتناقلوه جيلًا بعد جيل حتى وصل إلينا كما وضعه الخطيب القزويني في كتابه (الإيضاح). فالحال هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يورد في كلامه خصوصية ما، ويسمى مقامًا أيضًا، فالحال والمقام متقاربا المفهوم، والتغاير بينهما اعتباري، فإن الأمر الداعي مقام باعتبار كونه محلًّا لوقوع الكلام فيه، وحال باعتبار كونه زمانًا بوقوع الكلام فيه. وثمة فرق آخر هو أن المقام يضاف إلى المقتضى فيقال: مقام التأكيد، ومقام التعريف، ومقام الحذف، ومقام الذكر. أما الحال فإنه يضاف إلى المقتضي -بالكسر- فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن وحال الشك وحال الذكاء وغير ذلك. ومقتضى الحال إذن هو تلك الخصوصية التي استدعاها المقام، ويسمى أيضًا بالاعتبار المناسب. ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو مجيء الكلام مشتملًا على تلك الخصوصية التي اقتضاها الحال. وعلى سبيل المثال، كون المخاطب منكرًا للحكم هذا حال، يقتضي تأكيد الكلام لدفع الإنكار، فالإنكار حال، والتأكيد

стр. 49

هو مقتضى الحال، ومجيء الكلام مؤكدًا هو المطابقة لمقتضى الحال، وهكذا إن اقتضى الحال التأكيد كان الكلام مؤكدًا، وإن اقتضى الإطلاق كان عاريًا عن التوكيد، وإن اقتضى حذف المسند إليه حذف، وإن اقتضى ذكره ذكر. إلى غير ذلك من الأحوال والاعتبارات المعروفة في علم المعاني، والتي بها يتفاضل الكلام في ميزان البلاغة. فلا بد أن يكون الكلام مطابقًا لأحوال المخاطبين وعلى قدر عقولهم ليؤثر فيهم، ويؤدي غايته المنشودة، وأحوال المخاطبين متفاوتة، ودرجاتهم في الإدراك مختلفة، ولذلك كانت مقامات الكلام متفاوتة تبعًا لتفاوت أحوال المخاطبين، ولكل مقام مقال، كما هو معلوم، فمقام التنكير -كما ذكر الخطيب في (الإيضاح) - يباين مقام التعريف، مقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام، وارتفاع شأن الكلام في القبول وسمو منزلته في الحسن لمطابقته لمقتضى الحال أو لاعتبار المناسب، وانحطاطه بعدم مطابقته له، وذلك كالإيجاز في مقام يقتضي الإطناب، أو الفصل حيث يجب الوصل، أو التأكيد لخالي الذهن الذي لم ينزل منزلة السائل المتردد وغير ذلك. والقرآن الكريم هو خير ما روعي فيه مقتضيات الأحوال، ولعلك تلحظ اختلاف أسلوب النظم الكريم تبعًا لاختلاف المواقف والأحوال بصورة واضحة، فهو حين يواجه المشركين المعاندين؛ يلجأ إلى الأسلوب القوي الحاسم؛ ليثير الانفعال السريع العنيف، وكثيرًا ما يتدفق الأسلوب في جمل قصيرة سريعة تهز أوتار المشاعر، وتحرك كامن العواطف، مثلًا قول الله تعالى في سورة الحاقة، وهي

стр. 50

سورة مكية: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا * فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (الحاقة: ١ - ٨). إن الآيات الكريمة كما ذكر الدكتور إبراهيم التلب في كتابه (دراسات في علم المعاني) تتحدث عن مصير المكذبين بيوم الدين، وما ينتظرهم من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، تقريرًا لسنن الله الكونية في إهلاك أهل الكفر والعصيان، وانتصار أهل الهدى والإيمان لأن الجزاء من جنس العمل، فأسلوب القرآن في هذا الموقف مطابق لمقتضيات أحوال السامعين من أرباب الضلال وشياطين الكفر؛ حيث اتسم بالقوة والإثارة، والسرعة في الإيقاع مع الحزم، مما أكسبه دقة التعبير وقوة التأثير. أما إذا اقتضى المقام أسلوبًا هادئًا في مجال الإقناع والدعوة إلى التأمل والتدبر، فإننا نرى أسلوب الذكر الحكيم يتسم بالهدوء والرفق والإثارة في سبيل تحقيق الغرض من الآيات الكريمة. واقرأ معي مثلًا قول الحق ﵎ في سورة الرعد، وهي مدنية: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد: ٢ - ٤).

стр. 51

فمن الواضح أن هذه الآيات تسوق الدلائل المتعددة على قدرة الله تعالى بغية الوصول إلى أن الله قادر على كل شيء، وهو لذلك جدير بالعبادة وحده، وقد أوردت الآيات هذه الدلائل في أسلوب هادئ النبرات، يخاطب العقل والعاطفة معًا، ويشف عن معناه، كما يشف الروض عن عبيره؛ ولذلك جاء مقنعًا للذين يتفكرون ويعقلون. وما اختلاف أسلوب السور المكية عن السور المدنية إلا صدى لاختلاف طبيعة الموقف في مكة عنه في المدينة، فالإسلام في مكة كان يواجه أعتى قوى الشرك في محاولة مضنية لاقتلاع جذور الباطل بشتى صوره في تلك البيئة، ليرسي دعائم التوحيد على أساس سليم؛ لذلك اتسم أسلوبه في مكة بالقوة والحزم في مواجهة المشركين. أما في المدينة، فإن الوضع قد اختلف حيث توطدت أركان الإسلام، وأصبحت له دولة وساد جو الاستقرار الذي يسمح بتنظيم العلاقات الاجتماعية والسلوكية بين أفراد المجتمع الجديد. ولذلك أخذ القرآن يرشد المؤمنين إلى آداب السلوك، ويوجههم إلى الخير والصلاح، وذلك وضع يستدعي الأسلوب الهادئ المقنع الذي يصل إلى أغوار النفوس؛ ولذلك كان القرآن مثلًا أعلى للبلاغة العربية في أرقى مظاهرها، وأروع سماتها. وبذلك يتبين لنا أن الكلام الذي يوصف بالبلاغة هو الذي يشتمل على خصائص في الصياغة وأوضاع في النظم، بها يكون الكلام وافيًا ومطابقًا للمقام الذي ورد فيه، فلا بد من مراعاة هذه الأحوال والمقتضيات، والملاءمة بينهما حتى يرتقي الكلام، ويزداد حسنًا وجمالًا، ويكتسي رونقًا وبهاء، ويكون له تأثيره الفعال في نفوس المخاطبين، أما مجرد التعبير عن المعنى بعبارات تليق به دون مراعاة للخواص والمزايا التي يقع بها التفاضل في الكلام الأدبي الرفيع، فليس من البلاغة في شيء؛ لأن الغرض منه مجرد تأدية أصل المعنى بعبارات تدل عليه، دون أن تترك أي أثر في نفوس السامعين. والمعروف أن الأدب نوع من التواصل

стр. 52

الفكري؛ يهدف إلى نقل الإحساس بالجمال الفني إلى الآخرين، وإحداث جو من المشاركة الوجدانية بين المنشئ والمتلقي، وبقدر تأثيره في نفوس السامعين وإمتاعه لعواطفهم، وإقناعه لعقولهم يكون نجاحه في تحقيق غرضه. بقي أن تعرف أن بلاغة الكلام لا بد فيها من فصاحة كلماته، وفصاحته على وجه العموم، وذلك بأن تسلم كلماته من العيوب المخلة بفصاحته، وهي: تنافر الحروف، ومخالفة القياس اللغوي والغرابة، كما لا بد أن يسلم الكلام أيضًا في مجموعه من تنافر الكلمات، وضعف التأليف، والتعقيد اللفظي والمعنوي، وبذلك يكون الكلام بليغًا لمطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته؛ أي باشتماله على الأمرين معًا، وبذلك يخرج كل كلام غير فصيح من البلاغة، وإن طابق مقتضى الحال، وكل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال. ومعنى هذا أن الفصاحة شرط في البلاغة، فالفصاحة أعم، والبلاغة أخص، ومعلوم أن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم من غير عكس، كما أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فإذا انتفت فصاحة الكلام انتفت بلاغته تبعًا لذلك، فثبت أن كل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا. ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه عبد القاهر في (الدلائل) النظم؛ وهو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام. والمقصود بمعاني النحو الخصوصيات التي هي مقتضى الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر، وغير ذلك. إن النظم أو العلاقات بين الكلمات في التراكيب هي مناط بلاغة الكلام عند عبد القاهر، وهو سر الحسن والروعة في الكلام؛ لأن جمال الصياغة هو محك القدرة ودليل البراعة، وأمارة الحذق والمهارة، وهو الذي يتفاضل فيه الفحول، وتختلف به أقدار الكلام؛

стр. 53

ولذلك اهتم به عبد القاهر، وأوسعه شرحًا وتفصيلًا في (دلائل الإعجاز) لأنه السبيل إلى فهم بلاغة القرآن الكريم، والوقوف على أسرار إعجازه، وخروجه عن طوق البشر. مراتب البلاغة، وأهمية تربية الملكة على التكلم بالكلام البليغ ولو أخذنا في الاعتبار مراتب البلاغة في الكلام لوجدنا أن درجات الكلام البليغ تتفاوت في الحسن، ويعلو بعضه على بعض تبعًا لاستيفاء مقومات البلاغة من مراعاة الأحوال والمقتضيات التي بها يرتقي الكلام ويزداد حسنًا وجمالًا، ويعلو قدره في ميزان البلاغة؛ ولذلك قسم البلاغيون البلاغة إلى ثلاث طبقات: عليا؛ هي بلاغة القرآن الكريم. ووسطى. ودنيا تتفاوت فيها بلاغة البلغاء من البشر. يقول الخطيب القزويني في (الإيضاح): "وللبلاغة طرفان، أعلى إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، ويتمثل في القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه ونظمه ومطابقته لمقتضيات الأحوال المختلفة مع دقة التعبير وقوة التأثير". ثم يقول: "وأسفل منه تبتدئ، وهو ما إذا غُير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، وإن كان صحيح الإعراب، وبين هذين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة في درجاتها، يعلو بعضها على بعض بحسب اختلاف المقامات ومراعاة الخصائص والاعتبارات المناسبة، والبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة". ويتبع البلاغة وجوه كثيرة تورث الكلام حسنًا وقبولًا، وتكسوه بهاء ونضارة، وهي المحسنات اللفظية والمعنوية، والتي أطلقوا عليها اسم البديع.

стр. 54

بلاغة المتكلم: ذلك أن المتكلم البليغ هو الذي يستطيع التعبير عن معانيه بعبارات صحيحة ملائمة للموضوع الذي تقال فيه ومطابقة لأحوال المخاطبين، وقد عرفها البلاغيون بقولهم: هي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ. والملكة: كيفية راسخة في النفس، يستطيع بها المتكلم أن يعبر عن مراده تعبيرًا بليغًا في أي معنى من المعاني: كالمدح والفخر، والهجاء والغزل والرثاء، وغير ذلك من الأغراض والمقاصد، فهو بليغ، وإن لم ينطق بالفعل؛ لأن لديه القدرة على صوغ الكلام البليغ. وهذه الملكة تتكون بالمران، وتنمية الموهبة الفطرية في إدراك الفروق بين الأساليب المختلفة، ولا بد من الاطلاع على روائع التراث الأدبي، والتأمل في عيون الشعر العربي للوقوف على مظاهر الحسن فيها، والتعرف على الأسباب التي من أجلها نالت هذه المنزلة وسمت إلى تلك المكانة، وعندئذ يصبح المتكلم من الخاصة العارفين بأساليب الكلام العربي ووجوه اعتباراته. ولقد عرض الخطيب وشراح تلخيصه لمسألة: كيفية تربية الملكة لدى الناشئ. فذكر ضمن ما يجب أن يكون على ذُكر من طالب هذا العلم قول السكاكي: "ليس من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق". وهذا الكلام لم يعجب بعض المحققين؛ إذ يرى هذا البعض أنه خيرًا من هذا ألا يقلد الناشئ إلى أن يتربى له الذوق، فيذوق بنفسه؛ لأن التقليد مذموم في كل علم. والحق أن هذا ما أشار

стр. 55

إليه الشيخ عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) حيث ذكر ما مفاده: أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة وممن تحدثه نفسه بأنّ لما تومئ إليه من الحسن أصلًا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وإذا أعجبته تعجب، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه. فأما من كان الحالان عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة وإلا إعرابًا ظاهرًا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفه من سالمه في أنك لا تتصدى لتعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف. يقول: "واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة أيضًا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء ما لم تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعًا من النفس وحظًّا من القبول، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول، واعلم أنه ليس إذا لم يكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله شاهدًا في غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتعودها الكسل والهوينى. قال الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئًا، فلو أن علماء كل عصر مذ حرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلًّا". كذا ذكره الخطيب القزويني بالتفصيل في كتابه (الإيضاح).

стр. 56

وخلاصة القول أنه يجب أن يكون المتكلم عارفًا بقواعد البلاغة التي تورث الكلام حسنًا وبهاء، وإلا جاز حمل الكلام الصادر منه على غير جهات الحسن، كأن يحمل كلامه المؤكد مثلًا على غير نفي الشك ورد الإنكار؛ لأنه لم يقصد إلى شيء من ذلك، فلا قيمة لكلامه في ميزان البلاغة. ولقد ظهر مما سبق أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى أمرين؛ أحدهما: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وذلك إنما يتحقق بمراعاة مقتضى الحال. وثانيهما: تمييز الفصيح من غيره على مستوى الكلمة المفردة والتركيب كله، وذلك بمعرفة الأمور المخلة بالفصاحة: من التنافر والغرابة، ومخالفة الوضع اللغوي، وضعف التأليف والتعقيد، والبعد عن هذه العيوب حتى تتحقق الفصاحة التي هي شرط في البلاغة. وتمييز الفصيح من غيره منه ما ترجع معرفته إلى علم متن اللغة، كالغرابة، أو إلى علم الصرف والوضع اللغوي كمخالفة القياس، أو إلى علم النحو كضعف التأليف والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق السليم والحس الصادق، وهو التنافر، فلم يبق إلا التعقيد المعنوي الذي يحترز عنه بعلم البيان. أما الخطأ في تأدية المعنى المراد، فالاحتراز عنه يكون بعلم المعاني، وأما تحسين الكلام وتزيينه بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال والفصاحة، فهذا هو موضوع علم البديع. وبذلك انقسمت البلاغة عند المتأخرين إلى هذه العلوم الثلاثة: علم المعاني، وهو ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وعلم البيان، وهو ما يحترز به عن التعقيد المعنوي، وعلم البديع، وهو ما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال والفصاحة.

стр. 57

المراد بعلم المعاني، وما يعنى به وعادة ما يبدأ البلاغيون الحديث عن البلاغة بعلم المعاني، فما المراد به إذن؟ علم المعاني: هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال، واللفظ هنا يشمل: المفرد والمركب، والمراد بأحوال اللفظ هنا ما يشمل أحوال الجملة وأحوال أجزائها، فأحوال الجملة: كالفصل والوصل والقصر والإيجاز والإطناب والمساواة، وأحوال أجزائها كأحوال المسند إليه، والمسند ومتعلقات الفعل، وهي الأمور التي تعرض لها من التقديم والتأخير والحذف والذكر والتعريف والتنكير والإظهار والإضمار وغير ذلك من الخصائص والاعتبارات التي يقتضيها الحال، ويدعو إليها المقام؛ لتتحقق مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وقد حصر البلاغيون مباحث علم المعاني في ثمانية أبواب هي: ١ - أحوال الإسناد الخبري. ٢ - أحوال المسند إليه. ٣ - أحوال المسند. ٤ - أحوال متعلقات الفعل. ٥ - القصر. ٦ - الإنشاء. ٧ - الفصل والوصل. ٨ - الإيجاز والإطناب والمساواة.

стр. 58

وجه انحصار علم المعاني في هذه المباحث الثمانية أن الكلام قسمان: خبر وإنشاء، ذلك أن الكلام إما أن يكون له واقع خارجي تطابقه أو لا تطابقه، أو لا، فالخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ لأن له نسبة خارجية في الواقع إن طابقت كلام المتكلم كان الخبر صادقًا، وإن لم تطابقه كان الخبر كاذبًا مثل قولك مثلًا: سافر محمد. والعلم النافع. والأرض تدور حول الشمس. أما الإنشاء فهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ إذ ليست له نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه، كالأمر في قولك مثلًا: اكتب الدرس. فالأمر بالكتابة ليست له حقيقة ثابتة في الخارج؛ أي الواقع؛ لأنه يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب، فلا يحتمل أن يقال لقائله: صدقت أو كذبت، ومثله بقية أنواع الطلب: كالنهي والاستفهام والتمني والنداء. والخبر لا بد له من: إسناد ومسند إليه ومسند، والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو في معنى الفعل، كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر ونحو ذلك. فأحوال هذه الأربعة هي الأبواب الأربعة الأولى في علم المعاني. ثم إن الإسناد قد يكون بقصر أو بغير قصر، فهذا هو الباب الخامس في القصر، والإنشاء هو الباب السادس، ثم الجملة إذا قورنت بأخرى فالثانية إما أن تكون معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع في الفصل والوصل، ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن كثيرًا من أحوال اللفظ العربي يُبحث عنها في علم النحو، كالذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير، فما الفرق إذن بين تناول النحاة لمثل هذا، وتناول البلاغيين؟ هناك فرق بين طبيعة البحث بالطبع

стр. 59

في علم المعاني، وطبيعة البحث في علم النحو. فالبحث النحوي بحث تحليلي، يسعى للكشف عن الوظائف، والبحث البلاغي -وخاصة في علم المعاني- بحث تركيبي يسعى إلى إيضاح الدلالات والكشف عن خصوصيات التراكيب، فعلم النحو يبحث هذه الأحوال من حيث الصحة والفساد، أما علم المعاني فيبحث في سر بلاغتها ومطابقتها لمقتضى الحال. وإذا تأملنا في تعريف علم المعاني السابق، فإننا نلاحظ الشبه القوي بينه وبين تعريف البلاغة التي عرفناه آنفًا، فالبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، ومع ذلك انفرد علم واحد من علومها، وهو المعاني بالبحث في هذه المطابقة، فهل تقتصر المطابقة بمقتضى الحال على تلك المباحث الثمانية، التي حصروا فيها علم المعاني؟ أم أنها تتعدى إلى علم البيان والبديع؟ هذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر، والصواب في ذلك أن علوم البلاغة الثلاثة تقوم بصفة أساسية على تحقيق مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وليس علم المعاني وحده، فالمطابقة مطلوبة في كل فن من فنون البلاغة بين اللفظ والمعنى، والتركيب والغرض الذي يصاغ له، ومطابقة ذلك كله لعقول السامعين ونفسياتهم، وبدون هذه المطابقة يفقد الكلام بلاغته وتأثيره في نفوس السامعين. ومثل هذه التراكيب ذات الخصائص المستحسنة لا تصدر إلا عن متكلم بليغ يخاطب إنسانًا ذا فهم سليم وذوق رفيع؛ ولذلك يقول سعد الدين التفتازاني في (المطول): "ومما يتم به أمر البلاغة، ويظهر كون كل من المتكلم والسامع كامل المعرفة بجهات حسن الكلام ولطائف اعتباراته، وعندئذ يحدث الأثر المطلوب للكلام البليغ، فيصل إلى أعماق النفوس، ويقنع العقول، ويمتع العواطف بما يحمل من معان جليلة، وصور ساحرة ذات تأثير خلاب". فلا يكفي أن يكون

стр. 60

المتكلم بليغًا متكلمًا من أساليب الكلام العربي ووجوه اعتباراته، بل يجب كذلك أن يكون المخاطب بهذا الكلام البليغ عارفًا بجهات الحسن وأسرار الجمال في التعبير، وإلا فلا معنى لاستحسانه، ولا عبرة بشأنه؛ لأنه ليس من أهل الذوق والمعرفة بخصائص التراكيب. أحوال الإسناد الخبري وننتقل الآن للحديث عن أول مبحث من مباحث علم المعاني، وهو أحوال الإسناد الخبري؛ إذ من المعلوم أن اللغة تتكون من ألفاظ مفردة، ترمز إلى معانيها التي وضعت لها، فالكلمات: زيد، عمرو، العلم، ناجح، قائم، نافع. لا تفيد سوى معانيها الوضعية، ونحن لا نتكلم كلمات مفردة، وإنما نستخدمها في تكوين الجمل والتراكيب بضم كلمة إلى أخرى، وبناء لفظة على لفظة حتى تفيد فائدة يحسن السكوت عليها. فعندما نقول: زيد ناجح، وعمرو قائم، والعلم نافع، فإن الكلام يفيد فائدة تامة، وكل جملة من هذه الجمل تشتمل على علاقة وارتباط بين طرفيها، وهما: المسند والمسند إليه. فالجملة الأولى مثلًا تفيد نسبة النجاح إلى زيد أو الحكم عليه بالنجاح، والجملة الثانية تفيد نسبة القيام إلى عمرو، والثالثة تفيد نسبة النفع إلى العلم وهكذا. وإذا قلت: بكر غير مجتهد، والدنيا لا تدوم. فأنت هنا تحكم على بكر بنفي الاجتهاد تحكم على الدنيا بعدم الدوام، فمفهوم المسند منفي عن المسند إليه، وهذه النسبة بين الطرفين أو الرابطة بينهما هي ما يسميه البلاغيون الإسناد، وقد عرفوه بقولهم: هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى؛ بحيث يفيد الضم أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه. فمثال ضم كلمة إلى كلمة

стр. 61

لإفادة هذا المعنى قولك: زيد ناجح، ونجح محمد، ونجح زيد. في حال الإثبات. وقولك: بكر غير مجتهد، وما نجح خالد. في حالة النفي. ومثال ضم ما يجري مجرى الكلمة، وهي الجملة التي تقع موقع المفرد، سواء في ذلك المسند أو المسند إليه إلى ما يجري مجرى كلمة أخرى، قولنا مثلًا: ((سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض)) فالتسبيح والتحميد، وإن كان كل منهما قد أفاد معنى يحسن السكوت عليه إلا أنها في حكم الكلمة لوقوعها موقع المفرد، وقد يكون المسند إليه كلمة، والمسند جملة جارية مجرى المفرد، مثل: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) وقد يحدث العكس مثل: لا إله إلا الله كلمة التوحيد، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٤). ونكرر على إثر ذلك أن المسند إليه هو المحكوم عليه، وهو يمثل المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية، والمسند هو المحكوم به على المسند إليه، ويمثل الخبر في الجملة الاسمية أو الفعل في الجملة الفعلية. والبحث في باب الإسناد الخبري يتناول ثلاث مسائل: أغراض الخبر، وأضربه، وأحواله من حيث الحقيقة والمجاز. والمراد بأحوال الإسناد الخبري الأمور التي تعرض له مثل التأكيد وعدمه، وكونه حقيقة أو مجازًا، وهذه الأمور يمكن أن تجري في الإنشاء أيضًا، ولكن لما كانت تجري في الخبر أكثر من الإنشاء، وكان الخبر هو المقصود الأعظم عند البلاغيين والأدباء قُيد الإسناد به فقيل: أحوال الإسناد الخبري. وأما البدء بأبحاث الخبر، فقد عللوه بأن الخبر أعظم شأنًا وأعم فائدة؛ لأنه هو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وفيه تقع الصياغات العجيبة، وبه تقع المزايا التي بها التفاضل، ولكونه أصلًا في الكلام؛ لأن الإنشاء إنما يحصل منه باشتقاق،

стр. 62

كالأمر والنهي أو بنقل كعسى ونعم وبعت واشتريت، أو بزيادة أداة كالاستفهام والتمني ونحو ذلك. كذا ذكره السعد في (المطول). والكلام الآن عن أغراض الخبر، ونقول: إن المخبِر عادة وغالبًا ما يقصد بخبره أحد أمرين: الأول: فائدة الخبر؛ أي إفادته الحكم الذي يتضمنه الخبر، كقولك: زيد ناجح لمن لا يعلم بنجاحه، وهذه الفائدة هي المقصد الأول من مقاصد الإسناد الخبري. الثاني: لازم الفائدة؛ أي إفادة المخاطب كون المتكلم عالمًا بالحكم، نحو قولك لمن حفظ القرآن: أنت حفظت القرآن، وإنما سمي لازم الفائدة؛ لأنه يلزم من إفادة المخاطب الحكم إفادته أن المتكلم عالم به، وهذا هو المقصد الثاني من مقاصد الإسناد الخبري. والفرق بين الحالتين أن المخاطب في الحالة الأولى يكون جاهلًا بمضمون الخبر، ويريد المتكلم أن يعلمه به، وفي الثانية يكون عالمًا بمضمون الخبر إلا أنه لا يعلم أن المتكلم عالم به، فالسامع في هذه الحالة لم يستفد علمًا بالخبر نفسه، وإنما استفاد أن المتكلم عالم به. ويتضح هذا المعنى جليّا عندما يسأل الأستاذ طلابه سؤالًا، فينبري أحدهم للإجابة عليه، فكلام الطالب هنا الغرض منه إفادة الأستاذ أن الطالب عالم بالإجابة على هذا السؤال، وليس الغرض إفادة الأستاذ بمضمون الإجابة؛ لامتناع تحصيل الحاصل، ويسمى هذا لازم الفائدة. وهذان الغرضان هما الأصل فيما يراد بالخبر، وهناك أغراض بلاغية أخرى يأتي لها الخبر، ويفهمها المخاطب من سياق الكلام وقرائن الأحوال، وهي عديدة ومتنوعة؛ لأنها تترجم عن

стр. 63

مشاعر المتكلمين وأحوالهم ونبضات قلوبهم، وغير ذلك من الانفعالات البشرية والآمال والآلام، التي لا تقف عند حد. ومنها: إظهار التحسر، كما في قول الله تعالى حكاية عن امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (آل عمران: ٣٦) فليس غرضها من هذا الخبر إعلام الله بمضمون هذا الخبر، ولا إعلامه تعالى بلازم الفائدة، وهو أنها تعلم بمضمون الخبر، وهو أنها وضعت أنثى، فالله تعالى أعلم بأن الوالدة أعلم من غيرها بما وضعت، وعليه فالغرض من هذا الخبر إظهار التحسر على خيبة رجائها، وعكس تقديرها، والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا يحقق رغبتها في خدمة بيت المقدس؛ حيث كانت خدمته خاصة بالذكور دون الإناث؛ ولذلك تحسرت على فوات هذا الغرض، وتستطيع أن تدرك هذا الغرض بسهولة ويسر في قول الشاعر مثلًا: ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام فالشاعر هنا يتحسر على أيام صباه وزهرة عمره التي ولت وأدبرت، وأسلمته إلى الشيخوخة، وهي تؤذن بدنو أجله وانقضاء حياته، فنغمة الحزن واضحة هنا في كلام الشاعر. ومن هذه الأغراض: إظهار الضعف والخشوع كقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) فليس قصده ﵇ إفادة الحكم أو لازمه، فالله عالم بهما، وعلمه محيط بكل صغيرة وكبيرة في الكون بأسره، وإنما الغرض من الخبر هنا إظهار الضعف بين يدي الله . ومن هذا القبيل قول الشاعر: إن الثمانين وبُلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

стр. 64

وقول آخر: إلهي عبدك العاصي أتاك ... مقرًّا بالذنوب وقد دعاك فالشاعر في البيت الأخير في موقف ضراعة وخضوع؛ ولذلك فهو يعترف بذنبه وتقصيره، لعل الله يغفر له ذنوبه. من هذه الأغراض الثانوية: الاسترحام، والاستعطاف، كقوله تعالى في شأن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: ٢٤) فسيدنا موسى ﵇ لا يقصد إلى أن يرجو الرحمة والعطف من ربه . ومن هذا القبيل أيضا قول أبي نواس: تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما من هذه الأغراض أيضًا: الفخر، وذلك كقول أبي العلاء المعري: وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل فليس الغرض إفادة المخاطب الحكم أو لازمه، وإنما الغرض الفخر والاعتداد بالنفس. وكقول عمرو بن كلثوم: إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا هو يفخر بقومه وبما لهم من القوة والبأس، ويباهي بعزهم ومنعتهم، كما يفهم من المقام. من ذلك أيضًا: الحث على شيء واستنهاض الهمم له، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ

стр. 65

وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (النساء: ٩٥) وذلك تذكيرًا بما بينهما من التفاوت العظيم؛ ليتأنف القاعد بلا عذر، ويرتفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فينضم إلى صفوف المجاهدين، ويحظى بشرف الجهاد وعظيم الثواب. وكقولك أنت: لا يستوي العالم والجاهل؛ لأن فيه تحريكًا لحمية الجاهل وحثًّا له على تحصيل العلم ليلحق بركب العلماء، ويحظى بشرف الانتساب إليهم، والارتقاء إلى منزلتهم، ولا غرو فهم ورثة الأنبياء. من هذه الأغراض أيضًا التبعية: إظهار الفرح والسرور، وذلك كقولك لمن يعلم بنجاحك هذا العام: نجحت في الامتحان والحمد لله. ومنه كذلك: المدح، كقول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ومن ذلك أيضًا: الذم، كقول جرير يهجو الفرزدق: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع من ذلك أيضًا: التوبيخ والتقريع، كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (الأعراف: ١٢٣) يقول الزمخشري: "آمنتم به على الإخبار؛ أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخًا لهم وتقريعًا، وإنما أفاد الخبر التقريع والتوبيخ؛ لأنه حين أخبر به من هو عالم بفائدته تولد منه بحسب القرائن والأحوال ما ناسب المقام، والمناسب للمقام هنا هو التوبيخ والتقريع".

стр. 66

من ذلك أيضًا: النصح والإرشاد، كقول زهير: ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم وكقول الآخر ناصحًا بالابتعاد عن الهموم ومحذرًا من آثارها الضارة: والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم من ذلك أيضًا: البشارة بالثواب لأهل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ١١٥). ومنه كذلك: التعجب، كما في قوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨) فهذا تعجب منهم. ومن قولهم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: ١٣٨) وذلك بعد أن رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، وقد استفيد التعجب من المقام؛ لأن من شاهد مثل تلك الآيات العظام إذا صدر عنه مثل هذا الكلام دل ذلك على قصور فهمه وعقله وسوء تقديره وفساد تدبيره. وأسرار الخبر وأغراضه كثيرة ومتنوعة، ومن يستعرض الأساليب الرفيعة في القرآن والسنة وفي الأدب العربي شعرًا ونثرًا؛ فسوف يقف على كثير من هذه الأغراض، وهي لا تجري على قاعدة ثابتة، وإنما تفهم من سياق الكلام، وقرائن الأحوال، لكن هنا سؤال يفرض نفسه: ما وجه دلالة الخبر على أغراضه؟ يرى بعض البلاغيين أن الخبر يدل على الغرض الأول، وهو فائدة الخبر دلالة حقيقية؛ لأن الفائدة تفهم من ذات الخبر بلا وسائط.

стр. 67

أما بقية الأغراض فيدل عليها الخبر دلالة تبعية، فهي من مستتبعات التراكيب؛ أي أنها تفهم من الخبر بمعونة سياق الكلام وقرائن الأحوال، ولا توصف بأنها حقيقة، ولا مجاز، ولا كناية. وقيل: إن الغرضين الأولين -فائدة الخبر ولازم الفائدة- يدل الخبر عليهما دلالة حقيقية؛ حيث يفهمان من نفس الجملة والتركيب، أما بقية الأغراض كإظهار التحسر والضعف والفخر فيدل عليها الخبر بطريق الكناية. وقيل: إنه يدل على هذه الأغراض الثانوية بطريق المجاز المرسل الذي علاقته اللزوم. والرأي الأول هو الأقرب إلى الصواب، فهي من مستتبعات التراكيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 68

الدرس: ٤ تابع: أحوال الإسناد الخبري .

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (تابع: أحوال الإسناد الخبري) أضرب الخبر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، كما نعوذ به من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمع أضرب الخبر؛ ولعل أول إشارة إلى أضرب الخبر فيما بلغنا كانت على يد أبي العباس المبرد صاحب (الكامل) وقد سأله الكندي الفيلسوف: "إني أجد في كلام العرب حشوًا، يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم، والمعنى واحد. فقال المبرد: لا، بل المعاني مختلفة، فعبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم، جواب عن إنكار منكِر". وهذه القصة -كما هو ملاحظ- هي الأصل في حديث البلاغيين عن أضرب الخبر، فقد قسم البلاغيون الخبر بحسب حال المخاطب إلى ثلاثة أضرب؛ الأول: الابتدائي، وذلك إذا كان المخاطب خالي الذهن من الحكم الذي يتضمنه الخبر، فيلقى إليه الكلام مجردًا من التأكيد باستغنائه عنه كقولك: أفلح المجتهد، وخاب الكسول؛ لأن الكلام يتمكن بسهولة إذا صادف ذهنًا خاليًا على حد قول القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا والثاني: الطلبي إذا كان المخاطب مترددًا في الحكم طالبًا له، فيؤكد بمؤكد واحد استحسانًا؛ ليزيل تردده، ويبين له الحقيقة، فيتمكن الخبر في نفسه كقولك لمن يشك في نجاح زيد: إن زيدًا ناجح، وكقولهم: إن البلاء موكل بالمنطق. ومن هذا النوع قوله تعالى في شأن ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (الكهف: ٨٤) وذلك بعد السؤال عنه في الآية السابقة، فالمخاطب

стр. 70

طالب للحكم، مستشرف لمعرفته، ولذلك جاء الخبر مؤكدًا؛ ليزيل تردده ويضع يده على الحقيقة. والثالث: إنكاري وذلك إذا كان المخاطب منكِرًا للحكم الذي يتضمنه الخبر معتقدًا غيره، فيجب أن يؤكد له الخبر بحسب إنكاره قوة وضعفًا، فكلما زاد إنكاره زِيد له في التوكيد، وعلى سبيل المثال إذا كان المخاطب ينكر صدقك، فإنك تقول له: إني صادق. فإذا بالغ في الإنكار وأصر عليه تقول: إني لصادق. ومنه -هو خير ما يمثل به في هذا الباب- قول الله تعالى في شأن رسل عيسى ﵇: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (يس: ١٣ - ١٦). ولعلك ترى خطاب الرسل لأصحاب القرية قد جاء هنا مؤكدًا في المرة الأولى بإن واسمية الجملة ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ولما اشتد تكذيب آل القرية لهؤلاء الرسل جاء الرد في المرة الثانية مؤكدًا بإن واللام واسمية الجملة والقسم ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (يس: ١٦). وتأمل قول الله تعالى في الرد على منكري البعث: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧) فهم ينكرون البعث، كما يحكي القرآن عنهم في أكثر من موضع، ولذا جاء الرد عليهم مؤكدًا: بالقسم، وربي، واللام، ونون التوكيد الثقيلة في جواب القسم "لتبعثن" لأن المقام يقتضي ذلك، فالبعث أمر فطري يستوجب العمل لما بعده والإيمان به،

стр. 71

وهو أصل من أصول الدين التي يجب على الخلق معرفتها والإيمان بها، والله يقسم عليه ويقرره أبلغ تقرير حتى يتمكن في النفس فضل تمكن، ولا يخفى ما في التعبير بالفعل ﴿زَعَمَ﴾ من كشف الزيف، وبيان التهافت في منطق الكافرين، فالزعم مطية الكذب إذ لا أساس له، ولا دليل عليه، فهو وهم باطل، وضلال مبين، والهوى يعمي ويصم. ووجه تسمية هذه الثلاثة بأسمائها أن الأول: سمي ابتدائيًّا لأنك تبتدئ به المعنى في النفس، والمخاطب غير متردد، ولا منكر. والثاني: سمي طلبيًّا؛ لأنك تواجه به ترددًا، فهو مسبوق بطلب كأن النفس طالبة للخبر ليزيل هذا الشك ويدفع الشبهة، ويمحو التردد. والثالث: سمي إنكاريًّا لسبقه بالإنكار من المخاطب، ويجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض يشخص حالته، ويعطيه ما يناسبها، فحق الكلام أن يكون بقدر الحاجة لا زائدًا عنه، ولا ناقصًا منه، فلا يؤكد لخالي الذهن، ويؤكد بمؤكد واحد استحسانًا للمتردد، ويؤكد بمؤكد أو بأكثر وجوبًا للمنكر حسب درجة إنكاره، وبذلك تتحقق مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فكل مقام من هذه المقامات يستدعي تركيبًا خاصًّا يفيد ما يناسبه من الخصوصيات. ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه الثلاثة إخراجًا على مقتضى الظاهر؛ أي ما يقتضيه ظاهر الحال، وكثيرًا ما يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لدواعٍ تستدعي ذلك ولأسرار تقتضيه، وهو باب من البلاغة يدق مسلكه، ويلطف موقعه، ويعظم أثره في النفس، فيتمكن منها فضل تمكن شريطة أن يكون المتكلم بليغًا خبيرًا بأسرار الجمال في هذه الأساليب. وأن يكون المخاطب ذا

стр. 72

فهم سليم وذوق رفيع وبصيرة نافذة حتى يكون لكلامه أثره المنشود في التأثير وإصابة الغرض، وإلا فلا قيمة للكلام، ولا وزن له من وجهة النظر البلاغية، وبيان ذلك أن المتكلم قد يفترض في مخاطبه حالًا ليس لها ثبوت في الواقع أو وجود حقيقي عنده، ويجيء بكلامه مطابقًا لتلك الحال المفترضة؛ وذلك لأسرار بلاغية تستدعي هذا الأسلوب، ويسمى ذلك الصنيع: إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، ومن صوره ما يلي: ١ - تنزيل العالِم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما؛ أي الخالي الذهن، وذلك لعدم عمله بما يقتضيه علمه من العمل به والانتفاع بتوجيهاته في حياته العملية، كقولك مثلًا لتارك الصلاة مع علمه بوجوبها: الصلاة واجبة؛ توبيخًا له على عدم عمله بمقتضى علمه، فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل. ومنه قولك للمتعلم حين يعق والديه: عقوق الوالدين من الكبائر. وقول الفرزدق يخاطب هشام بن عبد الملك حين تجاهل معرفة زين العابدين علي بن الحسين ﵄: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا فهشام بن عبد الملك يعرف أن هذا الذي التف الناس حوله هو علي بن الحسين، ولكنه تجاهله لغرض في نفسه، فخاطبه الفرزدق بهذه الأبيات منزلًا إياه منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، ولا يخلو هذا الأسلوب من توبيخ وتأنيب للمخاطب وتعريض به. ومن تنزيل العالم بلازم الفائدة منزلة الجاهل

стр. 73

قولك لمن يؤذيك، وهو يعلم أنك مسلم: الله ربنا، ومحمد نبينا. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الخبر لا يختلف في التأكيد وعدمه في مخاطبة الجاهل بفائدة الخبر ولازمها، ومخاطبة العالم بهما المنزل منزلة الجاهل، فأنت تقول لخالي الذهن: الصلاة واجبة. بدون توكيد، كما تقولها للعالم الذي نزلته منزلة الجاهل بالحكم بدون توكيد أيضًا. الصورة الثانية: تنزيل خالي الذهن منزلة السائل المتردد، وذلك إذا تقدم في الكلام ما يلوح له بالخبر ويومئ إليه، فيستشرف نفسه لمعرفته، وتتطلع للوقوف عليه، كما يفعل السائل المتردد، وحينئذ يؤكد له الحكم كما يؤكد للسائل المتردد، ومن ذلك قول الله تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود: ٣٧) أي لا تدعني يا نوح في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، فهذا كلام يلوح بالخبر مع ما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ فصار المقام مقام تردد، هل صاروا محكومًا يا رب عليهم بالإغراق؟ فقيل له: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالتأكيد للرد على السؤال الافتراضي، وهذا النوع كثير في القرآن الكريم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٣) وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ يشير إلى أن الخبر من قبيل الاتهام للنفس وأنها أمارة بالسوء ولذلك جاء الخبر مؤكدًا؛ لأنه بمثابة جواب عن سؤال اقتضته الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وهو سؤال عن السبب الخاص لا عن مطلق السبب.

стр. 74

ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) فالأمر بالصلاة هنا يومئ إلى الخبر، وأنه من جنس النفع والخير، فصار المقام مقام تردد، وسؤال عن السبب وراء هذا الأمر، وهل في الصلاة عليهم خير لهم؟ فقيل: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ هكذا بالتأكيد لدفع هذا التردد المفترض في المخاطبين. ويكثر مجيء الخبر مؤكدًا في كتاب الله تعالى بعد الأوامر والنواهي، كما رأيت في الآيات السابقة، وكما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١) فبعد الأمر بتقوى الله تعالى تهيأت النفس وتطلعت لمعرفة السبب الخاص لهذا الأمر، وكأنها توقعت أن يكون الخبر من جنس العقاب، فجاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ بيانًا للسبب وراء الأمر بالتقوى. واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢) وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧). فلعلك تلاحظ أن الخالي الذهن لم ينزل منزلة مطلق سائل، بل نزل منزلة سائل عن السبب الخاص الذي يلوح إليه الكلام السابق، وذلك يكون غالبًا بعد الأوامر والنواهي التي تلوح بأسبابها فتستشرف النفس لمعرفتها استشراف الطالب المتردد، ولذلك يحصل تأكيد الخبر وفاء بحق هذه الحال الاعتبارية. وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض، ومن المشهور في هذا الباب ما روي عن الأصمعي أنه قال: "كان أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر يأتيان بشارًا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟

стр. 75

فيخبرهما، وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان. فأتياه يومًا فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما. قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما: بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح" "بكرا فالنجاح" كان أحسن. قال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية. فقلت: إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة في شيء. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه. فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء، وهم من فحولة هذا الفن إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ ". كذا ذكر الخطيب في (الإيضاح). ولا يخفى عليك أن الهجير هنا هو الوقت من زوال الشمس إلى العصر أو شدة الحر، وأن الشاهد في البيت أن الشطر الأول يلوح بالثاني، ولذلك جاء بالثاني مؤكدًا بإن، وأن التوكيد بإن قد رفع من شأن الكلام، وأضفى عليه روعة وجمالًا، فقد ارتبط الشطر الثاني بالشطر الأول ارتباطًا قويًّا وتلاءم معه حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغًا واحدًا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر، كذا في (الدلائل). أما قوله: "بكرا فالنجاح" فليس فيه سوى تأكيد الأمر بالتبكير عن طريق التكرار، وهذا أمر واضح لا دقة فيه، ولا خفاء، فهو إلى كلام المولدين أقرب
следующие страницы →