← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهو أصل من أصول الدين التي يجب على الخلق معرفتها والإيمان بها، والله يقسم عليه ويقرره أبلغ تقرير حتى يتمكن في النفس فضل تمكن، ولا يخفى ما في التعبير بالفعل ﴿زَعَمَ﴾ من كشف الزيف، وبيان التهافت في منطق الكافرين، فالزعم مطية الكذب إذ لا أساس له، ولا دليل عليه، فهو وهم باطل، وضلال مبين، والهوى يعمي ويصم. ووجه تسمية هذه الثلاثة بأسمائها أن الأول: سمي ابتدائيًّا لأنك تبتدئ به المعنى في النفس، والمخاطب غير متردد، ولا منكر. والثاني: سمي طلبيًّا؛ لأنك تواجه به ترددًا، فهو مسبوق بطلب كأن النفس طالبة للخبر ليزيل هذا الشك ويدفع الشبهة، ويمحو التردد. والثالث: سمي إنكاريًّا لسبقه بالإنكار من المخاطب، ويجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض يشخص حالته، ويعطيه ما يناسبها، فحق الكلام أن يكون بقدر الحاجة لا زائدًا عنه، ولا ناقصًا منه، فلا يؤكد لخالي الذهن، ويؤكد بمؤكد واحد استحسانًا للمتردد، ويؤكد بمؤكد أو بأكثر وجوبًا للمنكر حسب درجة إنكاره، وبذلك تتحقق مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فكل مقام من هذه المقامات يستدعي تركيبًا خاصًّا يفيد ما يناسبه من الخصوصيات. ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه الثلاثة إخراجًا على مقتضى الظاهر؛ أي ما يقتضيه ظاهر الحال، وكثيرًا ما يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لدواعٍ تستدعي ذلك ولأسرار تقتضيه، وهو باب من البلاغة يدق مسلكه، ويلطف موقعه، ويعظم أثره في النفس، فيتمكن منها فضل تمكن شريطة أن يكون المتكلم بليغًا خبيرًا بأسرار الجمال في هذه الأساليب. وأن يكون المخاطب ذا

стр. 72

فهم سليم وذوق رفيع وبصيرة نافذة حتى يكون لكلامه أثره المنشود في التأثير وإصابة الغرض، وإلا فلا قيمة للكلام، ولا وزن له من وجهة النظر البلاغية، وبيان ذلك أن المتكلم قد يفترض في مخاطبه حالًا ليس لها ثبوت في الواقع أو وجود حقيقي عنده، ويجيء بكلامه مطابقًا لتلك الحال المفترضة؛ وذلك لأسرار بلاغية تستدعي هذا الأسلوب، ويسمى ذلك الصنيع: إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، ومن صوره ما يلي: ١ - تنزيل العالِم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما؛ أي الخالي الذهن، وذلك لعدم عمله بما يقتضيه علمه من العمل به والانتفاع بتوجيهاته في حياته العملية، كقولك مثلًا لتارك الصلاة مع علمه بوجوبها: الصلاة واجبة؛ توبيخًا له على عدم عمله بمقتضى علمه، فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل. ومنه قولك للمتعلم حين يعق والديه: عقوق الوالدين من الكبائر. وقول الفرزدق يخاطب هشام بن عبد الملك حين تجاهل معرفة زين العابدين علي بن الحسين ﵄: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا فهشام بن عبد الملك يعرف أن هذا الذي التف الناس حوله هو علي بن الحسين، ولكنه تجاهله لغرض في نفسه، فخاطبه الفرزدق بهذه الأبيات منزلًا إياه منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، ولا يخلو هذا الأسلوب من توبيخ وتأنيب للمخاطب وتعريض به. ومن تنزيل العالم بلازم الفائدة منزلة الجاهل

стр. 73

قولك لمن يؤذيك، وهو يعلم أنك مسلم: الله ربنا، ومحمد نبينا. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الخبر لا يختلف في التأكيد وعدمه في مخاطبة الجاهل بفائدة الخبر ولازمها، ومخاطبة العالم بهما المنزل منزلة الجاهل، فأنت تقول لخالي الذهن: الصلاة واجبة. بدون توكيد، كما تقولها للعالم الذي نزلته منزلة الجاهل بالحكم بدون توكيد أيضًا. الصورة الثانية: تنزيل خالي الذهن منزلة السائل المتردد، وذلك إذا تقدم في الكلام ما يلوح له بالخبر ويومئ إليه، فيستشرف نفسه لمعرفته، وتتطلع للوقوف عليه، كما يفعل السائل المتردد، وحينئذ يؤكد له الحكم كما يؤكد للسائل المتردد، ومن ذلك قول الله تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود: ٣٧) أي لا تدعني يا نوح في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، فهذا كلام يلوح بالخبر مع ما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ فصار المقام مقام تردد، هل صاروا محكومًا يا رب عليهم بالإغراق؟ فقيل له: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالتأكيد للرد على السؤال الافتراضي، وهذا النوع كثير في القرآن الكريم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٣) وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ يشير إلى أن الخبر من قبيل الاتهام للنفس وأنها أمارة بالسوء ولذلك جاء الخبر مؤكدًا؛ لأنه بمثابة جواب عن سؤال اقتضته الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وهو سؤال عن السبب الخاص لا عن مطلق السبب.

стр. 74

ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) فالأمر بالصلاة هنا يومئ إلى الخبر، وأنه من جنس النفع والخير، فصار المقام مقام تردد، وسؤال عن السبب وراء هذا الأمر، وهل في الصلاة عليهم خير لهم؟ فقيل: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ هكذا بالتأكيد لدفع هذا التردد المفترض في المخاطبين. ويكثر مجيء الخبر مؤكدًا في كتاب الله تعالى بعد الأوامر والنواهي، كما رأيت في الآيات السابقة، وكما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١) فبعد الأمر بتقوى الله تعالى تهيأت النفس وتطلعت لمعرفة السبب الخاص لهذا الأمر، وكأنها توقعت أن يكون الخبر من جنس العقاب، فجاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ بيانًا للسبب وراء الأمر بالتقوى. واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢) وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧). فلعلك تلاحظ أن الخالي الذهن لم ينزل منزلة مطلق سائل، بل نزل منزلة سائل عن السبب الخاص الذي يلوح إليه الكلام السابق، وذلك يكون غالبًا بعد الأوامر والنواهي التي تلوح بأسبابها فتستشرف النفس لمعرفتها استشراف الطالب المتردد، ولذلك يحصل تأكيد الخبر وفاء بحق هذه الحال الاعتبارية. وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض، ومن المشهور في هذا الباب ما روي عن الأصمعي أنه قال: "كان أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر يأتيان بشارًا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟

стр. 75

فيخبرهما، وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان. فأتياه يومًا فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما. قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما: بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح" "بكرا فالنجاح" كان أحسن. قال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية. فقلت: إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة في شيء. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه. فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء، وهم من فحولة هذا الفن إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ ". كذا ذكر الخطيب في (الإيضاح). ولا يخفى عليك أن الهجير هنا هو الوقت من زوال الشمس إلى العصر أو شدة الحر، وأن الشاهد في البيت أن الشطر الأول يلوح بالثاني، ولذلك جاء بالثاني مؤكدًا بإن، وأن التوكيد بإن قد رفع من شأن الكلام، وأضفى عليه روعة وجمالًا، فقد ارتبط الشطر الثاني بالشطر الأول ارتباطًا قويًّا وتلاءم معه حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغًا واحدًا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر، كذا في (الدلائل). أما قوله: "بكرا فالنجاح" فليس فيه سوى تأكيد الأمر بالتبكير عن طريق التكرار، وهذا أمر واضح لا دقة فيه، ولا خفاء، فهو إلى كلام المولدين أقرب

стр. 76

منه إلى كلام الأعراب البدويين الذين يعرفون طبائع اللغة وطرائق التعبير عن المعاني بالطبع والسليقة. ومنه قول بعض العرب: فغنها، وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء والمعروف أن الإبل تنشط في سيرها بالحداء أي الغناء، فعندما قال الشاعر غنها يشتد سيرها ويزداد نشاطها أصبح السامع مترقبًا للخبر، فتستشرف نفسه لمعرفته، ولذلك ورد الخبر مؤكدًا: "إن غناء الإبل الحداء". ومنه أيضًا قول أبي نواس: عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس فالشطر الأول يلوح بالخبر الذي تضمنه الشطر الثاني، ولذلك تطلعت نفس السامع إلى معرفة السبب وراء هذه النصيحة بالزهد في دنيا الناس، وعدم التعلق بالأمل المرجو منه، فكان الجواب: "إن غنى نفسك في الياس"، مؤكدًا بإن، التي تفيد ربط الجملة الثانية بما قبلها، وتجعل الكلام جيد السبك متلاحم الأجزاء قوي التأثير. الصورة الثالثة من صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: تنزيل غير المنكِر منزلة المنكِر، وذلك إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار، فيؤكد له الخبر، كقول الشاعر: جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح فشقيق لا ينكر قوة بني عمه، وأنهم يملكون آلات القتال وأدوات الحرب من الرماح وغيرها، ولكن مجيئه هكذا مزهوًّا بشجاعته واضعًا رمحه على عرضه من غير تهيؤ للقتال دليل على إعجاب شديد منه، وإمارة أنه يعتقد أن بني عمه عزل لا سلاح معهم، ولذلك نزله الشاعر منزلة المنكر، وخاطبه خطاب التفات في

стр. 77

قوله: "إن بني عمك فيهم رماح" فأكد له الكلام ليوقد فيه الشعور بقوة شكيمتهم وقدرتهم على مواجهة الخصم إذا اقتضى الأمر ذلك. فهذا من تنزيل العالم بالحكم منزلة المنكر. ومنه أيضًا قولك للمسلم غير المواظب على أداء الصلاة: إن الصلاة لواجبة. فتؤكد له الكلام مع أنه لا ينكر وجوب الصلاة، ولكن إهماله للصلاة وإصراره على عدم العمل بمقتضى علمه جعله في نظر المتكلم بمنزلة المنكر، فاقتضى حاله تأكيد الخبر، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون: ١٥) والموت على ما هو متعالم لدى البشر حق لا يشك فيه أحد، ولا ينكره مخلوق، ومع ذلك فقد أكد إثبات الموت بتأكيدين: إن، واللام، وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده من الحساب والجزاء، وكأنهم يعتقدون أنهم خالدون في الدنيا لا يموتون أبدًا، فهذه الآية من قبيل تنزيل العالم منزلة المنكر. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (النمل: ٨٠) فالنبي ﷺ يعلم أن مهمته هي التبليغ والإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأنه لا يستطيع أن يحمل الناس قسرًا على الإيمان، فالهدى هدى الله ولكنه كان حريصًا على هدايتهم مجتهدًا في نصحهم واستمالتهم إلى الحق، مشفقًا عليهم من مغبة الضلال، ولذلك نزل منزلة من يعتقد أنه يستطيع إسماع الموتى وإسماع الصم، وينكر عدم مقدرته على ذلك، ولذلك جاء الكلام مؤكدًا. ولعلك تلاحظ أنهم شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس؛ لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله، فلم يتأثروا بها كان سماعهم كلا سماع، كان حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى، وكذلك تشبيههم بالصم الذين ينعق

стр. 78

بهم فلا يسمعون، وخصوصًا بعد إعراضهم وإدبارهم، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على ما أفاده الزمخشري في (الكشاف). فهذا تأكيد لحال الأصم؛ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي عنه مدبرًا كان أبعد عن إدراك صوته، وكأن الحق ﵎ يقول لنبيه ﷺ : رفقًا بنفسك، فهذا الحرص لا يجدي إلا مع الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته. الصورة الرابعة من صور خروج الكلام عن مقتضى الظاهر: تنزيل المنكِر منزلة غير المنكِر، وذلك إذا كان معه من الشواهد والأدلة على صدق الخبر ما إن تأمله ارتدع عن إنكاره، كما يقال لمنكر الإسلام: الإسلام حق. من غير تأكيد لعدم الاعتداد بإنكاره؛ لأنه لو تأمل الأدلة والشواهد المتناهية في الوضوح والشهرة لارتدع عن إنكاره، ورجع عن جحوده ونكرانه، وأسلم لربه عن يقين صادق وعقيدة راسخة، ولكنه لم يفعل، فجعل إنكاره كلا إنكار، ونزل منزلة غير المنكر. ومن هذا النوع قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (البقرة: ١٦٣) والمعروف أن المخاطبين من الكفار ينكرون وحدانية الله فكان مقتضى حالهم أن يؤكد لهم الخبر، ولكنه ورد بلا تأكيد تنزيلًا لهؤلاء المنكرين منزلة غير المنكرين؛ لأن لديهم من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على وحدانية الله ما يردعهم عن إنكارهم، ويزيل جحودهم وضلالهم، وينتهي بهم إلى الحقيقة القاطعة، وهي أن الله واحد لا شريك له في ملكه، ولذلك جاء خطابهم خاليًا من التوكيد بناء على هذا التنزيل. وتأمل قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾

стр. 79

(الشورى: ١٥) تجد أن الخطاب في قوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ للكافرين المنكرين للتوحيد، فظاهر الحال يقتضي تأكيد الكلام دفعًا للإنكار، ولكنه ينزلهم منزلة غير المنكرين لأن أمامهم من الأدلة على وجود الله ووحدانيته في هذا الكون -المحكم البناء والبديع الصنع- ما لو تأملوه وتفكروا في شواهده لاقتنعوا بصدق هذا الخبر، ولذلك جاء الكلام غير مؤكد؛ إشارة إلى أن إنكارهم لا يلتفت إليه فهو كلا إنكار. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: ٦٤) فاليهود ينكرون فضل الله عليهم، وأنه أعطاهم حتى صاروا أكثر أهل الأرض مالًا ويتطاولون بهذه المقالة الشنيعة ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فيصفون يده بالبخل، ومع ذلك جاء الرد عليهم خاليًا من التوكيد: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ لأنهم لو تجردوا من الهوى وأنصفوا في الحكم لأدركوا عظيم فضل الله عليهم، فهو الكريم الذي يجود بالخير على عباده وينفق عليهم وفق ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ولذلك نزل إنكارهم منزلة عدمه. ومنه على سبيل النفي قول الله تعالى في شأن القرآن الكريم: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: ٢) فإن معناه أن القرآن ليس محل شك، وهذا حكم ينكره المخاطبون من الكفار، فكان مقتضى الظاهر التأكيد، ولكن القرآن لم يعبأ بإنكارهم فنزلهم منزلة غير المنكرين؛ لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه، ولذلك جاء الخبر خاليًا من التوكيد تنزيلًا لإنكارهم منزلة عدمه، وفي ذلك من توهين حجة الخصم ما لا يخفى على المتأمل. ولعلك تلاحظ معي أن المنكر قد نزل منزلة خالي الذهن في الأمثلة المذكورة، وقد ينزل المنكر منزلة المتردد، وهذه صورة متفرعة عن صور تنزيل المنكر منزلة غير المنكر؛

стр. 80

لأن غير المنكر يشمل المتردد، كما يشمل خالي الذهن. وخذ مثلًا قول الله تعالى في تنزيل المنكر منزلة المتردد: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: ١٦) فهم ينكرون البعث ويستبعدونه، ومع ذلك فقد أكده تأكيدًا واحدًا، بينما أكد إثبات الموت في الآية السابقة عليها تأكيدين؛ ولعل السبب في ذلك أنه لما كانت أدلة البعث ظاهرة كان جديرًا بألا ينكره أحد، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيهًا لهم على ظهور أدلته وحثًّا على النظر فيه، كذا ذكره الخطيب في (الإيضاح). وهذه هي أهم مواقع الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر، وهي لا تحسن إلا إذا كان المتكلم بليغًا والمخاطب ذا ذوق رفيع وحس مرهف وعقل واع بجمال هذه الأساليب. مراعاة حال المتكلم عرفت أن تقسيم الخبر إلى أضربه الثلاثة: الابتدائي، والطلبي، والإنكاري إنما هو لبيان حاله من حيث التوكيد وعدمه بحسب حال المخاطب من الإنكار وغيره، سواء أكانت هذه الأضرب تحقيقية أم تذييلية، فالمتكلم ينظر إلى حال مخاطبه ويصوغ عبارته على أساس ما يقتضيه حاله من التوكيد وعدمه، ولا يعني هذا بحال أن البلاغيين بذلك قد غفلوا حال المتكلم نفسه وأنهم قصروا البحث في توكيد الخبر ودواعي توكيده على حال المخاطب فقط، فقد يكون الداعي إلى توكيد الخبر هو حال المتكلم نفسه ومدى انفعاله بالحكم الذي يقرره في كلامه، كما يكون حاله أيضًا داعيًا إلى خلو الكلام من التوكيد.

стр. 81

فحال المتكلم مأخوذة في الاعتبار أيضًا، وهو الذي يصوغ الكلام بعد تأثر وانفعال، فتنعكس حالته النفسية ومشاعره المختلفة على الخبر الذي هو صدى لعالمه النفسي وما يجيش به من عواطف، والشاعر عندما يعبر عن تجربته الشعرية، فإن عبارته تأتي ترجمة أمينة لمعاناته النفسية ووصفًا دقيقًا لخلجات وجدانه، فهو تارة يؤكد الكلام وينظمه مقررًا كما أحسه وكما امتلأت به نفسه حرصًا منه على إذاعته وتقريره في النفوس، وتارة يرسل الكلام إرسالًا إذ لا يقتضي المقام تقريرًا وتثبيتًا، وهذا الأمر واضح في الشعر العربي، في استطاعة القارئ المتأمل أن يقف على الكثير من هذه المواضع، فالخنساء حين ترثي صخرًا فتقول: وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه إنار لم تكن معنية بالرد على منكر أو متردد، ولكنها تعبر عن مأساتها الفاجعة في فقد أخيها، والآلام التي تعانيها وتصطلي بنارها، ولذلك نجد أنها صاغت المعنى مؤكدًا كما أحسته، وكما امتلأت به نفسها، ومن هنا جاء كلامها معبرًا أصدق تعبير عن عاطفتها الحزينة، وهذا من الوضوح بمكان، وهو شائع في رثائها لأخيها صخر، تأمل من غير ذلك قول الشاعر: إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامون فالشاعر هنا يفخر بشجاعة قومه وخبرتهم في الحروب، فهو يؤكد الكلام بدوافع نفسية، يجدها في داخله غير ناظر إلى مخاطب، وهذا من مراعاة حال المتكلم في صياغة الكلام، وهو كثير شائع في النظم الكريم، وله في النفس وقع عظيم وأثر بالغ. من ذلك قول الله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (إبراهيم: ٣٧) وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا

стр. 82

إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: ٩) وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (آل عمران: ١٩٣) فالتوكيد في كل هذه الآيات لإظهار غاية التضرع والابتهال إلى الله . وقد يكون الداعي إلى التوكيد رغبة المتكلم في تقوية مضمون الكلام عند المخاطب وتقريره في نفسه، وإن كان غير منكر له، ولا متردد فيه، كقوله تعالى في مخاطبة موسى ﵇: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: ١٢ - ١٤). وقوله في مخاطبة محمد ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (الإنسان: ٢٣) فالمخاطب، وهو النبي ﷺ لا يشك في شيء من ذلك، ولكن التوكيد يهدف إلى زيادة تقرير المعنى في نفسه حتى يبلغ به عين اليقين، وفي ذلك تثبيت لفؤاده حتى ينهض بأعباء الدعوة إلى الله في يقين راسخ، وفي ذلك ما فيه من الإيناس والتلطف في مخاطبة هؤلاء الرسل الذين هم صفوة خلق الله جميعًا. وقد يكون الداعي إلى تأكيد الحكم: إظهار صدق الرغبة فيه، وقصد ترويجه، كقوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) فهم يخاطبون المؤمنين بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ بدون توكيد؛ لأن أنفسهم لا تساعدهم على التأكيد لعدم الباعث والمحرك من العقائد، أو لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على التوكيد والمبالغة، بينما أكدوا في خطاب إخوانهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ بصدق رغبتهم فيهم، وارتياحهم للحكم بالإضافة إلى أنه رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق والتوكيد.

стр. 83

وقد يكون التوكيد للإشارة إلى مجيء الخبر على خلاف ظن المتكلم، فكأن نفس المتكلم تستبعد الخبر وتنكره، فيؤكده لها، يقول عبد القاهر في (الدلائل): "قد تدخل كلمة "إن" للدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان أنه لا يكون، كقولك للشيء هو بمرأى ومسمع من المخاطب: إنه كان من الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم إنه جعل جزائي ما رأيت، فتجعله كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت، وعليه قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (آل عمران: ٣٦) وقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ (الشعراء: ١١٧) ". وقد يأتي التوكيد لتحقيق الوعد أو الوعيد، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: ٣٨) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (الكهف: ١٠٧) ومثال الوعيد قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٨) وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٤٥). والقرآن الكريم كثيرًا ما يشفع الوعد بالوعيد، والبشارة بالنذارة لما لذلك من أثر في تقويم النفوس وسياستها بالترهيب والترغيب، ومقام الوعد ومثله مقام الوعيد من المقامات التي تحتاج إلى توثيق القول وتأكيده؛ ليتقرر في النفوس ويتمكن منها فضل تمكن، فيزداد أنسها به وثقتها فيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤) وقال أيضًا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر: ٤٩، ٥٠) ومثل هذا كثير في القرآن الكريم.

стр. 84

وقد يكون الداعي إلى التوكيد: الدلالة على كمال عناية الله وإكرامه للمخاطب، مثل قوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: ١ - ٣) أو الدلالة على كمال غضبه وسخطه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة: ١٠٢) فالمتكلم هنا هو المولى وهو محيط بشئون خلقه وأقدارهم في الهداية والضلال، فمنهم من يرقى إلى منازل القرب ويحظى بالعناية الربانية، ومنهم من يهوي في قرار سحيق إلى جهنم وبئس المصير. وقد يكون الداعي إلى التوكيد غرابة الخبر في ذاته، فيلجأ المتكلم إلى التوكيد ليزيل من نفس السامع ما قد يعلق بها من وحشة أو استغراب، ويهيئه لقبول الخبر والاطمئنان به، كقوله تعالى يخاطب موسى ﵇ حين أوجس في نفسه خيفة من أفاعيل السحرة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (طه: ٦٨) فموسى ﵇ واثق تمام الثقة في وعد ربه بالإظهار والتأييد، ولا يخالجه في ذلك أدنى شك، ولكنه لما رأى كيد السحرة أحس في نفسه بشيء من الدهشة والخوف، فكان الرد الإلهي ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ مؤكدًا بإن وضمير الفصل واسمية الجملة، وذلك ليزيل من نفسه وحشة الشعور في هذا الموقف العصيب. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (القصص: ٣٠). وقد يكون الداعي إلى التوكيد الرد على غير المخاطب، كقوله تعالى في خطاب نبيه ﷺ ردًّا على المنافقين الذين ادعوا شهادتهم برسالته كذبًا ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: ١) فقد جاء قول المنافقين: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ مؤكدًا لأنهم يشعرون في قرارة أنفسهم أن الرسول لا يثق فيهم، ولا يطئمن إلى كلامهم، ولذلك أكدوا كلامهم إظهارًا لقوة اعتقادهم، وأن هذه الشهادة

стр. 85

صادرة عن صميم قلوبهم. ولما كان كلامهم يخالف عقيدتهم؛ فقد كشف الله زيف هذا الادعاء، وأكد الرسالة تأكيدًا قويًّا بهذا الرد الحاسم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: ١) فالمنافقون كاذبون في ادعاء أن هذا الخبر مطابق لاعتقادهم، والتوكيد هنا في مقام الرد على المنافقين وفضح أساليبهم وتعريتهم أمام المجتمع الإسلامي. وقد يكون الداعي إلى التوكيد أيضًا تهيئة النكرة للابتداء بها، وخاصة مع "إن" فإذا كانت النكرة موصوفة فهي مع إن أحسن موقعًا، كقول الشاعر: إن دهرًا يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان كما يأتي التوكيد اتباعًا للاستعمال الوارد عن العرب، كقول الشاعر: إن محلًّا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلا التجوز في الإسناد ويأتي الحديث بعد عن التجوز في الإسناد عقب حديثنا عن مسألتي أحوال الإسناد الخبري، المتمثلتين في أغراض الخبر، وأضرب الخبر، فنقول: إن الإسناد كما تقدم معناه: بناء الجملة أو تكوين العبارة أو ضم الكلمة إلى الكلمة؛ ليتكون نظمًا معبرًا وكلامًا مفيدًا وتركيبًا جيدًا. وهذا الإسناد لا يجري دائمًا على أسلوب الحقيقة، بل قد يتم عن طريق المجاز؛ بمعنى أن يتجوز المتكلم في بناء جمله أو تكوين عباراته، وقد يتم عن طريق الحقيقة، فمن الأبنية الحقيقية قولك: جاء محمد. ضرب زيد عمرًا. ربح علي في تجارته. حمينا نساءنا. حيث تجد الفعل قد أسند إلى فاعله الحقيقي الذي فعله وقام به. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤) وقوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (آل عمران: ٢٦) تجد أن الأفعال:

стр. 86

"ينزل، يعلم، تؤتي، تنزع، تعز، تذل" قد أسندت إلى فاعلها الحقيقي، وهو الله تعالى. ومن الأبنية المجازية قولك: ربحتِ التجارة. حمت السيوف النساء. سار الطريق. جرى النهر. أذل الحرص أعناق الرجال. تخطفهم الطريق. جمعتهم الطاعة، وفرقتهم المعصية. حيث أسندت الأفعال كما ترى إلى غير فاعلها الحقيقي، فالتجارة لا تفعل الربح، والسيوف لا تفعل الحماية، والطريق لا يسير ولا يتخطف، والنهر لا يجري، والحرص لا يفعل الإذلال، والطاعة لا تفعل الجمع، والمعصية لا تفعل التفريق؛ ولذا كان الإسناد في هذه الأمثلة إسنادًا مجازيًّا. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (القارعة: ٦، ٧) وقوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (البقرة: ١٦) إنك تلاحظ أنه قد أسندت "راضية" اسم فاعل إلى ضمير العيشة، والعيشة تكون مرضية لا راضية، وأسند الربح إلى التجارة، والرابح هو صاحبها، وليست هي، فالإسناد في الآيتين إذن إسناد مجازي. ويدعو بعض الباحثين أن المجاز العقلي من ابتكارات الإمام عبد القاهر الجرجاني، ولكن عندما نرجع إلى أصول البلاغة في التراث العربي لدى الدارسين الأوائل نراهم قد اهتموا بدراسة هذا الأسلوب، وأشاروا إليه كما أشاروا إلى غيره من مسائل البلاغة وفنونها، وإن لم يسموه بهذه التسمية، فقد أشار إليه سيبويه في كتابه عند حديثه عن بيت الخنساء: ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار

стр. 87

إذ يقول: "فجعلها الإقبال والإدبار مجاز على سعة الكلام كقولك: نهارك صائم، وليلك قائم"، وتحدث عنه أيضًا أبو عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) وذكر الآية الكريمة ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (الحاقة: ٢١) قال: "وإنما يرضى بها الذي يعيش فيها". وقال عن الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (النمل: ٨٦) قال: "مجاز ما كان العمل والفعل فيه لغيره أن يبصروا فيه، ألا ترى أن البصر إنما هو في النهار، والنهار لا يبصر، كما أن النوم في الليل، ولا ينام الليل، فإذا نيم فيه قالوا: ليله نائم ونهاره صائم، قال جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم" وينمو الحديث عن أسلوب المجاز العقلي عند الفراء في كتابه (معاني القرآن) إذ أشار إليه في الآيات: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (هود: ٤٣) ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق: ٦) ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (القارعة: ٧) كذلك في قول الشاعر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فالمعنى: لا معصوم اليوم من أمر الله، خلق من ماء مدفوق، في عيشة مرضية، واقعد فإنك أنت المطعوم المكسو. كما تحدث عنه في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (البقرة: ١٦) إذ يقول: ربما قال قائل: كيف تربح التجارة؟ وإنما يربح الرجل التاجر، وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وخسر بيعك. فخص القول بذلك لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه. ومثله في كلام العرب: هذا ليل نائم. ومثله في كلام الله : ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ (محمد: ٢١)، وإنما العزيمة للرجال. فهنا تراه يضيف جديدًا إلى دراسة هذا اللون هو أن يكون المخاطب عالمًا بموضع التجوز عارفًا بالإسناد الحقيقي الذي عدل عنه، وهذا يتم عن طريق السياق وقرائن الأحوال.

стр. 88

وتحدث الجاحظ أيضًا في (الحيوان) عن المجاز العقلي وقال: "وسمع الحسن رجلًا يقول: طلع سهيل، وضرب الليل. فكره ذلك وقال: إن سهيلًا لم يأت بحر ولا ببرد قط. ولهذا الكلام مجاز ومذهب، وقد كرهه الحسن كما ترى وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر. وهذا كلام مجازه قائم، وقد كرهه ابن أنس، كأنهم من خوفهم عليهم العود في شيء من أمر الجاهلية احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى تعلق". انتهى من كلام الجاحظ. فهنا نراه يشير إلى وجود أسلوب المجاز العقلي في اللغة وإلى قضية خلق الأفعال التي شغلت المسلمين في عصره، فالمعتزلة اعتقدوا أن العبد يخلق أفعاله الاختيارية، وأهل السنة يعتقدون أن الأفعال كلها مخلوقة لله. وليس هذا موضع مناقشة تلك الأمور الاعتقادية، ولكن ينبغي أن تعلم أن قولك: قام زيد. ليس مجازًا عقليًّا، بل هو حقيقة وزيد فاعل للقيام بتأثير الله فيه، وفرق بين الخلق بمعنى الإيجاد والتأثير وبين الخلق بمعنى القيام بالفعل بأمر الله. بمعنى أن العرب إنما وضعت قام لفِعل العبد الواقع بخلق الله تعالى فالقيام معنى قائم بزيد ووصف له، وله فيه كسب وتحصيل، وهذا يكفي ليكون الإسناد حقيقيًّا، فالإسناد الحقيقي إذن يدخل فيه ثلاثة أقسام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 89

الدرس: ٥ الحقيقة العقلية والمجاز العقلي .

стр. 90

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (الحقيقة العقلية والمجاز العقلي) تعريف الحقيقة العقلية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا كما نعوذ به من سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ وبعد: فقد توقفنا في درسنا الفائت على أن من أحوال الإسناد الخبري التجوز في الإسناد أو في النسبة وهو ما نسميه بالمجاز العقلي أو المجاز الحكمي وألمحنا إلى أن الإسناد لا يجري على وتيرة واحدة وإنما يتنوع وتتعدد طرقه فمنه ما هو حقيقة ومنه ما هو مجاز؛ لأن المتكلمين لا يلتزمون إسناد الأحداث والأفعال إلى ما هي له دائمًا وإنما يتوسعون ويتجوزون في الإسناد انطلاقًا مع الخيال واستجابة للحس وتأنقًا في أداء المعاني، ونفصل الحديث عن هذا الأمر، فأقول: لما كان إسناد الكلمة إلى الكلمة أمرًا عقليًّا يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة فقد قالوا: حقيقة عقلية ومجاز عقلي؛ لرجوع ذلك إلى تصرف العقل وإرادة المتكلم، ومن الواضح أنه لا دخل للغة في هذا التجوز؛ لأنها لم تحدد للفعل فاعلًَا معينًا بحيث إذا أسند إليه كان الإسناد حقيقة، وإذا أسند إلى غيره كان مجازًا، فالحقيقة والمجاز في الإسناد عقليان لا لُغويان، والمجاز قسيم الحقيقة؛ أي: مقابل لها، فالحديث عن المجاز العقلي يستدعي الحديث عن الحقيقة العقلية. فما المراد إذن بكل منهما؟ عرف الخطيب القزويني الحقيقة العقلية تعريفًا قصر فيه الإسناد على الفعل وما في معناه فقال: الحقيقة العقلية هي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر. هذا موجود في كتاب (الإيضاح) ويحتاج هذا التعريف إلى شرح؛ فما في معنى الفعل كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل، وقوله: إلى ما هو له يعني: أن يسند

стр. 91

الفعل إلى ما حقه أن يسند له كالفاعل في الفعل المبني للمعلوم نحو: ضرب زيد عمرًا، والمفعول به فيما بني للمجهول نحو: ضرب عمرو، فالفعل المبني للفاعل من حقه أن يسند إلى الفاعل كما في المثال الأول، والفعل المبني للمفعول من حقه أن يُسند إلى المفعول الذي هو نائب الفاعل كما في المثال الثاني. وعلى ذلك فالإسناد في قولك: ربح محمد في تجارته، وصام العابد نهاره وقام ليله، وجرى الماء، وقام زيد، وأحسن خالد، هو من قبيل الحقيقة العقلية؛ لأنه إسناد إلى ما هو له، ومعنى: كونه له، أن معنى الفعل قائم به ووصف له، وحقه أن يسند إليه سواء أكان مخلوقًا لله تعالى كما يقول أهل السنة، أم كان لغيره كما يقول المعتزلة، وسواء أكان صادرًا عنه باختيار كضرب أم لا كمرض ومات. ويمكن القول: إن الأفعال من هذه الجهة تنقسم إلى أفعال استأثر الله بها مثل: خلق ورزق وأحيا وأمات، وإلى أفعال لغيره كسب فيها مثل: قام وقعد وأحسن وأساء، وإلى أفعال يراد من إسنادها مجرد الاتصاف بها مثل: صح ومرض ومات وعظم وتنزه. ف الطائفة الأولى إسنادها إلى الله حقيقي ولا يصح إسنادها إلى غيره على سبيل الحقيقة والطائفة الثانية منها ما يصح إسنادها إلى غير الله تعالى إسنادًا حقيقيًّا كأحسن، ومنها ما لا يصح إسنادها إلى الله تعالى مثل: قام وقعد، والطائفة الثالثة منها ما يسند إليه تعالى مثل: عظم وتنزه، ومنها ما يسند إلى غير مثل: صح ومرض ومات؛ فالفاعل في الإسناد الحقيقي يشمل مَن يقع منه الفعل حقيقة، ومَن يقع منه الفعل حكمًا، ومن يتصف به، ف من النوع الأول قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (آل عمران: ٢٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (النجم: ٤٣) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (النجم:٤٤، ٤٥).

стр. 92

فالله هو الخالق لهذه الأفعال على الحقيقة من الإيتاء والنزع والإعزاز والإذلال والإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء. ومن الثاني قولك: قام زيد وقعد خالد، فالفاعل هنا فعل الفعل حكمًا بمعنى أن القيام صدر منه بأمر الله تعالى، وله فيه كسب وتحصيل. ومن الثالث: قولك: مرض زيد، وبرد الماء، وطالت النخلة؛ فالفاعل هنا متصل بالفعل والإسناد في الأنواع الثلاثة حقيقي. قوله: عند المتكلم في الظاهر -في التعريف- قيدٌ في التعريف لإدخال ما يطابق الاعتقاد دون الواقع وما يطابق الواقع دون الاعتقاد، وما لا يطابق شيئًا منهما؛ فالحقيقة العقلية بذلك أربعة أقسام: أحدها: ما يطابق الواقع والاعتقاد معًا ك قول المؤمن: أنبت الله البقلةَ، وشفى الله المريض. وثانيها: ما يطابق الواقع دون الاعتقاد، ك قول المعتزلي لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها عنه: خالق الأفعال كلها هو الله تعالى، فالمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة له، فهذا القول منه يطابق الواقع، لكن يخالف اعتقاد المعتزلة، والمخاطَب يجهل حاله والإسناد إلى ما هو له في الظاهر. ثالثها: ما يطابق الاعتقاد دون الواقع كقول الجاهل: شفى الطبيب المريض، معتقدًا شفاء المريض من الطبيب مع أن الواقع خلاف ذلك؛ فالشفاء من الله تعالى والطبيب سبب له، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن بعض الدهريين: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٢٤)، فالدهري يعتقد أن الدهر هو الذي

стр. 93

يهلك حقيقة وهذا الاعتقاد باطل؛ لأن الدهر ظرف للأحداث ولا تأثير له في صنعها أو توجيهها حتى ينسب إليه شيء من ذلك. رابعها: ما يخالف الواقع والاعتقاد معًا، كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالمًا بحالها دون المخاطب كقوله: سافر محمد وهو لم يسافر، فهو يخالف الواقع والاعتقاد معًا، وإنما كان من قبيل الحقيقة؛ لأن المخاطب لا يعلم بكذبه، وليس من شأن الكاذب أن ينصب قرينة تدل على كذبه حتى يفطن إليه المخاطب، بل يحرص على ترويج كذبه. المجاز العقلي وعلاقاته وننتقل بعد الحديث عن تعريف الحقيقة العقلية للحديث عن قسيمها وهو المجاز العقلي؛ فما هو يا ترى؟ المجاز العقلي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتؤول. كذا في (الإيضاح)، فقوله: إلى ملابس له، يشير إلى أنه لا بد في هذا المجاز من علاقة كسائر المجازات، وهذه العلاقة هي الملابسة والارتباط بين الفعل وفاعله المجازي، أو بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي على رأي آخر. وملابسة الفعل لفاعله المجازي من جهة وقوعه عليه أو فيه أو بسببه وما شابه ذلك؛ أما الفاعل المجازي فهو يلابس الفاعل الحقيقي من حيث تعلق وجود الفعل بكل منهما، والإسناد هنا إلى غير ما هو له؛ أي: إلى غير ما حقه أن يسند إليه، وبذلك تَخرج الحقيقة العقلية؛ وهذا هو أساس الفرق بين الحقيقة العقلية والمجاز العقلي.

стр. 94

أضِف إلى ذلك أن المجاز لا بد له من قرينة صارفة عن إرادة ظاهر الإسناد، وقد أشار إليها بقوله: بتؤول؛ لأن التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، وبدون القرينة يبقى الإسناد على ظاهره فيكون من قبيل الحقيقة؛ ففي قول المؤمن: أنبت الربيع البقل، أسند الإنبات إلى الربيع، وفاعل الإنبات الحقيقي هو الله والربيع زمن للفعل؛ ففي إسناد الإنبات للربيع إسناد إلى غير ما هو له، فهو مجاز عقلي علاقته الزمانية، والقرينة التي تصرف عن إرادة ظاهر الإسناد هي حالُ المتكلم نفسه. وفي قول الملحد: أنبت الربيعُ البقلَ، أسند الفعل إلى الربيع، هو يعتقد أن الربيع هو الفاعل الحقيقي وهو غير متؤول، وعلى ذلك يكون الإسناد على حقيقته؛ فاشتراط التؤول في الإسناد المجازي يُخرج نحو قول الدهريين: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾؛ لأن إسناد الفعل يهلك يوافق اعتقادهم، فلا تأويل فيه فهو حقيقة عقلية عند هؤلاء الملحدين، كما يخرج الأقوال الكاذبة أيضًا إذ لا تؤول فيها؛ أي: لا قرينة؛ لأن الكاذب لا ينصف قرينة صارفة عن إرادة الظاهر من الكلام. وعلى ذلك فالمجاز العقلي لا بد له من علاقة مصححة للإسناد وهي ما تسمى ملابسة، ولا بد له من قرينة صارفة عن إرادة الإسناد الحقيقي شأنُه في ذلك شأن غيره من المجازات، ف العلاقة هي التي تصحح الإسناد، إذ لا يصح أن نسند الفعل إلى فاعل لا تربطه بالفعل صلة ولا تجمعه به علاقة. والقرينة هي التي تدل على مراد المتكلم، وبدونها يصبح الكلام إلغازًا، ويبقى المعنى في بطن الشاعر كما يقولون؛ إذ لا دليل يفصح عن المراد من حقيقة أو مجاز.

стр. 95

علاقات المجاز العقلي: العلاقة يمكن النظر إليها من ناحيتين: الأولى: العلاقة بين الفاعل المجازي والفاعل الحقيقي. الثانية العلاقة بين الفعل وما في معناه والمسند إليه المجازي. والرأي الأول هو المستفاد من كلام عبد القاهر حيث يقول في شأن الملابسة: هي عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم، حين أعطى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه. هذا ذكره في (أسرار البلاغة)، وهو الذي يفهم من كلام الزمخشري حين عرف المجاز العقلي بقوله: أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له. ذكره في (الكشاف). ومعناه: أن يسند الفعل إلى فاعل له علاقة وملابسة بالفاعل الحقيقي كما تلبست التجارة بالمشترين في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (البقرة: ١٦) وأصله: فما ربح المشترون أو التجار في تجارتهم؛ فهناك ملابسة بين الفاعل المجازي التجارة، والفاعل الحقيقي المشترين، أو التجار، هذه الملابسة هي تعلق الفعل بكل منهما، فتعريف الزمخشري للمجاز العقلي ينص صراحةً على أن هذه الملابسة بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي من حيث تعلق وجود الفعل بكل منهما وإن اختلفت جهة التعلق؛ ولذلك يقول سعد الدين التفتازاني في (المطول) سنة ٥٨: والمعتبر عند صاحب (الكشاف) تلبس ما أسند إليه الفعل بفاعله الحقيقي. وذهب بعض البلاغيين إلى أن الملابسة هنا هي العلاقة بين الفعل وما في معناه والفاعل المجازي؛ ب أن يلابسه مطلق الملابسة، ويبدو أن هذا الرأي له سند عند

стр. 96

القائلين به ألا وهو الخطيب القزويني: وللفعل ملابسات شتَّى -يقول هكذا - يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب. وهو نفس كلام الزمخشري في (الكشاف) نقله عنه الخطيب، لكن المتتبع لكلام الخطيب يرى أنه قد شرح وجهة نظره بعد ذلك وبين مراده من كلامه بما يعود إلى الرأي الأول. يقول الخطيب في (الإيضاح): وإسناده - أي: الفعل أو ما في معناه - إلى غيرهما لمضاهاته لما هو له في ملابسة الفعل مجاز، كقولهم في المفعول به: عيشة راضية، والمعروف أن العلاقة في المجاز اللغوي ت ك ون بين المنقول عنه والمنقول إليه، أو بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فقياسًا عليه تكون علاق المجاز العقلي بين المسند إليه الحقيقي والمسند إليه المجازي طردًا للباب على وتيرة واحدة. على أن هذا الرأي أوضح من الثاني وأنسب للمقام؛ لأن هذا هو المبرر لتحول الإسناد من الفاعل الحقيقي للفاعل المجازي، فإنه يلزم أن تكون هناك علاقة بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي في نفس الوقت، وبذلك يمكن النظر إلى العلاقة من أي جهة منهما. ومما تجدر الإشارة إليه: أن العلاقة بين المسند إليه الحقيقي والمسند إليه المجازي واحدة لا تعدد فيها، أما العلاقة بين الفعل والمسند إليه المجازي فهي متعددة، وهذا يرجح الرأي الثاني، ذلك أن الفعل يتعلق بالفاعل من جهة صدوره منه، ويتعلق بالمفعول به من جهة وقوعه عليه، ويتعلق بالمصدر لكونه جزءَ مفهومِه، ويتعلق بالزمان لوقوعه فيه كذلك المكان، ويتعلق بالسبب لوقوعه به أو لأجله. وعلى هذا فعلاقات المجاز العقلي بحسب ما أسند إليه الفعل أو معناه مجازًا هي: ١ - المفعولية؛ وذلك بإسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول به مثل قولك: رضيت عيشة فلان، ف قد أسند الرضا في هذا المثال إلى المفعول؛ لأن

стр. 97

العيشة في الحقيقة والواقع مرضية لا راضية، ولو رجعنا بهذا الإسناد إلى حقيقته لقلنا: رضي فلان عيشته، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (الحاقة: ٢١) حيث أَسند ما في معنى الفعل وهو ﴿رَاضِيَةٍ﴾ إلى مفعوله وهو الضمير العائد إلى عيشة، وأصل هذا الإسناد عيشة راض صاحبها، فالإسناد في الآية الكريمة مجازي وهو يفيد المبالغة في الرضا؛ فكأن الرضا قد تجاوز صاحب العيشة إلى العيشة نفس ها، فالعيشة ليست مرضية فقط وإنما هي راضية أيضًا، وإذا علِمنا أن المقصود بالعيشة هنا النعيم الذي يحظَى به أهل الجنة ويتقلبون في أعطافه ويسعدون بجواره، فإن وصفها بالرضا يعني أنها دائمة لا تنقطع، ما دام ثواب الرضا يشمل الطرفين، وتمام النعمة في دوامها وبقائها. ومن هذا الن ح وأيضًا قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق: ٦) فقد أسند: ﴿دَافِقٍ﴾ إلى ضمير الماء؛ أي: أسنده إلى المفعول؛ لأن الماء مدفوق لا دافق فهو مجاز عقلي، وأصل الإسناد ماء دافق صاحبه، ولكن المجاز أبلغ من الحقيقة هنا لما فيه من المبالغة في الدفق، وكأن الماء لسرعة اندفاعه دافق يدفع بعضه بعضًا؛ فالعلاقة هنا هي المفعولية. ومنه قول الشاعر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقد أسند اسم الفاعل الطاعم الكاسي إلى ضمير المفعول، والشاعر يريد أن يقول له: إنك لست أهلًا لنيل المعالي فلا تجهد نفسك في طلبها، فإن منزلتك دون ذلك، فأنت المطعوم المكسو، فوضع اسم الفاعل موضع اسم المفعول على سبيل التجوز في الإسناد، والدليل على ذلك أن الشاعر يهجو المخاطب ولا يعقل أن يقول له: لا ترحل لطلب المكارم، ثم يقول له: إنك تطعم غيره وتكسوه، وإنما أراد أن يقول لمخاطبه اقعد عالة على غيرك مطعومًا مكسوًّا.

стр. 98

العلاقة الثانية الفاعلية: وتكون بإسناد الفعل المبني للمفعول أو معناه إلى الفاعل مثل قولهم: سيل مفعم، بصيغة اسم المفعول؛ أي: مملوء، مسندًا إلى ضمير السيل الذي هو الفاعل، وحق اسم المفعول أن يسند إلى المفعول الذي صار نائب فاعل وهو المكان؛ إذ من المعروف أن السيل هو الذي يفعم المكان؛ أي: يملؤه فالسيل مفعم بكسر العين والمكان مفعم بفتحها، ولكنهم تجاوزوا في الإسناد حيث أسندوا اسم المفعول إلى ضمير السيل الذي هو الفاعل، فهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (مريم: ٦١) وقوله: ﴿مَأْتِيًّا﴾ اسم مفعول مسند إلى ضمير الوعد الذي هو فاعل في الحقيقة والواقع؛ لأن الوعد يأتي ولا يؤتَى، وحقيقة الإسناد مأتيًا صاحبه؛ أي: يأتيه الوعد. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (الإسراء: ٤٥) فقد أسند اسم المفعول: ﴿مَسْتُورًا﴾ إلى ضمير الفاعل وهو الحجاب، والمعروف أن الحجاب ساتر لا مستور، فهو الفاعل الحقيقي للمسند، ولذلك سميت هذه العلاقة بالفاعلية. العلاقة الثالثة المصدرية: وتتحقق بإسناد الفعل إلى مصدره كقولهم: فلان جد جده، فالفعل جد قد أسند إلى مصدره، وحقه أن يسند إلى الفاعل ف يقال: جد فلان جد، ففاعل الجد هو الشخص الذي يجِد في عمله، ومن ذلك قول أبي فراس الحمداني: سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

стр. 99

وأصل الإسناد هنا: إذا جدوا جدهم، فالفاعل الحقيقي هو الضمير العائد على قوم أبي فراس، ولكن الشاعر عدَل عن هذا الأصل للمبالغة، فأسند الفعل جد إلى مصدره، والعلاقة هي المصدرية، أما القرينة التي ترشد إلى هذا التجوز وتدل على أن الكلام مصروف عن ظاهره، فهي استحالة صدور الفعل جد من الجد، ومنه قولهم أيضًا: شعر شاعر، وهو مجاز عقلي علاقته المصدرية وقرينته استحالة صدور الفعل من مصدره، فالكلام مبناه على التؤول. ومن ذلك أيضًا قولنا: الله ﷻ وعظمت عظمته، ف قد أسند الفعل إلى مصدره وكان حقه أن يسند إلى فاعله الحقيقي وهو الله -جل وعلا- فيقال: جل الله جلاله وعظم عظمته، ثم عدل عن هذا الأصل؛ للمبالغة في وصفه تعالى بالجلال والعظمة. العلاقة الرابعة الزمانية: وتكون بإسناد الفعل إلى زمانه الذي وقع فيه كما في قولك: صام نهاره وقام ليله، وقولهم: نهاره صائم وليله قائم؛ فالنهار لا يصوم والليل لا يقوم، الذي يفعل ذلك حقيقةً هو العابد، إذ يصوم في نهاره ويقوم في ليله، ف إسناد الصيام والقيام إلى النهار والليل هو من قبيل إسناد الفعل إلى زمانه الذي وقع فيه. ومنه قول جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم حيث أسند الوصف نائم إلى الضمير العائد على الليل مع أن الليل لا ينام، إنما هو ظرف زمان يقع فيه النوم، وقد أسند ما هو في معنى الفعل إلى زمانه مجازًا عقليًا علاقته الزمان، ومنه قولهم: يوم مشرق ونهار عاصف، وقد أسند الإشراق والعصف إلى اليوم والنهار، وحقهما أن يسندَا إلى الفاعل الحقيقي بكل

стр. 100

منهما، وأصل الإسناد: يوم مشرقة شمسه فيه، ونهار عاصفة ريحه فيه، فأسند الحدث إلى زمانه على سبيل المبالغة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (المزمل: ١٧) حيث أسند شيب الولدان إلى اليوم، واليوم لا يجعل الوليد يشيب، وإنما يجعل الولدان شيبا هو الله في هذا اليوم، فالإسناد في الآية الكريمة مجازي؛ لأن الفعل لم يسند إلى فاعله الحقيقي وهو الله، بينما أسند إلى الزمن الذي يقع فيه، فهو مجاز عقلي علاقته الزمان. ويدخل هذا النوع في الشعر العربي. وانظر إن شئتَ إلى قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأنباء من لم تزود وقد أسند إلى الأيام قدرتها على إظهار ما يجهله الإنسان، والأيام غير قادرة على تحقيق ذلك، وإنما الفاعل الحقيقي هو الله - قدرته - وأصل الإسناد: سيبدي الله لك في الأيام ما كنت جاهلًا. وعليه قول المتنبي: كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا وحقيقة الإسناد هنا أنبت الله في الزمان قناة، والقرينة هي استحالة صدور الإنبات من الزمان. وتأمل قول أبي البقاء الرندي: هي الحياة كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان فالزمن لا يقدم مسرة ولا إساءة، وإنما الحوادث التي تقع في الزمن هي التي تفعل ذلك؛ فالإسناد في هذه الأبيات مجاز عقلي علاقته الزمانية؛ لأن الفاعل المجازي يشابه الفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل؛ لأنه زمن، والكلام مبناه على التؤول

стр. 101

وعدم إرادة ظاهر الإسناد؛ وذلك لاستحالة صدور الفعل في الأبيات السابقة من زمانه. العلاقة الخامسة المكانية: وتحقق بإسناد الفعل أو معناه إلى مكان مثل قولهم: سار الطريق وجرى النهر، فالطريق لا يسير والنهر لا يجري، وإنما يسير الناس ويجري الماء، والطريق مكان السير والنهر بمعنى الشق في الأرض هو مكان جريان الماء، فأسند الفعل في المثالين إلى مكانه على سبيل المبالغة، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (البروج: ١١) وما أكثر ما تكرر هذا في القرآن الكريم، فهو مجاز عقلي علاقته المكانية، ومنه قولهم: سال الوادي؛ أي: سال الماء فيه يقول الشاعر: ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح الأبطح هو المكان المتسع يمر به السيل، ويقول ابن المعتز: سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير ويقول الآخر: وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب وفي استطاعتك أن تقف على موضع التجوز في الأبيات المذكورة، وتتعرف على العلاقة التي صحح للتجوز، والقرينة المانعة من حمل الإسناد على ظاهره، وأثر هذا الأسلوب المجازي في بلاغة الكلام الذي ورد فيه. العلاقة السادسة السببية: وتتحقق بإسناد الفعل إلى سببه سواء أكان السبب الآمر أو السبب المؤثر أو السبب الغائي كما في قولهم: بنَى الأمير المدينة، وأصل

стр. 102

الإسناد بنى العمال المدينة بأمر الأمير، فأسند الفعل إلى سببه الآمر. وقد يسند الفعل إلى السبب المؤثر كما في قول عمر بن أبي ربيعة: أبَى لي عرض أن أضام وصارم ... حسام وعز من حديث وأول مقيم بإذن الله ليس ببارح ... مكان الثريا قاهر كل منزل وأصل الإسناد: أبت لي نفس أن أضام بسبب عرضي وبسبب صارمي الحسام، وعِزي الحديث، والأول المقيم في مكان الثريا، فحوَّل الإسناد إلى السبب -كما ترى- في البيت الأول وهو سبب مؤثر؛ أي: دافع ومحرك للنفس وحافز لها كي ترفض الذل وتأبى الضيم ولا ترضى بالهوان، فالشاعر هنا قد نظر إلى ماضيه وحاضره فوجد أنه أرفع مقامًا وأعلى شأنًا وأكرم نفسًا من أن يلحقه أذى أو يقع به ضيم أو هوان، وهو يملك القدرة على دفع الضيم ورد الأذى عن نفسه وعشيرته، ولا يخفَى عليك أن الإسناد إلى السبب فيه قدر من المبالغة التي يقتضيها المقام، فالإسناد المجازي هنا أبلغ من الأسلوب الحقيقي؛ لمطابقته لمقتضى الحديث. ومن ذلك قول عوف بن الأحوص: فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا رد عافي القدر من يستعيرها وعافِي القدر ما يبقى فيها من المرق، وهو في زمن الجدب سبب لرد مستعيرها، إذ الحاجة ماسة إليه فلا يفرط فيه صاحب القدر، لكن الشاعر ينوه بكرمه الشديد في تلك الظروف، فهو كريم النفس يجود بالكثير في الوقت الذي يضن فيه غيره ببقية المرق ونحوه في القدر، والشاهد في قوله: إذا رد عافي القدر مَن يستعيرها، فهو إسناد مجازي وحقيقته إذا رد صاحب القدر من يستعيرها بسبب عافيها، ثم أسند الفعل "رد" إلى سببه وهو عافي القدر، فهو مجاز عقلي علاقته السببية.

стр. 103

ومنه أيضًا قول ابن الغدير: إنا لمن معشر أفنَى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامون جمع كمي وهو المستتر بسلاحه فلا يدري من أين يؤتَى، قيل: الكماة قول الشجعان، فالشاعر هنا يفخر بشجاعته وشجاعة قومه، وبسالتهم في الحروب، وأنهم يندفعون إلى حومة الوغى ولا يخافون العدو ولا يهابون الموت في سبيل الدفاع عن شرف القبيلة والذود عن الحمى، فالذي أفنى أوائل معشره إنما هو الله تعالى؛ بسبب إقدامهم وشجاعتهم في ميادين الحروب، وتلبيتهم دعوة الداعي كلما قال الشجعان: أين المحامون عن الأهل والعرض، فأسند الفعل "أفنى" إلى سببه قيل الكماة على سبيل المجاز العقلي لعلاقة السببية كما ترى. ومن ذلك قولهم: سرتني رؤيتك؛ أي: سرني الله بسبب رؤيتك، وقولهم: محبتك جاءت بي إليك، وأصله: جئت إليك بسبب محبتك. ومنه قول أبي نواس: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا وحقيقة الإسناد في هذا البيت يزيدك الله حسنًا في وجهه بسبب ما أودعه فيه من دقائق الحسن والجمال. وتأمل قول أبي الطيب في كافور الإخشيدي: أبا المسك أرجو منك نصرًا على العِدا ... وآمل عِزًّا يخضب البيض بالدم أبو المسك كنية لكافور الإخشيدي والبيض هي السيوف؛ وهو يتوجه إلى كافور بما يجيش في صدره من أماني، ويقول له: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي،

стр. 104

وأن توليني عزًّا أتمكن بي منه، وأخضب سيوفي بدمائهم، وقد أسند الشاعر خضب السيوف بالدم إلى ضمير يعود على العز وهو إسناد مجازي؛ لأن العز لا يخضب السيوف بالدم، ولكنه سبب يحفز إلى المواجهة ويدفع إلى منازلة الأقران بمجموعة من الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم، البيت إذن مجاز عقلي علاقته ال سببية لإسناد الفعل إلى سببه المؤثر. وقد يسند الفعل إلى السبب الغائب؛ أي غايته كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: ٤١) وأصله: يوم يقوم الناس لأجل الحساب؛ فأسند الفعل: ﴿يَقُومُ﴾ إلى غايته: ﴿الْحِسَابُ﴾ على سبيل التجوز، وفي ذلك ما فيه من الإيجاز والمبالغة. وهذه الأمثلة كلها من إسناد الفعل إلى سببه كما علمت، فهي إذن مجاز عقلي علاقته السببية. يدخل في دائرة هذه العلاقة معظم الأمثلة التي تنضوي تحت لواء هذا الباب كما يتضح من تصفح ما تركه البلاغيون من آثار في المجاز العقلي وعلاقاته وشواهده الشعرية والنثرية، وهذا النوع من المجاز القائم على إسناد الفعل إلى سببه كثير الوقوع في القرآن الكريم، فمنه قوله تعالى في وصف الشجرة الطيبة: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم: ٢٥) وقوله سبحانه في شأن الآيات: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: ٢) وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ٢) وقوله عن الرياح: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (الأعراف: ٥٧). وقد أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا إلى المعقول على معنى السبب، وإلا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الآكل، ولا الآيات تولد

стр. 105

العلم في قلب السامع لها، ولا الأرض تخرج الكامن من بطنها من الأثقال، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة الله ظهر ما كنز فيها وأُودِع جوفها، وكذلك الرياح لا تقل السحاب على الحقيقة؛ لإثبات الفعل لغيره القادر لا يصح في منطق العقل إلا إذا كان هذا الإثبات على سبيل التؤول وعلى العرف الجاري بين الناس في أن يجعلوا الشيء إذا كان سببًا أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله كأنه فاعل، فيسند الفعل إليه على هذا التأويل، كذا أفاده الشيخ عبد القاهر في (أسرار البلاغة). من السببية قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (القصص: ٤) فقد نسب الفعل: ﴿يُذَبِّحُ﴾ إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ لكونه الآمر به، كذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (إبراهيم: ٢٨) والحقيقة أن الله سبحانه هو الذي أحلهم دار البوار، وإنما نسب فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم، وسبب كفرهم أمرُ أكابِرهم إياهم بالكفر، وإن شئت فتأمل قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت: ٢٣) وقوله تعالى في شأن إبليس اللعين: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف: ٢٧) وقد أسند الفعل في الأول إلى الظن؛ لأنه سببه كما نسب النزع في الثانية إلى إبليس وهو فعل الله تعالى في الحقيقة؛ وذلك لأن سببه هو الأكل من الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لهما لمن الناصحين، كذا ذكره الخطيب القزويني في (الإيضاح). ولا يخفَى عليك فهم المجاز في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥) وفي قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ

стр. 106

عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) وغير ذلك من أساليب المجاز الواردة في كتاب الله تعالى على اختلاف الصور والعلاقات، فهذا النوع من المجاز شائع في القرآن الكريم، وهو من أسرار بلاغته وروعة نظمه وكمال إعجازه. على أن هذه العلاقات الست التي ذكرناها هي التي أوردها الخطيب في كتاب (الإيضاح) وهو متأثر في مبحث المجاز العقلي بكلام الزمخشري في (الكشاف) في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: ٧) الآية. فقد ذكر الزمخشري في هذا الموضع أن للفعل ملابسات شتى، تلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب، بيد أن الخطيب توقف عند هذه العلاقات الست ولم يتابع الزمخشري في مواضعَ أخرى من (الكشاف)؛ فقد أشار إلى أنواع أخرى من الملابسات؛ منها إسناد الفعل إلى الجنس كله وهو في الحقيقة مسند إلى بعضه كقولهم: بنو فلان قتلوا فلانًا والقاتل واحد منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (الأعراف: ٧٧) حيث أسند العقرَ إلى جميعهم وهو كما ذكر الزمخشري في تفسيره كان لبعضهم؛ لأنه كان برضاهم والراضي بالشر كفاعله، وبذلك حل العذاب للجميع. وإسناد الفعل إلى الجارحة التي هي آلته كقولك: هذا أبصرته عيني وسمعته أذني وقاله لساني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣) فالآثم في الحقيقة هو الشخص ومع ذلك أسند الإثم إلى قلبه؛ لأن كتمان الشهادة أن يضمرها لشخص ولا يتكلم بها، ولما كان إثمًا مقترفًا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ومنه: إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى بالفاعل الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (الحجر: ٦٠) فقد أسند

стр. 107

الفعل: ﴿قَدَّرْنَا﴾ إلى ضمير المتكلمين وهم الملائكة مع أن التقدير لله وحده، وذلك من قبيل إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى من الفاعل الحقيقي كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا مع أن المدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم بهم وأنهم لا يتميزون عنه كذا ذكره (الكشاف). من خلال ما عرضنا نلحظ أن تعريف الخطيب للمجاز العقلي غير جامع لكل صور التجوز التي تألفها اللغة ويكثر دورانها على ألسنة الشعراء؛ فقد حصره الخطيب في إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس غير ما هو له، كما حصر الحقيقة في إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له، وعلى ذلك يكون قولنا: الإ ن سا ن حيوان ناطق ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن الإسناد فيه إلى المبتدأ فلا يدخل في نطاق تعريفه، ومعنى ذلك أن الإسناد عن د هـ إما حقيقة عقلية وإما مجاز عقلي أو واسطة بينهما كالمثال الأخير. وقد خرج عن تعريفه للمجاز العقلي صور كثيرة؛ منها: ١ - النسبة الإضافية، والمقصود بها إضافة المصدر إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ مثل: أعجبني إنبات الربيع البقل، وكما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سبأ: ٣٣) فقد أضيف المصدر: ﴿مَكْرُ﴾ إلى زمانه: ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وحقه أن يضاف إلى أصحابه وتقديره: بل مكرهم في الليل والنهار، ومنه قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٣٥) والتقدير: وإن خفتم شقاق الزوجين في الحالة التي بينهما فقد أضيف المصدر: ﴿شِقَاقَ﴾ إلى الظرف "بين" فهو مجاز عقلي علاقته المكانية.

стр. 108

وأول مَن أماط اللثام عن نسبة الإضافية وصرح بأنها تدخل في نطاق المجاز الإسنادي حيث قال في (أسرار البلاغة): ومما يجب أن يُعلم في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل؛ ف كل حكم يجب في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز فهو واجب في إسناد الفعل. ٢ - النسبة الإيقاعية: أي: إيقاع الفعل على غير ما حقه أن يوقع عليه مثل قولك: أجريت النهر، فقد وقع الفعل على غير المفعول الحقيقي، وأصله: أجريت الماء في النهر، فالماء هو المفعول الحقيقي للفعل والنهر مكان له، ففي إيقاع الفعل أجريت على النهر تجوز في النسبة الإيقاعية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الشعراء: ١٥١) وأصله: ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم، فقد أوقع ما حقه أن يقع على المفعول الصريح على المفعول المجازي؛ لمضاهاته لهم في ملابسة الفعل؛ لأنه مفعوله، وقد أشار سعد الدين التفتازاني إلى النسبة الإيقاعية وكذا الإضافية حيث قال في (المطول): إن المجاز العقلي أعم من أن يكون في النسبة الإسنادية أو غيرها، كما أن إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه المجاز، فكذا إيقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه، وإضافة المضاف إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ لأنه جاز موضعه الأصلي. انتهى ال كلام. ٣ - النسبة الوصفية: بأن يوصف الشيء بوصف محدثه وصاحبه مثل: الكتاب الحكيم والأسلوب الحكيم؛ فالحكمة في الحقيقة ليست وصفًا للكتاب، وإنما هي وصف لصاحبه وليست وصفًا للأسلوب، وإنما هي وصف لصاحبه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (ق: ٢٧) فإن البعيد ليس هو الضلال وإنما هو الضال، أما الضلال فمصدر ضل، ومثله أيضًا عذاب أليم فإن الأليم؛ أي: المؤلم ليس هو العذاب، بل المعذب؛ وهكذا أسند

стр. 109

معنى الفعل إلى المصدر الذي لا يلابسه ذلك المسند بل يلابسه فعل آخر من أفعال فاعله، ويمكن أن يقال: إنه يلابسه بواسطة حرف الجر فهو بعيد في ضلاله وأليم في عذابه، ف يدخل هذا النوع في المجاز العقلي بمعناه عند الخطيب على هذا التقدير. الملابسة الرابعة مما لم يذكره الخطيب في الإسناد بين المبتدأ والخبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (البقرة: ١٨٩)، ومنه قول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار يقول عبد القاهر في بيان المجاز العقلي في هذا البيت: إنها لم ترد بالإقبال والإدبار - يعني بناقتها - غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة، وإنما المجاز في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار. ولا يرتضي عبد القاهر أن يكون بيت الخنساء من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وإن كانوا يذكرونه من هذا الباب؛ لأننا إذا قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول وكلام عامي مر ذ ول. انتهى كلام الشيخ عبد القاهر في (الدلائل). وهكذا استطاع عبد القاهر بحسه المرهف وذوقه الرفيع وخياله الخصب، أن يوضح المجاز في هذا البيت محتكمًا إلى الذوق الأدبي وحده، وانتهى إلى أن ما أرادته الخنساء من المبالغة في تصوير الحزن والحيرة لا يتأتى إلا بالتجوز في هذا الإسناد، وقد جاء تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي جامعًا لكل هذه الملابسات والنسب الإسنادية؛ فقد عرفه في (أسرار البلاغة) بقوله: هو كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التؤول. فهو يعم إسناد الفعل أو ما في معناه وإسناد الخبر إلى المبتدأ أيضًا؛ كما رأينا في قول الخنساء السابق.

стр. 110

أما تعريف الخطيب فهو أضيق دائرةً من تعريف عبد القاهر؛ لأنه حصره في إسناد الفعل وما في معناه فقط، وكان حريًّا به أن يستفيد من كلام عبد القاهر في هذا الباب وهو صاحب الفضل الأكبر في تجلية هذا اللون من المجاز الحكمي. وتحرير القول فيه على نمط فريد لم يسبق إليه، وقد أشبعه عبد القاهر شرحًا وتفصيلًا في كتابيه (الأسرار) و (الدلائل) فلم يترك فيه مجالًا لمستزيد. ولذلك أرى أن تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي هو التعريف الأمثل، ومذهبه فيه هو المذهب الجزل، وقوله هو القول الفصل؛ نعم، كانت هناك إشارات لهذا المجاز وأمثلته عند بعض المتقدمين -كما ذكرنا- كسيبويه وأبي عبيدة والفراء والجاحظ والآمدي والشريف الرضي؛ لكنها لا تعدو أن تكون بذورًا متناثرة هنا وهناك، وهي في الغالب الأعم لا تتجاوز التلميح إلى التصريح، فهي إشارات عابرة وتعليقات مقتضبة لا رابطَ بينها إلى أن جاء عبد القاهر ف قرأ حصيلة الدراسات السابقة، وجمع شتاتها، وفصل القول فيها، ووضع لها هذه التسمية المجاز الحكمي أو المجاز العقلي، وبذل جهدًا كبيرًا في الحقيقة في التفرقة بينه وبين المجاز اللغوي، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير ب بصيرته النافذة وثقافته الواسعة وخياله الرائع؛ ف المجاز العقلي تسمية وتحديدًا وتحريرًا هو من ابتكار عبد القاهر. بقي أن تعلم أنه دافع عن المجاز دفاعًا شديدًا ورد على شبه المعارضين له، وفند حججهم بأدلة قوية ونعى على هذا الصنف من الناس جهلهم بحقيقة المجاز، فقد أنكر بعض العلماء من الظاهرية وقوع المجاز في القرآن؛ لأنه يوهم الكذب والله منزه عنه هكذا قالوا، والجواب: أن الذي يمنع من صرفه عن الحقيقة إلى المجاز هو صفات الله تعالى؛ لعدم وجود قرينة المانعة، وأن كل مجاز لا بد له من قرينة صارفة عن إرادة الظاهر؛ وعلى ذلك فلا إيهامَ مع وجود القرينة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →