Полный текст (482 стр.). Показаны 456–482 · переход к 461.
стр. 456
بـ"قد" امتنع اقترانها بالواو، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٢٨) وقوله : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر: ٦) وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠) وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: ١٧، ١٨)، أما ما جاء من نحو قول العرب: قمت وأصك عينه، وقول عنترة:
علفتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا لعمرو أبيك ليس بمزعم
فقيل: إن ما في المثال شاذّ، وما في البيت إنما هو وما جاء على شاكلته ضرورة، وقيل: إنه على حذف المبتدأ والتقدير: قمت وأنا أصك، علقتها عرضًا وأنا أقتل، وهكذا، وإن كان المضارع مقرونًا بـ "قد" وجب اقتران الجملة بالواو، كما في قول الله تعالى: ﴿وإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥) وكقولك: لمَ لم تستعد وقد ترحل غدًا؟ وإن كان المضارع منفيًّا جاز أمران؛ اقتران الجملة بالواو وترك الواو، والمضارع المنفي يظل مضارعًا إذا كان النفي بغير لمْ ولمّا، أما المنفي بلم أو لما فهو ماضٍ معنى؛ لأن لمْ ولمّا يقلبانه إلى الماضي وهو أي المنفي بلمْ ولمّا، مما يجوز فيه الأمران أيضًا، فمما جاء بالواو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ (يونس: ٨٩) في قراءة من قرأ بتخفيف النون؛ أي: لا أخوّف به.
وقولهم: يصيب ولا يدري، ويقول ولا يفعل، وهكذا، فـ "كان" في هذه الشواهد تامة بمعنى وجد، وقد اقترنت الجملة الحالية بالواو كما ترى وفعلها مضارع منفي، ومما جاء بغير الواو قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (المائدة: ٨٤) وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٧٥)، وكذلك إذا كانت الجملة
стр. 457
الحالية جملة فعلية فعلها ماضٍ لفظًا أو معنى، جاز الأمران أيضًا؛ اقترانها بالواو وعدم اقترانها، والماضي لفظًا لا يقع حالًا إلا وهو مقرون بـ"قد" ظاهرة أو مقدرة، والماضي معنى هو المضارع المنفي بلمْ أو لمّا، فمما جاء بالواو قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠) وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ (مريم: ٨) ومما جاء فعلها ماضيًا معنى وقد اقترن بالواو أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (الأنعام: ٩٣) وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠)، وإذا كانت جملة الحال اسمية فالأولى أن تأتي بالواو كقولك: جاء زيدٌ وعمرو أمامه، وأتاني وسيفه في يده، وكقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقد يأتي بدون الواو كقولك: كلمته فوهُ إلى فيّ، ورجع عوده على بدئه، فإن كان المبتدأ في الجملة الحالية ضميرَ صاحب الحال وجبت الواو، ولا تصلح جملة الحال بدونها البتة، كقولك: جاء زيد وهو راكب، ودخلت عليه وهو يُملي الحديث، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد هو راكب، ولا دخلت عليه هو يملي الحديث، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢) وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧) وإن كان الخبر في الجملة الحالية ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، وقُدّم على المبتدأ كثر فيها أن تجيء بغير الواو، كقولك: قَدِم المقاتل على كتفه سيف، وأقبل في يده سوط، ويقلّ مجيئها عندئذ بالواو، كقولك: جاء وعليه
стр. 458
ثوب، ومرّ وفي يده سيف، وقد جاءت في النظم الكريم بالواو وبدونها، كما في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (الحجر: ٤) وقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (الشعراء: ٢٨).
إلى هنا ينتهي حديثنا عن باب الفصل والوصل، وقد عرفنا كم كان له من أهمية جليلة في معرفة أسرار ووجوه الفصل بين الجمل والمفردات أو الوصل فيما بينها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 459
الدرس: ٢١ مبحث: الإيجاز، والمساواة، والإطناب .
стр. 460
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(مبحث: الإيجاز، والمساواة، والإطناب)
الإيجاز، وأنواعه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فأقول -وبالله التوفيق-:
إنه من المعلوم أن لكل مقامٍ مقالا، والبلاغة -كما عرّفها البلاغيون- مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال، فالحال قد تقتضي الإيجاز في القول وطي الكلمات، وعندئذ تكون البلاغة في أن يُوجز المتكلم ويختصر كلامه، وقد تقتضي الإطناب وإطالة القول، وعندئذ تكون البلاغة في الإسهاب وإشباع القول وإطالة الكلام؛ ولذلك قال أعرابية عندما سُئل عن البلاغة: البلاغة الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل، وسأل معاوية سحار العبدي: "ما تعدون البلاغة فيكم؟ فقال سُحار: الإيجاز، قال معاوية: وما الإيجاز؟ فأجاب: أن تجيب فلا تبطئ وتقول فلا تخطئ". كذا ذكره الجاحظ في (البيان والتبيين).
وقال عبد الله بن المقفع: "البلاغةُ اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطَل والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، فقيل له: فإن ملّ السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام- فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنه لا يُرضيهما شيء، وأما الجاهل فلست منه
стр. 461
وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا تناله، وقد كان يقال: رضا الناس شيء لا ينال"، كذا في (البيان والتبيين) للجاحظ.
وقد امتدحوا الإيجاز كثيرا فقالوا: البلاغة إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، البلاغة لمحةٌ دالة، البلاغة كلمةٌ تكشف عن البقية، ولعل السبب في هذا يرجع إلى أمية العرب، وإلى أنهم أمة صافية الذهن دقيقة الحس سريعة الفهم، والعربي تكفيه الإشارة وتغنيه اللمحة، وغير العربي يحتاج إلى الإطالة وإشباع القول، وبهذا علل الجاحظ إيجاز القرآن الكريم عند خطاب العرب والأعراب، والبسط والإطالة عند خطاب بني إسرائيل، يراجع في ذلك (الحيوان) للجاحظ.
وبهذا يتضح لك أن للإيجاز مقامات تقتضيه ومواضع تلائمه، كالحكم والأمثال، كما أن للإطناب مقامات تقتضيه ومواضع تلائمه، كالمدح والفخر والوعظ، وما يحسن فيه الإيجاز لا يحسن فيه الإطناب، وكذلك ما يحسن فيه الإطناب لا يحسن فيه الإيجاز، وعبد القاهر وإن لم يعقد في كتابه (الدلائل) بابًا للإيجاز والإطناب والمساواة على طريقة البلاغيين بعده، إلا أن ذلك لا يمنع من القول بأنه الذي وضع اللبنات الأولى والأساس الأول لهذا الباب، فقد كرر القول عن الإيجاز والإطناب، كما عقد لإيجاز الحذف فصلًا مستقلًّا، وأشار في غير ما موضع لجمال الإيجاز، أما الإطناب فقد عرض لصور منه كالتكرار الذي تكلم عنه في باب التأكيد والإيضاح، وفي مواضع أخرى متفرقة، كما تحدّث عن البيان بعد الإبهام، وهذا يجعلنا نؤكد على أنه لم يغفل مكانة هذا الباب.
ونبدأ بالإيجاز الذي عرفه البلاغيون: بأنه اندراج المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل، أو عرض المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلة مع الإبانة والإفصاح، ليسهل تعلقها بالذهن وتذكرها عند الحاجة إليها في المناسبات المختلفة،
стр. 462
وهو نوعان: إيجاز قِصَر وإيجاز حذف. فإيجاز القِصَر: هو الدلالة على المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة؛ أي تضمين العبارات القليلة القصيرة معانٍ كثيرة غزيرة، دون أن يكون في تراكيبها لفظٌ محذوف، كما في قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) فقد جمع في هذه الآية الكريمة جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في العفو الصفح والإغضاء ومسامحة من أساء والرفق في كل الأمور، وفي الأمر بالعرف صلة الأرحام ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل محرم والقيام بمتطلبات الدعوة إلى الله ، وفي الإعراض عن الجهال الصبرُ والحلم وكظم الغيظ؛ فهذه إذن ألفاظ قليلة وقد فاضت معانيها إلى الغاية، وزادت عن الحد إلى غير نهاية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: ٥٤) فقد دلت هذه الجملة من الآية الكريمة على استقصاء جميع الأشياء والشئون، حتى روي أن ابن عمر ﵄ قرأها فقال: "من بقي له شيء بعد هذا فليطلبه!! ".
ومنه قول الله : ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (الأنعام: ٨٢)، فهذه الجملة يدخل تحتها كل أمر محبوب، وينتفي بها كل صنوف المكاره، ومنه قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (التوبة: ٤١) فتلك ثلاث كلمات حوت معانٍ غزيرة؛ إذ شملت الأمر بالنفير العام للجهاد، وقطعت جميع الحُجج والذرائع المعوقة عن الجهاد، ومن ذلك قوله أيضًا: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (النازعات: ٣١)، فقد دلت هذه الآية الكريمة على جميع ما أخرج من الأرض قوتًا ومتاعًا للناس والدواب؛ من عشب وشجر وحطب ولباس ونار وماء وغير ذلك، وانظر إلى قوله -عز من قائل- في وصف إنهاء الطوفان: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٤) فقد
стр. 463
قصت هذه الكلمات القصةَ مستوعبة؛ بحيث لم يخل بشيء منها بأوجز عبارة وأخصر قول.
ومن المشهور في هذا الباب قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) إذ المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قُتل، كان ذلك داعيًا قويًّا له إلى أن يكف عن القتل ولا يُقدم عليه، فأوجب ذلك حياة الناس، ومن شواهد إيجاز القصر أيضًا قول الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: ١٨) أي: لا شفاعة ولا طاعة، فليس المراد نفي طاعة الشفيع بمعنى أن الشفيع يوجد ولكن لا يطاع، بل المراد أنه لا شفاعة أصلًا، وانظر إلى قول الشريف الرضي:
مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ... ...........
شعب الرحال: خشبها، إشارة إلى ركوبهم عليها ورحيلهم للقتال. أي للطعان إلى قلوب تخفق؛ أي تضطرب لفراق الأحبة، فإنه أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، فعبّر عن ذلك بقوله:
............... وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق
وإلى قول أبي تمام:
وظلمتَ نفسك طالبًا إنصافها ... فعجبتُ من مظلومة لم تظلم
أراد أكرهتها على تحمل الصعاب والمشاق، فأنصفتها بذلك؛ إذ أوجبت لها مجدًا عريقًا وذكرًا حسنًا، فصارت بهذا الصنيع مظلومةً لم تظلم، ومن ذلك قول الآخر:
وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
стр. 464
فقد جمع في البيت الصفات الحميدة من شجاعة وسماحة ومروءة ونجدة وإغاثة ملهوف وغير ذلك؛ لأن هذه الصفات من ضيم النفس؛ إذ تجد بحملها مشقة وعناء، ورسول الله ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، والكلام الجامع هو الذي تتكاثر معانيه وتقل ألفاظه، ومن جوامع كلمه ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار)) ((إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع)) ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) ((المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد)) فتلك ألفاظ قليلة حوت معاني كثيرة، يطول بك القول لوصفها والإحاطة بها. ومن إيجاز الكُتاب ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون بشأن رجل يهمه أمرَه إذ قال في كتابه: "كتابي هذا كتاب واثق لمن كتب إليه، معنيّ بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله". ولا يخفى عليك في كل ما ذكرنا ما تضمنته هذه العبارات الوجيزة، من معان غزيرة، صيغت في عبارات قليلة وألفاظ موجزة، وهذا هو شأن إيجاز القِصَر، الذي يجري مجرى الأمثال في الجمع بين الإيجاز والجمال والقوة.
أما إيجاز الحذف فقد عرّفه البلاغيون: بأنه التعبير عن المعاني الكثيرة في عبارة قليلة، بحذف شيء من التركيب مع عدم الإخلال بتلك المعاني، ولابد في كل حذف من وجود أمرين: داعٍ يدعو إليه، وقرينة تدل على المحذوف وترشد إليه وتعيّنه، والمحذوف إما أن يكون جزء جملة أو كلمة أو جملة أو أكثر من جملة، فحذف جزء الكلمة، كما في قول الله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠) فالأصل: ولم أكن بغيًّا، فقد حذفت النون تخفيفًا، وقوله : "ونادوا يا مالِ ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون" بقراءة من قرأ
стр. 465
بترخيم المنادى، والأصل: يا مالك، فحذفت الكاف؛ إشارة إلى ما هم فيه من ألم وعذاب وضيق وحزن، ومنه قول لبيد:
دَرَس المَنَا بِمَتالع فأبان ... .....
أراد: درس المنازل.
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
أراد: يا أميمة، فحذف حرف النداء ورخّم المنادى فحذف منه التاء. أما حذف الكلمة فله صور كثيرة أهمها حذف الحروف، كحرف الهمزة مثلًا في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ (محمد: ١٥) إذ المراد: أمثل الجنة التي وعد المتقون كمن هو خالد في النار؟ فحذفت الهمزة، وفي حذفها زيادة تصوير لعناد المعاندين ومكابرة المكابرين الذين يسوّون بين الحق والباطل، وبين من يتمسك بالبينة ومن يتبع هواه. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: ٢٢) إذ المراد: أوَتلك نعمة؟ وقوله كذلك: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (البقرة: ١٢٤) أي: أوَمن ذريتي؟ فحذفت الهمزة في الموضعين، وهو كحذف "لا" النافية أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (يوسف: ٨٥) أي: لا تفتأ تذكر، وكحذف حرف النداء كما في قول الله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (يوسف: ٢٩) إذ المراد: يا يوسف أعرض، فحذف حرف النداء.
стр. 466
ومن إيجاز حذف الكلمة: حذف المسند إليه أو المسند أو أحد متعلقات الفعل، كالمفعول والجار والمجرور والحال، إلى غير ذلك.
ومما تحذف فيه الكلمة: المضاف، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف: ٨٢) أي أهل القرية وأصحاب العير، فحذف المضاف في الموضعين، وحذفه يشير إلى شهرة السرقة وذيوعها، وكأنهم يريدون أن أمر سرقته قد اشتُهر وذاع، إلى حد أنك لو سألت الجمادات لأجابت، ولو سألت الحيوانات لنطقت وأخبرت، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (البقرة: ١٧١)؛ إذ المراد: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فحُذف المضاف وهو داعي؛ رفعًا لشأنه وتنزيهًا له عن أن يقرن في اللفظ بهذا الذي ينعق بما لا يسمع، وأن يضاف إلى الذين كفروا، وحذف المضاف يقع كثيرًا في النظم الكريم، على نحو ما نرى في قول الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: ٧٨) أي في سبيل الله، ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٦٠) أي تناول طيبات، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: ٢١) أي يرجو رحمة الله ونعيم اليوم الآخر، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١٠) أي من عذابه. وقد ظهرت هذه المضافات في الآية الكريمة: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: ٥٧) ومنه قوله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (يوسف: ٣٢) أي في مراودته.
ومن مظاهر حذف الكلمة: حذف المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف: ١٤٢) أي بعشر ليالٍ، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (الروم: ٤) أي من قبل الغلب
стр. 467
ومن بعده. ومنه: حذف الموصوف، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ (ص: ٥٢) أي حورٌ قاصرات الطرف، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ (مريم: ٦٠) أي وعمل عملًا صالحًا، فاكتفى بالصفة عن الموصوف في الآيتين لذيوع الصفة وشهرتها. ومن ذلك: حذف الصفة كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: ٧٩)؛ أي يأخذ كل سفينة صالحة بدليل قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ والحذف هنا يوحي بجبروت هذا الملك وإفساده وشدة ظلمه، فغصبه ليس قاصرا على الصالح من السفن، بل تجاوزه إلى غير الصالح، فغايته هو الغصب والاستيلاء.
ومن ذلك: حذف القسم كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠) أي: تالله لئن لم ينته، وقوله: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢) أي: والله لئن لم يفعل، فحذف القسم في الموضعين. ومن ذلك -غير أنه من قبيل حذف الجملة وإن كانت جزءا من كلام آخر- حذف جواب القسم كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: ١ - ٥) فقد حذف جواب القسم لوضوحه وبيانه، وتقديره: لتبعثن. وحذف جملة الشرط كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١) وقوله: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: ٤٣) والتقدير: فإن تتبعوني يحببكم الله، وفإن تتبعني أهدك صراطًا سويّا.
стр. 468
ومنه حذف جواب الشرط كما في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (يس: ٤٥) أي أعرضوا بدليل قوله بعده: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (يس: ٤٦) وهذا الحذف يشير إلى أنه كان ينبغي لهم أن يستجيبوا ويقبلوا النصح فيحققوا التقوى، وما كان ينبغي لهم الإعراض والتولي، وكأن طيه من اللفظ ينبئ بضرورة التخلي عنه وإسقاطه من الأذهان والمسارعة إلى قبول الهداية والحق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: ٧٣) والتقدير: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها سعدوا وحصلوا على النعيم المقيم، الذي لا يحيط به الوصف.
وبلاغة حذف الجواب هنا تكمن في أن النفس تذهب في تقدير الجواب المحذوف كل مذهب، وفي الدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف ولا تتسع له العبارة، وتأمّل ما وراء هذه الواو ﴿وَفُتِحَتْ﴾ من تكريم وتشريف لهؤلاء الذين اتقوا، فقد فُتحت لهم أبواب الجنة قبل أن يأتوها تكريمًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، ثم انظر إلى وصف الذين كفروا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (الزمر: ٧١) تجد أن ﴿فُتِحَتْ﴾ قد جاءت بدون واو، فهو جواب "إذا" ومجيئها بدون الواو يشير إلى شدة مواجهتهم بالعذاب، فأبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند وصولهم إليها ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ حتى تواجههم بصنوف العذاب وألوان الآلام، أما أبواب الجنة فتفتّح قبل مجيء الذين اتقوا وتجهّز قبل وصولهم وتعد، تكريمًا لهم وتعظيما ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (ص: ٥٠).
стр. 469
ومنه قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (السجدة: ١٢) وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ (الأنعام: ٢٧) والتقدير: أرأيت أمرًا عظيمًا، والتقدير: لرأيت أمرًا عظيمًا وشيئًا فظيعًا لا يحيط به الوصف، فقد حذف الجواب هنا قصدًا إلى إفادة التهويل والتفظيع، ومنه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: ٣١) والتقدير: لو أن قرآنا أوتي تلك القوة الخارقة، لكان هذا القرآن، فحَذْف جواب لو هنا يشير إلى وضوحه وظهوره وانصراف الأذهان إليه، لمجرد التلفظ بجملة الشرط.
ومما حذفت فيه الجملة: جواب الاستفهام، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (التوبة: ١٢٧) فحذف جواب الاستفهام وتقديره: لا يرانا من أحد، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ لأنهم لم ينصرفوا إلا بعد تأكدهم من أنه لا أحد يراهم، والحذف هنا يشير إلى حذرهم ومبلغ حيطتهم، وكأن الجواب كان همسًا في الآذان وليس أصواتًا مسموعة. ومن حذف جزء الجملة: حذف الجملة المعطوفة على ما قبلها، كما في قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: ١٠) أي: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه.
ومن حذف الجملة التامة التي تفيد معنى مستقلّا: قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: ٦٠) والتقدير: فضرب فانفجرت، فحذفت جملة ضرب، وحذفها يشير إلى سرعة إجابة موسى ﵇ وامتثاله لأمر ربه، ومنه قول الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال: ٨) والمعنى:
стр. 470
فعل ما فعل من كسر قوة أهل الشرك ليحق الحق ويبطل الباطل، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧) وحُذفت جملة الحال، والتقدير: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، وهما يقولان: ربنا تقبل منا، وهذا الحذف يصور لنا المشهد حيّا بارزًا مُشاهدًا، وكأنك تراه الآن وتشاهد إبراهيم وإسماعيل وهما يدعوان بهذا الدعاء، فكم في الانتقال هنا من الخبر إلى الدعاء من إعجاز فنيٍّ بارز، يكمن وراء طي جملة الحال.
وقد يكون المحذوف من الكلام البليغ أكثر من جملة: كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ (يوسف: ٤٥، ٤٦) والتقدير: فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه وقال له: يوسف أيها الصديق أفتنا، ومثله قول الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٦)، والتقدير: فآتيناهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما فدمرناهم، ويكثر هذا الحذف في النظم القرآني ولا سيما في ميدان القصص؛ حيث يُستغنى عن التفصيلات الجزئية التي تُعرف من السياق وتفهم من قرائن الأحوال، ففي تخطيها وصول إلى العناصر الجوهرية في القصة وإبرازها جلية واضحة، وفي تخطيها أيضًا حثٌّ للمخاطب وتحريك لمشاعره وإثارة لذهنه؛ إذ يفهم تلك المشاهد المطوية ويقف عليها من خلال تأمله وتدبره أحداث القصة ووقوفه على سياقها وقرائن أحوالها.
وهكذا يطال الحذف الكلمة والجملة غير التامة والجملة التامة، لكن لابد في حذف أيٍّ من قرينة تدل على المحذوف وترشد إليه وتعينه، وإلا كان الحذف عبثًا وضربًا من الهذيان؛ إذ يؤدي عندئذ إلى اللبس والإشكال وعدم فهم المراد، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: ٤)، فقد
стр. 471
حذف خبر ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لدلالة خبر ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ عليه وتعيينه له، والتقدير: واللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (فاطر: ٤)؛ حيث حذف جواب الشرط وتقديره: وإن يكذبون فاصبر، ودلت عليه القرينة اللفظية وهي ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، فهذه الجملة ليست هي جواب الشرط وإنما هي علة لجواب الشرط المحذوف، وفيها تسلية لرسول الله ﷺ كي لا يحزن لإعراضهم وتكذيبهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: ١٠) فقد دل المذكور من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، على المحذوف، والتقدير: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل.
المساواة والإطناب
وبعد الانتهاء من الكلام عن الإيجاز بأنواعه وأضربه، يأتي دور الكلام عن المساواة:
وهي -على حد ما ذكر البلاغيون- تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له؛ بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني، لا يزيد بعضها عن بعض ولا ينقص، وقد اتخذوا من متعارف الأوساط مقياسًا يقيسون عليه الكلام، فالكلام إذا قل عن متعارف الأوساط كان إيجازًا، وإذا زاد عنه كان إطنابًا، وإذا جاء على حد متعارف الأوساط فهو المساواة، وهو في باب البلاغة لا يُحمد ولا يُذم، واستشهدوا لها بنحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣) وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام: ٦٨) وقوله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات))، وقول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
стр. 472
وقول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
هذا، ولم تسلم هذه الشواهد التي استشهد بها البلاغيون للمساواة؛ لأنك عند التأمل تجدها راجعة إما إلى الإيجاز أو إلى الإطناب، فمثلًا في الآية الأولى إذا رجعت إلى سياقها في النظم الكريم: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣) تراه قد وقعت تذييلا، والتذييل من أنواع الإطناب، كما أنها أسلوب قصر، والقصر من الإيجاز، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ (الأنعام: ٦٨) وكذا قول الرسول ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات)) لا يخفى عليك رجوعهما إلى إيجاز القِصَر؛ لأن المعاني التي تكمن في الآية الكريمة والحديث الشريف معانٍ كثيرة غزيرة، وألفاظهما قليلة كما ترى، فهو من إيجاز القِصَر كما مر بنا، وتجد في الشطر الأول من بيت طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
إيجازًا بحذف الجار والمجرور، والتقدير: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا به. وفي بيت زهير تجد قوله:
وإن خالها تخفى على الناس
اعتراضًا بين الشرط وجوابه، وهكذا تستطيع أن ترجع ما استشهد به البلاغيون للمساواة إما إلى الإيجاز وإما إلى الإطناب، فالأَولى أن تُجعل المساواة قاصرة على كلام الأوساط؛ لأنها نادرة الوقوع في التعبيرات الجيدة والكلام البليغ، ولأن البلاغيين قد جعلوها خالية من جميع الاعتبارات البلاغية، وقالوا: إنها لا تُحمد ولا تُذم في باب البلاغة.
стр. 473
الذي يعنينا بعد الكلام عن الإيجاز "الإطناب"، وهو في اللغة: مصدر أطنب، يقال: أطنب في كلامه، إذا بالغ فيه وطول ذيوله، وفي عرف البلاغيين معناه: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو عرض المعنى في عبارة زائدة؛ بحيث تحقق الزيادة فائدة، كما في قول الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤)، فقد أراد زكريا ﵇ أن يخبر بكبره وتقدم سنه، فجعل الألفاظ زائدة على المعاني لفائدة، وهي إظهار ضعفه وتأكيد الوهن؛ لأنه لو قال: رب إني قد كبرت لأفاد ذلك الإخبار بتقدم العمر فقط، دون ظهور الضعف، إذ قد يكون مع تقدم سنه قويّا نشيطًا.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٧، ١٨) فقد كان يكفي في الجواب أن يقول موسى ﵇: عصا، ولكنه أطنب وفصّل، فأضاف العصا إليه وذكر وظائفها بعضها مفصلًّا: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾، وبعضها مجملًا: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، ولعله كان يطمع في أن يُسأل عن هذه المآرب فيجيب عنها، وبهذا يمتد الحديث ويطول؛ لأنه في مقام رب العزة سبحانه، وهو مقامٌ يحلو فيه الإطناب؛ لأنه مقام تعظيم وتشريف، فالزيادة في الجواب -كما ترى- تحققُ فائدة، فإذا لم تحقق الزيادة فائدة في الكلام كان تطويلًا أو حشوًا؛ وذلك أنها إذا كانت غير مُتعينة كالمترادفين مثلًا نحو: الكذب والمين، والنأي والبعد، وأقوى وأقفر، ونوم ونعاس، وحظ ونصيب- سُميت الزيادة تطويلًا، من ذلك ما جاء في قول عدي بن الرقاع:
وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومينا
стр. 474
قددت: أي قطعت، والفاعل مستتر يعود إلى الزُّباء ملكة تدمر، والأديم: هو الجلد، والراهشان: عرقان في باطن الذراع، والضمير المضاف إليه يعود لجذيمة بن الأبرش ملك الحيرة وقصتهما مشهورة، فالكذب والمين بمعنى واحد، ولا يتغير المعنى بإسقاط أحدهما، وإذا كانت الزيادة متعينة سميت حشوًا، والحشو نوعان: حشو يفسد به المعنى، كقول المتنبي:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الندى لولا لقاء شعوب
فكلمة "الندى" في البيت حشو أفسد المعنى؛ إذ المراد لا فضل في الحياة للشجاعة والصبر والندى، لولا الموت واعتقاد الشجاع والصابر والجواد أنهم ملاقو الموت، وهذا صحيح بالنسبة للشجاعة والصبر، فاسد بالنسبة للندى؛ إذ الشجاع لو علم أنه مخلّد لن يصيبه الموت لكان إقدامه وشجاعته لا فضل فيهما؛ لأنه أقبل على البطولة وهو على يقين بأن الموت لن يصيبه، وكذا الصابر عندما يعلم أنه لن يموت يكون صبره لا فضل فيه، وإنما تظهر مزية الشجاعة والصبر عندما يعلم صاحبهما أن الموت أمامه، ثم يقبل أو يصبر فعندئذ يكون للإقدام مزية وللصبر فضل، أما الندى فتظهر مزيته ويبدو فضله إذا عَلم صاحبه أنه مخلد ولن يموت؛ لأن علمه بأن الموت لن يلقاه يدعوه إلى الإمساك وادخار المال كي ينتفع به؛ إذ هو مخلد، فإذا جاد به عندئذ ظهر لجوده فضل وبدت له مزية، أما إذا علم أن الموت أمامه وسيلقاه -لا محالة- فهذا يدعوه إلى البذل والعطاء، ولا فضل للندى عندئذ، أما الحشو الذي لا يفسد المعنى فهو كما في قول زهير، وقد مثّلوا به:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
стр. 475
فكلمة "قبله" مستغنى عنها، فهو حشو، ولكن ذكرها لا يفسد المعنى، ومثله قول الآخر في رثاء أخٍ له:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
فلفظ "الرأس" في البيت حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس، وليس بمفسدٍ للمعنى، ومما تجدر الإشارة إليه أن الحكم بزيادة كلمة وعدم فائدتها تابع للمقام والحال التي قيلت في جوِّها الكلمة، أن تقطع بعدم الفائدة إلا إذا أحطت بالسياق وعرفت قرائن أحواله، وعندما تتأمل الأبيات التي استشهد بها البلاغيون للحشو غير المفسد- يتضح لك أن تلك الكلمات التي حكوا بزيادتها وحشوها قد أفادت معنى اقتضاه المقام، فتأمل مثلا عبارة: "دمعًا جرى من مقلة" في قول البوصيري:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
مع ما هو معلوم من أن الدمع لا يجري إلا من مقلة العين، فقوله: "من مقلة" حشو لا فائدة فيه، كذا قالوا، وكذا في قول الآخر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
وقول الآخر:
عاودني صداع الرأس
تجد أن تلك الكلمات "مقلة، الرأس" قد أفادت تأكيدًا اقتضاه المقام، وهذا التأكيد لا يُفاد بطيها؛ ولذا لا نُوافق من قال: بأنها حشو ولا فائدة فيها، ونحن نقول: ذقته بفمي ورأيته بعيني وسمعته بأذني ووطئته بقدمي، ولا يقول أحدٌ: إن تلك الكلمات "بفمي، بعيني، بأذني، بقدمي" زائدة؛ لأنها أفادت تأكيدًا اقتضاه المقام، واقرأ إن شئت قول الله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
стр. 476
بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٥) تجد أن التلقي لا يكون إلا بالألسنة، والقول لا يكون إلا من الفم، ولا يقول قائل: إن هذه الألفاظ زائدة وليس وراءها فائدة؛ لأن المقام قد اقتضاها، والمعنى قد تطلبها. وبهذا يتضح لك أن الأمر يحتاج إلى مراجعة دقيقة للسياق، والوقوف على قرائن أحواله، فالنظرة السريعة العاجلة تجعلك تظن أن الكلمة زائدة ولا معنى لها في النظم، فهي حشو ولكن عند التأمل ومراجعة السياق مراجعة دقيقة واعية، يظهر لك أن المقام قد اقتضاها، وأن هناك معنى دقيقًا يكمن وراءها، ولو طويت لما أفيد ذلك المعنى.
صور الإطناب
هذا، ويقع الإطناب في الكلام على أنواع مختلفة؛ أهمها: الإيضاح بعد الإبهام، وهو أن يجمل المعنى ويبهم ثم يفصّل ويبين، فيبدو في صورتين مختلفتين، وعندئذ يقع في النفس أطيب موقع، ويتمكن لديها أفضل تمكّن؛ لأن المعنى إذا أُلقي على سبيل الإجمال والإبهام تطلعت النفس وتشوفت إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح، فعندما يأتي هذا التفصيل وذاك الإيضاح يكون أشدّ وقعًا وأقوى أثرًا؛ لأنه جاء والنفس عنه تبحث وإليه تتطلع، وهم يقولون: إن الشيء إذا نيل بعد طلب ومشقة وبحث وتنقيب يكون أوقع في النفس وأشد تأثيرًا، ويحدث لها بالوقوف عليه لذةً ومتعة.
стр. 477
من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (الحجر: ٦٦) فقد أبهمت الآية ما قُضي به إلى لوط ﵇ ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ ثم فصلته وبينته ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ففي الإبهام إثارة للمخاطب وتحريك لفكره، فيتطلع إلى إيضاح ما أبهم، وعندئذ يأتي الإيضاح، فيتقرر المعنى في ذهن المخاطب ويقع موقعه، وفي هذا تفخيم وتهويل للعذاب الذي حل بهم؛ لأنه ذُكر مرتين؛ مرة على طريق الإجمال والإبهام ومرة على طريق التفصيل والإيضاح، والشيء إذا ذُكر مرتين كان آكد في النفس وأشد تعلقًا والتصاقًا بالنفس، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الصف: ١٠، ١١) فقد أجملت التجارة التي تنجي من العذاب ثم فُصلت بعد ذلك وبُينت.
ومن صور الإطناب: ذكر الخاص بعد العام، أو العام بعد الخاص، فمن الأول قول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤) فالروح وهو جبريل ﵇ قد ذُكر مرتين؛ مرة مندرجًا تحت العام وهو الملائكة، ومرة وحده، وكأنه جنس آخر غير جنس الملائكة المعطوف عليهم، وهذا تكريم له وتعظيم لشأنه؛ ففي الآية إذن إطناب طريقه ذكر الخاص بعد العام، والغرض منه التنويه بشأن الخاص حيث يُذكر مرتين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: ٢٣٨) فالصلاة الوسطى داخلة في عموم الصلوات، وقد خُصت بالذكر بعد العام تنبيهًا إلى مزيتها وزيادة فضلها.
стр. 478
ومن صور الإطناب أيضًا: التكرار، ويأتي لأغراض كثيرة؛ منها إبراز المعنى وتقريره في النفس، كما في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: ٣، ٤) فقد أكد الإنذار بتكراره؛ ليكون أبلغ تحذيرًا وأشدّ تخويفًا، وفي العطف بالحرف "ثم" ما ينبئ بأن الإنذار الثاني أقوى وأشد من الإنذار الأول، ثم نزّل بُعد المرتبة منزلة البعد الزمني، فعطف بـ ثم، وفي هذا دلالة على التدرج في الارتقاء.
ومنها: استمالة المخاطب وترغيبه في قبول النصح والإرشاد، كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (غافر: ٣٨، ٣٩) ففي تكرار ﴿يَا قَوْم﴾ استمالة لأنفسهم، وترغيب لهم في قبول الحق والاهتداء، ووراء حرف النداء "يا" الموضوع لنداء البعيد تعظيم لهم وتشريف ورفع لمنزلتهم، وفي إضافة القوم إليه ﴿يَا قَوْم﴾ ما يبدد كل شك ويزيل كل ارتياب في نصحه وإخلاصه لهم. منها: التذكير بنعم الله التي لا تحصى ولا تعد، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: ١٣). فقد ذكر -جل وعلا- نعمه نعمة بعد نعمة في هذه السورة وعقّب كل نعمة بهذا الاستفهام الذي يفيد التنبيه إلى نعمه الكثيرة والتذكير بها.
فإن قيل: قد عقب بهذا الاستفهام ما ليس بنعمة كما في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: ٣٥) وقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (الرحمن: ٤٣، ٤٤) قلت: العذاب وجهنم وإن لم يكونا من آلاء الله، فإن ذكرهما ووصفهما على طريق
стр. 479
الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات، يعد من الآلاء والنعم؛ لأن التحذير من المعصية والزجر عنها نعمة منه تعالى؛ إذ ينجم عن التحذير والزجر ابتعاد المؤمن عن المعاصي وعدم اقترابه منها، كذا ذكره القزويني في (الإيضاح). من أغراض التكرار أيضًا: المبالغة في التحذير والتنفير، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: ١٥) التي تكررت في سورة المرسلات عقب جملة من القصص والتذكير بنعمه تعالى؛ حيث أعقب كل قصة بهذا الوعيد: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، وفي هذا ما فيه من التنفير والتحذير.
ومنها: الحث على التذكر والتدبر وأخذ العظة والعبرة، كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧). ومنها: أن يكرر اللفظ لطول في الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١١٠). ومن صور الإطناب: الإيغال، وهو ختم الكلام شعرًا أو نثرًا بما يفيد فائدة يتم المعنى بدونه، كما في قول الخنساء:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه عَلم في رأسه نار
فقولها: "في رأسه نار" إطناب؛ لأنها شبهت أخاها صخرًا بالعلم وهو الجبل المرتفع المعروف، ووجه الشبه هو الاهتداء في كلٍّ، وقد تم التشبيه عند قولها: "كأنه علم" فختمت البيت بما يفيد قوة المبالغة في التشبيه؛ إذ النار في رأس الجبل تزيده وضوحًا وانكشافًا، وهذا أدعى لتمام الهداية وكمالها.
стр. 480
ومن صور الإطناب أيضًا: التذييل، وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها لإفادة التوكيد، فيختلف التذييل عن الإيغال: أن الإيغال يكون بالجملة وبغير الجملة، أما التذييل فلا يكون إلا بالجملة، والإيغال يفيد التوكيد وغيره من الأغراض التي يأتي لها، أما التذييل فهو للتوكيد خاصة، والتذييل كما هو معروف ضربان: تذييل يجري مجرى المثل، كما في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١) فقوله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ تذييل أتى به لتأكيد الجملة قبله، وهو جارٍ مجرى المثل؛ بمعنى أن الجملة الثانية مستقلة بمعناها عن الجملة الأولى، وجارية على الألسنة كما تجري الأمثال التي كثر استعمالها وفشا، فهي لا تحتاج إلى إفادة معناها إلى الجملة السابقة.
وهناك من التذييل ما لم يجرِ مجرى المثل، وهو ما لا يستقل معناه، بل يتوقف على ما قبله، كما في قول الله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ: ١٦، ١٧) فقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تذييل غير جار مجرى المثل؛ لأن معناه لا يُفهم إلا بما قبله. ومن صور الإطناب أيضًا ما أسموه: بالتكميل، ويسمى أيضًا بـ الاحتراس، وهو أن يُؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك التوهم، كما في قول طرفة بن العبد:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
стр. 481
فقوله: "غير مفسدها"، احتراس عن المطر الذي يسبب الخراب والدمار؛ لأن الديمة هي المطر المسترسل، وتهمي بمعنى: تسيل، والمطر إذا كثر وزاد عن حده سبب الخراب والدمار، فدفع الشاعر هذا التوهم بقوله: "غير مفسدها"، ومما جاء من هذا النوع في النظم الكريم قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (النساء: ٩٥) فقوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ احتراس يدفع توهم أن القاعد بعذر داخل في مفهوم عدم الاستواء المذكور، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (النمل: ١٢) فقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احتراس من نحو البهق والبرص.
هذا، ومن صور الإطناب أيضًا: التتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة، مثل المفعول أو الحال أو الجار والمجرور، ونحو ذلك مما ليس بجملة مستقلة، ولا ركن من أركان الكلام، وذلك لإفادة نكتة بلاغية كما في قول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨) وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (البقرة: ١٧٧) وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢) فإن قوله عز من قائل: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فضلة، وتركها لا يجعل الكلام موهمًا خلاف المقصود، وقد أتي بها في النظم الكريم لنكتة بلاغية، وهي إفادة المبالغة في مدح هؤلاء الذين يُؤثرون على أنفسهم ويطعمون وينفقون مالًا قد أحبوه وطعامًا قد اشتهوه وأرادوه.
стр. 482
ومن ذلك أيضًا: الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام الواحد أو بين كلامين متصلين في المعنى، بأن يكون ثانيهما تأكيدًا لأولهما، أو بيانًا له أو بدلًا أو معطوفًا بجملة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب، لنكتة سوى دفع الإيهام، وذلك كالتنزيه في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: ٥٧) فجملة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ جملة اعتراضية الغرض منها تنزيهه تعالى عن اتخاذ البنات، و"سبحان" جملة لأنها واقعة موقع المصدر الذي هو التنزيه، والمعنى: أنزهه تنزيهًا، وكالتعظيم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٧) فقد اعتُرض بين القسم وجوابه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وداخل هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الصفة والموصوف، وهو ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ وقد أريد بالاعتراضين تعظيم القسم وتفخيم أمره، وفي ذلك تعظيم للمقسم عليه وهو القرآن الكريم، وتنويه برفعة شأنه. ومما جاء في التعريض قول الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فالشاعر يخبر بتقدم سِنه وضعف سمعه، حتى صار يحتاج إلى من يسمعه القول، وجملة "وبلغتها" جملة معترضة أريد بها الدعاء للمخاطب بطول العمر، وإثارة عطفه على الشاعر.
تلك هي أهم صور الإطناب. وبها ينتهي درسنا، وبانتهائه ننهي هذا المنهج المقرر عليكم هذا العام.
مع خالص تمنياتي لكم بالنجاح، وبدوام التوفيق والسداد، أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.