Полный текст (482 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
في غير القرآن: خافضة ورافعة لم يفد ذلك، وكذا قولنا: فلان كاتب شاعر، يخالف: فلانٌ شاعر وكاتب؛ فالأول أفاد اجتماع الكتابة والشعر، والثاني أفاد كمال اتصافه بكل صفة على حدة، وهكذا.
باب: الوصل والفصل بين الجمل
وننتقل بعد الحديث عن المفردات للحديث عن باب الوصل والفصل بين الجمل:
قد ذكرنا وعرفنا فيما سبق أن الجمل نوعان: جمل لها محل من الإعراب، وجمل لا محل لها من الإعراب، كما عرفنا أن الجمل التي لها محل من الإعراب حكمها حكم المفرد؛ لأنها تقع موقعه وتأخذ حكمه الإعرابي، فالعطف عليها يكون بمثابة العطف على المفرد، وهذه حقائق يؤكدها الإمام عبد القاهر، فيقول: "الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين؛ أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضعٌ من الإعراب، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد؛ إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعةً موقع المفرد، وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريًا مجرى عطف المفرد، وكان وجه الحاجة إلى الواو ظاهرًا والإشراك بها في الحكم موجودًا"، انتهى من (دلائل الإعجاز).
وهذا لا يعني أن الجمل التي لها محل من الإعراب لا تخضع لما تخضع له الجمل الأخرى التي ليس لها محل من الإعراب، بل هي خاضعة لما تخضع له، وما يجري على هذه من أحكام الفصل والوصل يجري على تلك، بالإضافة إلى أن الجمل التي لها محل من الإعراب تختص بخضوعها لهذا الحكم الظاهر، وهو وقوعها موقع المفرد، فإذا أردنا إشراك الجملة الثانية للأولى في حكمها الإعرابي عطفنا بالواو مع مراعاة المناسبة أو الجهة الجامعة التي تسوغ العطف، وإذا لم نرد
стр. 422
التشريك في الحكم الإعرابي يمتنع العطف، ففي قول الله تعالى مثلا: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (البقرة: ٢٤٥) نرى أن جملة ﴿يَقْبِضُ﴾ وقعت خبرًا للفظ الجلالة، وجملة ﴿وَيَبْسُطُ﴾ عطفت عليها بالواو؛ لأن القصد مجرد إشراك الثانية للأولى في الحكم الإعرابي، وهو وقوعها خبرًا للمبتدأ.
وبين الجملتين تناسبٌ؛ إذ المسند إليه في كلٍّ منهما واحد وهو الله وبين المسندين أيضًا ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ تضاد، فهما متناسبان، وسرّ بلاغة الوصل في هذا الموطن أن الآية الكريمة تصوِّر عظمة القادر وأنه بيده الأمر وإليه المرجع، فالجمع بين القبض والبسط مما يحقق ذلك، ولو ترك العطف فقيل في غير القرآن: والله يقبض يبسط -بدون الواو- لكان ذلك موهمًا أن قولنا: يبسط، رجوعًا عن قولنا: يقبض، وإبطال له، وبالطبع ليس الأمر كذلك. أما إذا لم يُقصد تشريك الجملة الثانية للأولى في الحكم الإعرابي، فإنه يتعين فصلهما؛ لأن الوصل عندئذ يُوهم خلاف المراد، تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥) تجد أن جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قد فصلت عن جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ حيث لم يقصد التشريك بينهما في الحكم الإعرابي، فجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مقول القول، وجملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إخبارٌ من الله ولو وصلت بالأولى لأدى هذا الوصل إلى توهم أنها من مقول المنافقين، فدفعًا لهذا التوهم تعيّن الفصل بينهما.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ١١، ١٢)
стр. 423
فجملة ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ لم يُقصد تشريكها في الحكم الإعرابي لجملة: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لأنها ليست من مقولهم، بل هي من كلام رب العزة سبحانه، إخبارًا منه تعالى، ولذا وجب الفصل بينهما حتى لا يُتوهم غير المراد. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٣) فقد فصل ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ عن ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، حتى لا يتوهم أنها من كلام المنافقين؛ إذ هي من كلام رب العزة سبحانه إخبارًا منه تعالى، والوصل يُوهم أنها من مقول المنافقين، وهو ما لا يخفى فساده.
وخلاصة القول: أن الجمل التي لها محل من الإعراب إذا قُصد إشراكها في الحكم الإعرابي وصلت، وقد ترد نادرًا بلا وصل، وإذا لم يُقصد التشريك وجب فصلها؛ إلا أن الوصل عندئذ يُوهم خلاف المراد، وهذا الحكم يختص -كما هو واضح- بالجمل التي لها محل من الإعراب، ثم هي من بعد ذلك تخضع لأحكام فصل ووصل الجمل التي ليس لها محل من الإعراب. وكان البلاغيون قد ذكروا أن الفصل بين الجمل ينحصر في خمسة مواضع، هي: كمال الاتصال، كمال الانقطاع، شبه كمال الاتصال، شبه كمال الانقطاع، التوسط بين الكمالين مع وجود المانع من العطف، وهو عدم الإشراك في الحكم الإعرابي.
стр. 424
ونبدأ بكمال الاتصال. هو أن تتفق الجملتان في الإنشائية أو الخبرية -لفظًا ومعنى أو معنى فقط- ويكون بينهما من الاتصال والاتحاد والتلاحم ما يمنع العطف بالواو؛ لأن العطف وصلٌ خارجي، وهذه الجمل قد صار ما بينها من التلاحم والاتصال والترابط أقوى وأشد من الربط الخارجي، وترجع قوة اتصال تلك الجمل وشدة ترابطها إلى أمور ثلاثة:
الأول: أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا أو معنويًّا، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٧) تجد أن الجملة الثانية ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ توافق الجملة الأولى في اللفظ والمعنى، وأنها توكيد لفظي لها؛ ولذا صارت الصلة قوية بين الجملتين، فلا تحتاج إلى ربط بالواو؛ لأن التوكيد والمؤكد كالشيء الواحد، ومن ثم ترك العطف لعدم صحة عطف الشيء على نفسه، وتأمل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) تجد أن الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أفادت أن القرآن الكريم هو الكتاب الكامل، الذي بلغ الغاية القصوى في كمال الهداية، وترجع هذه الإفادة إلى تعريف الطرفين؛ تعريف المسند إليه باسم الإشارة الدال على البعيد ﴿ذَلِكَ﴾، إشارة إلى بعد المنزلة وعلو المكانة، وتعريف المسند بالألف واللام ﴿الْكِتَابُ﴾، وجملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تفيد نفي الريب عنه، وأنه لا يتطرق إليه شك، وهذا تقريرٌ وتأكيد لمعنى الجملة الأولى؛ إذ يلزم من بلوغ القرآن الكريم درجة الكمال ألا يكون محلًّا للريب والشك، فجاءت جملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ مقررةً لهذا المعنى ومؤكِّدة له.
стр. 425
وجملة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تفيد بلوغ القرآن في الهداية مبلغًا لا يُدرك كنهه، حتى كأنه هداية محضة، وهذا مأخوذٌ من تنكير ﴿هُدًى﴾ الذي يدل على التعظيم، ومن أنه لم يقل: هادٍ، بل ﴿هُدًى﴾، و ﴿هُدًى﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هو هدى، فهو الهداية نفسها، ولا يخفى عليك تأكيد هذه الجملة لمعنى الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ ولذا تُرك العطف بين هذه الجمل؛ لأن بينها اتصالا قويا، فهي لا تحتاج إلى ربط بالواو.
وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤)، فإنك ترى أن جملة ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ جاءت مؤكِّدة لجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ لأنهم ما داموا مستهزئين بالإسلام وأهله فهم مستمرون في معية شياطينهم، ولاحظ أن الجملتين قد وقعتا مقولًا للقول، وهذا يُؤكد ما قلناه من أن الجمل التي لها محل من الإعراب، تخضع لمواضع الفصل والوصل التي تخضع لها الجمل التي ليس لها محل من الإعراب، وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ٦ - ٩) تجد أن جملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جاءت مؤكّدة لجملة: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ لأن معنى الثانية: يستوي عندهم الإنذار وعدمه، وجملة ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ تأكيد ثانٍ أبلغ من التوكيد الأول؛ لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم يُنذر، كان في غاية الجهل وكان مطبوعًا على قلبه لا مَحالة؛ ولذا تُرك العاطف بين هذه الجمل الثلاث لما بينها من كمال الاتصال.
стр. 426
كما تجدُ أن جملة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ٩) جاءت مؤكِّدة لجملة: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨) لأن من يُضمر خلاف ما يُظهر فإنه يخادع، وانظر إلى قوله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (لقمان: ٧) تجد أن جملة: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ جاءت مؤكدة لجملة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ لأن معنى ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ أنه لم يسمعها مصادفة أو قصدًا لعدم سماعها، ومعنى الثانية: أنه لم يسمعها لفساد سمعه، فلما كانت الثانية مقرِرة ومؤكدة للأولى تُرك العطف لما بينهما من كمال الاتصال.
وعلى ما ألمحنا: فإن الجملة الثانية المؤكدة للأولى، إما أن تكون بمثابة التوكيد اللفظي وهو ما يكون مضمون الجملة الثانية فيه مؤكدًا لمضمون الجملة الأولى لاتفاق مفهوميهما كما رأينا في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٧) وكما في الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) فجملة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يتفق مفهومها مع جملة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ لأن الكمال فيهما كمالٌ في الهداية كما رأينا، وإما أن تكون الثانية مُنزّلة من الأولى منزلة التوكيد المعنوي، وهو أن يختلف مفهوم الجملتين، ويكون معنى الثانية مقرِرًا لمعنى الأولى على نحو ما رأينا في الشواهد المذكورة، وهذا يعني أن الجملة الثانية تَتضمن معنى جديدًا ولكنه يؤكد معنى الأولى.
وتأمل قوله في الآية التي ذكرناها: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (لقمان: ٧) تجد أن الجملة الثانية تحمل معنى جديدًا يخالف معنى الأولى، ولكنه يؤكده ويقرره، ومثله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: ٢) فجملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تحمل معنى جديدًا هو نفي الريب عن القرآن، وهذا المعنى يُؤكد ويقرر معنى الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
стр. 427
ومن أقوالهم في هذا قول المتنبي:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا
فالشطر الأول لم يعطف على الشطر الثاني؛ لأنهما قد اتحدا في المعنى واللفظ، ومن ثم فلا حاجة إلى وصلهما بالواو لقوة الرابطة وشدة الاتصال بينهما. الصورة الثانية: أن تكون الجملة الثانية مُنزلة من الأولى منزلة بدل الكل أو البعض أو بدل الاشتمال. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (الشعراء: ١٣٢ - ١٣٤) فقد فُصِلت الجملة الثانية ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ عن الأولى ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لأن الثانية بمثابة بدل البعض من الأولى؛ حيث إن النعم الأربع المذكورة بعضٌ من النعم التي يعلمونها، فبين الجملتين ترابطٌ قوي وكمال اتصال لا تحتاج معه إلى ربط بالواو، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (الرعد: ٢) فقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ بدل بعض من قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ لأن تدبير الأمر يشمل تفصيل الآيات وغيره.
وخذ قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: ٨١، ٨٢) تجد أن الجملة الثانية بمثابة بدل الكل من الجملة الأولى، وقوله : ﴿قَالَ يَا قَوْم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (يس: ٢٠، ٢١) فُصِلت فيه الجملة الثانية: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ (يس: ٢١) عن الأولى: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ لأن الثانية بمنزلة بدل الاشتمال من الأولى؛ إذ المراد من الأولى حمل المخاطبين على اتباع الرسل، والجملة الثانية أوفى بهذا لأن معناها: لا
стр. 428
تخسرون شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم، فيكون لكم جزاء الدنيا وجزاء الآخرة، ولا يخفى عليك أن الجملة الثانية التي هي بمثابة البدل أوفى بتأدية المعنى من الأولى، فقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أوفى بتأدية المعنى المراد من قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ حيث دلت على المعنى بالتفصيل من غير إحالة إلى علمهم وهم المعاندون. وانظر في قول القائل:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
تجد أن قوله: "لا تقيمن" بدل اشتمال من قوله: "ارحل"، وقوله: "لا تقيمن" أوفى بتأدية المراد؛ إذ المقصود إظهار شدة الكراهية لإقامته بسبب خلاف سره العلن، وقوله: "لا تقيمن"، يحقق ذلك؛ لأنك إذا قلت: لا تقم عندنا، لم تقصد كفه عن الإقامة فحسب، وإنما تقصد إظهار الكراهة لإقامته. الصورة الثالثة من صور كمال الاتصال: أن تكون الجملة الثانية بيانًا للجملة الأولى، كما في قوله ﵎: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (طه: ١٢٠) ففي الجملة الأولى خفاء وإبهام، وفي الثانية بيان وإيضاح له، والبيان والمبين كالشيء الواحد، فلا يُعطف أحدهما من ثَمَّ على الآخر؛ لما بينهما من قوة الترابط وكمال الاتصال.
وتكمن بلاغة هذه الصورة في أن البيان بعد الإبهام وقعًا في النفس وأثرًا حسنًا، فالشيء إذا أبهم تطلّعت إليه النفس واشتاقت لبيانه، فإذا ما جاء البيان صادف نفسًا يَقظة متطلعة فيتمكن فيها فضل تمكن، ومن شواهده كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ٣) فجملة الاستفهام بيانٌ لقوله:
стр. 429
﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: ٤٨) فإن جملة ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ﴾ بيانٌ لجملة ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾. وانظر إلى قول لبيد:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتَ في خلَف كجلد الأجرب
يتآكلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغبِ
تجد أن قوله: "يتآكلون مغالة وخيانة" بيانٌ لقوله: "بقيت في خَلَف كجلد الأجرب". وخذْ مثلًا قوله تعالى: ﴿وإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (البقرة: ٤٩) فإنك تجد أن جملة ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ والجملة المعطوفة عليها ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بيان وإيضاح لجملة ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ ولذا لم يُعطفا عليها بالواو لما بينهما من شدة ترابط وقوة تلاحم وكمال اتصال.
ثم انظر إلى قوله عز جل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (إبراهيم: ٦) تجد أن الواو في هذه الآية قد وَصلت جملتي ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وذلك لأن المقام هنا مقام تذكير بنعم الله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا يقتضي تعداد النعم، فجعل الإنجاء من سوء العذاب نعمة،، وإنجاء الأبناء من التذبيح نعمة أخرى، وكأن التذبيحَ جنسٌ آخر لأنه أوفى على جنس العذاب وزاد عليه،
стр. 430
ثم جاء إنجاء النساء من الاستحياء نعمةً ثالثة، أما في سورة البقرة فليس المقام مقام تذكير بالنعم، بل هو سرد للقصة وعرضٌ لها، وهذا قد اقتضى أن تكون الجملة الثانية وما عطف عليها: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (البقرة: ٤٩) بيانًا وتفسيرًا للجملة الأولى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وليستا جنسين آخرين مغايرين لسَوم العذاب.
يقول الزمخشري: "فإن قلت: في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ وفي الأعراف ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ (الأعراف: ١٤١) وها هنا ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ مع الواو فما الفرق؟ قلتُ: الفرق أن التذبيح حيث طُرح الواو جُعل تفسيرًا للعذاب وبيانًا له، وحيث أُثبت جُعل التذبيح لأنه أوفى على جنس العذاب وزاد عليه زيادةً ظاهرة، كأنه جنس آخر"، انتهى من (الكشاف).
وهذا هو شأن الواو عندما تأتي بين الجمل التي بينها كمال اتصال وقوة ترابط؛ لأن ما فيها من معنى التغاير الذي لا يبرحها ينعكس على هذه الجمل، فيوهم أنها معانٍ متمايزة ومختلفة، فوراء ذلك تكمن الأسرار والدقائق اللطيفة، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الشعراء: ١٥٣، ١٥٤) ثم إلى قوله في نفس السورة عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الشعراء: ١٨٥ - ١٨٧) تجد أن الواو قد ذُكرت بين جملتي: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (الشعراء: ١٥٣، ١٥٤) في مقالة أصحاب الأيكة لشعيب، وتُركت في مقالة ثمود لصالح.
стр. 431
ويُعلل الزمخشري ذلك بقوله: "فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو ها هنا وتركها في قصة ثمود؟ قلتُ: إذا أُدخلت فقد قصد معنيان كلاهما منافٍ للرسالة عندهم؛ التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرًا ولا يجوز أن يكون بشرًا، وإذا تُركت الواو لم يُقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحّرًا، ثم قرر بكونه بشرًا مثلهم". كذا في (الكشاف). وكأن أصحاب الأيكة أرادوا أن يُعددوا في مقالتهم الأسباب المنافية للرسالة؛ ولذا أضافوا: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الشعراء: ١٨٦) فصارت الأسباب ثلاثة: كونه مسحرًا وكونه بشرًا وكونه من الكاذبين، أما ثمود فكأنهم لم يقصدوا تعدادًا لهذه الأسباب؛ ولذا ذكروا سببًا واحدًا وهو كونه مسحرًا، ثم قرروه بكونه بشرًا.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: ٥٨) وقوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٧) وتأمل، فإنك تجد أن جملة ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ جاءت مؤكّدة ومقررة للجملة قبلها: ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾، وكذا جملة ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ جاءت مؤكدة لقوله: ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ فبين الجملتين كمال اتصال، وعلى الرغم من ذلك لم تترك الواو، بل جيء بها لغرض لطيف وسر دقيق وهو التنويه بشأن الميثاق والتفخيم والتهويل من شأن العذاب؛ ولذا وَصف كلًّا منهما بالغلَظ، فالعطف بالواو مع الوصف بالغلظ يُوهم أن الميثاق المأخوذ من النبيين صار كأنه ميثاق آخر مغاير للأول، وأن العذاب الذي نُجي منه هود ومن معه صار كأنه عذابٌ آخر غير الأول، وفي هذا ما يُنبئ بعظم الميثاق ويومئ إلى هول العذاب وفظاعته.
стр. 432
وتأمل معي الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: ١٨)، وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٨)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٤٢)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: ٥)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان: ٥)، فإنه لا يخفى عليك مجيء الواو في هذه الآيات بين جملٍ بينها قوة ترابط وشدة تلاحم وكمال اتصال، وأن هذا المجيء يُنبئ بمعانٍ دقيقة وأسرار لطيفة، فتكرار الأمر بالتقوى وعطف أحدهما على الآخر، يؤذن بأن الأمر الثاني غير الأول، ووراء ذلك إعلاء بشأن التقوى وحث عليها، وكذا وصل الأمرين بالذكر: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ إعلاء لشأن الذكر وحض عليه، وكأن الأمر الثاني غير الأول، وفي عطف الاصطفاء على الاصطفاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ إيهامٌ بأنهما متغايران، وكأن الله اصطفاها أولًا، ثم رجع فاصطفاها ثانيًا، وفي هذا مزيد تكريم.
ومثله عطف الفلاح على الهدى في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ (البقرة: ٥) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وفي آية الرعد أبرزت الواو ثلاث صور متغايرة للذين كفروا، في كل صورة منها من البشاعة والشناعة ما يجعلها شيئًا قائمًا برأسه مستقلًّا عن غيره. وهكذا، يتضح لنا أن مجيء الواو بين الجمل التي قد اشتد ترابطها وقوي تلاحمها وكمل اتصالها، وراءه من الأسرار واللطائف ما لا يخفى على المتأمل الواعي والناظر الدقيق.
стр. 433
الموضع الثاني من مواضع الفصل بين الجمل: كمال الانقطاع بلا إيهام، وهو أن يكون بين الجملتين تباين تام وانقطاع كامل، ويرجع ذلك إلى اختلافهما إنشاء وخبرًا، لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، أو إلى فقدان المناسبة بينهما، ويجب أن تعلم أن البلاغيين لا يجوّزون بهذا تفكيك الكلام وتنافر جمله وعدم ارتباط أجزائه وتباعد معانيه؛ بحيث لا يضمه سياق ولا يجمعه قِران، كما أنهم لا يقصدون بكمال الانقطاع جواز الجمع بين الجمل المتشاردة؛ لأن هذه الجمل لا يضمها سياقٌ واحد ولا يجمعها قران واحد، سواء أعطفت أم لم تُعطف، وإنما يريدون به فقدان المناسبة الخاصة التي تسوغ العطف وتجوز الوصل. ذكر البلاغيون أن كمال الانقطاع إنما يتحقق في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: ٣٤) فالجملة الأولى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إنشائية لفظًا ومعنى، والفصل بينهما لا يوهم خلاف المقصود؛ ولذا وجب الفصل بينهما، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩) وقوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ (الأنعام: ١٠١) وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ٩٩) فقد فُصل بين الجمل في هذه الآيات الكريمة لاختلافها إنشاءً وخبرًا، لفظًا ومعنى؛ ولأن الفصل بينها لا يُوهم خلاف المقصود.
стр. 434
وانظر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: ١٥١) وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) وقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة: ٨٤)؛ تجد أن الجمل الخبرية: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ﴾ ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ قد فُصلت عن الجمل الإنشائية قبلها، وهذا الفصل إما أن يكون سببه كمال الانقطاع؛ حيث اختلفت الجملتان خبرًا وإنشاء لفظًا ومعنى، وإما أن يكون سببه شبه كمال الاتصال الآتي بيانه؛ حيث وقعت الجملة الثانية جوابًا لسؤال أثارته الأولى. من ذلك قول الشاعر:
وقال رائدهم ارسوا نزاولها ... فكل حدس امرئ يجري بمقدار
حيث فصل جملة "نزاولها" عن جملة "ارسوا" لكمال الانقطاع، ومثله قولك: لا تدن من الأسد يأكلُك، برفع يأكل. الصورة الثانية: أن تختلف الجملتان إنشاء وخبرًا معنى فقط، وتتفقا لفظًا؛ كقولنا: مات فلان ﵀ وقال عمر ﵁ فجملة ﵀، ورضي الله عنه كلٌّ منهما خبرية لفظًا وإنشائية معنى؛ لأنهما دُعائيتان؛ ولذا فُصل بين كل منهما وبين الجمل السابقة لاختلاف الجملتين خبرًا وإنشاء معنى فقط، ومن ذلك قول الشاعر:
وقال إني في الهوى كاذبٌ ... انتقم الله من الكاذب
فجملة "انتقم الله" جملة دُعائية، فهي خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ ولذا فُصل بينها وبين جملة: "قال: إني في الهوى كاذب".
стр. 435
هذا ويشترط للفصل ألا يوهم خلاف المراد، كما في الأمثلة المذكورة، فإن أوهم خلاف المراد وجب الوصل، كقولك لصديق لك: أشفي أخوك؟ فيجيبك: لا، وعافاك الله. الصورة الثالثة: أن تتفق الجملتان خبرًا أو إنشاء، لفظًا ومعنى، ولكن يُفقد الجامع بينهما؛ أي لا توجد المناسبة المعِينة الخاصة التي تصحح العطف، وذلك نحو قول أبي العتاهية:
الفقر فيما جاوز الكفاف ... من اتقى الله رجا وخاف
فقد اتفقت الجملتان في الخبرية لفظًا ومعنى، ولكن لم توجد المناسبة التي تسوّغ عطف الثانية على الأولى؛ ولذا فُصل بينهما ومثله قول الآخر:
إنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه
فلا يوجد الجامع الذي يصحح عطف الجملتين على الرغم من اتفاقهما في الخبرية لفظًا ومعنى؛ ولذا فُصل بينهما في البيت، ويعني البلاغيون بالجامع أو التناسب بين الجملتين أن يكون المسند إليه في إحداهما بسببٍ من المسند إليه في الأخرى، وكذلك المسند. هذا ما أجمع عليه البلاغيون، والجمهور يرى أن تتوفر المناسبة أيضًا في المتعلقات. الذي نريد أن ننبه إليه الآن هو أن البلاغيين لا يَعنون بفقدان الجامع جواز الجمع بين جمل شاردة متنافرة، لا يتأتى أن يضمها سياق واحد، وأن يُعد الفصل بين تلك المتنافرات مبررًا لوضعها في قران وجمعها في سياق واحد، بل إن مرادهم -كما قلنا مرارًا- لفقدان الجامع المناسبة الخاصة التي أشرنا إليها، لا المناسبة العامة التي ينبغي توافرها بين الجمل سواء عُطفت أو لم تعطف.
стр. 436
إذن نخلص من هذا إلى أن الاستئناف ثلاثة أنواع: استئناف بالواو أو الفاء، واستئناف بغير الواو والفاء، وهو ما يكون في تلك الجمل التي تتفق إنشاء أو خبرًا لفظا ومعنى، ولا يوجد بينهما الجامع المسوغ للعطف، فتأتي الجملة الثانية وقد استؤنفت أي ابتدئ بها معنى جديد، واستئناف بياني، وهو شبه كمال الاتصال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 437
الدرس: ٢٠ تابع: باب الفصل والوصل .
стр. 438
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(تابع: باب الفصل والوصل)
باقي مواضع الفصل بين الجمل
الحمد لله وكفى وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، ثم أما بعد:
فكنا قد بدأنا الحديث عن الفصل والوصل، وتحدثنا خلال ذلك عن موضعين من مواضع الفصل بين الجمل، وهما: كمال الانفصال، وكمال الانقطاع، ونستكمل باقي مواضع الفصل بين الجمل، لنُثني بعد ذلك بالحديث عن مواضع الوصل، فإنه يُفصل بين الجمل -من غير ما ذكرنا من كمال الاتصال وكمال الانقطاع- بما أطلق عليه البلاغيون شبه كمال الاتصال أو ما يسمى بالاستئناف البياني، وهو أن تكون الجملة الأولى متضمّنة لسؤال تقع الجملة الثانية جوابًا له، كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (هود: ٤٦)، فالجملة الأولى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أثارت سؤالًا فحواه: كيف لا يكون من أهلي وهو ابني، وجاءت الجملة الثانية جوابًا لهذا السؤال المثار: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
ولكون الجملة الثانية جوابًا لسؤالٍ تتضمنه الجملة الأولى وينبعث منها، كانت مرتبطةً به ارتباطًا وثيقًا كما يرتبط الجواب بالسؤال، ومن ثَمّ تُرك العطف بينهما لأن الجواب لا يُعطف على السؤال، لما بينهما من ترابط وثيق وصلة قوية. وانظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: ٨ - ١١) وقوله : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (البلد: ١٢، ١٣) وقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الحج: ٧٢) تجد الجواب قد فُصل عن السؤال المصرح به في هذه الآيات الكريمة، وفَصل الجواب عن السؤال المصرح به إما لكمال الاتصال لما بين السؤال والجواب من صلةٍ قوية، وإما لكمال الانقطاع لأن جملة السؤال إنشائية وجملة الجواب خبرية، وكما فُصِل الجواب
стр. 439
عن السؤال المصرح به فإنه يُفصل كذلك عن السؤال المقدر الذي اقتضته الجملة الأولى، وأثارته في ذهن المخاطب.
وقد ذكر البلاغيون أن سبب الفصل عندئذ هو الاستئناف البياني؛ أي شبه كمال الاتصال، وليس لكمال الاتصال الذي مر؛ لأن الجواب ليس بيانًا للجملة الأولى، بل لشيءٍ ينبعث منها وهو السؤال الذي أثارته واقتضته، ومن ثم وقد سمي الاستئناف ها هنا استئنافًا بيانيًّا، وهو غير الاستئناف بالواو أو الفاء، أو الاستئناف بالجملة أي القطع؛ لأنه استئناف يوضّح ويبين جواب السؤال المثار المنبعث من الجملة الأولى، فالجملة الثانية ليست منفصلةً عن الأولى في الواقع ولا منقطعةً عنها، بل مبينة وموضحة لشيء فيها؛ ولذا سُميت الثانية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. هذا، والسؤال المنبعث من الجملة الأولى قد يكون عن السبب العام، كما في قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت قلت: عليل ... سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلٌ
فجملة "قلت عليل" أثارت سؤالًا عن سبب العلة، تقديره: ما سبب علتك؟ وجاءت الجملة الثانية "سهر دائم وحزن طويل" جوابًا له، أما جملة "قلت عليل" فمفصولة عن السؤال المصرح به قبلها لكمال الاتصال أو لكمال الانقطاع، كما أوضحنا، ومن ذلك قول أبي العلاء المعري:
وقد غرضتُ من الدنيا فهل زمني ... معطٍ حياتي لِغِرٍّ بعدما غرض
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضًا
تساؤلًا عن سبب سأمه وضجره، فكأن قائلا قال له: لم تقول هذا ويحك؟! وما الذي جعلك تطوي عن الحياة إلى هذا الحد كشحك؟ فأجاب بالبيت الثاني عن هذا التساؤل المنبعث من البيت الأول:
جربت دمعي وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضًا
стр. 440
لذا فصل -أو قل ترك- العطف بينهما لما بين السؤال والجواب من اتصالٍ وثيق وترابط قوي، وخذ عندك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: ٣٠) تجد أن جملة ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ قد أثارت سؤالًا عن سبب تلك المراودة وهو سؤال عن السبب العام، وقد جاء جوابه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (يوسف: ٣٠) ثم إن هذا الجواب أثار تساؤلًا آخر فحواه: وما رأيكن في هذا؟ فأجيب: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وتلاحظ أن هذا التساؤل الثاني ليس عن السبب، بل هو عن رأيهن فيما صنعته امرأة العزيز من المراودة الناجمة عن حبها فتاها. وقد يكون السؤال المثار عن السبب الخاص؛ أي عن سبب معين محدد، كما في قول الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخَ بآخرين
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيَلقى الشامتون كما لقينا
فقد انبعث من شطر البيت الثاني تساؤلٌ عن سببٍ معين، وكأن سائلًا سأل: لمَ نقول لهم: أفيقوا؟ هل سيلقوا كما لقيتم؟ فأجيب: "سيلقى الشامتون كما لقينا"، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: ٥٣)؛ حيث فصلت: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عما قبلها؛ لأنها وقعت جوابًا لسؤال تضمنته وهذا السؤال عن السبب الخاص؛ إذ فحواه: لم نُفيت التبرئة عن النفس؟ هل النفس أمارة بالسوء؟ فجاء الجواب: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، ومنه أيضًا قوله : ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ
стр. 441
خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٣٨، ١٣٩) فقد فُصلت الجملتان ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ عما قبلهما لشبه كمال الاتصال؛ حيث وقعت كلٌّ منهما جوابا لسؤال اقتضته الجمل قبلها، وكأن سائلًا سأل: لم هذه الافتراءات؟ ولم تلك الأوصاف الجائرة؟ هل يُجزون عن ذلك؟ فجاءت الإجابة: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾.
وواضحٌ أن السؤال المثار في الآيتين عن السبب الخاص، وقد يكون السؤال المنبعث من الجملة الأولى من غير سبب، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٤ - ٢٨) فقد فُصلت الجمل ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ عما قبلها؛ لأنها أجوبة لما تضمنته تلك الجمل من أسئلة أثيرت في ذهن السامع، وكأنه سأل: فماذا قال إبراهيم؟ فأجيب: قال سلام، قال: ألا تأكلون، وماذا قالت الملائكة؟ قالوا: لا تخف وبشروه، ومثل هذا كلّ ما تراه في التنزيل من لفظ "قال" مفصولا عما قبله، غير معطوف عليه بعاطف. وإما جاء مندرجًا تحت شبه كمال الاتصال، ومن ثم وجب الفصل بين جملتيه، قول الشاعر:
زعم العوازل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرةً لا تنجلي
стр. 442
فالجملة الأولى: زعم العوازل أنني في غمرة، حرّكت السامع وأثارت في ذهنه سؤالًا: أصدقوا في ذلك الزعم أم كذبوا؟ فأُخرج الكلام مخرجه لو كان ذلك قد قيل له ففصل جملة صدقوا، ومن الشواهد على ذلك أيضًا قول أبي تمام:
ليس الحجابُ بمقصٍ عنك لي أملا ... إن السماء تُرجّى حين تحتجب
فكأن سائلا سأله: كيف لا يحول الحجاب بينك وبين تحقيق آمالك ومآربك؟ فأجاب: إن السماء تُرجى حين تحتجب، ومنه قول الآخر:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الكريم يرى في ماله سبلا
وكأن المخاطب عندما سمع الشطر الأول سأله: وما رأي الكريم في ماله؟ فأجاب: إن الكريم يرى في ماله سبلا، ومنه كذلك قول الآخر:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء
فعندما قال الشاعر: "فغنّها وهي لك الفداء"، توهم أن سائلا سأله: وما غناء الإبل؟ أغناؤها الحداء أم أنك تقصد شيئًا آخر غير الحداء؟ فأجاب: إن غناء الإبل الحداء. وترجع بلاغة هذا الأسلوب إلى ما يفيده من إثارة المخاطب وتحريك ذهنه، فهذا السؤال المنبعث من الجملة الأولى قد انبعثَ في ذهن المخاطب أو في ذهن المتكلم، الذي أدرك أن الجملة ينبعث منها هذا السؤال، وأن المخاطبَ ينتظر جوابًا له وبيانًا، فعندما يأتي البيان ويرِد الجواب يقع في النفس أحسن موقع وأفضله؛ ولذا قال خلف الأحمر لبشار وقد استمع لبيتيه:
بكِّرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاحَ في التبكير
"لو قلت يا أبا معاذ: بكّرا فالنجاحُ، كان أحسن فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية، ولو قلت: بكّرا فالنجاح، كان من كلام المولدين"، ومراده أن التكرار -أي تكرار فعل الأمر- أفاد التأكيد بوجهٍ ظاهر، لا دقة فيه، أما ما صنعه
стр. 443
فقد أفاد التوكيد بوجه خفي دقيق، مرجعه إلى انبعاث السؤال من الجملة الأولى، وإجابة الجملة الثانية عنه. وقد أجمل القزويني سرّ بلاغة هذا الأسلوب في قوله: "وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة؛ إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل، أو لئلا يُسمع منه شيء، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ، وهو تقدير السؤال وترك العاطف أو لغير ذلك مما ينخرط في هذا السلك". انتهى. هذا، ومن الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه، كقولك: أحسنتَ إلى زيد، زيدٌ حقيق بالإحسان، ومنه ما يُبنى على صفته كقولك: أحسنتُ إلى زيد، صديقك القديم أهلٌ لذلك، وهذا أبلغ لانطوائه على بيان سبب الإحسان، وقد تأتي الجملةُ المستأنفة -أي جملة الجواب- بلا حذف شيء منها، كما في قول المتنبي:
وما عفَت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساق
فلما نفى المتنبي العفاء عن الرياح، كان مظِنة أن يُسأل عن الفاعل: من هو؟ أو ما هو؟ فأجاب عن ذلك: "عفاه من حدا بهم وساق"، وقد يحذف صدر الاستئناف لقيام قرينة عليه، ويكثر هذا عند ذكر الشعراء للديار والأطلال، وكذا عند المدح أو الفخر أو الرثاء أو الهجاء؛ حيث يقطع الكلام ويستأنف معنى جديد، ومن ذلك قول الشاعر:
اعتاد قلبكَ مِن ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربعٌ قواءٌ أذاع المعصرات به ... وكل حيرانَ سارٍ ماؤه خضل
المعصرات: يعني السحاب، أذاع به: أي ذهبَ، والخضل: الكثير، والقواء:
стр. 444
الموحِش، فلما ذكر الشاعر هنا أن الطلل قد هاج أهواءه المكنونة، اشتاقت النفس إلى معرفة خبر هذا الطلل وصفته، وكأنها ساءلت: ما خبر هذا الطلل؟ وما صفته؟ فاستأنف الشاعر حديثًا عنه، وبنى الكلام على حذف صدر الاستئناف وهو المسند إليه، فقال: "ربعٌ قواءٌ أذاع المعصرات به"، ونظيره كثير مما يقطع فيه الشعراء كلامهم ويستأنفون معانٍ أخرى فيحذفون عندئذ صدر الاستئناف لدلالة الأدلة عليه، فإن قلتَ: ألا يؤدي حذف صدر الاستئناف إلى احتياج جملة الاستئناف إلى ما قبلها؟ وعندئذ لا يكون انفصالها تامًّا واستقلالها كاملًا، قلت: ليس كل حذف يؤدي إلى الاحتياج وعدم الاستقلال، بل إن الحذف في الشواهد المذكورة قد ساعد على استقلال الجمل المستأنفة وعدم احتياجها إلى ما قبلها، ويتضح لك هذا عندما تقدر المحذوف فتقول فيما جاء من ذلك من أقوال الشعراء: ذاك ربع قواء، تلك دار لمروة، هم بناة مكارم، هو فتى غير محجوب الغنى، هم نجوم سماء، إذ تجد أن اسم الإشارة والضمير قد جعل تلك الجمل مرتبطة بما قبلها محتاجة إليه، أما الحذف فيجعلها مستقلة عنه.
ومما حُذف فيه صدر الاستئناف في آي الذكر الحكيم قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (النور: ٣٦، ٣٧) بقراءة "يُسبّح" مبنيّا للمفعول، وكأن سائلًا سأل: من يسبح؟ فأجيب: رجال بحذف صدر الاستئناف وهو هنا المسند، ومن ذلك أسلوب نعمَ وبئس، مثل: نعم الرجل خالد وبئس رجلًا عمرو، على اعتبار أن المخصوص بالمدح أو الذم خبرٌ لمبتدأ محذوف، وكأن سائلًا سأل: من الممدوح ومن المذموم؟ فأجيب: الممدوح خالد والمذموم عمرو، وقد يحذف الاستئناف كله، ويقوم ما يدل عليه مقامه كقول الحماسي:
زعمتم إن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
стр. 445
فقد أثار صدر البيت سؤالًا تقديره: أكذبنا أم صدقنا؟ فأجيب: كذبتم في زعمكم، وقد حُذف هذا الجواب وأقيم قوله: "لهم إلف وليس لكم إلاف"، مقامه لدلالته عليه. ويجوز اعتبار قوله: "لهم إلف وليس لكم إلاف"، جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف، وكأنه لما قيل: كذبتم، قالوا: لم كذبنا؟ قال: لهم إلف وليس لكم إلاف، فيكون في البيت على هذا استئنافان، ويجوز أن يكون الفصل في البيت لشِبه كمال الانقطاع. وقد يُحذف الاستئناف كله لدلالة السياق عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧، ٤٨) أي نعم الماهدون نحن، وقوله : ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤٤) أي نعم العبد أيوب.
هذا، وقد تأتي الجملة الواقعة موقع الجواب بالفاء أو الواو، وتسمى الفاءُ حينئذ بفاءِ الاستئناف، وكذا الواو تسمى بواو الاستئناف، ولكن الاستئناف بهما يختلف عن الاستئناف البياني؛ لأن الاستئنافَ بالواو يُؤذن باستقلال الكلام وانفصاله، إذ يكون المراد عطف القصة على القصة أو عطف جمل مسوقة لغرضٍ على جمل مسوقة لغرضٍ آخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سبأ: ٣١ - ٣٣) حيث جاءت الآية الثانية بدون الواو، فأفاد ذلك أنها متولَّدة عن الآية الأولى إذ وقعت جوابًا لسؤال تضمنته، وجاءت الآية الثالثة بالواو، فآذنت بالاستقلال، وصار الكلام معها من قبيل عطف القصة على القصة.
стр. 446
وانظر إلى قول أبي تمام:
لا تُنكري عطل الكريم من الغِنا ... فالسيل حربٌ للمكان العالي
تجد أن الفاء قد جعلت الكلام مرتبًا بعضه على بعض، وخذْ قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٥) تجد أن الفاءات ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قد جعلت الكلام مرتبًا بعضه على بعض، أما الاستئناف البياني فالكلام فيه يتولد بعضه من بعض؛ إذ ينبعث من الجملة الأولى سؤالٌ وتقع الثانية جوابًا له، فالثانية مرتبطة بالأولى ارتباط الجواب بالسؤال، وهو ارتباط داخلي وثيق، وليس ارتباطًا لفظيًّا ظاهرًا، كما في الاستئناف بالفاء، ولا استقلالًا وتباينًا كما في الاستئناف بالواو.
رابع مواضع الفصل بين الجمل: شبه كمال الانقطاع، وقد عرفوه بقولهم: أن تكون الجملة مسبوقة بجملتين، يصح وصلها بالأولى منهما؛ لوجود المناسبة التي تُسوّغ الوصل، ولا يصح عطفها على الثانية، فيُترك العطف دفعًا لتوهم العطف على الثانية، وتُصبح الجملة الثالثة بمنزلة المنقطعة عن الأولى لهذا الحائل. من ذلك قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم
فقد فصل جملة "أراها في الضلال" عن الجملة الأولى "تظن سلمى"؛ لأن عطفها عليها يُوهم أنها معطوفة على جملة "أبغي بها بدلًا"، فتكون بهذا من مظنونات
стр. 447
سلمى، وهي من كلام الشاعر لا من مظنوناتها، فدفعًا لهذا التوهم وجبَ الفصل، ومثله قول الآخر:
يقولون إني أحمل الضيم عندهم ... أعوذ بربي أن يضام نظيري
فصل جملة "أعوذ بربي" عن جملة "يقولون" مع جواز عطفها عليها، حتى لا يُتوهم عطفها على جملة "أحمل الضيم"، فتكون من مقولهم، وهي ليست منه، بل هي من كلام الشاعر، ويمكن أن يكون من هذا الموضع قول الحماسي:
زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
فيكون فصل جملة "لهم إلف" عن جملة "زعمتم"، دفعًا لتوهم عطفها على جملة "إن إخوتكم قريش"؛ إذ هي ليست من زعمهم، بل من كلام الحماسي، وانظر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥) فقد مرّ بك امتناع عطف جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أو على جملة ﴿قَالُوا﴾، أما عطفها على جملة الشرط، وجوابه ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا﴾ فجائز، ولكن يَمنع منه توهم عطفها على إحدى الجملتين المذكورتين، وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (البقرة: ١١ - ١٣) ولا يخفى عليك أنه يُمكن رد سبب الفصل في هذه الشواهد إلى شبه كمال الاتصال، كما نبه كثيرٌ من البلاغيين، والنكات البلاغية لا تتزاحم.
стр. 448
الموضع الخامس من مواضع الفصل بين الجمل: الفصل لعدم الاشتراك في القيد؛ أو كما عرّفه بعض البلاغيين بالتوسط بين الكمالين، مع وجود المانع من العطف، وهو عدم الاشتراك في الحكم، وقد استشهدوا لهذا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فقد فصل جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عن جملة ﴿قَالُوا﴾؛ لأن قولهم مقيدٌ بوقت خلوهم إلى شياطينهم، أما استهزاء الله بهم فدائمٌ في كل آن، وليس مقيدًا بهذا الوقت؛ ولذا وجب الفصل لعدم الاشتراك في القيد. وأما فصل هذه الجملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عن جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ فلعدم قصد التشريك في الحكم الإعرابي كما مر بك في الجمل التي لها محل من الإعراب.
بقي أن أذكّرك بما نبهتك إليه: من أن الجمل التي لها محل من الإعراب، تخضع لما تخضع له الجمل التي لا محل لها من الإعراب، من مواضع الفصل المذكورة، ولننظر مثلًا في ذلك إلى قول الله ﵎: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: ٣٠) تجد أن الجمل الثلاث ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ﴾ ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ﴾ قد وقعت مقولًا لقول النسوة، فلها من الإعراب محل، وقد فُصل بينها لشبه كمال الاتصال؛ إذ أثارت الجملة الأولى سؤالًا فحواه: ما سبب تلك المراودة؟ فجاء التعليل: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾، وكذا تضمنت الجملة الثانية سؤالًا تقديره: وما رأيكن؟ فأجيب بالجملة الثالثة: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وارجع إلى ما سقناه من شواهد في مواضع الفصل المذكورة، ليتضح لك أن الجمل جميعها سواء في تلك المواضع، وأنك لا تستطيع قصر هذه المواضع على الجمل التي لها محل من الإعراب.
стр. 449
مواضع الوصل بين الجمل
ذكر البلاغيون موضعين للوصل بين الجمل، هما التوسط بين الكمالين وكمال الانقطاع مع الإيهام، والمراد بالكمالين في قولهم: التوسط بين الكمالين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، وقد عرّفوه بقولهم: أن تتفق الجملتان خبرًا أو إنشاء، لفظًا ومعنى أو معنى فقط، مع وجود المناسبة المسوّغة للوصل فيما بينهما؛ بحيث لا يمنعُ من العطف مانع، فمثال اتفاقهما في الخبرية لفظًا ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤) وقوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: ٢٦، ٢٧).
فقد اتفقت الجملتان: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ في الخبرية لفظًا ومعنى، ووُجدت المناسبة المسوغة للعطف، ولم يمنع من العطف مانع؛ ولذا وُصل بينهما كما ترى، فكذا القول في الآيتين ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ إلى آخر الآيتين، ولا يخفى عليك ما يفيده الجمع بين الجمل في الآيتين، من إبراز قدرة الله في أسمى معانيها، وتأمل: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾
стр. 450
﴿تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ لا يقدر على تلك الأضداد إلا الخالق القادر المهيمن ذو السلطان والملك.
ومثال ما اتفقت فيه الجملتان في الإنشائية لفظا ومعنى قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١) فقد اتفقت الجمل ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ﴿وَكُلُوا﴾ ﴿وَاشْرَبُوا﴾ ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في الإنشائية لفظًا ومعنى، ومن ثم وُصل بينها، ومما اتفقت فيه الجملتان في الإنشائية معنى، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣) ففي الآية ثلاث جمل: الأولى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، والثانية: حذف فيها فعل الأمر وتقديرها: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، والثالثة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، والجملتان -الثانية والثالثة- إنشائيتان لفظًا ومعنى كما ترى، أما الأولى فخبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها تعني النهي؛ أي لا تعبدوا إلا الله، وبهذا يكون اتفاق الجمل الثلاث في الإنشائية في المعنى فقط دون اللفظ.
ومما اتفقت فيه الجملتان في الخبرية معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: ٥٤) فجملة ﴿وَاشْهَدُوا﴾ إنشائية لفظًا خبرية معنى؛ إذ المراد: إني أشهد الله وأشهدكم، وبهذا يكون اتفاق الجملتين في الخبرية معنى لا لفظًا، وإنما عُدت مثل هذه الجمل توسطًا بين الكمالين؛ لاتفاقها في الخبرية أو الإنشائية مع وجود المناسبة المسوِّغة للوصل، فليست من قبيل كمال الانقطاع الذي عَرَفته، كما أنها ليست من قبيل كمال الاتصال لعدم وجود الروابط والصلات القوية بينها، والتي عرفناها في صور كمال الاتصال؛ ولذا سَمَى البلاغيون هذا الموضع بالتوسط بين الكمالين.
стр. 451
الموضع الثاني من مواضع الوصل بين الجمل: كمال الانقطاع مع الإيهام؛ كقولك لتاجر مثلًا: أتبيع هذه السلعة؟ فيجيبك: لا، وعافاك الله، وقولك لصديق لك: أشُفي والدك؟ فيجيب: لا، ولطف الله به، وقولك: أتاب العاصي؟ فتجاب: لا، ويهديه الله، فبين الجملتين كما ترى كمال انقطاع؛ لأن جملة "لا" خبرية لفظًا ومعنى، والجمل: عافاك الله، لطف الله ب، يهديه الله خبرية لفظًا إنشائية معنى، وكمال الانقطاع يُوجب الفصل بين الجملتين، إلا أن الفصل ها هنا يوهم خلاف المراد؛ إذ يُتوهم أن المجيب يدعو بعدم العافية وعدم اللطف وعدم الهداية، وأنه قد أجاب بجملة واحدة منفية، سُلّطت فيها "لا" على ما بعدها، وليس بجملتين، فدفعًا لهذا الإيهام يجب الوصل بين الجملتين؛ ولذلك إذا اندفع هذا الإيهام بأن يسكت المتكلم قليلًا بعد النطق بالحرف "لا"، أو يذكر الجملة المنفية كاملة فيقول: لا أبيعه، ثم يذكر الجملة الدعائية "عافاك الله" عندئذ يجب الفصل؛ إذ لا إيهام.
إذا وجدت المناسبة أو الجامع المسوّغ للوصل، وكذا عند قصد التشريك في الحكم الإعرابي، فما مراد البلاغيين بهذا الجامع أو بتلك المناسبة إذن؟ يريد البلاغيون بذلك أن يكون المسند إليه في الجملة الأولى بسببٍ من المسند إليه في الجملة الثانية، وكذا المسند فيهما، يقول عبد القاهر: "واعلم أنه يجب أن يكون المحدَّث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدَّث عنه في الأخرى، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر الأول، فلو قلتَ: زيدٌ طويل القامة وعمرو شاعر، كان خُلفًا؛ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشِّعر، وإنما الواجب أن يقال: زيد كاتب وعمرو شاعر وزيد طويل القامة وعمرو قصير.
стр. 452
وجملة الأمر أنها -يقصد الواو- لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لِفقًا لمعنى في الأخرى ومضامًّا له، مثل: أن زيدًا وعمرًا، إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة؛ كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك، وكذا السبيل أبدًا، والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلًا: العلم حسن والجهل قبيح؛ لأن كون العلم حسنًا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا، واعلم أنه إذا كان المخبَر عنه في الجملتين واحدًا كقولنا: هو يقول ويفعل، ويضر وينفع، ويسيء ويحسن، ويحل ويعقد، وأشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوةً وظهورًا، وكان الأمر حينئذٍ صريحًا". انتهى.
هذا، وقد اختلف البلاغيون في المتعلَّقات؛ إذ ينبغي أن يعتبر فيها التناسب أيضًا، والصواب أنه لا يعتبر فيها ذلك إلا إذا كانت مقصودة بالذات، ومرادة في الجملتين، كقول الله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (غافر: ٤١)، هذا وقد تكون المناسبة بين الجمل دقيقةً خفية، وعندئذ تحتاج إلى تأمّل السياق ومعرفة قرائن الأحوال به، وانظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠) تجد أن المناسبة بين الإبل والسماء والجبال والأرض لا تتضح لك إلا بالتأمل وإطالة النظر؛ إذ عند التأمل تعرف أن أهل الوَبر تكون عنايتهم مصروفة إلى الإبل؛ حيث ينتفعون بها في جلّ معاشهم وانتفاعهم بها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك يكون بنزول المطر، فيكثر تقلب وجوههم في السماء، ثم لابد لهم من مأوى يتحصنون به، ولا شيء لهم
стр. 453
في ذلك كالجبال، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرضٍ إلى سواها، بهذا يتضح لك أن الإبل والسماء والجبال والأرض متناسبةً في ذهن البدوي وأخيلة أهل الوبر.
كما أنه قد يتحد كل من المسند والمسند إليه ولا تجد مسوغًا للفصل على نحو ما ترى في قولك: انظر إلى غزارة علم عمرو، وانظر إلى هذا القطع في ثوبك، فمثل هاتين الجملتين لا يجمعهما سياق واحد، لا منفصلتين ولا موصولتين، على الرغم من اتحاد المسند والمسند إليه في كلٍّ منهما، وقد يختلف كلٌّ منهما في الجملتين وتوجد المناسبة المسوِّغة للوصل، على نحو ما ترى في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ (يوسف: ٨٨) فالمسندُ إليه فيهما الضر، وإخوة يوسف مختلفان لا تناسب بينهما، وكذلك المسندان المس والمجيء، وعلى الرغم من هذا وصلَ بين الجملتين لوجود المسوّغ للوصل وهو أن المسّ سببٌ في المجيء. وهذا -في حد ذاته- من محسنات الوصل؛ إذ من محسناته أن تتناسبَ الجملتان في الاسمية والفعلية، وفي المُضي والمضارعة، وفي الأمر والنهي، وفي الإطلاق والتقييد، انظر إلى قوله تعالى مثلًا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤) تجد تناسب الجملتين في الاسمية، ومنه قول الشاعر:
أُسودٌ إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفي سائر الدهر الغيوث المواطر
ومن تناسبهما في المضي قوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٦) وقول الشاعر:
أعطيت حتى تركت الريح حاسرةً ... وجُدت حتى كأن الغيث لم يَجُد
стр. 454
ومن تناسبهما في المضارعة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (آل عمران: ٢٦)، ومن تناسبهما في الأمر والنهي قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١)، وقوله : ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾ (لقمان: ١٧ - ١٩). ومن تناسبهما في التقييد قول الشاعر:
دنوتَ تواضعًا وعلوت مجدًا ... فشاناك انحدارٌ وارتفاع
وإنما يعد التناسب فيما ذُكر من محسنات الوصف: ما لم يدع داعٍ إلى المخالفة، فلو دعا داعٍ إلى المخالفة كان الحسن في تلك المخالفة التي دعا إليها هذا الداعي واقتضاها المقام، انظر مثلًا إلى قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢) فقد آثر التعبير بالمضارع ﴿يُخَادِعُونَ﴾؛ ليفيد أن خداع المنافقين حادث متجدد وبالاسم ﴿خَادِعُهُمْ﴾؛ ليفيد أن فعل الله ثابت ودائم في جميع الأحوال، وفي هذا زيادة في التنكيل والتعذيب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: ٨٧) يقول الزمخشري في بيان السر البلاغي للمخالفة في الآية: "فإن قلتَ: هلا قيل: وفريقًا قتلتم؟ قلتُ: هو على وجهين؛ أن تراد الحال الماضية؛ لأن الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يُراد: وفريقًا تقتلونهم بعد؛ لأنكم تحومون حول قتل النبي ﷺ لولا أني أعصمه منكم". انتهى.
стр. 455
وبهذا يتضح لك أن المقام قد يقتضي عدم تناسب الجملتين فيما ذُكر، وعندئذ يكون الحسن فيما اقتضاه المقام ودعا إليه الحال.
على أن ما ذكرناه آنفًا من أن الواو لما فيها من معنى المغايرة، فهي تؤذن بالاستقلال، يعني أن القائل عندما يقول: جاء زيد وغلامه يسعى بين يديه، قد أخبر إخبارين؛ أخبر بمجيء زيد ثم بحاله عند المجيء، وهذا من شأنه أن يُؤكد جملة الحال، وأن يفيد شدة لصوقها بصاحبها، أما إذا قال القائل: جاء زيدٌ غلامه يسعى بين يديه، فهو يُخبر خبرًا واحدًا؛ يخبر عن مجيءٍ هذه حاله وتلك هيئته، تأمل قول عبد القاهر: "وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن كل جملة وقعت حالًا، ثم امتنعت من الواو؛ فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها، فضممته إلى الفعل الأول في إثباتٍ واحد، وكل جملة جاءت حالًا ثم اقتضت الواو، فذاك لأنك مستأنف بها خبرًا وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات". تفسير هذا: أنك إذا قلت: جاءني زيدٌ يسرع، كان بمنزلة قولك: جاءني زيدٌ مسرعًا، في أنك تثبت مجيئًا فيه إسراعٌ، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرًا واحدًا، وتريد أن تقول: جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة.
وإياك أن يلتبس عليك الأمر، تظن أن جملة الحال قد انفصلت بهذه الواو عن صاحبها، وتباعدت عنه، إن الأمر على عكس هذا؛ لأن هذه الواو قد قربت الحال من صاحبها وأبرزتها جلية واضحة شديدة الالتصاق به، مؤكدة الانتساب إليه، وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن الجملة الحالية قد يجب اقترانها بالواو وقد يمتنع وقد يجوز، فإذا كانت الحال جملة فعلية فعلها مضارع مثبَت غير مقرون
стр. 456
بـ"قد" امتنع اقترانها بالواو، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٢٨) وقوله : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر: ٦) وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠) وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: ١٧، ١٨)، أما ما جاء من نحو قول العرب: قمت وأصك عينه، وقول عنترة:
علفتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا لعمرو أبيك ليس بمزعم
فقيل: إن ما في المثال شاذّ، وما في البيت إنما هو وما جاء على شاكلته ضرورة، وقيل: إنه على حذف المبتدأ والتقدير: قمت وأنا أصك، علقتها عرضًا وأنا أقتل، وهكذا، وإن كان المضارع مقرونًا بـ "قد" وجب اقتران الجملة بالواو، كما في قول الله تعالى: ﴿وإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥) وكقولك: لمَ لم تستعد وقد ترحل غدًا؟ وإن كان المضارع منفيًّا جاز أمران؛ اقتران الجملة بالواو وترك الواو، والمضارع المنفي يظل مضارعًا إذا كان النفي بغير لمْ ولمّا، أما المنفي بلم أو لما فهو ماضٍ معنى؛ لأن لمْ ولمّا يقلبانه إلى الماضي وهو أي المنفي بلمْ ولمّا، مما يجوز فيه الأمران أيضًا، فمما جاء بالواو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ (يونس: ٨٩) في قراءة من قرأ بتخفيف النون؛ أي: لا أخوّف به.
وقولهم: يصيب ولا يدري، ويقول ولا يفعل، وهكذا، فـ "كان" في هذه الشواهد تامة بمعنى وجد، وقد اقترنت الجملة الحالية بالواو كما ترى وفعلها مضارع منفي، ومما جاء بغير الواو قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (المائدة: ٨٤) وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٧٥)، وكذلك إذا كانت الجملة
стр. 457
الحالية جملة فعلية فعلها ماضٍ لفظًا أو معنى، جاز الأمران أيضًا؛ اقترانها بالواو وعدم اقترانها، والماضي لفظًا لا يقع حالًا إلا وهو مقرون بـ"قد" ظاهرة أو مقدرة، والماضي معنى هو المضارع المنفي بلمْ أو لمّا، فمما جاء بالواو قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠) وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ (مريم: ٨) ومما جاء فعلها ماضيًا معنى وقد اقترن بالواو أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (الأنعام: ٩٣) وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠)، وإذا كانت جملة الحال اسمية فالأولى أن تأتي بالواو كقولك: جاء زيدٌ وعمرو أمامه، وأتاني وسيفه في يده، وكقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقد يأتي بدون الواو كقولك: كلمته فوهُ إلى فيّ، ورجع عوده على بدئه، فإن كان المبتدأ في الجملة الحالية ضميرَ صاحب الحال وجبت الواو، ولا تصلح جملة الحال بدونها البتة، كقولك: جاء زيد وهو راكب، ودخلت عليه وهو يُملي الحديث، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد هو راكب، ولا دخلت عليه هو يملي الحديث، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢) وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧) وإن كان الخبر في الجملة الحالية ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، وقُدّم على المبتدأ كثر فيها أن تجيء بغير الواو، كقولك: قَدِم المقاتل على كتفه سيف، وأقبل في يده سوط، ويقلّ مجيئها عندئذ بالواو، كقولك: جاء وعليه
стр. 458
ثوب، ومرّ وفي يده سيف، وقد جاءت في النظم الكريم بالواو وبدونها، كما في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (الحجر: ٤) وقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (الشعراء: ٢٨).
إلى هنا ينتهي حديثنا عن باب الفصل والوصل، وقد عرفنا كم كان له من أهمية جليلة في معرفة أسرار ووجوه الفصل بين الجمل والمفردات أو الوصل فيما بينها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 459
الدرس: ٢١ مبحث: الإيجاز، والمساواة، والإطناب .
стр. 460
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(مبحث: الإيجاز، والمساواة، والإطناب)
الإيجاز، وأنواعه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فأقول -وبالله التوفيق-:
إنه من المعلوم أن لكل مقامٍ مقالا، والبلاغة -كما عرّفها البلاغيون- مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال، فالحال قد تقتضي الإيجاز في القول وطي الكلمات، وعندئذ تكون البلاغة في أن يُوجز المتكلم ويختصر كلامه، وقد تقتضي الإطناب وإطالة القول، وعندئذ تكون البلاغة في الإسهاب وإشباع القول وإطالة الكلام؛ ولذلك قال أعرابية عندما سُئل عن البلاغة: البلاغة الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل، وسأل معاوية سحار العبدي: "ما تعدون البلاغة فيكم؟ فقال سُحار: الإيجاز، قال معاوية: وما الإيجاز؟ فأجاب: أن تجيب فلا تبطئ وتقول فلا تخطئ". كذا ذكره الجاحظ في (البيان والتبيين).
وقال عبد الله بن المقفع: "البلاغةُ اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطَل والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، فقيل له: فإن ملّ السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام- فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنه لا يُرضيهما شيء، وأما الجاهل فلست منه
следующие страницы →