← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عناصر القصة: ١- الحادثة: وهي سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع، تسير في اتجاه

стр. 352

محدد، نحو غاية محددة، فهي جميعًا ترتبط برغبة "عنترة" في الظفر بحريته، وتأكيد مكانته في قبيلته، ليصبح أهلًا للزواج من "عبلة". وقد انتهت هذه السلسلة من الوقائع إلى هذه الغاية، حتى جنى "عنترة" ثمرة كفاحه الطويل؛ فقد حصل على حريته، وتزوج "عبلة". والكاتب هنا يعتمد على سرد وقائع تاريخية أو شبه تاريخية. وهذا النوع يسمى "القصة التاريخية". ٢- الشخوص: ظهر كثير منهم في هذه القصة، أمثال: عنترة، وأمه زبيبة وأبيه شداد، وعبلة، ومالك، وعمارة، وشيبوب، ومروة، وبسطام، والنعمان. والكاتب وصفهم لنا، وجعلنا نتعرف على ملامحهم. من ذلك وصفه لعنترة " وكان الفتى شابًّا أسمر اللون. يشبه قوامه الرمح الذي في يمينه: قامة عالية، ورأس مرفوع، وصدر فسيح، وقد شمر عن ذراعين مفتولين، وكان الناظر إلى وجهه يرى أنفه الأقنى "المقوس" ينحدر على فم قوي، فيه شيء من الغلظ، ويلمح على جبينه عبسة فيها شيء ينم عن حزن كمين ... ". فأنت ترى في هذا الوصف أمرين: ١- تكوينه الجسمي "وهو البعد الظاهري". ٢- تكوينه النفسي "وهو البعد الباطني"، فكأنك تراه وتحس بما في قلبه من حزن. وهؤلاء الشخوص بعضهم شخصيات رئيسة: "كعنترة وعبلة"، وبعضهم ثانويون "مثل بقية الأشخاص"، والشخص الرئيس هو البطل، وهو الشخصية المحورية "النامية" والمتطورة التي تتكشف لنا جوانبها وأبعادها.

стр. 353

شيئًا فشيئًا من خلال المواقف والأحداث، فبالرغم من أن "عنترة" شخصية تاريخية معروفة، نجح الكاتب في أن يجعل منها شخصية رئيسة تنكشف لنا أبعاد جديدة لها كلما أوغلنا معها في الحركة، وتتبعنا سلوكها في المواقف المختلفة. فمنذ البداية كانت الأزمة النفسية "لعنترة" هي شعوره بالمهانة فتضخمت هذه الأزمة في نفسه، ودفعته إلى التمرد على نفسه، وعلى أمه، وعلى أبيه، ثم على القبيلة كلها، ولهذا كان "عنترة" في البداية يختلف عنه في النهاية، كان عبدًا منبوذًا فصار بكفاحه حرًّا شريفًا، يتزوج عبلة، ويتصدر القبيلة. أما الشخصيات الثانوية: فتساعد على إبراز المواقف مثل "شيبوب" الذي استغله الكاتب عدة مرات في مراحل مختلفة من القصة، ليبرز لنا مشاعر عنترة، ويكشف عن أفكاره، كما استغله مرات أخرى في الكشف عن سر غامض يؤدى إلى حركة جديدة في سلسلة الأحداث، أو الإدلاء بمعلومة تؤدي إلى النتيجة نفسها: فبعد أن انتصر "عنترة" على فرسان "طيئ" راح يبحث عن "عبلة" فلم يجدها، فخرج يتلمسها في شعاب الوادي مع نساء القبيلة وفتياتها اللائي فررن ساعة الإغارة عليهن، فعرف من إحداهن أن فرسان "طيئ" أخذوا "عبلة" سبية، فسار لا يدري من أي طريق هربوا بها، حتى لقي أخاه "شيبوبًا" ودار بينهما حوار حول اقتفاء شيبوب أثر من خطفوا "عبلة" وتتبعه لهم، حتى عرف مكانهم، فدل "عنترة" عليه. وهنا نلاحظ أن "شيبوبا" إنما ظهر لعنترة في هذا الموقف لكي يدله على مكان "عبلة" ويغلب على هذا النوع طابع الشخصية "المسطحة" التي تظهر بصورة محددة منذ البداية.

стр. 354

٣- البناء: والمألوف في أسلوب البناء أن يتبع الكاتب تخطيطًا محددًّا بحيث تبدو الأحداث مترابطة يؤدي بعضها إلى بعض، وتتجه شيئًا فشيئًا إلى التعقيد الذي يتطلب الحل، وبذلك تسير في خط ممتد بين الهدف والنتيجة، وهذا الشكل هو الذي يتمثل في قصة "عنترة" فالهدف هو الزواج من "عبلة" برغم منافسة "عمارة" مرة، و"بسطام" مرة أخرى، وممانعة "مالك" أبيها في هذا الزواج، والنتيجة كانت إيجابية، وانتهت القصة نهاية سعيدة بزواج "عنترة" من "عبلة". وفيما بين الهدف والنتيجة ظل "عنترة" يتأرجح، فهو مرة يجد هدفه قريب التحقق، ومرة يجده بعيدًا، ومن ذلك أن "عنترة" بعد أن أنقذ ديار القبيلة كلها من المغيرين حسب أن "مالكا" سيوافق على زواجه من"عبلة" وكانت"عبلة" قد خطبت "لعمارة" فأراد أن يستوثق من مشاعر "عبلة" نحوه أولا، ولكنها راوغته في الحديث، وانتهى الأمر "بمالك" إلى أن أخذ أسرته كلها وهجر دياره، لكي يعيش مع أصهاره "بني شيبان، وعاد "عنترة" بعيدًا عن تحقيق هدفه، بعد أن ظن أنه قريب منه. والأثر الفني لهذا الشكل البنائي في القصة أنه يشوق القارئ إلى الاستمرار في متابعة الأحداث في القصة حتى النهاية، لكي يعرف على أي نحو تكون النتيجة. وقد بنى الكاتب هذه القصة الطويلة من ستة عشر فصلًا في تخطيط محدد، وترابط وثيق، لتكوين العقدة بوضع العقبات في طريق زواج "عنترة" من "عبلة": فهو عبد أولا، و"عمارة" يخطبها مرة، و"بسطام" مرة أخرى، وأبوها يعارض، ثم يضع شرطًا صعبًا يؤدي إلى مغامرة كاد يذهب "عنترة" ضحيتها، وهي "النوق العصافير". ثم يأتي الحل السعيد بتحقيق الأمل، وإتمام الزواج، وقد نجح الكاتب في بناء هذه القصة المشوقة.

стр. 355

٤- الزمان والمكان: الزمان هو العصر الجاهلي، والمكان هو الجزيرة العربية، وهذا التحديد يساعدنا في فهم العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية التي عبرت عنها شخوص هذه القصة من ذلك. أ - نظر القوم إلى "عنترة" وما كان عليه من عبودية. ب - موقف الأب من الاعتراف بابنه على الرغم من تقاليد القبيلة. جـ- نظرة القبيلة إلى فتى من فتيانها يحب فتاته، ويشيع حبه، وإنكارهم لذلك، وقد نجح الكاتب في تحريكه للأحداث والشخوص داخل الإطار الزماني والمكاني للقصة، فلم يقحم عليهما مما لا ينتمي إليهما. ٥- السرد والحوار والوصف: اعتمد الكاتب هنا على الطريقة المباشرة في السرد، ولم يكتفِ بمجرد سرد الأحداث، بل حاول في الوقت نفسه تصويرها مثل "أهوى١ عنترة على المقاتلين من فرسان طيئ في حنق٢، منحدرًا كأنه صخرة تتهدى٣ من قمة الجبل، فكان يضرب العدو حينًا بسيفه الذي في يمينه، ويطعنه حينًا برمحه الذي في يساره، ويصدمه بفرسه الأبجر٤ الذي كان يندفع تحته كأنه يشاركه الحنق والحماسة" فقد رسم الكاتب بهذا السرد صورة للمعركة تعتمد على سلسلة متصلة الحلقات من الأفعال التي وقعت لتصور جزئيات الأحداث وهي "أهوى، يضرب، يصدم، يندفع" ولكنك تلحظ أن الكاتب لا يتكفي بذكر الفعل عاريًا، بل يضيف إليه الوصف الذي يحدده، ويزيد وضوحًا،

стр. 356

فالفعل "أهوى" يلحق به الوصف المحدد لحالة "عنترة" الشعورية وهو " في حنق" والأبجر أن "يندفع" ولكن في "حنق وحماسة"، كأنه يشارك "عنترة" الحنق والحماسة، وهكذا كان السرد تصويرًا للأحداث، وكذلك الوصف ينقلنا إلى مسرح الأحداث زمانا ومكانا مثل "كان الربيع يغطي جوانب الوادي بكساء من الحشيش البارض١ والزهر اليانع، والسماء لا يشوبها سوى قطع من السحاب الأبيض، وكانت الشمس تميل نحو الغروب عندما اقتربت القافلة من فم الوادى عند ظلال أجمة٢ من نخيل، وسدر٣ وأثل٤" فهذا الوصف يهيئ نفس القارئ لمتابعة الأحداث والتأثر بها، أما الحوار فيأتي أحيانًا ليجعل القارئ أكثر قربًا من المواقف، ويجعل المشهد أكثر حيوية كالحوار الذي دار بين "عنترة" و"شداد" أثناء غارة "طيئ" على "عبس"؛ مثل قول شداد: "أما ترى قومك يصرعون تحت عينيك؟ قال "عنترة": " أي قوم لي؟ قال شداد: هلم يا "عنترة" فإن العدو يطحننا، قال "عنترة": وما لعنترة والقتال؟ ليس لـ "عنترة " قوم يا سيدي". ٦- الفكرة: وهي مغزى القصة، فقد كشفت لنا عن حقيقة من حقائق الحياة أو السلوك الإنساني، ورأينا من سلوك "عنترة" أن الصمود في وجه التقاليد البالية يؤدي إلى التغلب عليها، وأن الحرية تنال بالبذل والفداء، ولا تمنح بالقول والعطاء.

стр. 357

نمودجان للقصة القصيرة " شندويل يبحث عن عروس " ... نموذجان للقصة القصيرة: ١- "شندويل يبحث عن عروس" لمحمود تيمور١ كان "شندويل" جالسًا القرفصاء، معتمدًا رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلًا ولا صبيًّا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يغير جلسته، يضرب في متاهة لا يعرف له منها مخرجًا. وبغتة ألفى نفسه ينهض، وعلى وجهه يرتسم عزم وتصميم. وأخذ سمته إلى "أم فكرية". "شندويل" هذا فلاح من قرية "المنشية"، وهي من أعمال "شبين الكوم".. رجل في حاله، لا يعرف العيب ولا يجري لسانه به، مخلص أمين، طيب القلب، لين العريكة، ولكنه معروف بصراحته، لا يداري أحدًا. نشأ يتيم الأبوين، لم تكتحل عيناه بمرآهما، فكفله رجل خير، مزارع له أرض تفيء عليه رزقًا محدودًا، فضمه إلى أسرته: زوجه وبناته الثلاث،

стр. 358

وكان "شندويل" يكبرهن بأعوام قلائل، فاختلط بالأسرة كأنه واحد منها، يعمل معهم في خدمة الدار والحقل والماشية. وبعد سنوات دهم ربَّ الأسرة مرضٌ مفاجئ أودى به في أيام، فكانت فاجعة تجلدت لها الزوجة قدر ما تستطيع، ووقفت حياتها على توفير أسباب العيش لبناتها الثلاث، مع رعاية مرافق الدار والحقل والماشية، يعينها الفتى "شندويل" أحسن العول بما أوتي من قوة بنية، وما طبع عليه من صبر ودأب، وما تميز به من جد ونشاط. وتواصلت الأيام ... وكبر الفتى، واشتد عوده، وانتهى إليه عبء الحقل أجمع، فنهض به راضيًا بعمله، مرضيًّا عنه. مع الصبح يخرج إلى الحقل محبور النفس، يسوق الماشية أمامه، وهو يردد أغانيه، ويتابع العمل في نشوة، يحرث ويعزق ويروي، ويعنى بكل شيء حواليه من زرع وضرع، لا تهدأ له حركة، ولا يشغله عن عمله شاغل، وتراه يستقبل بزوغ النبتة بفرحة غامرة، فيظل يتحسسها ويتشممها كأنها من لحمه ودمه. وعند الظهيرة تلوح "أم فكرية" وبناتها الثلاث، يحملن صحاف الطعام، فيلقاهن "شندويل" بترحاب، وبعد أن يمسح عرقه بطرف قميصه، يهيئ لهن مكانًا ظليلًا من كثب من القناة.. وما هي إلا أن يحلّق الجميع حول سماط الطعام، مقبلين على الأكل في شهية. وتسأل "أم فكرية":

стр. 359

- ما خطب المحصول؟ فيؤكد لها "شندويل" جودته، ويبشرها بنمائه، ويقسم لها أنها ظافرة منه يوم الحصاد بما يحقق لها وبناتها الثلاث كل ما تطمح نفوسهن إليه. وربما طاب للأسرة أن تداعب "شندويل" في أثناء الطعام بالنكات اللاذعة ليثور ثائره ويهيج غضبه، بيد أنه لا يزيد على أن يشرق وجهه بابتسامة سمحة. فإذا أرخى المساء سدوله أوى شندويل إلى ركن في الزريبة، أعده مكانًا مختارًا له، حتى يكون بمنأى عن حريم الدار، وما أسرع أن يغشاه سبات عميق تتراءى فيه نواعم الأحلام. على هذا المنوال سارت الأحوال راضية ندية، وترادفت الأيام على الأسرة في طمأنينة وسلام، حتى دب في قلب "شندويل" شعور طارئ لم يكن له عهد به من قبل. لقد نشأ الفتى، وهو يجد نفسه في مكان الأخ الأكبر للبنات الثلاث، وفي مرتبة الابن لربة الدار، فقنع بهذه العاطفة الحلوة الهادئة المحايدة، يتلقاها ممن حواليه، ويبادلهن إياها في لطف وإيناس، ولكن الطبيعة لا تقر الهدوء والاتزان، ولا تعرف الحياد.. إن لها نزوزاتها، بل قل إن لها قوانينها، وهكذا وجد "شندويل" نفسه على الرغم منه ينظر إلى البنات في ازدهار أنوثتهن نظرة من طراز آخر، نظرة ميل وانعطاف، وراءها مشاعر تتوهج.. أما الرباط الأخوي المحض، فلم يعد له وحده مكان!

стр. 360

وكانت البنات على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فكأنهن وإياها نسخ مكررة، إلا فوراق تفرضها السن، وما تتميز به بعضهن من الشمائل والخلال. وقد شاع في المنطقة نبأ أولئك الصبايا الملاح، وطار صيتهن في المناطق المجاورة، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب.. فأما الكبرى فكانت أثيرة عند "شندويل" فأزمع أن يخطبها، وأفصح "لأم فكرية" عن عزمه فطأطأت رأسها في صمت، وقد تناولت عودًا يابسًا تنكب به الأرض حيالها، فلما طال صمتها، أعاد "شندويل" الإفصاح عما طلب، وقد حسب أنها لم تسمع حديثه، ولم تدرِ فحواه، فرفعت رأسها، وكست محياها طابع جد، فقلق "شندويل" أشد القلق ... وبعد هنيهة، قالت "أم فكرية": - أأجد لابنتي أعز منك؟ أنت ابن البيت.. كلك خير وبركة، ولكن سبقك غيرك يا "شندويل؟ ".. - من تعنين يا خالة؟ - المشرف يا "شندويل".. المشرف الزراعي طلبها منذ أيام.. وعرض مهرًا قدره مئة جنيه. فغمغم "شندويل" وقد زاغت عيناه: - مئة جنيه؟ - وعنده جنينة برتقال يربح منها الذهب!

стр. 361

وانجرّ "شندويل" إلى الزريبة، مثقل الخطا، يكاد يتعثر، وتوخى ركنه المختار، متهالكًا على الفراش يدفن فيه وجهه، ويسلم نفسه للأنين والانتحاب. وتم الزواج.. وانتقلت إلى دار المشرف الزراعي كبرى البنات في مهرجان من الأغاريد والأضواء ينفح منه أريج البرتقال! ولم يجد "شندويل" مفرًّا من قبول الأمر الواقع، فشارك القوم فرحتهم، وألفى نفسه ينهض بواجبه نحو حفل الزفاف على أكمل وجه في صدق وإخلاص. وعادت الحياة إلى سابق مساقها. وعاد "شندويل" إلى عمله في الحقل يجد ويكد.. ولم يتغير من نظام الأسرة شيء إلا أن عددها قد نقص فردًا. وأحس "شندويل بقلبه على مر الوقت يخفق حبًّا للابنة الوسطى، وقد اكتملت نضجًا ونضارة، فتملكته فكرة الزواج بها، واختفت خيبته التي واجهته في التجربة الأولى، واختفى معها كل تدبر وموازنة ومنطق، فتقدّم في براءة وبساطة إلى "أم فكرية" يخطب وسطى البنات.. فطأطأت رأسها في صمت، وتناولت عودًا يابسًا تنكت به الأرض حيالها ولم تلبث أن همهمت: - أأجد لابنتي أعز منك يا "شندويل"؟ أنت ابن البيت.. كلك خير

стр. 362

وبركة، ولكن.. - ماذا يا خالة؟ - وكيل الجمعية طلبها، وعرض شبكة ثمينة.. سوارًا مرصعًا بالجوهر! ومضغ "شندويل" كلماته يردد: - سوارًا مرصعًا بالجوهر؟! وانجرّ إلى مكانه من الزريبة، ودفن في الحشية وجهه وانخرط في بكاء مرير. ومرة ثانية، استسلم للأمر الواقع، وكان الساعد الأيمن في حفل الزفاف الجديد، وخطف بصره بريق السوار المرصع بالجوهر، وزكمت أنفه روائح ما حمل الزوج لعروسه من خيرات التموين، وفي المقصف العامر أوغل "شندويل" في الأكل، حتى أتخم. وطوى الزمن أيامًا وأيامًا.. وعادت الحياة إلى مجراها في الدار والحقل، وإن نقص من عدد الأسرة اثنتان، ولم يبق من البنات إلا واحدة.. أتفلت هي الأخرى من بين يديه؟ ... لن يكون ذلك بحال.. وأحس بحبه القديم للأختين السالفتين يتجمع ويتجدد في الثالثة على نحو مثير، فأقسم أن تكون من نصيبه.. لينتزعها انتزاعًا من

стр. 363

"أم فكرية". وتقدم لها ثابت الجنان، وخطب الفتاة الصغرى في جرأة.. وكانت "أم فكرية" على وشك أن تطأطئ الرأس، وأن تفزع إلى عود يابس تنكت به الأرض، فصاح بها مبادرًا على غير ما ألفت منه: - لا أنا خير ولا أنا بركة.. ولا أنا أيضًا ابن البيت.. أنا "شندويل".. "شندويل" وكفى!.. جئت أخطب ابنتك الثالثة، وسأعمل جهدي على إسعادها. - ولكن.. يا "شندويل" - ماذا يا ست "أم فكرية"؟ لقد خطب البنت رجل ولا كل الرجال يسكن دارا جديدة على "بحر شبين" فيها ثلاجة وغسالة وجهاز إذاعة.. عقبى لك يا "شندويل"! فغص "شندويل" بريقه، وهو يجمجم: - ومن ذلك الخاطب يا "أم فكرية"؟ - سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل. فما كادت الجملة تصك سمعه حتى خارت قواه، فاستند إلى الحائط وهو يلتقط أنفاسه.. إنه يذكر عندما زار المدينة آخر مرة، مدينة "شبين الكوم"، إنه مر بسرادق فخم يضم جمعًا غفيرًا من الناس، وسمع خطيبًا جهير الصوت يرفع عقيرته، يهز بها السرادق هزًّا، وهو يردد أقوالًا عظيمة يستجيب لها الجمهور بالتصفيق والهتاف، وحين سأل عن الخطيب أخبروه بأنه "سكرتير

стр. 364

وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل". وتراجع "شندويل" إلى مكانه المعهود في الزريبة، وألقى نفسه على الحشية يمرغ وجهه عليها، ويشبعها بأسنانه نهشًا وتمزيقًا. وتكفلت الأيام بتضميد جراح "شندويل"، فكان مع الأسرة في حفل زواج الابنة الصغرى قلبًا وقالبًا، وملأ بطنه بأطايب المطاعم، وشنف سمعه بألحان الموسيقى وأصوات الغناء. وتقضت أيام.. بل أسابيع.. وخيم على جو الدار هدوء كثيف، وانتشر صمت قابض، وقل الحديث بين أم فكرية و"شندويل" حتى أصبح لا يعدو الضروري من الألفاظ، كل منهما يحيا في ملالة وسهوم. وأعد "شندويل" مرقدًا لنفسه في الحقل بين شجيرات ظليلة، ويتناول طعامه وحيدًا، ويمضي الليل ساهمًا يرعى النجوم. لقد تزوجت البنات، وكان زواجهن ناجحًا أيما نجاح: "المشرف الزراعي" بمهر مائة جنيه وجنينة برتقال. ووكيل الجمعية التعاونية بسوار مرصع بالجوهر. وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل بثلاجاته وغسالاته وأجهزته الإذاعية. شخصيات مرموقة، تتضاءل بجانبها شخصية "شندويل"، حتى لتبدو تافهة مهينة. حقًّا إنه فلاح مجد نشيط، يستطيع بساعده أن يأتي

стр. 365

بالمعجزات في حقل الزراعة الخصيب، ولكن ما قيمة تلك المعجزات أمام تلك الأسماء الضخمة والمراكز الفخمة التي يعشي ضوؤها العيون؟ .. ومن الملوم؟ "شندويل" أو الأسرة التي كفلته؟ لم يفكر هو لحظة أن يعمل لنفسه. لم يفكر هو لحظة أن يقتني شيئًا.. عِجلة.. أو عنزة.. أو على الأقل دجاجة واحدة.. لم يهمه جمع المال وادخاره قدر ما أهمه أداء واجبه.. كان يسعى أبدًا إلى إرضاء من أحسنوا إليه، لا يتطلع إلى مزيد.. لقد اعتصر دمه في خدمة من آووه وكفلوه.. وأخيرًا يستبين له فقره، وهوان شأنه.. فماذا أفاد من طيبته؟ وماذا أجدى عليه إيثاره. أيقن " شندويل" الآن أن وجهة نظره في تقييم نفسه بين الأسرة كانت على خطأ من البدء، أو كانت مبالغة فيها.. ماذا كان مصير الأسرة لولاه هو؟ لولا ما أسداه إليها من خير، وما بذل من عون؟ كان هو قوام البيت، وراعي الحقل، وحامي حمى الأسرة.. أليس هو جديرا بأن يأخذ مكانه عاليًا بينها؟ حان له أن يغضب وحق له أن ينصف نفسه، وأن له كرامة عليه أن يحافظ عليها ما وسعه أن يحافظ. ووجد نفسه ينهض من فوره، وقد ارتسم على وجهه جد وإصرار، واتخذ سبيله إلى "أم فكرية". كان الصباح صفيًّا رخيًا فتقدم "شندويل" من "أم فكرية"، وهي في جلسة مريحة أمام طست الغسيل، فما رأته قادمًا حتى لملمت أوصالها، وأسدلت ثوبها تغطي ما تعرى من جسدها، ونظرت إلى الشاب تخاطبه.

стр. 366

- خير يا "شندويل".. - أو قولي شرًّا يا ست "أم فكرية". - قال ذلك في جهامة ظاهرة، وقد تصلبت قامته، فغدت كجذع شجرة عتيقة فنحّت "أم فكرية" الطست قليلا، ومسحت يديها بطرف ردائها وقالت: - ماذا في الأمر يا "شندويل"؟ فأجابها في صوت مجلجل: - لقد اعتزمت الرحيل. فوضعت المرأة يدها على صدرها، وقالت في دهشة: - أي رحيل تقصد يا "شندويل"؟ - سأرحل يا ستي.. أرض الله واسعة.. بلاد الله لخلق الله.. - كيف تفكر في أن تتركنا؟ - على الرغم مني أفعل. فصمتت لحظات وهي تتفحصه، فراعها تجهمه وصلابة ملامحه، وما في صوته الرجولي الأجش من عزم وتصميم.. ثم قالت: - ألم تعد الحياة تروق لك بيننا؟ - لم يعد لي أمل في العيش في هذه الدار.. رحلت عنها الصبايا ولم أظفر بواحدة منهن.

стр. 367

- قسمة ونصيب يا "شندويل". - وقسمتي ونصيبي أن أرحل يا ست "أم فكرية". - أتترك الدار التي فيها نشأت وربيت؟ أتترك خالتك "أم فكرية" وحيدة بلا ساعد ولا معين؟ - على الرغم مني أفعل.. سأبرح القرية الساعة.. ألتمس عيشي في بلد آخر.. بعيد كل البعد! - هل ساءك زواج البنات إلى هذا الحد؟ - ثلاث صبايا كالأقمار، ترفضين أن تزوجيني واحدة منهن.. والآن خلت الدار إلا مني ومنك.. لم يعد في البيت سوانا يا خالة.. أسامعة أنت قولي؟ - سامعة.. - ألسنة الناس طوال.. والكلام يتنقل على الأفواه.. - ما هذه الأفكار الغريبة يا "شندويل"؟ - هي الحقيقة التي يجب أن تقال.. لقد صرت رجلًا يا خالة.. رجلًا نبت له شارب محترم.. رجلًا في طول النخلة وعرض الجميزة وقوة فحل الجاموس.. ألم تريني وأنا في "الزعبوط" الجديد؟ ألم تلاحظي كيف أحسن لف الشال الأبيض على رأسي فيغدو عمامة مهيبة تزري بالرءوس العارية من أصحاب المراكز الكبيرة؟ فأرسلت المرأة ضحكة لينة ناعمة، وهي تقول:

стр. 368

- يخبلك ربنا يا "شندويل". لم يعد في الدار مكان.. شندويل الصبي ذهب لحاله، وأخذ مكانه "شندويل" الرجل.. أنسيت يا شندويل أني في مقام أمك، وأنك في منزلة ابني؟ يفتح الله يا خالة.. هذ كلام لا يعتد به أحد.. وأنا أول من لا يصدقه.. لسنا ابنًا وأمًّا.. بل نحن رجل وامرأة. ورماها بنظرة ثاقبة، ما كادت تلتقي بنظرتها حتى اضطرت أن تسبل جفنيها، وتحجب بخمارها شطر وجهها.. وعلاها سهوم.. اسمعي يا خالة، وتفهمي قولي.. إنني بصريح العبارة لا أستطيع أن أعايشك.. شريعة الله لا ترضى بذلك.. أنا مسلم موحد لله.. لا أقيم في الدار إلا زوجًا لك.. فضربت صدرها بيدها تقول: - يا عيب الشوم.. - لا عيب ولا شوم.. إنه الحق الصريح.. لقد أحببت بناتك الثلاثة واحدة بعد الأخرى.. لأنهن يشبهنك.. أحببتهن لأنهن صورة منك يا خالة.. ورق صوته، وهو يواصل الكلام، فكان في منطقه كأنه يغني:

стр. 369

نشأت وأنا أراك مثل البدر.. بناتك من نورك أخذن نورهن.. وكنت دائمًا بدرًا منورًا في سماء حياتي طفلًا وصبيًّا ورجلًا.. في كل مرحلة كنت أحس نحوك شعورًا يلائم سني.. ولكن في كل مراحل حياتي كان هناك إحساس واحد هو الحب.. الحب الغامر الفياض! وندت من "أم فكرية" شهقة وهي تردد في صوت لين المكاسر: - الحب.. الحب.. ثم قالت هامسة: - لقد تقدمت سني يا "شندويل".. أنا كبيرة بالنسبة لك.. - ولكنكِ في نظري في عمر بناتك.. وصاح بصوت كله إيمان وإخلاص: - والله في عمر بناتك.. بل أحلى وأجمل.. أنت في نظري طبق قشطة.. اعتبريني يا خالة خادمًا لك.. ومريني تجديني رهن ما تشائين.. - ما عشت أنا لتكون خادمي يا "شندويل". وغضت من بصرها وهي تواصل القول: - "أنت راجل البيت.. سيد الدار.. وأنا خادمتك يا "شندويل".. واختلج كيانه بهزة عنيفة، وألفى نفسه يهرع إليها، وينكب على يديها يلثمها، والدموع تسح من عينيه سحًّا!

стр. 370

٢- حدث استثنائي في أيام الأنفوشي ١ محمد جبريل١ بعد أن استقرت السمانة فوق الصاري المرتفع، الخالي من العلم، في الجانب الأيمن من سراي رأس التين ألقت نظرة متأملة على مباني السراي من حولها، والحديقة الواسعة يحيط بها سور مرتفع كحدوة حصان، والمباني المقابلة للشاطئ تآكلت واجهاتها بملح البحر، والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال، والشاطئ -وطريق الكورنيش- في تلك الأيام الخريفية التي تخلو من الحركة. تقافزت السمانة فوق الصاري، وتهيأت لمواصلة الرحلة، لكنها -في قرار مفاجئ- غيرت طريقها، وعادت إلى شواطئ أوروبا. في اليوم التالي، قدمت -في الطريق نفسه- ملايين الأسراب من السمان، غطت الشاطئ والشوارع والأزقة وأسطح البيوت، تهادت -من الأبواب والنوافد- إلى داخل الشقق والدكاكين. حتى الكبائن القليلة، والمغلقة، في امتداد الشاطئ، استطاعت -بوسيلة ما- أن تنفذ بداخلها.

стр. 371

بدا للناس -من كثافة الأسراب، ودقة تنظيمها، وانتشارها في كل الأمكنة- عجزهم عن المقاومة. مالوا -مؤقتًا- إلى التريث، فرحلة السمان لا تعرف التوقف. هل يعد السمان نفسه لإقامة طويلة؟ لم يحاول أن يضايق الناس، ولا أن يسطو على ما يمتلكون، أو يدس منقاره في شئونهم الشخصية. أهمل حياتهم، فهم يحيونها بمثل ما اعتادوا: النوم والصحو والعمل والنقاش والفصال والأخذ والرد واجترار الذكريات، أحسنت مجموعاته الانتشار، فهيأت لنفسها الرزق. اكتفت بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها، أفرزت -من بين أسرابها كل ما تحتاجه من جنود وعلماء وحرفيين، وموظفين. حتى الصغار، أقامت لهم مدارس ودور حضانة في حنيات السلالم والأدوار الأرضية. أغنت الناس عما ألفوه -في الزمن الخالي- من الجري وراء أسراب السمان، حتى يهوي مجهدًا في أيديهم، فتنازلت -بطيب خاطر- لموائد الطعام، عن مرضاها والمصابين في الحوادث. لم يعد في الأمر ما يريب. استفاد الناس من حياة السمان بصورة مؤكدة: النظام والهدوء وحب العمل -والكسب- والميل إلى عدم السهر. لكن شيئًا ما مقلقًا، تحرك في النفوس، وتصاعد بالهمس، أثار الملل والمخاوف والأسئلة. لاحظ الناس أنهم لم يعودوا يتصرفون بمثل ما اعتادوا، وتنبهوا -وإن كان متأخرًا- إلى ملايين الأعين والأنفاس القريبة، والمقاسمة في المكان مهما كان

стр. 372

شخصيًّا، خلت التصرفات من العفوية التي كانت سمة أيامهم السابقة. بدا لهم استمرار الوضع -بصورته الحالية- غاية في الصعوبة. تهامسوا، وعقدوا الجلسات السرية، وتبين لهم بعد نقاش طويل- أن السكوت عن المقاومة- رغم كل شيء- طريق إلى الجنون١.

стр. 373

الفصل السادس: المسرحية تعريف المسرحية مدخل ... الفصل السادس: المسرحية تعريف المسرحية: هي قصة حوارية تُمثَّل وتصاحبها مناظر ومؤثرات مختلفة، ولذلك يراعى فيها جانبان: جانب التأليف للنص المسرحي، وجانب التمثيل الذي يجسم المسرحية أمام المشاهدين تجسيمًا حيًّا، وقد نقرأ المسرحية مطبوعة في كتاب دون أن نشاهدها ممثلة على المسرح فتتحول إلى ما يشبه القصة، ولكنها مع ذلك تظل محتفظة بمقوماتها الخاصة. ولم يعرف أدبنا العربي المسرحية قبل العصر الحديث؛ لأننا أخذناها عن الغرب، أما "خيال الظل" الذي انتشر في العصر المملوكي، ويقال: إنه أصل المسرحية، فالفرق كبير بينهما. وقد مر الفن المسرحي بالمراحل الآتية:

стр. 374

أولًا: مرحلة النشأة أ- مرحلة "مارون نقاش"١ اقتبس مارون نقاش هذا الفن من الغرب في مسرحية "البخيل" لمولير ١٨٤٧م، ثم أتبعها بمسرحيات أخرى مؤلفة، مثل "أبو الحسن المغفل أو

стр. 375

هارون الرشيد" ١٨٤٩م. وكانت مسرحياته فكاهية غنائية، أقرب إلى الفن "الأوبريت" الذي يُعنى بالموسيقا أكثر من حوار، كما كانت مسرحياته قريبة من أذواق الجماهير، ولكنها كتبت بلغة تخلط الفصحي بالتركية، والعامية، في أسلوب ركيك. ب- مرحلة "أبي خليل القباني": خطا أبو خليل القباني بالفن المسرحي خطوة إلى الأمام، أظهر لنا فيه الكثير من مقوماته، وقربه إلى الجماهير باختياره المسرحيات الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" واتخذ من الفصحى لغة للحوار، ومزج فيها بين الشعر والنثر، مع العناية بالسجع أحيانًا. وظل يقدم مسرحياته في دمشق بين ١٨٧٨، ١٨٨٤، ولكن مسرحه أغلق، فهاجر إلى مصر، وتابع تقديم مسرحياته١. جـ- مرحلة "يعقوب صنوع"٢: وفي عهد إسماعيل أنشئت "دار الأوبرا" ومثلت عليها أوبرا "عايدة" بالفرنسية، وفي سنة ١٨٧٦ ظهر أول رائد مصري للمسرحية "يعقوب صنوع" -المعروف "بأبي نظارة"- الذي اتجه إلى النقد السياسي والاجتماعي-باللهجة العامية- وتابعت الفرق الشامية والمصرية تقديم مسرحياته في مصر. وفي هذه المرحلة كانت أكثر المسرحيات مترجمة، أو مقتبسة، أو ممصرة "مكتوبة باللهجة العامية المصرية، وتتخذ شخصيات وأماكن مصرية".

стр. 376

ثانيًا: مرحلة النضج ١- في سنة ١٩١٠ عاد جورج أبيض من بعثته في فرنسا، بعد أن درس فيها الفن المسرحي وأصوله، وألفت له مسرحيات اجتماعية منها "مصر الجديدة" لفرج أنطون، كما عرّب له الشاعر المعروف خليل مطران بعض مسرحيات شكسبير مثل "تاجر البندقية" و"عطيل"، و"ماكبث"، و"هاملت".. ٢- أسس يوسف وهبي فرقة "رمسيس" التي عنيت بالمآسي، ومثل رئيسها مائتي مسرحية، وظهرت "فرقة نجيب الريحاني" التي عنيت بالفن الاجتماعي النقدي، في مسرحيات ممصرة ومؤلفة. ٣- بعد الحرب العالمية الأولى ظهرت في عالم المسرح "المدرسة المصرية الجديدة" التي اهتمت بالتأليف للمسرح، وتناولت المشكلات الاجتماعية، وعلاجها علاجًا واقعيًّا، ومن روادها: محمد تيمور، وأخوه محمود تيمور. ٤- كتب أمير الشعراء أحد شوقي عددًا من المسرحيات الشعرية، منها: "البخيلة"، و"علي بك الكبير"، و"مصرع كليوباترا"، و"مجنون ليلى"، و"عنترة"، و"قمبيز"، و"الست هدى"، ودفع فيها بالفن المسرحي دفعة قوية إلى الأمام، فقد درس الفن المسرحي أثناء إقامته في فرنسا، وكان له فضل السبق في تأسيس المسرح الشعري العربي.

стр. 377

ثالثًا: مرحلة الازدهار ١- منذ بداية الثلث الثاني من هذا القرن "١٩٣٣" أصدر توفيق الحكيم مسرحيته "أهل الكهف"، ثم أتبعها بأكثر من سبعين مسرحية، مكتملة في

стр. 378

موضوعاتها، وبنائها، وحوارها، وشخصياتها، وهو حريص على أن يساير بفنه حركات التطور الحديثة في المسرح، وهو الذي درس القواعد الرئيسة للمسرح في فرنسا دارسة جادة، ولذا نراه دائم الاتصال بالمسرح الغربي واتجاهاته. فانتقل من المسرح التاريخي، إلى المسرح الاجتماعي، ثم إلى المسرح الفكري الذي يعالج قضايا ذهنية. وبعد أن ظهر مسرح "اللا معقول" في الغرب، قدم الحكيم إلى المسرح العربي مسرحيتين من هذا الفن هما "يا طالع الشجرة"، و"الطعام لكل فم". ويأتي بعد الحكيم، علي أحمد باكثير الذي كتب عددًا كبيرًا من المسرحيات الجيدة الطويلة والقصيرة، منها "أخناتون ونفرتيتي"، و"سر شهرزاد"، و"الدودة والثعبان"، و"الفلاح الفصيح"، و"حبل الغسيل" وغيرها. ٣- أما في المسرح الشعري فنجد عزيز أباظة، وله "العباسة"، و"أوراق الخريف"، و"زهرة"، و"شجرة الدر"، و"شهريار"، و"غروب الأندلس"، و"قافلة النور"، و"قيس ولبني"، و"قيصر"، و"الناصر"، وعدنان مردم، وله "غادة أفاميا"، و"مصرع غرناطة"، و"القزم"، وصلاح عبد الصبور، وله "مأساة الحلاج"، و"مسافر ليل"، و"الأميرة تنتظر"، وعبد الرحمن الشرقاوي، وله "الفتى مهران"، و"النسر الأحمر"، وأنس داود، وله "بهلول المخبول"، و"الشاعر"، و"الزمار"، و"حكاية الأميرة التي عشقت الشاعر"، و"محاكمة المتنبي"، و"الملكة والمجنون"، و"قيس". وقد أصبح فن المسرح "النثري والشعري جميعًا" من الفنون القيمة، التي تقام لها المهرجانات، ويمنح مؤلفوها ومخرجوها وممثلوها الجوائز، لتفوقهم

стр. 379

الإبداعي، ولقدرتهم من خلال الفن المسرحي على تقديم صورة صادقة عن المجتمع العربي المعاصر.

стр. 380

العناصر المميزة للمسرحية مدخل ... العناصر المميزة للمسرحية: ١- البناء. ٢- الحوار. ٣- الصراع.

стр. 381

١- البناء يختلف بناء المسرحية عن بناء القصة في جانبين: أ- شكل البناء: "ففصول المسرحية محدودة، وفصول القصة لا حد لها ولا سيما في الرواية، وإن كان هناك تشابه في الحجم بين القصة القصيرة والمسرحية المكونة من فصل واحد". ب- أسلوب البناء: "وهو في المسرحية يقوم على التصاعد بالصراع إلى غايته، في خط متنامٍ نحو قمة مشحونة بالتوتر، ثم يتجه الخط نحو القرار الحاسم في النهاية، أما القصة فتقوم على التشابك والتعقيد في هدوء حتى ينتهي إلى الحل.

стр. 382

٢- الحوار: تقوم المسرحية على الحوار، وتقوم القصة على الحكاية وإن جاء فيها الحوار فهو غير أساسي، وهناك وسائل إضافية تساعد النص المسرحي عندما يعرض

стр. 383

على خشبة المسرح كالموسيقا التصويرية، والإضاءة وغيرهما. لكن النص نفسه لا يجري فيه من فنون القول سوى الحوار، ولذلك يقال: "لا مسرح بلا حوار"؛ وقد يكون بين شخصين، أو مناجاة بين الشخص ونفسه، يكشف به الكاتب أغوار الشخصية وهمومها الكامنة ودوافعها الخفية. وأحيانا يكون الحديث من طرف واحد ظاهر، ندرك من خلاله الطرف الآخر، وهدفه إبراز أفكار المتحدث ونواياه للمشاهدين. ويرى النقاد أن الحوار يدل على قدرة الكاتب، ويشترطون لنجاحه أن تتحقق فيه المقومات الآتية: أ- أن يكون حيًّا نابضًا مركزًا حتى لا يمله المشاهدون والقراء. ب- أن يعبر دائمًا عن انفعالات الأشخاص في حالاتها المختلفة من الرضا والغضب، والذكاء والغباء، وغير ذلك. فليس الحوار مجرد سؤال وجواب، أو مجرد مناقشة عقلية يشترك فيها أكثر من شخص. وإذا كان كذلك رأيناه سقيمًا ومملًّا. جـ- أن يكون ملائمًا لمستوى الشخصيات عقليًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا؛ ولذلك يتنوع أسلوب المسرحية تبعًا لتنوع شخصياتها، على الرغم من أن الكاتب هو المؤلف للحوار، بخلاف أسلوب القصة الذي يكون في مستوى واحد.

стр. 384

٣- الصراع: هو عقدة المسرحية، وإذا كان الحوار هو الجانب المحسوس في المسرحية فإن الصراع هو الجانب المعنوي لها، وإذا صح قول النقاد: "لا مسرحية بغير حوار" فيصح أن نضيف: "ولا مسرحية بغير صراع"؛ فالصراع عنصر قائم في الحياة بين الخير والشر، سواء أكان بين أشخاص حول مبدأ أم فكرة، ونزعة، أم هدف، أم بين الشخص نفسه.

стр. 385

والمسرحية هي أكثر الفنون الأدبية ارتباطًا بحياة الناس، وفي كل شخص جوانب ضعف وجوانب قوة وأعماله موزعة بين الخير والشر. ويظهر الصراع في المسرحية في أكثر من مستوى، ويوشك كل شخص فيها أن تكون له مشكلة خاصة، ولكن إلى جانب ذلك هناك صراع عام رئيس، ومحوري، يؤدي إلى تأزم الموقف، حتى يكون الحل نهاية لتلك العقدة، أما القصة فأساسها مشكلة تحتاج إلى حل.

стр. 386

أنواع المسرحية مدخل ... أنواع المسرحية ١- المأساة. ٢- الملهاة.

стр. 387

١- المأساة: وهي "التراجيديا" وتنتهي بفاجعة، ولكنها تؤكد قيمة إنسانية كبرى، وكانت في بدايتها مقصورة على تصوير حياة العظماء، فأصبحت اليوم تتناول عامة الناس، وتتميز بالجدية، وحدة العواطف، وصعوبة الاختيار في المواقف، وسلامة اللغة في الصياغة.

стр. 388

٢- الملهاة: وهي"الكوميديا"،وموضوعاتها واقعية من المشكلات اليومية، ويغلب عليها الطابع المحلي، وعنصر الفكاهة رئيس فيها. ونهايتها غالبًا سعيدة. وتنقسم الملهاة قسمين هما: أ- الملهاة الجادة: ويغلب عليها الطابع النقدي، والإضحاك فيها وسيلة لإبراز عيوب المجتمع، فهي هادفة، وبناؤها محكم، وأشخاصها لهم أدوار محددة.

стр. 389

ب- الملهاة الهزلية: وهي غير هادفة ولا محكمة البناء، وموضوعها غالبًا هزيل، والإضحاك هدفها الرئيس. وهذا التقسيم بين الملهاة والمأساة لم يعد قائمًا في المسرح المعاصر، فالحياة مزيج منها، ولذلك فإننا نرى مسرحيات تختلط فيها المأساة بالملهاة مثل مسرحية صلاح عبد الصبور الشعرية "مسافر ليل".

стр. 390

نماذج ... ١- نموذج من المسرح النثري من مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير ملخص أحداث المسرحية وتبدأ أحداثها في منزل الشيخ "سليمان الجوسقي"، شيخ المكفوفين في القاهرة، حيث يخبره أحد أتباعه بتقدم الحملة الفرنسية على مصر من قرية "شبراخيت" إلى قرية "أم دينار" -بمحافظة البحيرة- دون أن يعترض سبيلها أحد من المماليك، فيقترح "الجوسقي" على الحاضرين في مجلسه من أعيان البلاد فكرة تكوين جيش شعبي من أبناء الوطن للدفاع عنه بدلًا من الاعتماد على المماليك أو الأتراك، الذين لا تهمهم غير مصالحهم الشخصية. ثم يطلب من الأعيان أن يعودوا إلى بلادهم لجمع الشباب وتسليحهم وتدريبهم، حتى إذا قامت الثورة في القاهرة ضد الغزاة اشتعلت نيرانها في جميع القرى والمدن في وقت واحد، فلا يقدرون على إخمادها، ثم يحضر إلى المجلس شخص من أتباع
следующие страницы →