عكرمة: أطال الله لك البقاء كطول يدك في العطاء يا أمير المؤمنين.
سليمان: وستعود يا عكرمة إلى ولايتك، وستضم إليها أذريبجان وأرمينا، أما أمر خزيمة فهو لك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته.
عكرمة: بل يرد إلى عمله يا أمير المؤمنين.
سليمان: الحمد لله الذي هدانا للإسلام.. ولولا هداية الله لنا ما وجدنا بين ظهرانينا أمثالكم من الرجال البررة الكرام الأوفياء.
"ستار النهاية"
стр. 422
٢- بائع الوهم للأستاذ علي محمد الغريب
المنظر: "سوبر ماركت" كل الإنسان "لبيع قطع غيار الإنسان.. المكان يعج بالزبائن الذين يقلبون في البضائع.. نرى أناسًا يدخلون ويخرجون طوال العرض دون كلام.. في ركن من المسرح نجد محصلًا جلس خلف مكتبه وأمامه ماكينة النقود، ليحاسب المشترين.. يبدو أحد البائعين وقد أمسك مكبرًا للصوت وأخذ في عرض البضائع".
البائع: قررررب قررررب.. تعال هنا عندي.. لا تفكر ولا تحتار.. عندي أروع تشكيلة وصل إليها العلم الحديث في تكنولوجيا صناعة الإنسان؛ بأرخص الأسعار.. قررررب قررررب.. كل ما تريد ستجده عندي.. عقلة في إصبع.. كف في ذراع.. ركبة.. مناخير.. وصلتنا أجمل تشكيلة من العيون العسلية، والعيون الخضراء، والعيون السوداء، والعيون بألوان الطيف.. ونقدم لأحبابنا الصغار ألف تحية وألف لسان.. وصلتنا مجموعة ألسن حديثة ومطورة تجعل طفلك يقلد الزرافة، أو القطة، أو الفأر، أو السحلية؛ كل ذلك في عبوة "الولد أبو لسان ونصف" يدخل رجل بسيط في ثياب رقيقة الحال"
стр. 423
الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك ملء رئتيه".
البائع: "ينهره" اخرج من هنا أيها القذر، المكان معقم وليس لأمثالك ارتياده "يخرج الرجل".
البائع: قرب قرب.. خصم خاص على جميع المعروضات، مع وجود هدايا فورية وقيمة.. شعارنا الأمانة.. هدفنا خدمة الإنسان.. لو أنفك مزكومة غيرها.. لو عينك "مدغششة" افقأها. سوبر ماركت "كل الإنسان" يقدم لك كل ما تحتاجه الأمس واليوم والغد بأرخص الأسعار وأحسن "الموديلات".. اشتر يدًا واحصل على الأخرى مجانًا "يدخل أحد الزبائن متوجهًا نحو البائع".
الزبون: أنت يا أخ.. أنت أيها النصاب.
البائع: قرب قرب.. نعم يا محترم، أي خدمة؟
الزبون: اشريت من عندكم يدًا لكنها.. لكنها ...
البائع: لكنها ماذا يا محترم تفضل!
الزبون: لكنها مجرمة.. تسرق يعني.. كل ما أروح مكان أو غيره تمتد رغمًا عني وتسرق وتسبب لي إحراجًا مع الناس!
البائع: يلا سلام عليها!!.. الحمد لله بضاعتنا رافعة رأسنا في كل مكان.. إن شاء الله تكون مرتاحًا معها؟
стр. 424
الزبون: من أين ستأتي الراحة مع مثلها.. أنا رجل محترم، ولم يسبق لي أن مددت يدي لحرام قط.. أتصدق أنها سرقت مصاغ زوجتي؟! أرجوك ساعدني في تعديلها.
البائع: للأسف لا نستطيع؛ إلا إذا كنت تريد أن تعيش بدون يد.
الزبون: كيف؟!!
البائع: "مؤكدا" تعيش بدون يد.. هذه واضحة.
الزبون: وهل يمكن ذلك؟
البائع: إذا كانت يدك لا تعجبك فأنت حر.
الزبون: "يشير لليد الاصطناعية" يدي؟!!.. تقصد أن هذه يدي؟! لا ليست يدي. أرجوك خلصني منها ومن شرها.
البائع: يا محترم، البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل.
الزبون: وما العمل إذًا؟
البائع: اشتر واحدة جديدة، واحصل على الأخرى مجانًا.
الزبون: ترى أن ذلك أفضل؟
البائع: هذا هو الحل الوحيد.
الزبون: "يشير لليد الاصطناعية" وهذه المصيبة ماذا سنفعل بها؟
البائع: اتركها لنبيعها لك على أنها مستعملة.
стр. 425
الزبون: لكني أخاف أن تؤذي أحدًا بأفعالها!
البائع: لا تهتم.. فهي مرغوبة جدًّا.
الزبون: أشكرك.. أعطني واحدة جديدة.
البائع: "يسحب كيسًا به يدين" خذ هذه واحدة والأخرى مجانًا.. انتبه يوجد بالكيس "كتلوج" يوضح كيفية استعمالها وتركيبها.. اتبع التعليمات بدقة، وترفق بها بادئ الأمر، فهذه اليد كانت لأديب عالمي.
الزبون: أديب عالمي!! إذًا فالسارقة لمن؟
البائع: كانت لمجرم عالمي أيضًا. نحن لا نتعامل ولا نتاجر إلا في العالمي.
الزبون: "غاضبا" وكيف بعتموني إياها مع أنكم تعلمون أنها سارقة؟
البائع: حضرتك طلبت أكفأ يد.
الزبون: من اليوم لا حاجة لي بها.. سأرسلها لكم بعد فكها وتركيب الجديدة.
البائع: نحن في خدمتك دائمًا.
الزبون: شكرًا "يخرج.. لحظة ثم يدخل الرجل البسيط"
الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك".
стр. 426
البائع: أخرج أيها المجنون نحن لا نتاجر في الأشياء التافهة.. قرب قرب.. أسرع قبل نفاد الكمية، لدينا أرقى وأحدث الأنوف الحساسة، والأذن المرهفة التي تسمع دبيب النمل.. قرب قرب.. كن معنا الرجل المثالي ... معرضنا يوفر لك قطع الغيار من أظافر قدميك حتى شعر رأسك.. وداعًا للصلع بعد اليوم!
"يدخل زبون آخر وتبدو عليه علامات الهم والحزن".
البائع: "يستقبله في حفاوة" أي خدمة يا محترم.. عين، يد، رجل، أنف، أذن، كل شيء تحت أمرك.
الزبون: أنا عميل لكم منذ مدة، وقد اشتريت كل المعروض عندكم تقريبًا.
البائع: المحل محلك.
الزبون: أشكرك.. أنا أثق فيكم وفي محلكم، ولقد طال بحثي عن قطعة غيار مهمة، ولم أعثر عليها فهلا ساعدتني في الحصول عليها مشكورًا.
البائع: لا تبتئس نحن لدينا كل ما تحتاج ابتداء من أظافر القدمين، حتى شعر الرأس.
الزبون: كل هذا اشتريته من عندكم من قبل، لكني أبحث عن قطعة مهمة.
стр. 427
البائع: نحن في خدمتك.. ما هي القطعة المطلوبة؟
الزبون: السعادة.
البائع: نحن لا نتاجر في هذه الأشياء.
الزبون: أين أجدها.
البائع: "يشير إلى معروضات المحل القطعة تلو الأخرى" إن افتقدتها في هذه ربما وجدتها في تلك "يمد له كيسًا" خذ هذه الأنف هدية لك من المحل، أنا شخصيًّا جربتها ووجدتها مناسبة جدًّا.
الزبون: "يرد يده" أريد سعادة سعادة.. هل تفهم؟! "يدخل رجل رقيق الحال".
الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك ملء رئتيه".
البائع: اخرج أيها الحقير.. لا توسخ المكان.
الرجل: انظر لنفسك أيها الممسوخ. تعال ننزع قشرتك البراقة، وقشرتي البسيطة، ثم انظر لنفسك وانظر لي، ستجد نفسك مزبلة تنعق عليها الغربان، أما أنا فستجدني أحيا وأنعم في بستان سعادتي.. ما رأيك لو أني بعتك قطعة غيار سعادة؛ لكنك لا تستحق، ابق كما أنت لتبيع الوهم للناس "يضحك في طريقه للخروج".
стр. 428
الزبون: "في لهفة" انتظر يا هذا.
البائع: دعك منه يا سيدي إنه رجل مجنون.
الزبون: نحن والله المجانين.. انتظر يا رجل.
الرجل: ماذا تريد مني؟
الزبون: أريد أن أسمع منك ما قلته منذ قليل.
الرجل: تريدني أحدثك عن هذا الممسوخ "يشير للبائع"؟
الزبون: بل حدثني عن السعادة؛ التي أنفقت من أجلها الكثير ولم أجدها.. دلني عليها.. كيف أدركها؟!
الرجل: السعادة في حب الله، والرضى عنه وعن نفسك.. أحب الناس تكن سعيدا" الزبائن يجتمعون من كل مكان في المحل ويتحلقون حول الرجل".
أحد الزبائن: أخبرنا عن سبب سعادتك.
الرجل: سبب سعادتي بسيط.. بسيط جدًّا، فأنا لا أحمل هم رزق كفله لي ربي، ولا هم أجل آتٍ في ميعاده.. أنام ملء جفوني، وقد عفوت عمن ظلمني، أحب الخير لجميع الناس، أدعو لهم، وأرجو من الله أن يغفر لي ببركة الصالحين منهم.
الزبائن: وإذا لاحقتك الهموم؟
стр. 429
الرجل: بسيطة جدًّا.. عليّ بالصبر والصلاة ومناجاة ربي في السر والعلن" يخرج".
الزبائن: انتظر يا رجل.. خذنا معك.. خذنا معك "يخرجون من خلفه".
البائع: "وقد بقي وحده" لا عليكم منهم.. إنهم يخرِّفون.. قرب قرب.. وصلتنا أروع تشكيلة من الأرجل اليابانية، والعيون الفارسية، و ... "تنزل الستارة والبائع مازال يعرض ما لديه".
ستار
стр. 430
العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة
مدخل
...
العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة:
١- الحادثة.
٢- الشخوص.
٣- الفكرة.
٤- الزمان والمكان.
стр. 431
١- الحادثة:
وهي المواقف والوقائع والأحداث التي تتضمنها المسرحية، وطبعي أن تكون الوقائع والتفصيلات الجزئية في المسرحية أقل منها في القصة، لأن المسرحية تقوم أساسًا على الحوار، فلا سبيل لاستقصاء التفصيلات اكتفاء بالوقائع المهمة، فمثلًا مشهد محاكمة متهمين بالقيام بتمرد لا تقدم فيه وقائع التمرد نفسها، اعتمادًا على ذكاء المشاهدين الذين يدركونها من أقوال الشهود والنيابة والدفاع في القضية، فيخرج المشاهد من المسرح وقد ألم بأطراف قصة متكاملة.
стр. 432
٢- الشخوص:
وهم في المسرحية قسمان:
أ- شخوص رئيسة: ومن بينهم تبرز شخصية أو أكثر يطلق عليها اسم البطل١، وهي الشخصية المحورية، وتعلق بها الأحداث منذ البداية حتى النهاية، ويجب أن تكون نامية متطورة.
стр. 433
ب- شخوص ثانويون: أدوارهم مكملة للدور الرئيس الذي يقوم به الأبطال، ويلاحظ أن الكاتب في القصة ينبغي أن يرسم لنا صورة للشخصية من جانبيها الظاهري والباطني، حتى نتعرف أبعادها، أما في المسرحية فإن الشخصية تظهر أمامنا ونحن نتعرف عليها من خلال حركتها وكلامها، وتقاس مهارة الكاتب المسرحي بمدى نجاحه في تحريك شخوصه أمامنا، وخلق مجالات لها يبرز فيها سلوكها.أما إذا قدم لنا الشخصيات في صورة ثابتة، غير نامية، فهذا عيب يجعل من الشخصية "شخصية مسطحة " لا عمق فيها.
стр. 434
٣- الفكرة:
وهي الحقيقة أو الحقائق التي يريد الكاتب أن يؤكدها عن طريق تجسيمها على المسرح من خلال الأحداث والشخوص. فهو يطرح وجهة نظره في قضية تشغل الناس وهو بذلك يشارك في إنارة الطريق نحو الحل السليم.
وتسمى المسرحية "واقعية" حين يعتمد الكاتب على الواقع، وتسمى تاريخية إذا اعتمد على التاريخ، وأسطورية إذا اعتمد على الأساطير، وتسمى "فكرية" إذا تناولت قضية من قضايا الصراع الإنساني.
стр. 435
٤- الزمان والمكان:
من حيث الزمان: للمسرحة وقت لا تتجاوزه، ولذلك يجب تركيزها واستبعاد تفصيلاتها، فعدد فصولها يتراوح بين فصل إلى خمسة فصول لأن الجمهور لا يستطيع أن يتجاوز ثلاث ساعات في مشاهدة مسرحية.
стр. 436
ومن حيث المكان: يتقيد الكاتب بإمكانات منصة المسرح التي لا تتسع لجيشين من المتحاربين، ولا تصلح لإشعال حريق فتستخدم مؤثرات صوتية وضوئية خلف الستار توحي بذلك.
стр. 437
الفصل السابع: المحاضرة
مدخل
...
الفصل السابع: المحاضرة
شاع في عصرنا هذا الفن الذي يجمع بين الشفافية والكتابة، ونجده في الجامعات، وحلقات الدرس، والمنتديات والنوادي الأدبية، ... وغيرها.
ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
стр. 438
أولا: المحاضرات الجامعية:
وهي تلك التي يقوم فيها المحاضر بشرح مواد علمية، أو دراسية محددة لطلابه في الشريعة، أو الآداب، أو الطب، أو الزراعة.. وغيرها. "وهذا النوع من المحاضرات.. مجال الابتكار فيها محدود، وإن كانت بعض المحاضرات ذات قيمة علمية إذا كان الأستاذ المحاضر من الأعلام في تخصصه، فهي أشبه بالبحوث التي تقوم على الابتكار وتقديم الجديد، سواء بالكشف عن مناهج جديدة للمعرفة في ميدانها، أو في الوصول إلى نتائج غير مسبوقة، وفي تقديم آراء ووجهات نظر مغايرة لما سبقها، وفقًا لبراهين وأسس ومناهج مختلفة"١.
وتعقب هذه المحاضرات مناقشات الطلاب، وقد ينشرها الأستاذ بعد ذلك في كتاب بعد أن يفيد من المناقشات التي دارت حولها، ومن نماذج ذلك كتاب الدكتور أحمد هيكل "تطور الأدب الحديث في مصر"، وكتاب الدكتور محمد أبي الأنوار "الشعر العباسي" فقد كانا في الأصل محاضرت ألقيت على طلاب.
стр. 439
المحاضرات المتخصصة
محاضرات في المؤتمرات والمهرجانات المتخصصة
...
ثانيًا: المحاضرات المتخصصة:
وهي قسمان:
أ- محاضرات في المؤتمرات والمهرجانات المتخصصة:
وهي تلك المحاضرات التي تلقى في مؤتمر "مثل محاضرات "الجنادرية"، ومحاضرات مهجران القاهرة الدولي للكتاب السنوية"، وهي أبحاث يكتبها مختصون في مجال تخصصهم، ويكلفون بها قبل فترة كافية، وتطبع محاضراتهم قبل المؤتمر بوقت كافٍ لتوزع على مجموعة من المناقشين المختصين في مجال البحث.
وفي يوم الندوة يلقي المحاضر موجزًا لمحاضرته، غير مخلٍ بالخطوط الرئيسية فيها، يعقبه المناقشون، ولا مانع من مشاركة الجمهور بالتعليق فيما يسمع من عرض "للمحاضر" ومناقشة" للمختصين".
وقد يعقب ذلك أن يقوم المركز الداعي لهذه المحاضرة المتخصصة، بنشر البحث، مع ما أثير حوله من نقاش١.
стр. 440
ب- محاضرات التثقيف العام:
وهي محاضرات تلقى في منتدى عام، ونادٍ أدبي، أو جمعية فئوية: كجمعيات الأدباء، أو الأطباء، أو الصيادلة.. إلخ، ويلقيها علَمٌ في مجاله. وهذه عناوين عدد من المحاضرت التي ألقيت خلال العام الجامعي ١٤١٤، ١٤١٥هـ١.
стр. 441
١- اللغة العربية وتحديات عصر المعلومات، محاضرة ألقاها د. نبيل علي محمد عبد العزيز في قاعة المحاضرات التابعة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض.
٢- مستقبل التنمية في المجتمعات العمرانية والمدن الجديدة، محاضرة ألقاها د. يحيى شديد في المركز الثقافي التابع للسفارة المصرية في الرياض.
٣- آداب الشعوب الإسلامية، محاضرة ألقاها د. محمد بن عبد الرحمن الربيع في نادي القصيم الأدبي، ببريدة.
٤- العربية بين الدرس القديم وعلم اللغة الحديث، محاضرة ألقاها د. عبده الراجحي في نادي القصيم الأدبي، ببريدة.
стр. 442
مرحلتا المحاضرة
مرحلة الإعداد
...
أ- مرحلة الإعداد:
١- الاطلاع، وجمع المعلومات حول موضوع المحاضرة.
٢- وضع خطة للمحاضرة، كخطة البحث، وذلك بتقسيم الموضوع إلى أفكار رئيسة، وأفكار جزئية.
٣- التنبه للفكرة الجديدة التي يريد المحاضر أن يطرحها، واحتشاده لتقديها تقديمًا يجمع بين المتعة والإقناع.
стр. 443
ب- تقديم المحاضرة:
١- على المحاضر أن يقدم لموضوعه تقديمًا ذكيًّا، في تمهيد يحدد فيه الغرض من المحاضرة، ويعرض فيه للخطوط الرئيسة في إيجاز، ويبين أهميتها.
٢- عليه أن "يشرك الحضور بين الحين والآخر عن طريق الأسئلة، أو المشكلات أو الفروض"١.
стр. 444
٣- عليه أن تكون مخارج حروفه سليمة، وأن يغير نبرة صوته بين حين وآخر حسب المعنى، وليبعد جمهوره عن الملل والرتابة.
٤- عليه أن تكون لغته مفهومة، وإذا جاء بمصطلح جديد، فعليه أن يشرحه شرحًا موجزًا حتى يستطيع الحاضرون أن يتابعوه.
٥- الهدوء وعدم الانفعال عند الرد على مداخلات المختصين أو الجمهور.
٦- عدم المبالغة في تقدير جهده في المحاضرة أو الثناء عليه، وألا يهون من شأن الذين ينتقدهم، أو ينتقد بسخرية جهود السابقين له في المجال الذي يحاضر فيه.
стр. 445
نموذج لمحاضرة: نحو طريقة مثلى لتحليل النص الأدبي ١
١- الهدف من دراسة النص الأدبي:
إن الهدف من دراسة "النص الأدبي" هو الوقوف على إبداعات الأديب -شاعرًا أو كاتبًا- في نصه، وما تجلى فيه من جماليات، تبدو في دقة التعبير وروعة التصوير، وحسن التركيب، وجمال الموسيقا، كما تبدو فيما تحويه الألفاظ والتراكيب والصور من تجارب صادقة، وعواطف جياشة، ومعانٍ نبيلة، وأفكار جليلة، جعلت القارئ ينفعل بها ويتأثر، مثلما انفعل بها الأديب -من قبل- وتأثر، انفعالًا وتأثرًا يجعلانه مشدودًا إلى ما في النص من سمات فنية ترقى بالأدب، ومن قيم موضوعية تسمو بالإنسان إلى مراقي التقدم والكمال.
стр. 446
٢- ما قبل تحليل النص الأدبي:
١- قائل النص:
إن أول ما ينبغي أن يوقم به دارس النص الأدبي، هو إلقاء الأضواء على قائله، ففي هذا الإلقاء كشف للكثير من جوانب النص -حين درسه وتحليله- وتوضيح لبعض الأمور الغامضة فيه.
ذلك لأن للقائل -شاعرًا أو كاتبًا- مجموعة من العواطف والمشاعر والاتجاهات النفسية التي يصدر عنها في فنه الأدبي شعرا ونثرا، وهي أمور تتحكم فيها مجموعة من العوامل والمؤثرات المحيطة به، عامة كانت هذه المؤثرات أو خاصة، فالعامة كالمؤثرات السياسية والاجتماعية والثقافية، والخاصة كالأسرة والنشأة والحياة الخاصة، والقبيلة والبلد والأساتذة.
ومما لا شك فيه أن هذه المؤثرات، هي التي تكوّن الأديب نفسيًّا وفكريًّا، وبالتالي توجهه حينما يعبر عن عواطفه وانفعالاته وشعوره وفكره.
ولكن درس هذا الجانب ينبغي أن يكون موجزًا يكشف الغامض ويوضح الملتبس في النص، ويعين على فهم نفسية الأديب وشعوره، ويرشد إلى السر في اختياره لألفاظه وتراكيبه وصوره الفنية وموسيقاه، ويرجع الكثير من هذه الظواهر الفنية إلى منابعها التي تعود إلى تلك العوامل والمؤثرات، "فتذوقنا لشعر المتنبي يكون أشد عمقًا، وأقوى روعة، حين نعرف الكثير عن حياته العاصفة المضطربة، وفهمنا لإبداع المعري يبدو أكثر وضوحًا حين نقرؤه في ضوء حياته، وما اعتورها وأحاط بها، وتعليلنا لدقة ابن الرومي يقترب من الحقيقة أكثر حين نعرف أصوله الأولى، وما ارتبطت به من اتجاه في الفن أو الفهم والتعليل"١.
стр. 447
٢- مناسبة النص:
إن أول ما يتوجه إليه دارس النص، بعد انتهائه من إلقاء الضوء على حياة الأديب هو كشف النقاب عن مناسبة النص، والمقصود بها الأحداث والعوامل المثيرة التي حركت روح الأديب وجعلته يكتشف موضوعه، من الأحداث الخارجية، أو الانفعالات الداخلية، التي وقعت على شخصه أو مست الذين حوله، كالأحداث المثيرة للفرح، والمحركة للأحزان، أو الباعثة على اليأس أو التفاؤل أو الغضب أو الحقد، أو الحب.. أو غير ذلك من العواطف التي تثيرها تلك الأحداث.
ولا شك أن الحديث عن المناسبة هذه تعين على فهم النص فهمًا دقيقًا، وتعين -كذلك- على فهم أبعاده وجوانبه، وهذا وذلك يساعد على فهم الجوانب الفنية في النص.
٣- قراءة النص:
بعد الوقوف على حياة الأديب، وبعد معرفة الملابسات والظروف والأحداث التي هيأت لميلاد النص، من أحداث وعوامل وتجربة شعرية عايشها الأديب خلال هذه الأحداث، أدت في النهاية إلى إحساس الأديب ورغبته في التعبير عنها- أقول بعد هذا كله: على دارس النص أن يخلص إلى قراءة النص قراءة صحيحة واعية، تفصح عن فهمه له، وإحساسه به، ووقوفه على مضمونه.
ويهمنا -ونحن في مجال تدريس النص الأدبي- أن يقوم الطلاب بقراءة النص -بعد قراءة الأستاذ للنص قراءة توجيه وإرشاد للكيفية الصحيحة للقراءة- بحيث يقرأ كل طالب النص كاملًا إن كان قصيرًا، أو يقرأ مقطعًا منه إن كان طويلا، يقوم الطالب -من خلال قراءته- تقويمًا نحويًّا وصرفيًّا ولغويًّا وعروضيًّا وإلقائيًّا.
стр. 448
وينبغي -خلال هذه القراءة- أن يقف الطالب على موضوع النص، والأفكار التي يحتويها، حيث يقسم النص إلى فقرات إذا كان طويلًا، وأن يحدد لكل فقرة عنوانًا يدل على الفكرة التي تحتويها الفقرة، مع مراعاة أن الفقرة جزء ينتمي إلى كل، وبذلك يلم الطالب بموضوع النص وأفكاره قبل الشروع في تحليله، وهذا أمر يساعدنا كثيرًا في الوقوف على دقائق النص أثناء الشرح والتحليل.
وخلال هذه القراءة -أيضًا- يجب أن توضح الألفاظ الغامضة، ومعرفة ما يريد منها الشاعر بدقة "لأن الكلمة في القصيدة يمكن -أحيانًا- أن تتجاوز دلالتها المحددة لها في الاستعمال الشائع، أو الذي تعطيه لها معاجم اللغة، حين يدفع الشاعر في شرايينها بدم جديد، فيعطيها ملمحًا خاصًّا تكتسبه من الإيقاع أو السياق، أو حتى من الألفاظ المجاورة لها ١"، ومنها فإن ألفاظ الشاعر لا تعطي معنى فحسب، وإنما تثير لونًا وطعمًا ورائحة، وظلًّا وحركة ٢.
وخلال القراءة -كذلك- ينبغي أن تلتقط الجمل، أو الفقرات، أو الأبيات، التي يمكن أن نجد فيها الملامح الأصيلة للشاعر، والأشكال ذات المغزى، والعبارات الهامة الأشد ارتباطًا بالموضوع، أو التي تعكس -في قوة- خصائص أسلوبه؛ لأن قراءة النص تتجاوز الحروف والألفاظ إلى ما يستتر خلفها من مشاعر وأحاسيس وحياة، والقارئ المتأني الفاهم يستطيع أن يفك ألغازها، وأن يكتشف العالم الفكري للشاعر كاملًا٣.
стр. 449
٤- بيئة النص: زمانًا ومكانًا:
إذا انتهت القراءة الواعية المتأنية للنص على ضوء الأسس السابقة -يجيء ما يمكن أن نسميه وضع النص في موضوعه زمانًا ومكانًا؛ فنحدد عن طريق العصر التيار الأدبي الذي كان سائدًا على أيامه: عصر طبع أو صنعة، أصالة أو تقليد، تجديد أو محافظة؟ وأي التيارات غلب عليه: الرومانسية، أو الواقعية، أو غيرها من المذاهب، وأي القضايا شغلت أهل عصره: ذاتية أو اجتماعية أو سياسية١.. وإذا كان للبيئة الزمانية دخل في هذ كله، فإن للبيئة المكانية دخلًا كذلك، فالمضوعات والاتجاهات الفنية التي شغلت الشعراء في العصر الأموي -مثلًا- في الحجاز غير التي شغلتهم في بوادي نجد، غيرها في العراق، وهكذا. وتحديد البيئة زمانًا ومكانًا يضع يد دارس النص على الاتجاه الأدبي الذي ينتمي إليه الشاعر، أو المذاهب الأدبية التي خرج عليها، ولم ينتمِ إلى أي منها.
стр. 450
٣- تحليل النص:
بقراءة النص الأدبي -على النحو السالف- يكون وقوف دارس النص على ما ينطوي عليه النص من أفكار ومشاعر وغايات، وحينئذ يخلص الدارس إلى تحليله ودراسته، والتوصل إلى عناصره المختلفة حتى يبلغ الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها، وهو في مرحلة التحليل هذه يتناول المحتوى والشكل، كل على حدة، دون أن ينسى أنهما مرتبطان بلا انفصال.
أ- المحتوى "أو المضمون":
عند تناول الدارس للمحتوى، ينبغي -أولًا- أن يحدد موضوع النص، وهو
стр. 451
ما يمكن أن يكون عنوانًا له، وفي الغالب يعالج النص عددًا من القضايا أو الأفكار العامة، ومن المهم أن نقسم النص -من حيث هذه الأفكار العامة- إلى مقاطع، يسمى كل مقطع باسم يحمل الفكرة التي يحتويها، ومن المهم -أيضًا- أن نتناول العناصر الفرعية، أو قل المعاني الجزئية التي يحتويها كل مقطع من خلال أبياته التي اشتمل عليها.
بعد تقسيم النص إلى أفكار عامة، وتقسيم كل فكرة منها إلى عناصر فرعية، يأتي شرح هذا المحتوى فكرة فكرة، أي مقطعًا مقطعًا، يأتي بعده شرح وتبيان العناصر الفرعية التي تحتويها الأبيات.
وينبغي أن يكون معلومًا أن توضيح هذه الأفكار العامة، وما تحتويه من عناصر ومعانٍ جزئية، يجب أن يكون دقيقًا بلا إطناب ولا ثرثرة.
وخلال معالجة المحتوى -على نحو ما تقدم- يقوم دارس النص بشيئين:
١- بيان الوحدة الموضوعية.
٢- بيان القيم الموضوعية.
أما بالنسبة للأول، فعلى الدارس أن يقوم بالكشف عن مدى الترابط بين أجزاء المضمون العام للنص التي تمثلها أفكار العامة، وعن مدى الترابط -أيضا- بين عناصر الفكرة العامة التي تمثلها أبيات كل فكرة، بحيث يكشف عن مدى هذا الترابط والتلاحم، أو يكشف عن مدى التفكك والانفصال.
ولا يستطيع أحد أن يتعلل -للتفكك والانفصال- بتعدد موضوعات النص، فذلك أمر يمكن للأديب حسمه بحسن تلطفه، ودقة تخلصه، فتبدو المقاطع -التي قد تبدو متنافرة- وكأن كل مقطع ينادي أخاه، وهذا يدل على فهم الأديب لموضوعه وحسن تأتيه له، ويقظته التامة للطائفه ودقائقه.
стр. 452
وأما الثاني، فيقوم فيه الدارس باستجلاء ما في النص من أفكار موضوعية، وقيم شعورية ومعانٍ إنسانية، وشرحها وبيان ما فيها من صدق أو كذب، ومن صحة أو خطأ، ومن وضوح أو غموض، ومن سطحية وابتذال، أو بعد وعمق، ومن ذاتية أو موضوعية.
ب- الشكل "أو القالب الفني":
ينبغي لدراس النص -قبل أن يعرض للسمات الفنية للشكل- أن يحدد القالب الفني الذي اتخذه الأديب مجرى لإبداعه، أهو الشعر- غنائيًّا أو مسرحيًّا أو ملحميًّا -أم النثر- قصة، أو مقالة، أو رسالة، أو خطبة؛ فلكل لون من ذلك أصوله وطرائقه.
وعلى الدارس بعد تحديد القالب الفني للنص، أن يبدأ في تناول أسلوب الأديب، ونعني بالأسلوب طريقة التعبير وخصائصه، وفي الأسلوب يدرس الألفاظ التي انتقاها، وطريقته في تكوينها، وأي الألفاظ يؤثر، وعلى أي المشتقات يقبل، ويدرس العبارات، وكيف صاغها وألف بينها، كذلك يدرس الصور، وكيف ألفها، ومن أي المواد التقط عناصرها، كذلك يدرس موسيقاه وفقًا لعلم العروض، ليرى هل وفق الشاعر في اختيار هذا البحر أو ذلك، وهل يجري على عروض الخليل أم سار على الطريق التي استحدثت فيما بعد، من الموشحات أو الشعر المرسل أو شعر التفعيلة١.
١- الألفاظ:
هذا جانب هام من جوانب الدراسة الفنية للنص، فما لا شك فيه أن اختيار الألفاظ المناسبة يلعب دورًا مهما في الخلق الأدبي، فالكلام موضوع
стр. 453
للإبانة عن الأغراض التي في النفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ويدخل في ذلك أمور كثيرة يجب مراعاتها عند تحليل الألفاظ:
١- الدقة: ومعناها أن يختار الأديب من الألفاظ أدقها تعبيرًا عن المعنى الذي يجول في نفسه، فإذا لم يحسن الأديب اختيار كلماته عُدَّ ذلك عيبًا١.
٢- الإيحاء: اللفظ الموحي، هو اللفظ الذي يثير في النفس معاني كثيرة، كأنه نوع من البث الغامض، ويرجع الإيحاء في اللفظ إلى أمور كثيرة، منها ما لحق باللفظ تاريخيًّا أو أسطوريًّا، أو دينيًّا أو شعريًّا، ومنها ما يعود إلى جرسه الموسيقي، وما يلقيه في النفس من ظلال.
٣- الاشتقاق: ونعني به الصيغ المختلفة للمادة الواحدة، وفي هذا الجانب ينظر الدراس ليرى كيف يختار الأديب ألفاظه ذات الاشتقاق الموحي بالمعنى على نحو أتم، مثل الألفاظ ذات الحروف المضعفة، أو التي زيدت فيها حروف، أو الألفاظ الدالة على الجموع، أو المبالغة، أو الألفاظ المعرفة أو المنكرة، وغير ذلك من الاتجاهات ذوات الصلة بعلم المعاني.
٤- الألفاظ وموضوع النص: يدرس في هذا المجال مدى مراعاة الكاتب لألفاظه، ومدى تناسبها للموضوع، من الجزالة والقوة، أو السهولة واللين، أو الوضوح أو الغموض.
٥- الألفاظ ومدى دلالتها على نفسية الأديب: لا شك أن لكل أديب معجمه اللغوي الذي يجول فيه، وينتقي منه الألفاظ التي تعبر عن نفسه أدق تعبير، فيلاحظ الدارس -مثلًا- تردد كلمات بأعيانها في النص، كالموت
стр. 454
والعدم، أو النور والضياء، أو الحياة والبهجة، أو المكارم والمعالي، أو غير ذلك، وحين يبحث عن السر في تردد مثل هذه الألفاظ، يجد الباحث أن ذلك يرتبط بالتكوين النفسي للأديب، الذي قد يكون مرده إلى النشأة والبيئة والاتجاه الفكري.
هذه الجوانب الفنية السابقة في دراسة الألفاظ، لا ينبغي أن ننظر إلى اللفظ -من خلالها- نظرة استقلالية، بمعنى أن يدرس اللفظ مفردًا، بل ننظر إليه من خلال مجاورة اللفظ لأخيه وترابطه به، حتى تعطي الألفاظ المعنى الذي يقصد الأديب إبرازه، ومن هنا لا نجد قيمة فنية للفظ ما لم يكن منتظمًا في سلك مع ألفاظ مكونة ما يسمى بـ "العبارة".
٢- العبارة:
"يقصد بالعبارة مجموعة ألفاظ منسقة على نحو معين، لأداء معنى شعوري، وتستمد العبارة دلالتها -في العمل الأدبي- من مفردات الدلالات اللغوية للألفاظ، ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الألفاظ وترتيبها في نسق معين، ثم من الإيقاع الموسيقي الناشئ عن مجموعة إيقاعات الألفاظ متناغمًا بعضها مع بعض، ثم من الصور والظلال التي تشعها الألفاظ متناسقة في العبارة١.
ومن هنا كانت العبارة، هي التعبير الحقيقي عن التجربة الشعورية، لا الألفاظ المفردة، وليست الألفاظ المفردة إلا لبنات في بناء واحد متكامل هو العمل الأدبي، والألفاظ -بذلك- لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، وإنما تثبت لها الفضيلة في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها٢.
стр. 455
وللعبارة أنماط متعددة، وأشكال عدة، فقد تأتي العبارة في قالب الخبر أو قالب الإنشاء، ويتشكل المعنى المقصود من الخبر من خلال سياقاته، وكذا يتشكل المقصود من الإنشاء من خلال أنواعه أمرًا أو نهيًا، أو نداء، أو استفهامًا، أو عرضًا، أو إغراء، أو تحذيرًا أو شرطًا، ومن خلال سياقاتها. وهذه جوانب هامة يجب درسها وتحليلها، وبيان قيمتها التعبيرية في أداء المعنى وإبرازه.
وإذا كنا ندرس العبارة مستقلة، لنرى قيمتها الفنية في التعبير عن المعنى، على نحو أتم، ولنرى -من خلال ذلك- مدى تجانس الألفاظ وتآلفها وامتزاجها في دلالتها على هذا المعنى إذا كنا ندرس العبارة على هذا النحو وجب علينا أن ندرس أيضًا وجه الترابط والتلاحم بين العبارات التي تكون المقطع؛ لنرى مدى توفيق الأديب في إحكام بناء العبارات على نحو فني دقيق، أو عدم توفيقه، وخلال هذه الدراسة يكشف عن مدى الوحدة الفنية التي تنتظم هذا البناء الأدبي.
وعلى دارس العبارة ألا يقف بها عند هذا الحد، بل عليه أن يدرس جوانبها الأخرى من المزايا الموسيقية والتصويرية والإيحائية، التي ترقى بها إلى مستوى التعبير الجميل "من هنا فإن النظر إلى دلالة العبارة من ناحية المعنى فقط، قد لا يدلنا على قيمة العمل الأدبي الحقيقية التي هي في المعاني المشعة، الموحية التي تكمن خلف العبارات"١.
٣- الصورة الفنية:
للصورة الفنية مكانتها في النص الأدبي، وبخاصة الشعر، فهي التي تعطيه.
стр. 456
القدرة على الإيحاء والتأثير، والشعر يكتسب أهميته ودوره وغناه من الصور الشعرية؛ لأنها هي التي تعطي الألفاظ المؤلفة للغة قدرتها الإيحائية في الدلالة، فنرى الكلمات التي مستها الصورة، تغدو ينبوعًا لا ينضب للإمكانات الدلالية والصوتية١.
وعلي دارس النص -لذلك- أن يتوجه إلى دراسة الصورة الفنية في النص، فيتناول ألفاظها المكونة لها، والبيئة التي استمدت منها، وأنماطها المعبر عنها من تشبيه ومجاز مرسل واستعارة وكناية، كما يتناول قيمها الفنية في كل نمط منها، وإيثار الأديب لنمط منها دون آخر.
٤- الموسيقا:
المقصود بالموسيقا في الشعر هما الوزن والقافية، وبهما تميز الشعر عن النثر في المدرسة القديمة؛ ذلك لأن النثر في المدرسة الحديثة يشتمل على الموسيقا، ذلك "أن إيقاع الجملة، وعلائق الأصوات والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائية، والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها من الأصداء المتلونة المتعددة.. هذه كلها موسيقا، وهي مستقلة عن موسيقا الشكل المنظوم، قد توجد فيه وقد توجد دونه"٢.
ولأهمية الوزن والقافية في الشعر -لأنهما يشكلان العنصر الموسيقي الأول الظاهر في الشعر- تحدث عنهما النقاد طويلًا، فقالوا: "الوزن أخص ميزات الشعر وأبينها في أسلوبه، ويقوم على ترديد التفاعيل المؤلفة من الأسباب والأوتاد والفواصل، وعن ترديد التفاعيل تنشأ الوحدة الموسيقية للقصيدة كلها"٣.
стр. 457
ولعل إطلاق مصطلح "موسيقا الشعر" مقصودًا به الوزن والقافية إطلاق له وجاهته، ذلك لأن "الشعر هو في الدرجة الأولى موسيقا، يشبهها في الوزن وانسجام الأصوات وترجيعها بصورة متسقة بين طويل وقصير، وضعيف وقوي، ولكن وقفات القصيدة لا يضبطها العدد بالدقة التي تنضبط بها وقفات الموسيقا. والشعر موسيقا أيضًا في قافيته، فهي تصور المقطع الذي تنتهي به أبيات القصيدة، ويتردد وقعه في أواخر كل بيت، بحيث تبدو نغمته صدى يتردد بصورة قياسية، ينتظره السامع ويستعد له.
إن على دارس النص أن يتوجه بالدراسة والتحليل إلى هذ العنصر الموسيقي الظاهر، وهما الوزن والقافية ليرى هل وفق الشاعر في اختيار هذا البحر أو ذاك لقصيدته؟ وهل وافق البحر الغرض الذي احتوته القصيدة؟ وهل وفق أيضًا في اختيار قافيته؟ وهل وافقت القافية الغرض كذلك؟
لكن هذه الصياغة الموسيقية الأم للقصيدة العربية -نعني بها الوزن والقافية- جوبهت بتغييرات عدة عبر تاريخ الأدب العربي، تغييرات ظلت تربط الشعر بالموسيقا، لكنها حاولت أن تطور في هذه الموسيقا، وفاقًا للظروف المتغيرة التي اقتضت في نظرهم إحداث تغيير في نظام الصياغة الموسيقية العربية التقليدي، انتهى -في النهاية- إلى تلك الأساليب الموسيقية المستحدثة، وهي الموشحات، والشعر الحر، وقصيدة النثر٢.
وعلى دارس النص أن يتتبع هذه التغيرات الموسيقية التي جدت في الأوزان الخليلية وهو يدرس موسيقا النص؛ ليرى هل جرى الشاعر على النمط المعاد.
стр. 458
في الشعر العربي، أو سار على الطرق التي استحدثت من هذه التي ذكرت آنفًا أو استحدث الشاعر لنفسه أوزانًا جديدة؟ وعلى أي أساس تقوم؟
وهناك -إلى جانب الموسيقا الخارجية الوزن والقافية- الموسيقا الداخلية، وهي ذات جانبين هامين: اختيار الكلمات وترتيبها، والمواءمة بين الكلمات والمعاني التي تدل عليها، أما الجانب الأول -وهو اختيار الكلمات وترتيبها- فيتبدى في حسن اختيار الشاعر لألفاظه ومعرفته بالحسن منها والمستهجن، وملاءمته بين ألفاظه حتى لكأنها سبكت سبكًا واحدًا، هذا التخير للألفاظ، والدقة فيه، وهذه الملائمة الدقيقة بين الألفاظ وما يتبعها من تلاحم وامتزاج، يمثل الجانب الأول من هذه الموسيقا الداخلية، ويمكن أن ندخل في هذا الجانب أنماطًا متعددة من الموسيقا الداخلية، تظهر في التصريع، والتنويع، والازدواج، والتقسيم، والجناس، والطباق. أما الجانب الثاني، وهو المواءمة بين الكلمات والمعاني التي تدل عليها، فيعني أن يختار الشاعر لموضوعاته الشعرية الألفاظ التي تناسبها، فيختار للحماسة الألفاظ القوية "الجزلة" وللغزل الألفاظ الرقيقة "السهلة" التي تشبه أنسام الصباح، وللفخر الألفاظ القوية التي تشي بالقوة والاعتزاز لدى الشاعر. وهذا الجانب الثاني ليس منفصلًا عن الأول، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ ومن هنا كان لا بد من مراعاتهما معًا، وما الفصل بينهما -هنا- إلا من باب التوضيح.
على دارس النص أن يراعي هذه الجوانب للموسيقا الداخلية، وأن يكشف عما فيها من إيقاعات موسيقية تمنح النص جمالًا.
стр. 459
٤- ما بعد تحليل النص:
ينبغي لدراس النص -بعد هذه الدراسة التحليلية للنص- أن يلقي نظرات على النص، يمكن أن تسمى "نظرات أخيرة على النص"، وفي هذه النظرات
стр. 460
يوضح العلاقة بين النص وقائله، وبين النص والبيئة، كما يلقي بعض النظرات النافذة حول "التجربة الشعورية" لدى الشاعر، وحول "عاطفته" في هذا النص، ففي العلاقة بين النص وقائله يمكن للدارس أن يكتشف صورة الشاعر الفنية، وكيف دلت هذه الصورة عليه: من خلال ألفاظه التي انتقاها، وتراكيبه التي ألفها، وصوره التي نسجها، وموسيقاه التي اختارها؛ بحيث تصير هذه الخصائص سمتًا عليه، ومشيرة إليه، كما يمكن للدارس أيضًا أن يتعرف من خلال النص على مذهبه الأدبي وتوجهه الفني، وعلى ميوله الفكرية والعقدية.
وفي العلاقة بين النص والبيئة، يمكن للدارس أن يظهر -في دراسته- أثر البيئة في النص من خلال اختيار الشاعر لبعض الألفاظ التي تدل على هذه البيئة، سواء أكانت دالة على عادات وتقاليد ونظم وأعراف أم على أفكار ومعتقدات، أو من خلال اختيار الشاعر لموضوعات دون موضوعات، كان للبيئة تأثير فيه، مثل ظهور الغزل العذري في بوادي نجد، والصريح في الحجاز، والمديح والهجاء في العراق.
أما التجربة الشعورية، فتتجلى للدارس من خلال دراسته وتحليله للنص، فيعرف إن كانت ذاتية أو موضوعية، أو خيالية، كما يعرف إن كانت صادقة أو زائفة، أو كانت عميقة أو سطحية. كل هذه الجوانب الخاصة بالتجربة الشعورية لا بد من تجليتها وتحليلها حتى تبدو واضحة لا لبس فيها.
وأما العاطفة، فهي الانفعال بالتجربة الشعورية حبًّا أو بغضًا، تفاؤلًا أو تشاؤمًا، وتتجلى للدارس من خلال دراسة النص إن كانت هذه العاطفة صادقة أو زائفة، عميقة أو سطحية، قوية أو ضعيفة، مستمرة في النص كله، أو فقدت استمراريتها.