← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المحمود والمذموم، ولكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف)) (١) . أقسام البدعة: قال الحافظ ابن حجر: ((وأما البدعة فالموصوف بها اما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق بها: فالمكفر بها لا بد أن يكون التكفير متفقا عليه في قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الآلهية في علي ﵁ أو غيره، أو الايمان برجوعه الى الدنيا قبل يوم القيامة، أو وقوع التحريف في القرآن، أو نسبة التهمة الى السيدة عائشة الصديقة ﵂ ولعن قاذفها-؛فرواية مثل هؤلاء مردودة قطعا والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا لكنه مستند الى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله اذا كان معروفا بالتحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة وموصوفا بالديانة والعبادة فقيل: يقبل مطلقا، وقيل: يرد مطلقا، والثالث التفصيل: بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية، فيقبل حديث غير الداعية، ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل وصارت اليه طوائف من الأئمة وادعى ابن حبان اجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظرا، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك وبعضهم زاده تفصيلا فقال: ان اشتملت رواية غير الداعية الى ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان لم تشتمل فتقبل)) (٢) . وقال الامام علي بن المديني: ((من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أو بغضه لحدث كان منه وذكر مساوئه فهو مبتدع حتى يترحم عليهم جميعا فيكون قلبه

стр. 107

لهم سليما)) (١) . فالكافر ببدعته لا تقبل روايته عند الجمهور، ونقل الامام النووي الاتفاق على ذلك (٢) ، لكنه لم يوافق على نقل الاجماع فقد اعترض عليه في ذلك الحافظ ابن حجر والسيوطي ونقلا: بأنها تقبل عند قوم ان اعتقد حرمة الكذب (٣) . أما اذا لم يكن كافرا ببدعته فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا على أقوال منها: القول الأول: رد روايته مطلقا وعدم الاحتجاج بها (٤) . القول الثاني: تقبل رواية المبتدع اذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، ولا يستحل الشهادة بالزور لمن وافقه سواء كان داعية الى بدعته أو لم يكن داعية (٥) . القول الثالث: - فصلوا ذلك: فان كان المبتدع داعية الى بدعته لم تقبل روايته وان لم يكن داعية قبلت، ومنهم: زادوا تفصيلا آخر فقالوا: ان اشتملت رواية الداعية

стр. 108

على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان اشتملت قبلت. (١) نموذج لأثر رواية المبتدع في خلاف الفقهاء: امامة الجالس اختلف العلماء في صحة امامة الجالس على قولين: القول الأول: لا تصح امامة الجالس، ومن صلى خلف الامام الجالس فصلاته غير صحيحة. وبه قال بعض الفقهاء منهم: الامام مالك ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢) . واحتجوا بما رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحد بعدي جالسا)) (٣) . وأجيب بأن هذا الحديث رواه جابر الجعفي، وهو متروك لأن له آراء مذمومة وانه كان يؤمن بالرجعة (٤) . القول الثاني: تصح امامة الجالس اذا لم يستطع القيام وهو مذهب جمهور الفقهاء (٥) واحتجوا: بحديث أنس بن مالك: ((أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه

стр. 109

فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال: انما جعل الامام ليؤتم به، فاذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا ركع فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد. واذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين)) . أخرجه البخاري (١) وقال عقيبه: ((قال أبو عبد الله: قال الحميدي: قوله ((اذا صلى جالسا فصلوا جلوسا)) هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسا والناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالقعود، وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ) المطلب الثاني: اعلال السند بسبب الطعن في ضبط الراوي وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول: سوء حفظ الراوي اذا كان في سند حديث ما راو قد ضعف بسبب سوء الحفظ، ولم توجد قرينة دالة على أن الراوي السيء الحفظ قد حفظ هذا - كأن تكون له متابعات أو شواهد- فان هذا الحديث يحكم عليه بالضعف، ولا يعمل به الا حيث يعمل بالحديث الضعيف، وحسب الضوابط التي قررها العلماء للعمل به (٢) . وذلك لأن الحديث الذي يرويه راو مختل الضبط قد فقد شرطا من شروط الصحة الا وهو الضبط، وقد يرى امام من الأئمة أن الراوي قد حفظ هذا الحديث وسلم فيه من الخطأ كأن يجد له ما يقويه، أو يحسن الظن بالراوي أولا يجد في الباب حديثا غيره - وهو ممن يرى العمل بالحديث الضعيف الذي لا يجد في الباب أحسن منه ما لم يجمع على ترك راويه -

стр. 110

فاذا عمل البعض بهذا الحديث وترك العمل به آخرون كان ذلك سببا من أسباب الاختلاف بين الفقهاء (١) . أثره في اختلاف الفقهاء: حكم ميتة السمك اختلف الفقهاء في ميتة السمك، هل يحل أكلها ام لا؟ فذهب جماعة الفقهاء الى: حل أكل ميتة السمك الا الطافي منه. وهذا مروي عن علي، وجابر، وابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وطاووس وهو رواية عن ابن عباس والنخعي. والطافي من السمك هو: الذي يعلو على وجه الماء ولا يرسب. وبه قال الحنفية، لكنهم يذكرون الطافي ويقصدون به: أن ما لا يعلم سبب موته لا يحل أكله عندهم وما علم سبب موته يحل أكله (٢) . والحجة لهم: ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ألقى البحر وجزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه)) (٣) . واعترض بأن اسناده ضعيف فيه: يحيى بن سليم الطائفي وهو سيء الحفظ (٤) . وذهب كثير من أهل العلم الى جواز أكل ميتة السمك مطلقا الطافي وغيره.

стр. 111

روي ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي أيوب وأبي هريرة، وعطاء ومكحول وهو رواية عن ابن عباس والنخعي. واليه ذهب مالك والشافعي وأحمد (١) . وقد دفع أصحاب هذا المذهب الاحتجاج بحديث جابر لسوء حفظ أحد رواته كما سبق. واحتجوا بعموم قوله ﷺ -في البحر-: ((هو الطهور ماؤه الحل ميته)) (٢) . حيث لم يفرق الحديث بين الطافي وغيره. الفرع الثاني: اختلاط الراوي يشترط في الراوي أن يكون ضابطا لما يرويه ان حدث من حفظه ومحافظا على كتابه من دخول الزيادة والنقصان عليه ان حدث من كتابه (٣) . والاختلاط ينافي الضبط فكل مختلط ليس ضابطا، ومعرفة المختلطين فن مهم من فنون علم الحديث.

стр. 112

تعريف الاختلاط: والاختلاط في اللغة كما قال ابن منظور: ((اختلط فلان أي فسد عقله ورجل خلط بين الخلاطة أحمق مخالط العقل، ويقال: خولط الرجل فهو مخلط واختلط عقله فهو مختلط: اذا تغير عقله)) (١) . أما في اصطلاح المحدثين، فقد حده السخاوي بقوله: ((فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال: اما بخرف أو ضرر أو عرض أو مرض: من موت ابن وسرقة مال كالمسعودي أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن الملقن)) (٢) . حكم رواية المختلط: قال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله تعالى -: ((هذا فن عزيز مهم لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقا بذلك جدا وهم منقسمون: فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والحكم فيهم: أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده)) (٣) وقال الامام النووي: ((يقبل ما روي عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل ما بعده أو شك فيه)) (٤) وقال ابن حبان: ((والمختلطون في أواخر أعمارهم - مثل: الجريري وسعيد بن

стр. 113

أبي عروبة وأشباههما - فانا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا، الا انا لا نعتمد من حديثهم الا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى، لأن حكمهم وان اختلطوا في أواخر أعمارهم وحصل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم حكم الثقة اذا أخطأ اذ الواجب ترك أخطائه اذا علم والاحتجاج بما يعلم أنه لم يخطيء فيه، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذي ساعدهم سماعهم من قبل الاختلاط سواء)) (١) . وللسلف نظرات ثاقبة في معرفة الحديث الذي لم يخطىء فيه الراوي من الذي أخطأ فيه فهم ينتقون من أحاديث المختلطين: فما تبين لهم أنه لم يخطيء فيه أخذوه وما تبين لهم أنه أخطأ فيه تركوه، قال وكيع بن الجراح: ((كنا ندخل على سعيد (٢) ، فنسمع فما كان من صحيح حديثه أخذناه وما لم يكن صحيحا طرحناه)) (٣) . وقال أبو نعيم: ((كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين)) (٤) . ويبدو أن هذا هو صنيع صاحبي الصحيحين فقد اخرجا عن بعض المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط، فقد أخرج الامام البخاري لحصين بن عبد الرحمن

стр. 114

السلمي (١) المختلط بطريق حصين بن نمير الواسطي (٢) ، قال السخاوي: ((ان حصين بن نمير سمع من حصين بن عبد الرحمن بعد الاختلاط)) (٣) . وكذلك روى الامام مسلم لأبي اسحاق السبيعي (٤) بطريق عمار بن زريق. قال أبو حاتم: ((ان عمار بن زريق سمع منه بعد الاختلاط)) (٥) يقول الشيخ عبد القيوم رب النبي: ((والحقيقة أن صاحبي الصحيحين أخرجا كثيرا عن المختلطين بوساطة من سمعوا منهم بعد الاختلاط والذي يحكم به في هذا البحث هو أن صاحبي الصحيحين لما يخرجان عن المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط ينتقيان من حديثهم ولا يخرجان جميع أحاديثهم)) (٦) . لكن هذا الانتقاء لا يكون الا من قبل امام كبير الشأن فلا يستطيعه كل مشتغل بالحديث بل هو خصيصة لأولئك الأئمة العظام المجتهدين العارفين بعلل الحديث ومشكلاته، فحكم المختلطين عند الجمهور من أهل العلم كما سبق بيانه عن ابن الصلاح: أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلا يدرى هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده. وهذا ما نراه جليا

стр. 115

في حكم أئمة الجرح والتعديل على المختلطين (١) . نموذج يبين أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم سؤر البهائم اختلف الفقهاء في حكم سؤر سباع البهائم: فذهب الامام أبو حنيفة وهو رواية عن الامام أحمد وهو مشهور مذهبه الى أنها نجسة (٢) وحجتهم في ذلك أدلة منها: حديث ابن عمر، قال: ((سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: ((اذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) . (٣) قال المباركفوري: ((صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، واسحق، وابن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن مندة، والحاكم، والخطابي)) (٤) وجه الدلالة منه: أن سؤر السباع لو كان طاهرا لما حده بقلتين.

стр. 116

وذهب الامام مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد الى أنها طاهرة (١) واحتجوا: بما رواه داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: ((نعم وبما أفضلت السباع كلها)) (٢) . لكن اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي: حصين والد داود قال عنه الامام البخاري: ((ليس بالقائم)) (٣) ، وقال عنه أيضا: ((حديثه ليس في وجه يصح)) (٤) ، وضعفه أبو حاتم. (٥) وقال عنه ابن حبان: ((اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، واختلط حديثه القديم بحديثه الأخير فاستحق الترك)) . (٦) الفرع الثالث: قبول الراوي التلقين بينت فيما سبق أن من شروط صحة الحديث ضبط الراوي لما يرويه. وعدم الضبط أمارة من امارات رد الحديث وتضعيفه، والتلقين من وسائل الكشف عن الراوي هل هو ضابط أو غير ضابط، فمن يقبل التلقين فهو سيء الحفظ ومختلط عليه غير ضابط، ومن يرد التلقين ويصلح الخطأ فهو ضابط حافظ لما يروى. قال ابن سيد الناس: ((وانه - يعني: التلقين- لعيب تسقط الثقة بمن يتصف به،

стр. 117

وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربة لحفظه وضبطه وصدقه، فربما لقنوه الخطأ كما فعلوا بالبخاري حين قدم بغداد)) (١) وقال ابن الوزير: ((هو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه)) (٢) . وقال المعلمي اليماني: ((والتلقين هو أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فان كان انما فعل ذلك امتحانا للشيخ وبين ذلك في المجلس لم يضره، وأما الشيخ فان قبل التلقين وكثر ذلك منه فانه يسقط)) (٣) . وقال ابن حزم: ((من صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ولا حفظ ما سمع وقد قال ﵊: ((نظر الله امرءا سمع منا حديثا حفظه حتى بلغه)) (٤) فانما أمر رسول الله ﷺ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو: أن يقول له القائل حدثك فلان بكذا ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين ولا بد من أحدهما ضرورة: اما

стр. 118

ان يكون فاسقا يحدث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الامام الرئيس ابن الحجاج)) (١) . والتلقين ينشأ من الاختلال الكبير في الحفظ، ومن اختل ضبطه فهو مردود الرواية قال الحميدي: ((ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه اذا علم ذلك التلقين حادثا في حفظه ولا يعرف به قديما، وأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن)) . (٢) فالراوي اذا لقن ففطن الى الصواب ولم يقبل التلقين فهو في رتبة الثقة بل في رتبة الحفظ والاتقان ومن لا يفطن ففي رتبة الترك لا سيما ان كثر منه ذلك. (٣) أما من كان يتلقن فلا يقبل اذا حدث من حفظه، أما اذا حدث من كتابه المصحح فيقبل لأن الاعتماد على كتابه لا على حفظه (٤) . مثاله: ما رواه الحميدي (٥) عن سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: ((رأيت رسول الله حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذتا ابهاميه)) .

стр. 119

قال سفيان: ((وقدم الكوفة فسمعته يحدث به فزاد فيه: ((ثم لا يعود)) فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة وقالوا لي: انه تغير حفظه أو ساء حفظه)) . وقد رواه الدارقطني (١) من طريق اسحاق بن شاهين، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: ((أنه رأى النبي ﷺ قام الى الصلاة فكبر ورفع يديه، قال: وحدثني عدي بن ثابت، عن البراء، عن النبي ﷺ ، مثله، وهذا هو الصواب، وانما لقن يزيد في آخر عمره ((ثم لم يعد)) فتلقنه وكان قد اختلط)) . وأخرجه عبد الرزاق (٢) -ومن طريقه أحمد (٣) ، والدارقطني - (٤) من طريق سفيان. وليس فيه الزيادة. وأخرجه أحمد (٥) ، والدارقطني (٦) من طريقين، عن شعبة، عن يزيد، به. وليس فيه الزيادة وأخرجه أحمد (٧) والبيهقي (٨) من طريقين عن أسباط، عن يزيد، به وليس فيه

стр. 120

الزيادة وأخرجه أبو داود (١) ، وأبو يعلى (٢) من طريقين عن شريك. وأخرجه الدارقطني (٣) من طريق اسماعيل بن زكريا؛ كلاهما (اسماعيل بن زكريا، وشريك) عن يزيد، به وفيه الزيادة. قال الامام البخاري: ((وكذا روى الحفاظ الذي سمعوا من يزيد قديما منهم: الثوري، وشعبة وزهير ليس فيه -ثم لم يعد-)) (٤) . وقال أبو داود: ((رواه هشيم وخالد وابن ادريس عن يزيد ولم يذكروا فيه ثم لا يعود)) (٥) وقال الشوكاني: ((وقد اتفق الحفاظ على أن قوله ((ثم لم يعد)) مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد، وقد رواها بدونها شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم. قال الحميدي: انما روى هذه الزيادة يزيد ويَزيد يُزيد. وقال أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري ويحيى والدارقطني والحميدي، وغير واحد، وقال البزار: قوله في الحديث: ثم لم يعد لا يصح)) (٦)

стр. 121

أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يشرع رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه. وبذلك قال جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم واليه ذهب الشافعي، وأحمد وهو رواية عن مالك. وشذ ألأوزاعي في رواية فقال بالوجوب (١) . واحتجوا بأدلة كثيرة منها: حديث ابن عمر: ((أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه اذا افتتح الصلاة، واذا كبر للركوع، واذا رفع رأسه من الركوع)) (٢) . وذكر الامام البخاري رفع اليدين في الركوع والرفع منه عن سبعة عشر صحابيا (٣) ، وذكر العراقي أنه رواه عن رسول الله ﷺ خمسون صحابيا منهم العشرة المبشرة بالجنة (٤) . القول الثاني: لا يشرع رفع اليدين الا في تكبيرة الاحرام.

стр. 122

وهذا قول أهل الكوفة، منهم: أبو حنيفة وسفيان الثوري (١) . واستدلوا بالحديث السابق مع الزيادة فيه، وقد تبين أنها زيادة تلقنها يزيد. واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن مسعود: ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله؟ فصلى، فلم يرفع يديه الا في أول مرة)) (٢) ، صححه ابن القطان (٣) ، وحسنه الترمذي (٤) . واعترض: بأن هذا الحديث قد ضعفه ابن المبارك، فقد نقل عنه الترمذي قوله: ((ولم يثبت حديث ابن مسعود ان النبي ﷺ لم يرفع الا في أول مرة)) (٥) . وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: ((هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري. روى هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: ((ان النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري)) (٦)

стр. 123

وقال أبو داود: ((وليس هو بصحيح على هذا اللفظ)) (١) . المطلب الثالث: حكم المختلف في توثيقه وتجريحه من الرواة قد يختلف أئمة الجرح والتعديل في تجريح راو أو تعديله، كأن يطلع بعضهم على جارح في الراوي فيجرحه بسبب ذلك، ولا يطلع عليه الآخر، وقد يكون بعض من أئمة الجرح والتعديل متشددا (٢) في الجرح فيجرح الراوي ويصفه بالضعف لأدنى سبب مما لا يعده غيره سببا موجبا لسقوط روايته، أو قد يطلع بعضهم على جارح فيضعف العالم من أئمة الجرح والتعديل هذا الراوي بسبب الأمر الجارح، ثم يتوب الراوي من ذلك أو تزول العلة التي بسببها ضعف الراوي، ولا يعلم ذلك المجرح ويطلع عليه غيره؛ فيكون ذلك سببا في اختلاف التجريح والتعديل في الرواة. (٣) نموذج لحديث فيه راو من هذا النوع وأثره في اختلاف الفقهاء: كيفية قضاء رمضان اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب بعض الفقهاء - منهم: عائشة وابن عمر، والشعبي وابن سيرين، ورواية عن علي وسعيد بن المسيب والحسن البصري - الى وجوب التتابع في قضاء رمضان (٤) والحجة لهم: حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان عليه

стр. 124

الصوم فليسرده ولا يقطعه)) (١) . وفي اسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن ابراهيم. ضعفه ابن معين، والنسائي والدارقطني، ووثقه البخاري، وقال أحمد: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به أحاديثه مستقيمة (٢) . وقال ابن القطان: فهو مختلف فيه، والحديث من روايته حسن (٣) ، وذهب جمهور العلماء الى أنه يجوز تفريق قضاء رمضان. وممن ذهب الى ذلك الأئمة الأربعة (٤) . واحتجوا باطلاق قوله تعالى: ((فعدة من أيام أخر)) (٥) . فلم يقيد وجوب القضاء بالتتابع. ولحديث محمد بن المنكدر، قال: ((بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: ذلك اليك؛ أرأيت لو كان على أحدكم دين، فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو، أو يغفر)) . رواه البيهقي، وقال: ((اسناده حسن الا أنه مرسل)) (٦) . ومع ذلك فالحديث له طرق أخرى عند البيهقي: موصولة ومرسلة، وهناك حديث بمعناه، عن عبد الله بن

стр. 125

عمرو بن العاص - عند الدارقطني (١) - مرفوعا في اسناده ضعف، فالحديث لهذا لا ينزل عن مرتبة الحسن. وعلى ذلك فيحمل الأمر في حديث أبي هريرة - الذي احتج به أصحاب المذهب الأول- على الندب. جمعا بين الأدلة. مثال آخر: قد يختلفون في وصف راو بالجهالة، ومنهم من يعرفه ويوثقه، كما في حديث سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرا أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي: ((أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فلما قرأ: ((غير المغصوب عليهم ولا الضالين)) قال: آمين، ورفع بها صوته)) (٢) فقد أعله ابن القطان بحجر بن عنبس، وقال: (لا يعرف) . (٣) وأجيب: بأنه ثقة معروف، وقيل له صحبة وقد وثقه ابن معين (٤) ، وقال الخطيب: كان ثقة احتج به غير واحد (٥) ، وذكره ابن حبان في الثقات (٦) . وقال الحافظ ابن حجر: ((صدوق مخضرم)) (٧) .

стр. 126

أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم الجهر بآمين ذهب جماعة من الفقهاء الى أن الأفضل الجهر بآمين للامام والمأموم، وبه قال أحمد وهو قول للشافعي (١) . واحتجوا بالحديث السابق. وذهب بعض الفقهاء الى المخافتة للامام والمأموم. وبه قال أبو حنيفة ومالك في احدى الروايتين عنه (٢) . واحتجوا بما رواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: ((أن النبي ﷺ قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، وخفض بها صوته)) . وهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج فقد أخطأ فيه شعبة في ثلاثة مواضع منها قوله ((وخفض بها صوته)) وانما هو ((ومد بها صوته)) (٣) . وذهب الامام مالك الى أنه يندب للمأموم ولا يندب للامام (٤) .

стр. 127

المبحث الثالث: اعلال السند بسبب التفرد لا يشترط في الخبر التعدد، بل خبر الواحد يكفي اذا استوفى شروطه، وهو الذي عليه جماهير المسلمين من صدر الاسلام وحتى العصور المتأخرة. وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على قبول خبر الواحد والعمل به، وعقد الامام الشافعي في الرسالة (١) بابا لوجوب العمل بخبر الواحد، وكذا الخطيب البغدادي في الكفاية (٢) . وقد شذ بعضهم فقالوا: باشتراط العدد، وممن قال به ابراهيم بن اسماعيل بن علية (٣) ، وأبو علي الجبائي (٤) ، وبعض المعتزلة، فهؤلاء يذهبون الى: ((أن الخبر لا يقبل اذا رواه العدل الواحد الا اذا انضم اليه عدل آخر أو عضده موافقة ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آحاد أو يكون منتشرا بين الصحابة أو عمل به بعضهم)) (٥) . واحتجوا بأدلة واهية أجاب عنها الحافظ ابن حجر (٦) . فالجماهير من أهل العلم لا يشترطون العدد في الرواية بل يعمل بالحديث اذا كان راويه عدلا ضابطا، وكان السند متصلا، ولم يكن في متن الحديث أو في سنده شذوذ أو علة. وقد جرى العمل على ذلك في كتب الاسلام ولا يضر تفرد الراوي بالحديث اذا

стр. 128

كان المتفرد عدلا ضابطا ولم يخالف من هو أكثر حفظا أو عددا. قال الامام مسلم: ((هذا الحرف لا يرويه غير الزهري، قال - وللزهري نحو من تسعين حديثا يرويها عن النبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد)) (١) . وقال الحافظ ابن حجر: ((وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، واذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد)) (٢) . وقال أيضا: ((وتفرد عثمان والد عبدان لا يضر فانه ثقة)) (٣) . وقال أيضا في ترجمة ثابت بن عجلان: ((قال العقيلي لا يتابع على حديثه، وتعقب ذلك أبو الحسن ابن القطان: بأن ذلك لا يضره الا اذا كثر منه رواية المناكير ومخالفة الثقات، وهو كما قال)) (٤) . وقال الزيلعي: ((وانفراد الثقة بالحديث لا يضره)) (٥) . وهذا اذا كان الراوي مبرزا في الحفظ. قال البرديجي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: ((ليس بعجب أن ينفرد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثا في كثرة ما كتب)) (٦) . أما اذا لم يكن الراوي مبرزا في الحفظ أو قليل الطلب فأن تفرده عندئذ يوجب

стр. 129

النظر والتأني قال الحافظ ابن حجر: ((وسماك بن حرب اذا تفرد بأصل لم يكن حجة)) (١) . وقال المعلمي اليماني: ((وكثرة الغرائب انما تضر الراوي في أحد حالين: الأولى: ان تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يكون مع كثرة غرابته غير معروف بكثرة الطلب)) . (٢) وانا لنجد تطبيق ذلك عند الأئمة فقد قال الحافظ ابن حجر -في حديث صلاة التسابيح -: ((وان كان سند ابن عباس يقرب من شرط الحسن الا أنه شاذ لشدة الفردية وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر)) . (٣) ونحن حين ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقاد كثيرا ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد، والتفرد بحد ذاته ليس علة لكنه يكشف عن العلة ويكون أحيانا من أسباب العلة، فالتفرد من أهم المسائل الحديثية وأغمضها اذ تتميز بدورها الفعال في القاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علة أو وهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل الحديثي نجد أن المحدثين قد أفردوا هذا النوع بالتصنيف، ومن الذين ألفوا فيه الامام أبو داود فقد ألف فيه كتاب التفرد، والامام المزي في تحفة الأشراف (٤) ينقل منه كثيرا، وألف الدارقطني: الأفراد وغرائب مالك، واهتم الامام الطبراني في المعجم الأوسط بذكر الافراد.

стр. 130

فالتفرد لا يؤخذ ضابطا لرد روايات الثقات بل له أحوال مختلفة، حتى رواية الضعيف لا يرد ما ينفرد به مطلقا، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صح من حديثه؛ قال سفيان الثوري: ((اتقوا الكلبي، فقيل له: انك تروي عنه، قال: اني أعلم صدقه من كذبه)) (١) وقد روى الامام البخاري ومسلم عن بعض من في حفظهم شيء لما ثبت لديهما أنهم حفظوه ولم يخطؤا فيه (٢) ، ومثل هذا لا يستطيعه كل أحد. والتفرد اذا كان بالطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة فانه لا يضر وكذلك الحال في طبقة كبار التابعين، وذلك اذا كان المتفرد عدلا ضابطا، أما اذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة (٣) ، لا سيما اذا كان عن الرواة المكثرين الذي يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرد عنه وكيف كانت ملازمته له، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عامة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم، ولم يكونوا يطلقون فيه حكما مطردا بالقبول اذا كان ثقة أو بالرد اذا كان ضعيفا، وانما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب

стр. 131

البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث، وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث (١) ، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم والزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم، فاعلال النقاد لحديث بالتفرد يجب أخذه بنظر الاعتبار وعدم التسرع بالجواب الذي يقول فيه: ((بل هو ثقة لا يضر تفرده)) ذلك لأن التأمل في الرواية وكيفية السماع يمكن الناقد من الحكم الصحيح عليها بالقبول أو الرد (٢) نموذج للتفرد وأثره في اختلاف الفقهاء: حكم الجمع بين الصلاتين في السفر (٣) اختلف الفقهاء في حكم الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال: القول الأول: قال الامام مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه، والهادوية من الزيدية يجوز الجمع بين الصلاتين تقديما وتأخيرا، الا أن المشهور عن الامام مالك أن الجمع انما يكون لمن جد به السير، أما النازل فلا يجوز له ذلك. وانما يصلي كل صلاة في وقتها. القول الثاني: قال بعض الفقهاء لا يجوز الجمع بين الصلاتين بسبب السفر، وانما يجوز في موضعين فقط: يجمع الحاج بين الظهر والعصر تقديما يوم عرفة مع

стр. 132

الامام، وبين المغرب والعشاء تأخيرا في مزدلفة وهذا بسبب النسك لا بسبب السفر، وبهذا قال أبو حنيفة. القول الثالث: قال الامام أحمد في أصح الروايتين عنه يجوز الجمع بين الصلاتين تأخيرا لا تقديما ويبدو أن هذا هو مذهب ابن حزم. (١) ومن أدلة أصحاب المذهب الأول: حديث أنس، قال: ((كان النبي ﷺ اذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر الى وقت العصر ثم يجمع بينهما، واذا زاغت صلى الظهر ثم ركب)) متفق عليه (٢) . قال الحافظ ابن حجر: ((وقد احتج بهذا الحديث من أبى جمع التقديم)) ثم قال: ((لكن روى هذا الحديث اسحاق بن راهويه، عن شبابة، فقال: ((كان اذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل)) أخرجه الاسماعيلي (٣)) ) قال الحافظ: ((وأعل بتفرد اسحاق بذلك، عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به، عن اسحاق؛ وليس ذلك بقادح؛ فانهما امامان حافظان)) (٤) . اذن فرواية الصحيحين تدل على جمع التأخير، ورواية اسحاق التي أخرجها الاسماعيلي تدل على جمع التقديم أيضا؛ فهي اذا حجة على ابن حزم ومن وافقه

стр. 133

ممن نفى جمع التقديم، والروايتان حجة على أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- ومن وافقه ممن نفى الجمع بسبب السفر أصلا. نموذج آخر: الولي المجبر (بمعنى هل يجوز للأب اجبار ابنته على الزواج؟) اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ان البكر اذا كانت بالغة (١) فليس لأحد تزويجها بغير اذنها سواء في ذلك الأب وغيره. نقله الترمذي عن أكثر أهل العلم، ونقله الشوكاني عن العترة، وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد. وهو رواية عن الشعبي، واليه ذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية. (٢) والحجة لهم: ما رواه حسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة عن

стр. 134

ابن عباس: ((ان جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ ) (١) وهذا اسناد صحيح. وقال الحافظ ابن حجر: ((رجاله ثقات)) (٢) . وأخرجه الدارقطني (٣) ، وابن ماجه (٤) من طريق معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب السختياني به. وأخرجه البيهقي (٥) ، والدارقطني (٦) من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري: قال حدثنا سفيان الثوري، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وأخرجه أبو داود (٧) ، والبيهقي (٨) من طريق محمد بن عبيد: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا- قال أبو داود: ((لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس)) . وقال البيهقي: ((وهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم، عن أيوب السختياني

стр. 135

والمحفوظ: عن أيوب عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا)) . وقال أبو حاتم الرازي -عن حديث حسين بن محمد-: ((هذا خطأ انما هو كما رواه الثقات عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي ﷺ -مرسلا- منهم: ابن علية، وحماد بن زيد: أن رجلا تزوج وهو الصحيح، قلت: ((يعني: ابن أبي حاتم)) . الوهم ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي ان يكون، فانه لم يرو عن جرير غيره)) (١) . والحاصل: أن الحديث أعل بالارسال، وبتفرد جرير بن حازم، عن أيوب، وبتفرد حسين، عن جرير: فأما تفرد جرير، عن أيوب فمردود؛ فقد أخرجه الدارقطني (٢) من طريق أيوب بن سويد: عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، به. مرفوعا، فهذه متابعة والمتابعة الثانية: عند الدارقطني (٣) أيضا من طريق زيد بن حبان، عن أيوب. أما تفرد حسين بن محمد، عن جرير فمردود أيضا، فقد قال الزيلعي (٤) : ((وقال في التنقيح: قال الخطيب البغدادي: قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم أيضا، كما رواه حسين، فبرأت عهدته وزالت تبعته)) . أما اعلاله بالارسال فقد أجاب عنه ابن التركماني بقوله: ((جرير بن حازم ثقة جليل، وقد زاد الرفع فلا يضر ارسال من أرسله كيف وقد تابعه الثوري وزيد بن حبان فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا (٥)) .

стр. 136

القول الثاني: ان للأب تزويج ابنته البكر بدون اذنها، ولا يجوز له تزويج الثيب الا باذنها. وهو قول كثير من أهل العلم روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والليث، وابن أبي ليلى، واسحاق، وهو رواية عن الشعبي. واليه ذهب مالك والشافعي، وأحمد في رواية (١) والحجة لهم: ما رواه ابن عباس، عن النبي ﷺ : ((الأيم (٢) أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها واذنها صماتها)) (٣) . وجه الدلالة: ان الشارع قسم النساء الى قسمين: ثيبات وأبكارا، وخص الثيب بانها أحق بنفسها من وليها؛ فدل ذلك على: أن البكر بعكسها، والا لم يكن لافراد الثيب معنى. وأجيب: بأنه لا دلالة في هذا الحديث على أن البكر ليست أحق بنفسها الا من جهة المفهوم، والمفهوم لا عموم له؛ فيحمل على البكر غير البالغة. وأيضا: فان المفهوم عارضه منطوق الحديث نفسه، وهو قوله: ((والبكر تستأذن))

стр. 137

والاستئذان مناف للاجبار. أما التفريق في الحديث بين البكر، والثيب؛ فذلك لأن الثيب تخطب الى نفسها فتأمر وليها بتزويجها، والبكر تخطب الى وليها فيستأذنها (١) المبحث الرابع: اعلال السند بسبب انكار الأصل رواية الفرع اذا أنكر الأصل رواية الفرع انكار متوقف فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب الجمهور الى: أن هذا لا يضر الراوية ولا يوهنها. ولكن بعض أهل العلم رأوا ان ذلك علة تبطل الراوية (٢) . قال الخطيب: ((وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه: فقال أهل الحديث وعامة الفقهاء- من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما- وجمهور المتكلمين: أن العمل به واجب اذا كان سامعه حافظا والناس له بعد روايته عدلا، وهو القول الصحيح. وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة: أنه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل، قالوا: ولهذا لزم اطراح حديث الزهري في المرأة تنكح بغير اذن وليها)) (٣) . وقال ابن الصلاح: ((ومن روى حديثا ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطا للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين؛ خلافا لقوم من أصحاب أبي

стр. 138

حنيفة صاروا الى اسقاطه لذلك)) (١) . وقال ابن عبد البر: ((العدل اذا روى خبرا عن عدل مثله حتى يتصل، لم يضر الحديث أن ينساه أحدهم لأن الحجة حفظ من حفظ وليس النسيان بحجة)) (٢) فقد تبين لنا أن الجمهور على قبول رواية الراوي اذا نساها بعد أن حدث بها، والحنفية على خلاف ذلك، والحديث الذي رده الحنفية هو حديث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، أن ابن شهاب أخبره: أن عروة بن الزبير أخبره، أن عائشة أخبرته، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ولها مهرها بما أصاب منها، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) . (٣) وقد أعل هذا الحديث بما رواه الحاكم (٤) باسناده عن أبي حاتم: محمد بن ادريس الرازي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول - وذكر عنده أن ابن علية يذكر

стр. 139

حديث ابن جريج في: ((لا نكاح الا بولي)) قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى، قال أحمد بن حنبل -: ان ابن جريج له كتب مدونة، وليس في كتبه ((يعني: حكاية ابن علية عن ابن جريج) . وقال الحاكم: ((سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس ابن محمد الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول - في حديث لا نكاح الا بولي الذي يرويه ابن جريج، فقلت له: ان ابن علية يقول: قال ابن جريج فسألت عنه الزهري؟ فقال: لست احفظه، فقال يحيى ليس يقول هذا الا ابن علية، وانما عرض ابن علية كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن رواد فأصلحها له ولكن لم يبذل نفسه للحديث)) . وقال الامام الترمذي: ((وقد تكلم بعض أصحاب الحديث في حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري، فسألته فأنكره، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا)) (١) وما نقله الحاكم عن الامامين الكبيرين: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يدل على أن هذه ليست علة تعل بها الأحاديث؛ لأن الثقة مهما بلغ حفظه قد ينسى بعض ما يرويه، ولا يكون ذلك قادحا في صحة ما رواه، وللخطيب البغدادي في ذلك كتاب: ((من حدث فنسي)) . ورحم الله الحاكم حيث قال: ((فقد صح وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض فلا تعل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه وقوله: اني سألت الزهري عنه فلم يعرفه؛ فقد ينسى الثقة الحافظ بعد أن

стр. 140

حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث)) (١) وقد أجاب ابن حبان على ذلك بما لا مزيد عليه فقد قال: (هذا خبروهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه منقطع أو لا أصل له بحكاية حكاها ابن علية، عن ابن جريج في عقب هذا الخبر قال: (ثم لقيت الزهري فذكرت له ذلك فلم يعرفه وليس هذا مما يهي الخبر بمثله، وذلك أن الخَيِّر الناقل المتقن الضابط من أهل العلم قد يحدث بالحديث ثم ينساه، واذا سئل عنه لم يعرفه، فليس نسيانه الشيء الذي حدث به بدال على بطلان أصل الخبر؛ والمصطفى خير البشر صلى فسها فقيل له: يارسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن؛ فلما جاز على من اصطفاه الله لرسالته وعصمه من بين خلقه النسيان في أعم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حتى نسي فلما استثبتوه أنكر ذلك، ولم يكن نسيانه بدال على بطلان الحكم الذي نسيه؛ كان من بعد المصطفى من أمته الذين لم يكونوا معصومين جواز النسيان عليهم أجوز ولا يجوز مع وجوده ان يكون فيه الدليل على بطلان الشيء الذي صح عنهم قبل نسيانهم ذلك)) (٢) . وخلاصة القول: أن العلة زائلة والحديث على أقل أحواله يكون حسنا لذاته. وقال الحافظ: ((أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم)) (٣) . وقد اجاد ابن حزم في دفاعه عن الحديث (٤) .

стр. 141

أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: الولاية في الزواج اختلف الفقهاء في اشتراط الولي في النكاح على مذهبين: المذهب الأول: لا يجوز أن تزوج المرأة نفسها الا باذن وليها. وهو مذهب الجمهور (١) وحجتهم: حديث أم المؤمنين عائشة الذي سبق ذكره. المذهب الثاني: للمرأة أن تزوج نفسها ممن شاءت، وليس لوليها أن يعترض عليها في ذلك اذا وضعت نفسها حيث ينبغي لها أن تضعها. وبه قال الحنفية (٢) . وقد ردوا الحديث لانكار الزهري له، وقد نقلت اجابت العلماء على ذلك. _

стр. 142

الفصل الثالث: علل المتن وفيه سبعة مباحث المبحث الأول: الاعلال بالتعارض المبحث الثاني: الاعلال بالشك المبحث الثالث: اعلال خبر الآحاد بكونه مما تعم به البلوى المبحث الرابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفته فتيا الصحابي الذي يرويه المبحث الخامس: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القياس المبحث السادس: اعلال خبر الآحاد بمخالفته اجماع اهل المدينة المبحث السابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القواعد العامة. المبحث الاول: الاعلال بالتعارض وفيه: مطلبان المطلب الأول: معارضة الحديث لظاهر القرآن الكريم ان القرآن الكريم نقل الينا نقلا متواترا فهو قطعي الثبوت بلا شك (١) ، أما خبر الآحاد فهو ظني الثبوت على الصحيح المختار (٢) ، فخبر الآحاد مهما قوي سنده واشتهر رجاله فهو لا يقاوم النص القرآني من حيث الثبوت، وعليه فخبر الآحاد ظني لاحتمال الخطأ في أحاديث الثقات المتقنين؛ ومن هنا اشترط بعض الفقهاء من المالكية والحنفية للعمل بخبر الآحاد أن لا يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث أن ورود خبر الآحاد مخالفا لظاهر القرآن الكريم دليل على عدم صحته لأنه لو كان صحيحا لما خالف كتاب الله الذي نقل الينا نقلا متواترا وورد ورودا قطعيا وخبر الآحاد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه بل الظني يسقط بمقابلة القطعي (٣) .

стр. 143

ولم يشترط الجمهور هذا الشرط؛ وذلك لجواز تخصيص عموم نصوص الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة بخبر الواحد عند التعارض، وكذلك يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد (١) . نموذج لذلك: القضاء بالشاهد الواحد واليمين اذا قامت البينة على دعوى المدعي بشهادة كاملة النصاب، وقبل القاضي شهادة الشهود، فان القاضي يحكم بما ادعاه المدعي لا خلاف بين العلماء في ذلك (٢) . واذا لم يكتمل نصاب الشهادة وطلب المدعي يمين المدعى عليه وحلف فان يمين المدعي في هذه الحالة ترد (٣) . أما اذا لم يطلب المدعي يمين المدعى عليه، ففهي هذه الحالة هل يكمل النقص في نصاب الشهود بيمين المدعي ويقضى له بذلك أولا؟ فقد اتفق الفقهاء على عدم القضاء بالشاهد واليمين في الحدود ثم اختلفوا فيما سوى ذلك على أربعة مذاهب: المذهب الأول: - لا يقضى بذلك في شيء من الحقوق. وبه قال أبو حنيفة ومن وافقه (٤) . المذهب الثاني: يقضى به فيما سوى الحدود، لا فرق في ذلك بين القصاص

стр. 144

وغيره. وبه قال ابن حزم (١) . المذهب الثالث: يقضى بذلك فيما سوى الحدود والقصاص. وهو قول الهادوية (٢) . المذهب الرابع: يقضى به في الأموال أو ما يؤول اليها. وبه قال جمهور اهل العلم، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح واياس وعبد الله بن عتبة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبي الزناد والشافعي (٣) . وقد احتج الجمهور القائلون بالقضاء بالشاهد واليمين بما صح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (٤) وفي رواية للامام أحمد: ((انما كان ذلك في الاموال)) وبما صح عن أبي هريرة قال: ((قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد

стр. 145

الواحد)) (١) وبما روي عن ابن جابر بن عبد الله: ((ان النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد)) (٢) . وبما روي عن سرق: ((أن النبي ﷺ أجاز شهادة الرجل ويمين الطالب)) (٣) . وقد روي هذا الحديث أيضا عن عمر وعلي، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعد بن عبادة والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، وعمارة بن حزم ومسلمة بن قيس، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، وتميم الداري، وأنس، وأم المؤمنين أم سلمة، وزينب بنت ثعلبة، فهؤلاء عشرون من الصحابة رووا الحديث، والطرق الى بعضهم
следующие страницы →