← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي الاصطلاح: ما أضافه التابعي عن النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير (١) . وقيده بعضهم بحديث التابعي الكبير (٢) . وحده بعضهم (٣) : ((أنه قول غير الصحابي قال رسول الله ﷺ ) . والمشهور الأول وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المحدثين. آراء العلماء في الاحتجاج بالمرسل: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بالمرسل على أقوال كثيرة (٤) . أشهرها ثلاثة أقوال رئيسة: القول الأول: ان الحديث المرسل ضعيف لا تقوم به حجة. وهذا ما ذهب اليه جمهور المحدثين، وكثير من أهل الفقه والأصول (٥) . قال الامام مسلم - رحمه الله تعالى -: ((والمرسل في أصل قولنا وقول أهل

стр. 72

العلم بالاخبار ليس حجة)) (١) . وقال ابن الصلاح: (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم) (٢) وحجتهم: هو جهالة الواسطة التي روى المرسل الحديث عنه، اذ قد يكون الساقط صحابيا وقد يكون تابعيا. وعلى الاحتمال الثاني قد يكون ثقة وقد يكون غير ثقة؛ قال الخطيب البغدادي: ((والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمرسل، وان المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن ارسال الحديث يؤدي الى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر الا ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضا فان العدل لو سئل عمن أرسل؟ فلم يعدله لم يجب العمل بخبره اذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله اذا ابتدأ الامساك عن ذكره وتعديله؛ لانه مع الامساك عن ذكره غير معدل له فوجب أن لا يقبل الخبر عنه)) (٣) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر المرسل في أنواع المردود: ((وانما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي،

стр. 73

وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد اما بالتجويز العقلي فالى ما لا نهاية، واما بالاستقراء فالى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد في رواية بعض التابعين عن بعض)) (١) . القول الثاني: يقبل المرسل من كبار التابعين دون غيرهم بشرط الاعتبار في الحديث المرسل والراوي المرسل، أما الاعتبار في الحديث: فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور: أن يروى مسندا من وجه آخر، أو يروى مرسلا بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول؛ فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث، أو يوافقه قول بعض الصحابة أو يكون قال به أكثر أهل العلم، وأما الاعتبار في راوي المرسل: فأن يكون الراوي اذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه في الرواية، فاذا وجدت هذه الأمور كانت دلالة على صحة مخرج حديثه فيحتج به. وهو قول الامام الشافعي (٢) . القول الثالث: يقبل المرسل ويحتج به اذا كان راويه ثقة. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، وهو مذهب كثير من المتقدمين (٣) .

стр. 74

أثر المرسل في اختلاف الفقهاء: الأرض الصلبة إذا أصابتها نجاسة مائعة ذهب الحنفية الى أن الأرض الصلبة اذا أصابتها نجاسة مائعة فلا سبيل الى تطهيرها الا بقلب اعلاها حتى يصير أسفلها (١) . واستدلوا بالمرسل الذي رواه عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى اعرابي مع النبي ﷺ -بهذه القصة- (٢) ، قال فيه: وقال النبي ﷺ : ((خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه واهريقوا على مكانه)) . رواه أبو داود وقال: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ (٣) وذهب الجمهور الى أن الصب مطهر للأرض ولا يجب الحفر (٤) . واستدلوا بما رواه أبو هريرة قال: قام اعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : ((دعوه وأهريقوا على بوله سجلا (٥) من ماء أو ذنوبا من ماء، فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) (٦)

стр. 75

مثال آخر: حكم زكاة مال الصبي والمجنون اختلف الفقهاء في زكاة مال الصبي والمجنون. فذهب الجمهور الى وجوب الزكاة في مالهما. (١) واحتجوا بحديث يوسف بن ماهك (٢) ، أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى، لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة)) . رواه البيهقي وهو مرسل (٣) . وهذا المرسل نموذج للمرسل الذي شرط الشافعي لقبوله أن يعتضد بواحد من أمور أربعة، فقد اعتضد هذا المرسل بثلاثة أمور من الأربعة: فالحديث روي موصولا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٤) ، ورواه الدارقطني من طريقين آخرين (٥) . وقد اعتضد بفتيا ثلاثة من الصحابة بموجبه: عمر وعلي، وأم المؤمنين (٦) وأيضا: فان القول بموجبه هو قول جمهور الفقهاء. وذهب بعض العلماء الى انها لا تجب في مالهما.

стр. 76

وبذلك قال أبو حنيفة وبعض الزيدية، وهو الراجح عند الامامية، لكن استثنى أبو حنيفة ومن وافقه من الزيدية الزروع والثمار، فأوجبوا فيها الزكاة لا فرق بين أن يكون المالك قاصرا أو غير قاصر (١) وذهب بعضهم الى أنها تجب في أموالهم الظاهرة كالزروع والمواشي ونحو ذلك ولا تجب في نقوده (٢) النوع الثالث من انواع المنقطع: المعضل المعضل لغة: اسم مفعول، من أعضله بمعنى أعياه (٣) . وفي اصطلاح المحدثين: هو عبارة عما سقط من اسناده اثنان فصاعدا على التوالي (٤) . وسمى ابن الصلاح حديث تابع التابعي اذا كان مرفوعا معضلا (٥) . والحديث المعضل ضعيف عند المحدثين لجهالة الساقطين من الاسناد، قال الجوزجاني: ((المعضل أسوأ حالا من المنقطع والمنقطع أسوأ حالا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة)) (٦) .

стр. 77

نموذج لأثر المعضل في اختلاف الفقهاء: حكم من جامع زوجته وهي حائض اتفق الفقهاء على حرمة جماع الرجل زوجته وهي حائض (١) . واختلفوا في وجوب الكفارة: فمنهم: من لم يوجب كفارة في ذلك. وهو مذهب أكثر الفقهاء. واليه ذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية (٢) . ومنهم: من أوجب عليه الكفارة. وهو مذهب بعض الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، منهم ابن عباس، وقتادة، والأوزاعي. وهو قول الشافعي القديم، وأحمد في رواية (٣) . وقد قال الأوزاعي: عليه أن يتصدق بخمس دينار. واحتج بما رواه هو عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: آمره أن يتصدق بخمس دينار قال أبو داود: ((هذا الحديث معضل)) (٤) . ووجه الاعضال هنا: هو سقوط راويين بين عبد الحميد بن عبد الرحمن وبين النبي ﷺ فان عبد الحميد هذا هو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ثقة من

стр. 78

الرابعة (١) وهو يروي، عن النبي ﷺ بواسطة اثنين (٢) ، فهو مرسل من وجه ومعضل من وجه. وذهب بقية من ذكرتهم الى أنه يتصدق بدينار أو نصف دينار. وذلك لحديث الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته، وهي حائض؛ قال: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار)) (٣) وقد اختلفت اتجاهات العلماء في الحكم على هذا الحديث. فقد صححه الحاكم، وابن القطان، ومال الى ذلك أحمد وابن دقيق العيد وابن حجر بينما أعله جماعة من الحفاظ وبالغوا في تضعيفه، منهم: البيهقي، وابن عبد البر، والمنذري، وقال النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه (٤) . ويبدوا أن الجمهور، مالوا الى تضعيف الأحاديث التي فيها الكفارة؛ لذلك قالوا

стр. 79

بعدم وجوبها؛ لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة، ولا تجب الا بدليل صحيح، وحيث لم يصح عن النبي ﷺ عندهم فيها شيء؛ لذلك فهي عندهم غير واجبة. النوع الرابع من أنواع الانقطاع: الاختلاف في سماع الراوي بينت فيما سبق: أن الاتصال شرط لصحة الحديث النبوي الشريف، والاتصال: هو تلقي الراوي من الشيخ الذي يليه، وقد يختلف العلماء في اثبات سماع راو من شيخه أو نص سماعه منه، وهذا الاختلاف يؤدي الى اختلافهم في اعلال الحديث أو عدم اعلاله، فمن يثبت السماع يعده متصلا، ومن لا يثبت السماع يعده منقطعا مما يؤدي الى رد الحديث أو قبوله؛ مما يحصل خلاف للفقهاء بسبب ذلك. مثال ذلك: حديث مجاهد، عن عائشة، قالت: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فاذا حاذونا سدلت احدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فاذا جاوزونا كشفناه)) (١) . فقد اختلف العلماء في سماع مجاهد -وهو ابن جبر المكي- من عائشة: فأنكره يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وشعبة بن الحجاج، وقال أبو حاتم: ((مجاهد عن عائشة مرسل)) وأثبته جماعة (٢) . وكذلك: اختلفوا في سماع راشد بن سعد من ثوبان كما في حديث: ((المسح

стр. 80

على التساخين)) (١) . فمن لم يثبت سماع راشد من ثوبان أعله بالانقطاع، ومن أثبته جعله متصلا (٢) . واعلاله بالانقطاع مردود، فانه قد عاصر ثوبان قرابة ثمانية عشر عاما، ولم يصفه أحد بالتدليس، وقد جزم البخاري في تأريخه أنه سمع منه (٣) أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم المسح على العمامة اختلف الفقهاء في المسح على العمامة على قولين: القول الأول: يجوز المسح على العمامة. وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، واسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير وداود (٤) .

стр. 81

واستدلوا بالحديث السابق. القول الثاني: لا يجوز الاقتصار في المسح على العمامة. وبه قال مالك، وأبو حنيفة والشافعي، وهو قول أكثر أهل العلم. وذلك لعدم اثباتهم لهذا الحديث (١) النوع الخامس من انواع الانقطاع: الاختلاف في سماع مخصوص قد يختلف أهل العلم في سماع مخصوص، كاختلافهم في رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وجده المراد به جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذه السلسلة اضطربت فيها أقوال النقاد، اضطرابا كثيرا، واختلفت فيها أقوالهم، ما بين قبول ورد وتفصيل، وقلما اختلفوا مثل هذا الاختلاف. وحاصل ما اعلت به هذه السلسلة أمران: الأول: انه وجد صحيفة لجده عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فحدث بها وهو لم يسمعها، وبهذا أعلها ابن معين (٢) ، وابن حزم (٣) . وهذا مردود فقد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله كما سيأتي، على أنه اذا

стр. 82

كان روى بعض الأحاديث بالوجادة، فلا بأس لأن الوجادة احدى صيغ التحمل (١) . الثاني: ان عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، ان أراد بجده محمد -والد شعيب- فهو مرسل؛ لأن محمدا لم يدرك النبي ﷺ وان أراد بجده عبد الله بن عمرو فهو منقطع؛ لأن شعيبا لم يلق عبد الله (٢) . وأجيب على هذا: أن المراد بجده جد شعيب -والد عمرو- وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل. وقد سمع شعيب منه كما سيأتي مفصلا، وقد ثبت سماع عمرو من أبيه شعيب (٣) . فتكون الراوية موصولة. وحاصل أقوال أهل العلم في قبولها وردها ما يأتي: أولا: مردودة لأنها وجادة، وبه قال ابن حزم (٤) . ثانيا: ذهب الدارقطني الى التفصيل، ففرق بين أن يفصح بجده أنه عبد الله فيحتج به أو لا يفصح فلا يحتج به، وكذلك ان قال: عن أبيه، عن جده سمعت رسول الله ﷺ قال أو نحو هذا مما يدل على أن المراد الصحابي فيحتج به والا فلا (٥) ثالثا: ذهب ابن حبان الى تفصيل آخر، فان استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به، وان اقتصر على قوله، عن أبيه عن جده لم يحتج به (٦) .

стр. 83

رابعا: عمرو ضعفه بعضهم مطلقا والجمهور على توثيقه (١) خامسا: قبولها وانها متصلة غير منقطعة، فقد قال الامام البخاري: ((رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني واسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين)) (٢) . وقال اسحاق بن راهويه: ((اذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر)) (٣) . وقال ابن عبد البر: ((وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مقبول عند أكثر أهل العلم بالنقل)) (٤) . وقال النووي: ((وهو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث والأكثرون، وهم أهل الفن، وعنهم يؤخذ)) (٥) . والذي يهمنا هنا هو سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله، فقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب، لا خلاف في ذلك، وكذلك قد صح

стр. 84

سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وذلك لأن عبد الله هو الذي ربى شعيبا، لما مات أبوه محمد كما قرر ذلك الذهبي (١) والعلائي (٢) ، وغيرهم (٣) . قال البيهقي: ((وسماع شعيب بن محمد بن عبد الله صحيح من جده عبد الله، لكن يجب ان يكون الاسناد صحيحا الى عمرو)) (٤) . وقال الزيلعي: ((وقد ثبت في الدارقطني وغيره بسند صحيح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله)) (٥) . وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: ((صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله)) (٦) والدليل على ما سبق ثبوت قصة رواها الدارقطني في سننه (٧) ، والحاكم (٨) ، والبيهقي (٩) . - وملخصها - أن شعيبا والد عمرو قال: ((كنت عند عبد الله بن عمرو فجاء رجل فاستفتاه في محرم وقع بامرأته، فقال لي: يا شعيب، اذهب معه الى ابن عباس ...

стр. 85

وذكر الحديث - قال البيهقي: ((وهذا اسناد صحيح، وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله ابن عمرو بن العاص من جده عبد الله بن عمرو)) . وقال الحاكم - قبل أن يذكر هذه الرواية -: ((كنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد، عن جده عبد الله بن عمرو، فلم أصل اليها الى هذا الوقت - ثم ذكر الحديث المتقدم- وقال: ((هذا حديث رواته ثقات حفاظ، وهو كالأخذ باليد على صحة سماع شعيب من جده. ومما يؤكد ذلك أيضا: ما رواه البيهقي (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص ... فذكر الحديث. فكل هذا يدل على صحة ما نقلناه عن الأئمة بأن محمدا - والد شعيب- مات في حياة أبيه عبد الله وترك ابنه شعيبا صغيرا فكفله جده ورباه (٢) . أثره في اختلاف الفقهاء: متى يعتق المكاتب (٣) ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، واليه ذهب الأئمة الأربعة: أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته، ولو كان شيئا يسيرا، فلا يحكم بعتقه حتى

стр. 86

يوافي جميع ما عليه (١) . واحتجوا: بما رواه عمرو بن شعيب عن ابيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء)) (٢) . وقد أعله ابن حزم فقال: ((وأما حديث عمرو بن شعيب فإنه صحيفة)) (٣) . وأجيب عن ذلك: بأن أكثر أهل العلم على قبول رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله، على انه اذا كان روى بعض الاحاديث بالوجادة، فلا بأس لأن الوجادة احدى صيغ التحمل. وذهب بعض أهل العلم الى أنه يعتق بنفس عقد الكتابة وكتابته في ذمته (٤) . وذهب بعضهم الى أنه ان أدى الربع عتق وما بقي في ذمته وهو رواية عن النخعي (٥) وذهب بعضهم الى أنه ان أدى الثلث عتق وما بقي في ذمته، وهو رواية عن ابن مسعود (٦) . وذهب بعضهم: الى أنه ان أدى النصف عتق وما بقي في ذمته وهو رواية عن علي وشريح (٧) .

стр. 87

وذهب بعضهم: الى أنه ان ادى ثلاثة أرباع قيمته عتق وما بقي في ذمته وبذلك قال عطاء (١) . وذهب بعضهم: الى أنه ان أدى قيمته عتق وما بقي في ذمته (٢) . وذهب بعضهم: الى أنه يعتق منه بقدر ما أدى، وهو رواية عن علي، وبه قال ابن حزم (٣) . المبحث الثاني: اعلال السند بسبب تضعيف الراوي وفيه تمهيد ، وثلاثة مطالب تمهيد: لتحمل (٤) الحديث وأدائه (٥) شروط يجب أن تتوفر، والذي يعنينا في دراستنا هذه أهلية (٦) الأداء، فيشترط فيمن يؤدي الحديث النبوي الشريف - ذكرا كان أو أنثى- الشروط الآتية: أولا: الاسلام (٧) ؛ فلا تقبل رواية الكافر أبدا، ولا يعقل أن تقبل روايته؛ لأن في قبولها تنفيذا لقوله: ((على المسلمين)) وكيف تقبل رواية من يكيد للاسلام؟ وقد أمرنا

стр. 88

الاسلام أن نتوقف في خبر الفاسق، فكيف نأخذ برواية الكافر؟ ثانيا: البلوغ (١) : فلا تقبل رواية من دون سن التكليف؛ حيث أن البلوغ مدار التكليف، وقد قال النبي ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)) (٢) والبلوغ مظنة الادراك وفهم أحكام الشريعة؛ لذلك نيط التكليف به، والمراد بالبلوغ العقل مع ادراك سن الاحتلام، ولذا فلقد قرنه بها بعضهم. أي - البلوغ والعقل- (٣) وقد اكتفى الشافعي بذكر العقل (٤) ؛ لأنه لا يتصور الادراك والعقل دون البلوغ عند الغالب. فاشتراط العلماء البلوغ، فيه احتراز عن حديث الصغير، اذ أنه لا يعرف أثر الكذب ولا عقوبته، فالبلوغ والعقل يزجران المكلف عن الكذب، أما اذا تحمل صغيرا، وأدى الرواية كبيرا قبلت روايته، ولم يتردد أحد في قبول رواية: عبد الله بن عباس، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن بن علي، والسائب بن يزيد، والمعروف من سير السلف: أنهم كانوا يحضرون الأطفال والصبيان مجالس العلم والرواية، فاذا كان في كبره جامعا للشروط الأخرى لا تردد في قبول

стр. 89

روايته (١) . ثالثا: العدالة (٢) : وهي كما قال ابن الأثير الجزري (٣) : ((عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها: الى هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (٤) جميعا، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكتفى اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما ترد به الشهادة والرواية، وبالجملة فكل ما يدل على ميل دينه الى حد يستجيز على الله الكذب بالأعراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو: الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع ونحو ذلك؟ فعلى هذا يشترط في الراوي حتى يسمى عدلا: أن لا يفعل الكبائر ولا يصر على الصغائر ولا يفعل ما يخرم مروءته)) . رابعا الضبط (٥) : - هو اتقان ما يرويه الراوي وذلك: بأن يكون متيقظا لما يروي غير مغفل حافظا لروايته ان روى من حفظه، ضابطا لكتابه ان روى من الكتاب، عالما

стр. 90

بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد ان روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئا (١) ، وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات: فاذا كان الراوي عدلا ضابطاً سمي ثقة (٢) . ويعرف ضبطه بموافقة الثقات الضابطين المتقنين، اذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فان كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه (٣) . فهذه شروط أربعة يجب أن تتوفر جميعها في الراوي، فاذا اختل شرط من هذه الأربعة سقط الاحتجاج بحديثه ويكون حديثه ضعيفا حتى ينظر هل له متابع أو شاهد؟ يتقوى بها. واعلال السند بسبب تضعيف الراوي يعود في الغالب الى: فقدان العدالة، او لخلل في العدالة، أو الضبط؛ فهذان أمران، وسأضم الى ذلك حكم الراوي اذا اختلف في توثيقه وتجريحه، وأتكلم عن كل واحد منها في مطلب مستقل؛ لذلك فان هذا المبحث سيتضمن ثلاثة مطالب: المطلب الأول: اعلال السند بسبب الطعن في عدالة الراوي وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول: كذب الراوي أو اتهامه بالكذب قد يرد حديث ما ويكون في رجال اسناده راو طعن في عدالته فيختلف العلماء في الاحتجاج به فمنهم: من يرده لهذا الضعف، ومنهم: من يأخذ به لحسن ظنه به أو

стр. 91

لعدم وجود حديث في الباب عنده أو لقرينة عند هذا الامام يتقوى بها الحديث (١) مثال لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم التطهر بالماء المستعمل في رفع الحدث (٢) اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الأوزاعي ومالك في رواية عنه، وهو قول قديم للشافعي ورواية عن أحمد الى أنه مطهر (٣) . واحتجوا بما روي عن ابن مسعود مرفوعا: ((من نسي مسح الرأس، فذكر وهو يصلي فوجد في لحيته بللا فيأخذ منه وليمسح به رأسه، فان ذلك يجزئه، وان لم يجد بللا فليعد الوضوء والصلاة)) . قال الهيثمي: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نهشل بن سعيد وهو كذاب)) (٤) . وذهب كثير من الفقهاء الى أنه طاهر غير مطهر فلا يرفع حدثا ولا يزيل نجسا. وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه والشافعي ورواية عن أحمد (٥) .

стр. 92

وقد لاحظ الجمهور: أن الحديث المذكور لا يجوز الاحتجاج به لطعن في عدالة الراوي؛ لذلك فالحجة لهم: ما صح أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه)) (١) . وفي لفظ لمسلم (٢) : ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) . وفي لفظ لأبي داود (٣) : ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه)) . وهكذا نرى أن النبي ﷺ منع من الغسل في الماء الدائم كمنعه من البول فيه، فلولا أن ازالة الحدث بالماء يؤدي الى منع التطهر به لما نهى عنه. فان قيل: حمل الأحاديث على هذا يؤدي الى القول بنجاسة الماء المستعمل في الطهارة من الحدث كنجاسة الماء الذي يبال فيه. أجيب: بأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم يدل على أنه يؤثر في الماء وهذا الأثر هو المنع من التطهر به، أما اقترانه بالنهي عن البول فهذا يقتضي المشاركة في أصل الحكم لا في تفضيله (٤) ، والحاصل على عدم التسوية بينهما في كل شيء

стр. 93

هو ما صح: ((أن النبي ﷺ كان اذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه)) (١) اذن فتبركهم بالماء الذي توضأ به رسول الله ﷺ قد دل على أن الماء المستعمل لا ينجس، فلن تبق دلالة لاقتران الماء المستعمل في الحدث بالماء الذي يبال فيه الا الدلالة على أن المستعمل طاهر غير مطهر. مثال آخر: حكم الماء المشمس اختلف الفقهاء في التوضؤ بالماء المشمس: فذهب الجمهور الى أنه لا يكره التوضؤ بالماء المشمس (٢) . وذهب بعض الشافعية الى أنه يكره (٣) . واحتج أصحاب المذهب الثاني: بما رواه خالد بن اسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: أسخنت ماءاً في الشمس، فقال النبي ﷺ : ((لا تفعلي يا حميراء (٤) ، فانه يورث البرص)) (٥) .

стр. 94

وخالد بن اسماعيل قال عنه ابن عدي: ((كان يضع الحديث على الثقات)) . وقال ابن حبان: ((لا يجوز الاحتجاج به بحال)) . وقال الدارقطني: ((متروك)) (١) لذلك فان جمهور العلماء قالوا: بعدم كراهته، وممن قال بعدم كراهته بعض الشافعية، واختار ذلك النووي -رحمه الله تعالى- وقال: ((هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور. وعلل النووي اختياره لعدم الكراهة: بأن الشمس، لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، قال: ((فالصواب الجزم بأنه لا كراهة فيه)) (٢) وذكر ابن قدامة: أنه حكي عن أهل الطب: أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرا في الضرر (٣) قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل: ((ما ذكر نلاحظ عليه عدة أمور: الأمر الأول: نص كلام الشافعي في المسألة - كما ذكره النووي- ﵀

стр. 95

تعالى- هو قوله: ((لا أكره المشمس الا أن يكره من جهة الطب)) . وقد ذكر النووي: أن هذا يمكن أن يكون معناه: ((لا أكره الا من جهة الطب ان قال أهل الطب أنه يورث البرص)) (١) الأمر الثاني: المشهور عن الخراسانيين - من الشافعية -: أن المشمس يكره في البلاد الحارة، اذا شمس في الأواني المنطبعة، وهي المطرقة. وذكر النووي: ان في المنطبعة ثلاثة اوجه: كل ما يطرق، وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني النحاس خاصة وهو قول الصيدلاني كل ما يطرق الا الذهب والفضة لصفائهما واختار هذا امام الحرمين (٢) . الأمر الثالث: ذكر ابن قدامة في المغني قول الشافعي: ((ولا أكرهه الا من جهة الطب)) وفي هامش كتاب المغني طبعة المنار (٣) : جاءت التعليقة الآتية: ((قيدوا الأواني بالمعادن المنطبعة كالنحاس؛ لما يتحلل من صدئها في الماء، وصدأ النحاس والرصاص سام باتفاق الأطباء، فينبغي تقييد الاحتراز منه بذلك)) ، هذه التعليقة التي جاءت في هامش كتاب المغني ينبغي التحقق من ذوي الاختصاص عن صحة ما جاء فيها، فاذا ثبت ذلك؛ فان هذا يدل على رجحان قول الشافعي في هذه المسألة، فإن احتمال وقوع الضرر من استعماله كافٍ لاثبات الكراهة وان لم يثبت في ذلك أثر، وذلك يدل على مدى دقة الشافعي -رحمه الله تعالى- في استنباطه الأحكام، وعلى

стр. 96

مدى توفيق الخراسانيين لفهم كلام امامهم في هذه المسألة (١)) ) . الفرع الثاني: جهالة الراوي أو كونه مبهما وفيه فقرتان الفقرة الأولى: جهالة الراوي من شروط صحة الحديث العدالة والضبط، ومن كان عدلا ضابطا سمي ثقة (٢) . والمجهول لم تعرف عدالته ولا ضبطه؛ فهو يفقد شرط الصحة، ووجوده في اسناد حديث يمنع صحته. وسأتناول تعريف الجهالة في اللغة، ثم أعقبه بتعريف الجهالة في اصطلاح المحدثين وأنواعها عندهم: فالمجهول في لغة العرب يطلق على معان، منها: كل شيء غير معلوم الحقيقة، أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة، أو في معرفته تردد أو تشكك (٣) . أما في اصطلاح المحدثين، فهو على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن مع كونه معروفا برواية عدلين عنه. وهذا القسم غير مقبول عند جمهور المحدثين. وقيل: ان كان من روى عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل والا فلا يقبل (٤)

стр. 97

وذهب الامام أبو حنيفة الى قبول روايته مطلقا (١) . القسم الثاني: - من عرفت عدالته ظاهرا وجهلت باطنا (٢) . ويسمى بـ ((المستور)) . وقد قبل روايته بعضهم وردها آخرون (٣) . القسم الثالث: مجهول العين، وهو كل من لم يعرفه العلماء، ولم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد (٤) . وقد ذهب أكثر أهل العلم الى عدم قبول روايته، وقبلها بعضهم. (٥) نموذج لحديث المجهول وأثره في اختلاف الفقهاء: حكم الوضوء بالنبيذ لكي لا يحصل لبس في هذه المسألة أنبه الى: أن المراد من النبيذ هنا هو: ما كان شربه حلالا، وهو العصير غير المسكر، وقد كانت صفة النبيذ الذي يتخذ لرسول

стр. 98

الله ﷺ هو: أن تلقى تمرات أو نحوها في الماء ليلا فيشربه صباحا، أو تلقى صباحا فيشربه ليلا (١) . اذا عرفنا هذا أذكر المسألة فيما يأتي: اختلف الفقهاء في حكم الوضوء بالنبيذ: فذهب الجمهور الى عدم صحة الوضوء بالنبيذ (٢) . واستدلوا بقوله تعالى: ((فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)) (٣) ، وبحديث أبي ذر مرفوعا: ((ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين، فاذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير)) (٤) . وذهب بعض أهل العلم الى صحة الوضوء بالنبيذ: منهم اسحاق وسفيان وهو رواية عن أبي حنيفة (٥) . واحتجوا بما رواه أبو فزارة (٦) ، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود، قال:

стр. 99

((سألني النبي ﷺ ((ما في أدواتك)) ؟ فقلت: نبيذ، فقال: ((تمرة طيبة وماء طهور)) قال: ((فتوضأ منه)) (١) . قال الامام الترمذي: ((أبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث)) (٢) . وقال ابن حبان: ((أبو زيد شيخ مجهول، يروي عن ابن مسعود، وليس يدرى من هو، ولا يعرف من أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم روى خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والاجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه)) (٣) . وقال أبو زرعة الرازي: ((حديث أبي فزارة ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول)) (٤) وقال ابن عبد البر: ((أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول عندهم، لا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له)) (٥) . الفقرة الثانية: ابهام الصحابي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كلهم عدول بتعديل الله تعالى وتعديل

стр. 100

نبيه ﷺ . والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الاسلام (١) . قال الامام النووي - رحمه الله تعالى-: ((الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرها باجماع من يعتد به)) (٢) . وقال الآمدي: ((اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة مطلقا)) (٣) . فعلى هذا اذا انتهى الاسناد الى الصحابي فلا نسأل عنه، ولا نبحث في حاله؛ لأنهم عدول بلا استثناء؛ لذلك فان جهالة اسم الصحابي لا تضر: كأن يقول التابعي قال: رجل من أصحاب النبي ﷺ . وروى الخطيب باسناده عن الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: اذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال: نعم)) (٤) . وقال ابن الصلاح: ((والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول)) (٥) . وروى البخاري، عن الحميدي، قال: ((اذا صح الاسناد عن الثقات الى رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة وان لم يسم ذلك الرجل)) (٦) . وهذا مذهب جماهير المحدثين يرون ان جهالة الصحابي لا تضر، وهي غير

стр. 101

قادحة عندهم بصحة الحديث. وخالف في ذلك ابن حزم ﵀ واعتبره قادحا في صحة الحديث (١) . نموذج للحديث الذي أبهم فيه اسم الصحابي وأثره في اختلاف الفقهاء: الشهادة على هلال الفطر من رمضان حديث أبي عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم اعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ ) فشهدا بالله لأهلا الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس ان يفطروا)) رواه أحمد (٢) ، وأبو داود (٣) ، والدارقطني (٤) وصححه، والبيهقي (٥) ورواه البيهقي أيضا (٦) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ ، بنحو حديث ربعي ثم قال البيهقي: (وأبو عمير رواه عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ ، وأصحاب النبي ﷺ ثقات فسواء سموا أو لم يسموا) . وهذا الحديث تضمن الشهادة على هلال الفطر من رمضان؛ وهي موضع خلاف: فمذهب جماهير العلماء: أن هلال الفطر من رمضان لا يثبت بأقل من شاهدين؛ وممن قال بذلك الأئمة الأربعة، الا أن أبا حنيفة، قال ذلك فيما اذا كان في السماء علة، أما اذا لم يكن في السماء علة، فانه لا بد عنده من

стр. 102

شهادة الجمع الغفير من الناس (١) . وقد احتجوا بأحاديث، منها: الحديث السابق. ومثله حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال: ((اني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وانهم حدثوني: أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها، فان غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما، فان شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا)) (٢) . وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء: فذهبوا الى أن هلال الفطر رمضان من يثبت بشهادة شاهد واحد. وقد ذكر الامام النووي -رحمه الله تعالى- أن هذا لم يقل به أحد من العلماء غير أبي ثور (٣) . وفي ذلك نظر؛ فقد قال به ابن حزم أيضا (٤) . وحجة هذا المذهب أحاديث منها: حديث ابن عباس، قال: ((جاء رجل اعرابي الى النبي ﷺ ، فقال اني رأيت هلال رمضان، فقال؛ أتشهد ان لا اله الا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد ان محمدا رسول الله؟

стр. 103

قال: نعم، فقال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا)) (١) . فقد دل هذا الحديث على أن الرسول ﵊ قد قبل شهادة الواحد على هلال الصوم، وهلال الفطر مثله لا فرق. وأجيب عن ذلك: بأن حديث عبد الرحمن بن زيد يدل بمنطوقه على اشتراط شاهدين للصوم والفطر، ويدل بمفهومه على عدم قبول أقل من اثنين فيهما، الا أن هذا المفهوم عارضه بالنسبة لهلال الصوم منطوق حديث ابن عباس واشباهه وبقي بالنسبة لهلال الفطر سالما من المعارض. نموذج آخر: هل يقضى بالسلب للقاتل اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب جماعة من أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يقضى بالسلب للقاتل (٢)

стр. 104

واحتجوا: بحديث حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو بوادي القرى، فقلت يا رسول الله: لمن المغنم؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم، فقلت فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس هو أحق به من أخيه)) (١) . واعترض ابن حزم ﵀ على جهالة الصحابي، فقال: ((هذا رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا)) (٢) . وذهب جماعة من أهل العلم - منهم: الشافعي وأحمد - الى أن من قتل قتيلا فله سلبه (٣) . واحتجوا: بحديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) (٤) .

стр. 105

الفرع الثالث: كون الراوي مبتدعا أعلت كثير من الأحاديث النبوية وتوقف عن العمل بها لأن أحد رواتها كان مبتدعا. فالابتداع أحد الأسباب التي جعلت قسما من العلماء لا يقبلون بعض الأحاديث، وسأتناول تعريف البدعة في اللغة والاصطلاح، وأقسام البدعة ثم أذكر خلاف العلماء في قبولهم حديث المبتدع وتركه. البدعة في اللغة: قال ابن فارس: ((بدعت الشيء قولا وفعلا اذا ابتدأته لا عن مثال سابق)) (١) وقال الفيروزآبادي: ((البدعة -بكسر الباء- الحدث في الدين بعد الاكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال)) (٢) أما في الاصطلاح: فقد عرفها الشاطبي بقوله: ((هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)) (٣) وقال الحافظ ابن حجر: ((تطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة)) (٤) . وعرفها بقوله: ((هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف من النبي ﷺ لا بمعاندة بل بنوع شبهة)) (٥) . وعرفها السخاوي بقوله: ((هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل

стр. 106

المحمود والمذموم، ولكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف)) (١) . أقسام البدعة: قال الحافظ ابن حجر: ((وأما البدعة فالموصوف بها اما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق بها: فالمكفر بها لا بد أن يكون التكفير متفقا عليه في قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الآلهية في علي ﵁ أو غيره، أو الايمان برجوعه الى الدنيا قبل يوم القيامة، أو وقوع التحريف في القرآن، أو نسبة التهمة الى السيدة عائشة الصديقة ﵂ ولعن قاذفها-؛فرواية مثل هؤلاء مردودة قطعا والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا لكنه مستند الى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله اذا كان معروفا بالتحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة وموصوفا بالديانة والعبادة فقيل: يقبل مطلقا، وقيل: يرد مطلقا، والثالث التفصيل: بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية، فيقبل حديث غير الداعية، ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل وصارت اليه طوائف من الأئمة وادعى ابن حبان اجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظرا، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك وبعضهم زاده تفصيلا فقال: ان اشتملت رواية غير الداعية الى ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان لم تشتمل فتقبل)) (٢) . وقال الامام علي بن المديني: ((من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أو بغضه لحدث كان منه وذكر مساوئه فهو مبتدع حتى يترحم عليهم جميعا فيكون قلبه

стр. 107

لهم سليما)) (١) . فالكافر ببدعته لا تقبل روايته عند الجمهور، ونقل الامام النووي الاتفاق على ذلك (٢) ، لكنه لم يوافق على نقل الاجماع فقد اعترض عليه في ذلك الحافظ ابن حجر والسيوطي ونقلا: بأنها تقبل عند قوم ان اعتقد حرمة الكذب (٣) . أما اذا لم يكن كافرا ببدعته فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا على أقوال منها: القول الأول: رد روايته مطلقا وعدم الاحتجاج بها (٤) . القول الثاني: تقبل رواية المبتدع اذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، ولا يستحل الشهادة بالزور لمن وافقه سواء كان داعية الى بدعته أو لم يكن داعية (٥) . القول الثالث: - فصلوا ذلك: فان كان المبتدع داعية الى بدعته لم تقبل روايته وان لم يكن داعية قبلت، ومنهم: زادوا تفصيلا آخر فقالوا: ان اشتملت رواية الداعية

стр. 108

على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل وان اشتملت قبلت. (١) نموذج لأثر رواية المبتدع في خلاف الفقهاء: امامة الجالس اختلف العلماء في صحة امامة الجالس على قولين: القول الأول: لا تصح امامة الجالس، ومن صلى خلف الامام الجالس فصلاته غير صحيحة. وبه قال بعض الفقهاء منهم: الامام مالك ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢) . واحتجوا بما رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحد بعدي جالسا)) (٣) . وأجيب بأن هذا الحديث رواه جابر الجعفي، وهو متروك لأن له آراء مذمومة وانه كان يؤمن بالرجعة (٤) . القول الثاني: تصح امامة الجالس اذا لم يستطع القيام وهو مذهب جمهور الفقهاء (٥) واحتجوا: بحديث أنس بن مالك: ((أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه

стр. 109

فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال: انما جعل الامام ليؤتم به، فاذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا ركع فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد. واذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين)) . أخرجه البخاري (١) وقال عقيبه: ((قال أبو عبد الله: قال الحميدي: قوله ((اذا صلى جالسا فصلوا جلوسا)) هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسا والناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالقعود، وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ) المطلب الثاني: اعلال السند بسبب الطعن في ضبط الراوي وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول: سوء حفظ الراوي اذا كان في سند حديث ما راو قد ضعف بسبب سوء الحفظ، ولم توجد قرينة دالة على أن الراوي السيء الحفظ قد حفظ هذا - كأن تكون له متابعات أو شواهد- فان هذا الحديث يحكم عليه بالضعف، ولا يعمل به الا حيث يعمل بالحديث الضعيف، وحسب الضوابط التي قررها العلماء للعمل به (٢) . وذلك لأن الحديث الذي يرويه راو مختل الضبط قد فقد شرطا من شروط الصحة الا وهو الضبط، وقد يرى امام من الأئمة أن الراوي قد حفظ هذا الحديث وسلم فيه من الخطأ كأن يجد له ما يقويه، أو يحسن الظن بالراوي أولا يجد في الباب حديثا غيره - وهو ممن يرى العمل بالحديث الضعيف الذي لا يجد في الباب أحسن منه ما لم يجمع على ترك راويه -

стр. 110

فاذا عمل البعض بهذا الحديث وترك العمل به آخرون كان ذلك سببا من أسباب الاختلاف بين الفقهاء (١) . أثره في اختلاف الفقهاء: حكم ميتة السمك اختلف الفقهاء في ميتة السمك، هل يحل أكلها ام لا؟ فذهب جماعة الفقهاء الى: حل أكل ميتة السمك الا الطافي منه. وهذا مروي عن علي، وجابر، وابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وطاووس وهو رواية عن ابن عباس والنخعي. والطافي من السمك هو: الذي يعلو على وجه الماء ولا يرسب. وبه قال الحنفية، لكنهم يذكرون الطافي ويقصدون به: أن ما لا يعلم سبب موته لا يحل أكله عندهم وما علم سبب موته يحل أكله (٢) . والحجة لهم: ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ألقى البحر وجزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه)) (٣) . واعترض بأن اسناده ضعيف فيه: يحيى بن سليم الطائفي وهو سيء الحفظ (٤) . وذهب كثير من أهل العلم الى جواز أكل ميتة السمك مطلقا الطافي وغيره.
следующие страницы →