← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على أنه لم ينفرد بحديث الوضوء مما مست النار، فقد رواه أبو أيوب (١) ، وأبو طلحة (٢) وزيد بن ثابت (٣) ، وأم المؤمنين أم حبيبة (٤) ، وأم المؤمنين عائشة (٥) ، وأبو موسى الأشعري (٦) ، وسهل بن الحنظلية (٧) ، وأم المؤمنين أم سلمة (٨) ، وأنس بن مالك (٩) ، وعبد الله بن عمر (١٠) ، ومعاذ بن جبل (١١) ، وعبد الله بن زيد (١٢) ، وغيرهم. فالراجح ما ذهب اليه جمهور الفقهاء: من أنه لا يضر خبر الآحاد مخالفته للقياس، لأن النص اذا صح لا يجوز تقديم غيره عليه الا اذا عارضه دليل قطعي أو نص أقوى ولم يمكن الجمع، ثم أن الادلة المثبتة لخبر الآحاد لم تستثن من أخبار الآحاد شيئا بل جاءت مطلقة، وجمهور المتقدمين من أئمة الحنفية موافقون لجمهور العلماء على ذلك. وقد أصبح من البديهي عند الفقهاء: أن مرتبة القياس بين الادلة انما تأتي تالية لمرتبة الأدلة المتفق عليها - الكتاب، والسنة، والاجماع- فالقياس لا يتقدم السنة

стр. 177

الصحيحة سواء أكانت سنة آحاد أو غير آحاد، ورحم الله ابن جماعة حيث قال: ((والصحيح الذي عليه ائمة الحديث أو جمهورهم أن خبر الواحد العدل المتصل في جميع ذلك مقبول وراجح على القياس المعارض له، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من ائمة الحديث والفقه والأصول)) (١) . نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم رد الشاة المصراة (٢) اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة اذا اطلع المشتري على هذا العيب بعد الشراء على قولين: القول الأول: لا يجوز ردها. وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف في رواية (٣) القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء الى أنه يجوز له ردها بعيب التصرية (٤) . واختلفوا في الشيء الذي يرد معها: فمنهم من قال: يرد معها صاع من تمر، ومنهم من قال: صاع من غالب قوت البلد. وذهب أبو يوسف في رواية عنه الى أنه يرد معها قيمة اللبن؛ لأنه ضٍمان متلف،

стр. 178

فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات (١) . واستدل الجمهور على جواز الرد بالتصرية بحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: ((لا تصروا الابل والغنم، فمن ابتاعها بعد فانه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: ان شاء أمسك وان شاء ردها وصاع تمر)) (٢) . وجه الدلالة: ان هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ جعل الخيار للمشتري بالرد اذا تبين ان الشاة مصراة. وأجاب المانعون على ذلك: بأن هذا الحديث مخالف للقياس فلا يقبل من وجوه: الوجه الأول: ان القياس في ضمان العدوان فيما له مثل مقدر بالمثل في قوله تعالى: ((فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)) (٣) ، وفيما لا مثل له مقدر بالقيمة. الوجه الثاني: انعقد الاجماع على وجوب القيمة أو المثل عند فوات العين وتعذر الرد، فاللبن ان كان من ذوات الأمثال يضمن بالمثل، وان لم يكن فيما يضمن بالقيمة، فايجاب التمر مكانه يكون مخالفا للثابت بالكتاب والسنة والاجماع فيكون ناسخا. الوجه الثالث: ان هذا الحديث يدل على توقيت خيار العيب وهو غير موقت بوقت بالاجماع فتوقيته مخالف للقياس فيرد (٤) . وأجيب على هذا:

стр. 179

بأن حصر الضمان بالقيمة والمثل غير مسلم، فان الحر تضمن ديته بالابل وليست مثلا ولا قيمة، وقد يضمن المثل بالقيمة اذا تعذرت المماثلة كمن أتلف شاة لبونا فان عليه قيمتها ولا يجعل بأزاء لبنها آخر لتعذر المماثلة. ثم ان حكم المصراة انفرد بأصله عن المماثلة فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة التي يتبين بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا فشرعت لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار في المصراة وغيرها (١) . واستدل المانعون للرد: بأن التصرية ليست من العيوب التي يحق للمشتري الرد بسببها ما لم يشترط؛ وذلك لأن البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لا تعد من العيوب التي تعدم السلامة؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة فبقلته من باب أولى (٢) . وأجيب: بأن الخيار انما يثبت للمشتري بالتدليس، وذلك لأن المشتري لما رأى ضرعا مملوءا باللبن ظن: أن ذلك عادتها، فكأن البائع قد شرط له ذلك، فاذا تبين له الأمر خلافه ثبت له الرد، لفقد الشرط المعنوي المذكور، وهذا هو التدليس لأنه يظهر ما يخفى، وهذا مقتضى العدل (٣) . المبحث السادس: اعلال خبر الآحاد بمخالفة اجماع أهل المدينة ان جمهور الفقهاء لم يشترطوا لقبول خبر الآحاد شيئا، لكن اشترط الحنفية أو بعضهم شروطا تكلمت عنها في المباحث السابقة، وقد اشترط المالكية شروطا أيضا سأتكلم عنها على شكل علل؛ لأن الحديث الذي لم يستوف شروطه فهو معلول لعدم

стр. 180

استيفائه شروط القبول عندهم، ومن شروط المالكية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يخالف عمل أهل المدينة، فالحديث اذا ورد بخبر الآحاد، وهو مخالف لما يعمل به أهل المدينة فلا يعمل به لهذه العلة؛ وهذا ليس مجمعا عليه عند المالكية بل فيه خلاف، لكن المشهور من مذهبهم أن عمل أهل المدينة حجة ترد بها أخبار الآحاد المخالفة له، فهو كالمتواتر عندهم (١) ، هذا هو المتداول في كتب الأصول. وحجتهم في ذلك: أن المدينة هي التي نزل فيها القرآن وطبق فيها رسول الله ﷺ الأحكام الشرعية، وبين فيها الحلال والحرام، وتعلم الصحابة هذه الأحكام من الرسول ﷺ ، فلما توفي الرسول ﷺ ، أقام فيها الصحابة المجتهدون ومن بينهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين، فكان عملهم من عمل الرسول ﷺ ثم أخذ عنهم التابعون وفيهم الفقهاء السبعة (٢) الذين كانوا يحرصون على معرفة السنة، والاقتداء الكامل بالرسول ﷺ مع الورع الكامل في الفتيا، فكان عمل هؤلاء منقولا عن النبي ﷺ بمثابة النقل المتواتر الذي يوجب القطع (٣) . وأجيب على هذا: - بأن السنة اذا ثبتت عن الرسول ﷺ فان الواجب عندئذ هو العمل بها، ولا عبرة برأي من خالفها سواء كانوا علماء المدينة أو غيرهم، لأن هؤلاء العلماء لم يخالفوها الا لأنها لم تبلغهم ولو بلغتهم لم يخالفوها قطعا، ثم ان اهل المدينة جزء من الأمة لا كلها فلا يلزم من مخالفتهم ترك الأحاديث الواردة بأسانيد

стр. 181

صحيحة (١) . وأجاب ابن حزم بما حاصله: ((أولا: أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به أحق هو أم باطل؟ ولا بد من أحد هذين، فان قالوا: حق فسواء عمل به أهل المدينة أو لم يعملوا به لا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به ولا يبطله أن يترك العمل به، ولو أن أهل الأرض كلهم أصفقوا على معصية محمد ﷺ ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته، وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه فما كان مبطلا لصحته، وكذلك لو أصفق أهل الأرض كلهم على نبوة مسيلمة -لعنه الله- ما حققها ذلك. ثانيا: وان قالوا: الخبر باطل قبل العمل به لا يحققه العمل به، ولا يزيد الله بالعمل الباطل الا ضلالا وخزيا. ثالثا: ثم نقول لهم: متى أثبت الله العمل بالخبر الصحيح أقبل أن يعمل به أم بعد أن يعمل به؟ فان قالوا: قبل أن يعمل به فهو كقولنا، وان قالوا: بعد أن يعمل به لزمهم أن العاملين به هم الذين شرعوا تلك الشريعة. رابعا: ولم يبق لهم الا أن يقولوا لما ترك العمل بالخبر علمنا بأنه منسوخ، وهذا هو باب الإلهام الذي ادعته الروافض. خامسا: ثم نسألهم فنقول لهم عمن تريدون أعمل أمة محمد ﷺ كلهم أم عمل عصر دون عصر أم عمل محمد ﷺ أم عمل أبي بكر أم عمل عمر أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه؟ فان قالوا: عمل أمة محمد ﷺ فالخلاف بين الأمة اشتهر، وان

стр. 182

قالوا عصرا ما دون سائر الأعصار، فالاختلاف بين كل عصر موجود، ولا سبيل الى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصرها (١) . سادسا: واذا أردنا أن نعتمد على عمل أهل المدينة فنسأل ونقول: هل اختلف اهل المدينة ام لم يختلفوا؟ فان قالوا: لم يختلفوا ردهم الموطأ، حيث أن فيه مسائل اختلف أهل المدينة فيها، وان قالوا: اختلفوا، قيل لهم: فما الذي جعل اتباع عمل أهل المدينة بعضهم أولى من بعض، وقد أبطل الله كل عمل عند الاختلاف الا الرد الى كتاب الله وسنة نبيه)) (٢) . نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم خيار المجلس اذا تم العقد بين المتبايعين ولم يتفرقا ولم يختارا لزوم العقد، فهل يعتبر العقد لازما بمجرد تمامه أو أن كلا من المتعاقدين له خيار فسخ العقد ما داما في المجلس؟ حصل خلاف في ذلك بين الفقهاء على مذهبين: المذهب الأول: ذهب فريق من الفقهاء الى القول بعدم ثبوت خيار المجلس، وقالوا: يلزم العقد بالايجاب والقبول، الا اذا اشترطا أو احدهما الخيار.

стр. 183

والى ذلك ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأكثر الزيدية. المذهب الثاني: وذهب فريق من الفقهاء الى القول بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين في عقود البيع، وعليه فاذا تبايع شخصان وقع العقد جائزا، ولكل واحد منهما فسخه ما لم يفارق مجلس العقد أو يختار اللزوم. وبذلك قال جمهور أهل العلم، واليه ذهب الشافعي، وأحمد، والظاهرية، والامامية، وبعض الزيدية (١) . حجة الجمهور: استدلوا بما صح عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) (٢) . وجه الدلالة: ان هذا الحديث مصرح بأن العقد بين المتبايعين لا يلزم ما لم يتفرقا عن مكان العقد أو يختارا لزومه، وكل ما يطلق عليه في العرف تفرق يحصل به المقصود. واعترض المالكية:

стр. 184

بأن هذا الحديث مخالف لعمل أهل المدينة؛ وهو خبر آحاد فلا يؤخذ به (١) . وأجيب على هذا: بأن شرط قبول الآحاد موافقة عمل أهل المدينة شرط تفرد به المالكية لم يوافقهم الجمهور عليه. والصحيح أنه لا يشترط. ثم أن المنقول عن جملة علماء المدينة العمل به كما قال به عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، وسعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، وهؤلاء كلهم من أهل المدينة (٢) . واعترض أيضا: بأن الحديث محمول على ارادة التفرق بالأقوال وليس بالأبدان، وذلك فيما اذا قال البائع بعت وقال المشتري اشتريت فهنا قد تفرقا وانقطع الخيار، ثم ان الخيار هو الذي كان للبائع قبل أن يقول المشتري اشتريت (٣) . وأجيب: بأن هذا خلاف الظاهر، فان السابق الى الفهم التفرق من المكان، والمتبادر الى الذهن علامة الحقيقة على أن الحديث قد جاء بروايات تنفي أن يكون المراد منه غير ما ذهب اليه الجمهور. وبيان ذلك فيما يأتي: ما صح عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا)) . قال: فكان ابن عمر اذا ابتاع بيعا وهو قاعد، قام ليجب له

стр. 185

البيع (١) . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، الا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) (٢) . فهذه الأحاديث يتعذر حملها على غير ما ذهب اليه الجمهور. واعترض الحنفية على هذا الحديث: بأن الحديث دار فيما تعم به البلوى، ولا يقبل خبر الآحاد فيما تعم به البلوى (٣) . وأجيب على هذا: بأن هذه شرائط للعمل بخبر الآحاد التزم بها الحنفية وقد خالفهم فيها الجمهور فهي لا تلزم على أن خيار المجلس ليس مما تعم به البلوى، لأن الذين يفسخون العقد بناء على خيار المجلس يعدون قلة بالنسبة لمن لا يفسخون (٤) . ثم أن الحنفية قد جعلوا للمشهور حكم المتواتر في هذه الأمور، والحديث مشهور باصطلاحهم، وبيان ذلك: أن المشهور عندهم هو ما لا يقل رواته عن ثلاثة في

стр. 186

كل طبقة من طبقات اسناده. وهذا الحديث قد رواه من الصحابة: حكيم بن حزام، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسمرة، وأبو برزة الأسلمي، وابن عباس، وجابر (١) . فهذه طرق كثيرة ربما بلغت حد التواتر عند بعض أهل العلم فهو على أقل تقدير مشهور في اصطلاح الحنفية، وللمشهور عندهم حكم المتواتر من حيث أنه يجوز أن يزاد به على الكتاب ويقبل فيما تعم به البلوى (٢) . واستدل الحنفية والمالكية على عدم ثبوت خيار المجلس بما يأتي: أولا: قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) (٣) . وجه الدلالة: ان هذه الآية أباحت على وجه الاطلاق التصرف بما يحصل عليه كل من المتعاقدين لمجرد حصول التراضي، واذا تم الايجاب والقبول بالقول فقد تراضيا، وهي مطلقة حيث أنها لم تشترط التفرق بالأبدان (٤) . ثانيا: قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) (٥) . وجه الدلالة: ان الشارع قد أمر بالوفاء بالعقود، والعقد بعد تمام الايجاب والقبول وقبل التفرق من المجلس أو التخيير يسمى عقدا، فيدخل في عموم هذه الآية من حيث وجوب الوفاء به، والقول بغير ذلك ابطال للنص وأجيب عن ذلك:

стр. 187

بأن هذا الاستدلال مبني على اعتبار أن العقد قد تم وانه لازم للوفاء به، وهذا لا يتأتى إلا بنص الشارع، وقد اعتبر الشارع أن العقد غير لازم وأن التجارة غير تامة عن تراض الا بعد حصول التفرق المذكور في حديث خيار المجلس (١) . ثالثا: ما صح عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ويقبضه)) (٢) . وجه الدلالة: ان هذا الحديث عام قد أباح التصرف بالمبيع بمجرد القبض، ولم يشترط التفرق، فدل على عدم ثبوت خيار المجلس. وأجيب عن هذا: بأن هذا الحديث عام تخصصه أحاديث خيار المجلس، وان القبض والتصرف انما يتم بعد التفرق (٣) . المبحث السابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفة القواعد العامة من الشروط التي اشترطها المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يخالف القواعد العامة وذلك لأن القاعدة العامة تعني: أن مضمونها ليس موضع خلاف بين الفقهاء، وعليه فاذا خالف خبر الآحاد القاعدة العامة تكون المخالفة علة مسقطة للعمل بخبر

стр. 188

الآحاد (١) . وأجيب عن ذلك: بأن القاعدة مهما بلغت فهي لا تكون أقوى من نص عام، وخبر الآحاد الخاص اذا صح يمكن أن يخصص العام، وعليه فاذا عارض خبر الآحاد القاعدة العامة فان القاعدة لا تبطل العمل به وانما تخص القاعدة به (٢) . نموذج لأثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم صوم من أكل أو شرب ناسيا اختلف الفقهاء فيمن أكل أو شرب ناسيا وهو صائم هل يفسد صومه أم لا على قولين: القول الأول: لا يفسد صومه. وهو مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والظاهرية، والامامية، وأكثر الزيدية (٣) . القول الثاني: يفسد صومه وبذلك قال المالكية (٤) . استدل المالكية على ذلك بأن الصوم ركنه الامساك عن المفطرات، ومن تناول

стр. 189

المفطر فقد فوت ركن الصوم، والصوم من باب المأمورات، والقاعدة: أن المأمورات يؤثر فيها النسيان كما يؤثر العمد، فمن فوت ركنا من أركان الصلاة ناسيا فان صلاته لا تصح حتى يأتي به وكذلك الحج فالصوم مثلها، وبما أن الركن الوحيد في الصوم انما هو الامساك فاذا فوته فوت الصوم كله وعليه أن يأتي بغيره قضاء. هكذا رد بعض المالكية الحديث الوارد في ذلك عن أبي هريرة والذي سنذكره في أدلة الجمهور بحجة مخالفته هذه القاعدة (١) بينما حمله بعضهم على صوم التطوع وأجيب: بأن كلا الأمرين غير مسلم به: أما الأول فلأن القاعدة غاية أمرها أنها دليل عام، فهي لا تعارض الأحاديث الصحيحة، وانما تخص بها، فتكون هذه القاعدة سارية على غير الصوم، وأما الصوم فقد خص بالأحاديث الواردة بأدلة الجمهور. أما الثاني فقد ثبتت أحاديث صحيحة مصرحة بالفرضية. أدلة الجمهور: استدلوا بما صح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه)) (٢) . فهذا نص صريح في أن تناول المفطر نسيانا لا يؤثر على صحة الصوم، وهو عام في كل صوم، لأنه لم يفرق بين صوم الفرض وصوم التطوع، ومع ذلك فقد حمله

стр. 190

بعضهم على صوم التطوع بحجة أن الحديث لم يتعرض لصوم رمضان (١) . وأجيب: بأنه قد صح التصريح بأن ذلك في صوم الفرض بما رواه أبو هريرة مرفوعا: ((من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة)) (٢) . وهذا صريح في أنه في صوم رمضان، وصريح في نفي القضاء، والكفارة، وعام في كل مفطر من غير تفريق بين الأكل والشرب وبين غيرها. وقد ثبت عن ابن عباس مرفوعا: ((ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٣) والصوم داخل في هذا العموم.

стр. 191

الفصل الرابع: العلل المشتركة وفيه خمسة مباحث المبحث الأول: الاعلال بالاضطراب والاختلاف المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة. المبحث الثالث: الاعلال بالشذوذ المبحث الرابع: الاعلال بالادراج المبحث الخامس: الاعلال بالخطأ وما أشبهه المبحث الأول: اعلال السند بالاضطراب والاختلاف تمهيد لهذا المبحث: المضطرب في اللغة: اسم فاعل من اضطرب؛ مأخوذ لغة من الاضطراب بمعنى الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج أي ضرب بعضه بعضا؛ فهو مضطرب. وفي لسان العرب: اضطرب أمره اختل، وحديث مضطرب السند وأمره مضطرب (١) . والمضطرب في الاصطلاح: - هو الحديث الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له، مع عدم امكان ترجيح أحداهما على الأخرى (٢) . فشرط الاضطراب اذا تساوي الروايات، أما اذا ترجحت احداهما على الأخرى فالحكم للراجحة، والمرجوحة شاذة أو منكرة. وعليه فان كان أحد الوجوه مرويا من طريق ضعيف والآخر من طريق قوي فلا

стр. 192

اضطراب والعمل بالطريق القوي، وان لم يكن كذلك، فان أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن ان يكون المتكلم باللفظين الواردين عنى معنى واحدا فلا اشكال أيضا؛ مثل ان يكون في أحد الوجهين قد قال الراوي: عن رجل وفي الوجه الآخر يسمي هذا الرجل فقد يكون هذا المسمى هو ذلك المبهم فلا اضطراب اذا ولا تعارض وان لم يكن كذلك بأن يسمى مثلا الراوي باسم معين في رواية ويسمى باسم آخر في رواية أخرى فهذا محل نظر. اذ يتعارض فيه أمران: أحدهما: انه يجوز أن يكون الحديث عن الرجلين معا. والثاني: أن يغلب على الظن ان الراوي واحد واختلف فيه. فههنا لا يخلو أن يكون الرجلان معا ثقتين أو لا، فان كانا ثقتين فههنا لا يضر الاختلاف عند الكثير؛ لأن الاختلاف كيف دار فهو على ثقة، وبعضهم يقول: هذا اضطراب يضر؛ لأنه يدل على قلة الضبط (١) . أين يقع الاضطراب ؟ يقع الاضطراب في متن الحديث ويقع في الاسناد وقد يقع ذلك من راو واحد، وقد يقع بين رواة له جماعة (٢) حكم الحديث المضطرب (٣) : الحديث المضطرب ضعيف؛ لأن الاختلاف (٤) فيه مشعر بعدم ضبط راويه،

стр. 193

والضبط شرط في صحة الحديث؛ وقد فقد المضطرب هذا الشرط. وما ذكرته هو الأصل في حكم المضطرب؛ لكن هذا لا يعني ان الاضطراب والصحة لا يجتمعان ابدا؛ بل قد يجتمعان؛ نقل ذلك السيوطي عن الحافظ ابن حجر وغيره فقال: ((وقع في كلام شيخ الاسلام.. ان الاضطراب قد يجامع الصحة؛ وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد واسم أبيه ونسبته ونحوذلك ويكون ثقة. فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربا، وفي الصحيحين احاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذلك جزم الزركشي في مختصره فقال: قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن)) (١) . أنواع الاضطراب في الاسناد: الاضطراب يكون في متن الحديث ويكون في اسناده، والاضطراب الأهم والأكثر تشعبا هو الاضطراب في الاسناد؛ لذلك فاني سأبدأ به مقسما هذا المبحث الى مطلبين. المطلب الأول: الاضطراب في الاسناد الاضطراب في الاسناد يتنوع على خمسة أنواع هي: أ- تعارض الوصل والارسال. ب- تعارض الوقف والرفع. ج- تعارض الاتصال والانقطاع. ء- زيادة رجل في أحد الاسنادين. هـ- الاختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف (٢) . وسأتكلم عن كل واحد من الأنواع في فرع مستقل؛ لذلك فان هذا المطلب سيتضمن خمسة فروع: الفرع الأول: تعارض الوصل والارسال الاتصال أول شرط من شرائط صحة الحديث؛ واتصال الاسناد هو: سماع الحديث لكل راو من الراوي الذي يليه (٣) . ويعرف ذلك بتصريح الراوي بصيغة من احدى صيغ السماع الصريحة،

стр. 194

مثل: [حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وقال لنا] وغيرها، أما اذا كانت الرواية بصيغة من الصيغ المحتملة مثل: [عن أو أن او حدث، او أخبر، او قال] فحينئذ لا بد من توفر شرطين في الراوي لحمل هذه الصيغة على الاتصال: اولهما: السلامة من التدليس أي: أن لا يكون من روى هكذا مدلسا. ثانيهما: المعاصرة وامكان اللقاء، وهذان الشرطان عند الكثير من المحدثين، وقد اشترط علي بن المديني والبخاري وغيرهما ثبوت اللقاء ولو مرة (١) . ويشترط في الاتصال أن يكون من أول السند الى آخره؛ فاذا اختل الاتصال في موضع من المواضع سمي السند منقطعا، ويسميه المتقدمون أيضا مرسلا (٢) ، ثم استقر الاصطلاح من بعد على ان المرسل هو: ما أضافه التابعي الى النبي ﷺ (٣) . لذلك فان الحديث اذا روي مرسلا مرة وروي مرة أخرى موصولا فهذا يعد من الأمور التي تعل بها الأحاديث ومنهم: من لا يعد ذلك علة وتفصيل الأقوال فيها على النحو الآتي: أولا: ترجيح الرواية الموصولة على المرسلة؛ لأنه من قبيل زيادة الثقة. ثانيا: ترجيح الرواية المرسلة. ثالثا: الاعتبار لأكثر الرواة عددا. رابعا: الترجيح للأحفظ.

стр. 195

خامسا: التساوي بين الروايتين والتوقف (١) . وقد ظهر لي من دراسة مجموعة من الأحاديث التي اختلف في وصلها وارسالها ان الترجيح لا يندرج تحت قاعدة كلية، لكن يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرواية المرسلة وتارة ترجح الرواية الموصولة. ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وقد يختلفون في ذلك أحيانا فمنهم: من يرجح الرواية المرسلة ومنهم: من يرجح الرواية الموصولة ومنهم: من يتوقف. ومن الأمثلة على الترجيح بكثرة الطرق والشواهد حديث: ((لا نكاح الا بولي)) فقد أشار الترمذي (٢) الى الروايات المرسلة والاختلاف فيه الا أنه حديث صحيح بطرقه وشواهده: فقد أخرجه الامام أحمد (المسند: ٤/٣٩٨ و ٤١٣ و ٤١٨) ، وأبو داود (السنن: ٢/٢٢٩ رقم ٢٠٨٥) ، والترمذي (الجامع:٣/٤٠٧ رقم (١١٠١ و ١١٠٢) ، والبيهقي (السنن الكبرى: ٧/١٠٧) من حديث أبي موسى الأشعري. وصححه ابن حبان (موارد الضمآن: (١٢٤٣) و (١٢٤٤) و (١٢٤٥)) ، والحاكم (المستدرك: ٢/١٦٩) واطال في تخريج طرقه مع انه اختلف في وصله وارساله. ثم قال: ((وقد صحت الرواية فيه عن ازواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش) .

стр. 196

ثم قال: ((وفي الباب عن علي وابن عباس ومعاذ وعبد الله بن عمرو وأبي والمقداد وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر والمسور بن مخرمة وأنس بن مالك)) . وقد أفاض الزيلعي (نصب الراية:٣/١٨٣-١٩٠) في تخريج الطرق والشواهد بما لا مزيد عليه. ومن الأمثة على ترجيح الرواية الموصولة اذا كان صاحبها مبرزا بالحفظ والاتقان: حديث يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة حنين سار ليلة حتى اذا أدركه الكرى عرس وقال لبلال: ((اكلا لنا الليل)) فصلى بلال ما قدر له ونام ... الحديث وفي آخره: ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها اذا ذكرها؛ فان الله ﵎ قال: ((أقم الصلاة لذكري)) أخرجه مسلم (الصحيح: ٢/١٣٨ رقم ٦٨٠) ، وأبو داود (السنن: ١/١١٨ رقم ٤٣٥) ، وعند أبي عوانة (الصحيح: ٢/٢٥٣) ، والنسائي (المجتبى: ٢/٢٩٦) ، والبيهقي (السنن الكبرى:٢/٢١٧) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به. وقد توبع يونس، فقد تابعه معمر بن راشد، عند أبي داود (السنن: ١/١١٩ رقم ٤٣٦) ، وأبي عوانة (الصحيح: ٢/٢٥٣) ، والنسائي (المجتبى:٢/ ٢٩٦) وتابعه أيضا الأوزاعي ومحمد بن اسحاق كما نقله ابن عبد البر (١) . وخالف الامام مالك (الموطأ رواية يحيى:٢٥) - ومن طريقه الشافعي (المسند: ١/٥٣ و ٥٤) - فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ .... فذكر الحديث -مرسلا-.

стр. 197

فالرواية الراجحة هي الرواية الموصولة؛ لأن يونس ثقة من رجال الستة (١) ، وقد توبع. ومن الأمثلة على ترجيح الرواية المرسلة اذا كان الواصل ضعيفا: ما رواه الحاكم (المستدرك: ١/٤٤٢) من طريق علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ -في قوله ﵎: ((ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا)) (٢) - قال: ((قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة)) . وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدا على روايته عن قتادة. ثم ساق الحاكم متابعة حماد وصحح الحديث من طريق حماد على شرط مسلم. وقد خالفه في ذلك البيهقي (السنن: ٤/٣٣٠) فقد ذكر الحديث معلقا وقال عقيبه: ((ولا أراه إلا وهما)) أي: الرواية الموصولة. ثم ساق باسناده من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، وذكر الحديث مرسلا. ثم ساق المتابعات على ذلك، وقال: ((هذا هو المحفوظ عن قتادة، عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلا)) .

стр. 198

وقال الحافظ ابن حجر (١) : ((وسنده صحيح الى الحسن، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أيضا، الا ان الراوي عن حماد، وهو أبو قتادة: عبد الله بن واقد الحراني متروك، وقد قال أبو حاتم: منكر الحديث ... )) ثم قال: ((والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة)) . فرواية الحاكم وهم ومتابعة حماد لا قيمة لها، لأن الراوي عن حماد أبو قتادة: عبد الله بن واقد الحراني ضعفه أبو حاتم وقال عنه الحافظ (٢) : ((متروك، وكان احمد يثني عليه، وقال لعله كبر واختلط، وكان يدلس)) (٣) . نماذج لأثر تعارض الوصل والارسال: في اختلاف الفقهاء النموذج الأول روى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ان رسول الله ﷺ قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) (٤) . قال أبو داود: ((لم يحدث هذا الحديث الا حماد بن سلمة، وقد شك)) .

стр. 199

وقال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه مسندا الا من حديث حماد)) . وكذا صوب البيهقي الارسال. وقال الحافظ في الفتح (١) بعد ان ذكر البخاري الحديث معلقا بصيغة التضعيف: ((قيل أنه أشار بهذه الترجمة الى تضعيف الحديث الوارد فيمن ملك ذا رحم محرم فهو حر، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من حديث الحسن، عن سمرة، واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي ارساله، وقال البخاري: لا يصح، وقال أبو داود: تفرد به حماد وكان يشك في وصله، وغيره يرويه عن قتادة، عن الحسن قوله ... وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الاسناد فصححوه (٢)) ) . (أثر ذلك في اختلاف الفقهاء) اختلف الفقهاء في حكم من ملك ذا رحم محرم تبعا لاختلافهم في الحكم بصحة هذا الحديث او عدم صحته. فمن صحح الحديث أخذ بعمومه وقال: من ملك ذا رحم محرم عتق. والمراد بذي الرحم المحرم: كل من بينهما نسب يوجب تحريم النكاح، فيدخل في ذلك الأصول والفروع والأخوة والأعمام ومن في معناهم (٣) . وبذلك قال جمهور الفقهاء. واليه ذهب أبو حنيفة وأحمد. وبذلك قال شريك أيضا، وقاس عليه أيضا المحرم من الرضاع وبه قال الأوزاعي، وقاس عليه ذا الرحم غير المحرم، كابن العم ونحوه لكن الحديث قيد

стр. 200

الحكم بالمحارم (١) . وذهب فريق من الفقهاء الى القول بعدم صحة الحديث، وبناء على ذلك تفاوتت آراؤهم في المسألة: فقال داود: لا يعتق أحد على أحد (٢) . وذهب الشافعي الى: انه يعتق على المالك الأصول والفروع فقط (٣) . وقد احتج على ذلك بدليل آخر وهو قوله تعالى: ((تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، إن كل من في السموات والأرض الا أتى الرحمن عبدا (٤)) . وجه الدلالة: ان الله نفى عن نفسه الولادة، وعلل ذلك: بأن الكل عبيد له. فدل ذلك على: استحالة اجتماع الولادة مع العبودية. وعليه: فكل شخصين بينهما ولادة، اذا ملك أحدهما الآخر عتق عليه (٥) . وذهب مالك الى: انه يعتق على المالك الأصول والفروع والأخوة فقط دون فروعهم (٦) . وحجته الآية السابقة على نحو ما استدل به الشافعي وقاس الأخوة على الاولاد؛

стр. 201

لأن الشارع أقامهم مقام الولد في حجب الأم من الثلث الى السدس، فدل ذلك على: ان للأخوة تأثيرا كالولادة (١) . وقد دفع هذا الفريق حديث سمرة بانه مرسل؛ ومن ذلك اعلال أبي داود له: بأن موسى بن اسماعيل رواه عن حماد بن سلمة، وقال في روايته: عن سمرة فيما يحسب حماد، وعليه فقد شك حماد في وصل هذا الحديث، وقد رواه شعبة، عن الحسن مرسلا، وشعبة أحفظ من حماد (٢) . وعلى تسليم هذا: فالحديث على أسوأ أحواله يكون مرسلا وهو معتضد بحديث ابن عمر (٣) على أن غير موسى قد رواه عن حماد من غير شك. رواه عبد الله بن المبارك، ومسلم بن ابراهيم، ويزيد بن هارون وغيرهم، وموسى نفسه قد رواه من غير شك (٤) . النموذج الثاني النص حديث مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: ان رسول الله ﷺ قال: ((اذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا ام أربعا؟ فليصل ركعة

стр. 202

وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم فان كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين وان كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)) . وقد رواه عن مالك: أبو مصعب الزهري ((الموطأ:٤٧٥) ، وسويد بن سعيد (الموطأ: ١٥١) ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند أبي داود (السنن: ١/٢٦٩ رقم ١٠٢٦) ، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي (شرح المعاني:١/٤٣٣) وعند البيهقي (السنن الكبرى: ٢/٣٣١) ، وعثمان بن عمر عند الطحاوي (شرح المعاني: ١/٤٣٣) ، ومحمد بن الحسن الشيباني (الموطأ: ص٦٦ رقم ١٣٨) ، ويحيى بن يحيى الليثي (الموطأ: ١/١٤٩ رقم ٢٥٢) . قال الحافظ ابن عبد البر: ((هكذا روى الحديث عن مالك جميع رواة الموطأ، عنه ولا اعلم أحدا أسنده عن مالك الا الوليد بن مسلم (١) ، وتابعه على ذلك يحيى بن راشد -ان صح- عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، وقد تابع مالكا على ارساله الثوري وحفص بن ميسرة الصنعاني ومحمد بن أبي جعفر بن كثير وداود بن قيس الفراء فيما روى عنه القطان، ووصل هذا الحديث وأسنده من الثقات- على حسب رواية الوليد بن مسلم له عن مالك- عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال ومحمد بن مطرف: أبو غسان، وهشام بن سعد، وداود بن قيس في غير رواية القطان؛ والحديث متصل مسند صحيح لا يضره تقصير من قصر به في اتصاله لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم)) (٢) . انتهى كلام ابن عبد البر. وقبل ابن عبد البر سأل الأثرم شيخه - الامام أحمد - عن حديث أبي سعيد المرفوع في السهو. قال له: ((أتذهب اليه؟ فقال الامام احمد: نعم أذهب اليه، فقال

стр. 203

الأثرم: انهم يختلفون في اسناده؟ فقال: الامام أحمد انما قصر به مالك وقد أسنده عدة: ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة)) (١) . وهذا الحديث تناوله الدارقطني في علله (٢) وانتهى الى ترجيح الرواية المسندة (٣) أثر ذلك في اختلاف الفقهاء اختلف الفقهاء في موضع سجود السهو؛ فذهب أكثر أهل العلم الى تصحيح الرواية الموصولة وأخذوا بالحديث السابق وقالوا: ان السجود كله قبل السلام، وهو قول أكثر الفقهاء واليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية (٤) وحديث أبي سعيد نص صريح على أن السجود في الزيادة قبل السلام. واستدلوا أيضا بما رواه عبد الله بن بحينة؛ قال: ((صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات. ثم قام فلم يجلس. فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم. ثم سلم (٥)) ) .

стр. 204

وهذا صريح في أن السجود من النقص يكون قبل السلام. وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء: فذهب بعضهم الى أن السجود كله بعد السلام. وروي هذا عن بعض السلف واليه ذهب أبو حنيفة (١) . والحجة لهم: ١- ما صح عن زياد بن علاقة قال: ((صلى بنا المغيرة بن شعبة؛ فنهض في الركعتين؛ فسبح به من خلفه؛ فأشار اليهم: قوموا؛ فلما فرغ من صلاته وسلم، ثم سجد سجدتين للسهو؛ فلما انصرف، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت)) (٢) قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح، وهو دليل على أن السجود من النقص يكون بعد السلام)) ٢- ما صح عن أبي هريرة: ((أن النبي ﷺ انصرف من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يارسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد ... الحديث (٣) .

стр. 205

وهذا دليل على أن السجود من الزيادة يكون بعد السلام أيضا؛ لأن النبي ﷺ تكلم. وفي رواية مسلم: أنه ﵊ ((قام فدخل المنزل)) والكلام والمشي زيادة (١) . ٣- عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: ((لكل سهو سجدتان بعد السلام)) (٢) ضعفه البيهقي باسماعيل بن عياش (٣) . وأجيب: بأن اسماعيل اذا حدث عن أهل بلده فروايته عنهم صحيحة وهذا منها (٤) . الا أن علة الحديث عندي زهير بن سالم العنسي فهو وان قال فيه الحافظ ابن حجر: ((صدوق فيه لين وكان يرسل)) (٥) الا أنه ضعيف. قال الامام الدارقطني: ((حمصي منكر لم يسمع من ثوبان)) (٦) وذهب بعض الفقهاء الى: أن السجود اذا كان عن نقص في الصلاة فمحله قبل السلام، واذا كان عن زيادة فمحله بعد السلام. وهو مذهب مالك وقول للشافعي، ورواية عن أحمد (٧)

стр. 206

والحجة لهم: حديث عبد الله بن بحينة السابق؛ فان النبي ﷺ سجد لتركه التشهد الأول سجدتين قبل السلام؛ وهذا من نقص في الصلاة؛ فحملوا عليه كل نقص وجعلوا السجود لأجله قبل السلام. وحديث ذي اليدين؛ فان النبي ﷺ سجد بعد السلام؛ لما حصل في الصلاة من زيادة الكلام والمشي؛ فحملوا عليه كل زيادة وجعلوا السجود لأجلها بعد السلام (١) وذهب بعضهم الى: أن السجود كله قبل السلام الا في موضعين فيكون بعد السلام، وهما: اذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الامام فبنى على غالب ظنه. وبذلك قال أبو حنيفة، وسليمان بن داود. وهو رواية عن أحمد واختاره بعض الشافعية (٢) . والحجة لهم: أن السجود انما شرع لجبر خلل وقع في الصلاة؛ فالمعقول أن يكون محله قبل السلام، ويستثنى من ذلك ما ورد النص بأنه يكون بعد السلام؛ وقد ورد ذلك في النقص، وهو: حديث عبد الله ابن بحينة. وفيما اذا تحرى الشاك فبنى على غالب ظنه؛ وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين)) (٣) الفرع الثاني: تعارض الوقف والرفع كثيرا ما نجد في كتب الحديث أحاديث رويت مرفوعة (٤) الى النبي ﷺ ثم

стр. 207

نجد الحديث قد روي عن الصحابي موقوفا (١) من قوله، فاذا حصل هذا في حديث ما فانه يكون محل نظر وخلاف عند المحدثين، وخلاصة ذلك ما يأتي: فاذا كان السند نظيفا خاليا من بقية العلل؛ فان للعلماء فيه الاتجاهات الآتية: أولا: يحكم للحديث بالرفع؛ لأن راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنه علم ما خفي (٢) . ثانيا: الحكم للوقف (٣) . ثالثا: التفصيل. فالرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، الا أن يقفه الأكثر ويرفعه واحد؛ لظاهر غلطه (٤) . رابعا: يحمل الموقوف على مذهب الراوي والمسند على أنه روايته فلا تعارض (٥) . وقد رجح الامام النووي الأول (٦) . والذي يبدو لي - من صنيع النقاد-: أنهم في مثل هذه الأحوال لا يجزمون بشيء لأول وهلة، وانما يوازنون ثم يحكمون، مما يدل على أن الحكم عندهم لا يناط بقاعدة كلية مطلقة؛ لذلك فان ما أطلق الامام النووي ترجيحه يمكن أن يكون مقيدا

стр. 208

على النحو الآتي: الحكم للرفع- لأن راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنه علم ما خفي- الا اذا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح له معها الوقف. وقد يروى الحديث مرفوعا وموقوفا وكلاهما ضعيف لكن الحفاظ يرجحون أحدهما على الأخرى؛ اذا كان أقل ضعفا مثال ذلك: حديث الترمذي (١) قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((لا يؤذن الا متوضيء)) . ثم ساق سندا آخر (٢) : من طريق يونس بن يزيد الأيلي (٣) ، عن أبن شهاب (٤) ، قال: قال أبو هريرة: ((لا ينادي بالصلاة الا متوضيء)) . ثم قال الترمذي: ((وهذا اصح (٥) من الحديث الأول)) . وأخرجه البيهقي (٦) : من طريق معاوية بن يحيى الصدفي ثم قال: ((هكذا رواه

стр. 209

معاوية بن يحيى الصدفي، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: ((لا ينادي بالصلاة الا متوضيء)) . فرواية الرفع خطأ، أخطأ فيها معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف (١) ، والموقوفة ضعيفة أيضا للانقطاع (٢) بين الزهري وأبي هريرة لكنها أرجح وأقل ضعفا من الرواية المرفوعة. وقد يروى الحديث مرفوعا وموقوفا وكلا الروايتين صحيحتان، ولا تضر الرواية الموقوفة الرواية المرفوعة. مثال ذلك: - حديث علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-: ((ينضح من بول الغلام ويغسل بول الجارية)) . قال الترمذي في جامعه (٣) : ((رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ولم يرفعه)) . وقال الحافظ ابن حجر (٤) : ((اسناده صحيح الا أنه اختلف في رفعه ووفقه، وفي وصله وارساله وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني)) . والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، فذكره مرفوعا (٥) .

стр. 210

والرواية الموقوفة: رواها يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي ألأسود، عن أبيه، عن علي، فذكره موقوفآ (١) . وهكذا صحح الحديث ابن حبان (٢) ، والحاكم (٣) ، ولم يتعقبه الذهبي، ونقل صاحب عون المعبود (٤) عن المنذري: ((وقال البخاري: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه وهو حافظ)) . وهكذا صحح البخاري وغيره رفع الحديث، مع أنه قد صح موقوفا أيضا؛ وهذا يدل على أن الحديث اذا صح رفعه ووقفه، فان الحكم عندهم للرفع ولا تضره الرواية الموقوفة الا اذا قامت قرائن تدل على أن الرفع خطأ. نموذج لهذه الصورة وما دمنا قد تكلمنا في حديث علي -كرم الله وجهه- فلنذكر اختلاف الفقهاء في كيفية التطهر من بول الأطفال. وقبل أن أذكر آراء الفقهاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عليها عند الاشارة الى الأدلة طلبا للاختصار؛ فأقول: ١- صح عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ((أتي النبي ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا النبي ﷺ بماء فأتبعه اياه)) رواه مالك (٥) ، وزاد مسلم (٦) في روايته: ((ولم يغسله)) . ٢- صح عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير - لم يأكل الطعام - الى رسول الله ﷺ ؛ فأجلسه في حجره، فبال على

стр. 211

ثوبه؛ فدعا رسول الله ﷺ بماء، فنضحه ولم يغسله، رواه مالك والشيخان (١) . ٣- حديث علي -كرم الله وجهه- وقد سبق- ((ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية)) . ورواه النسائي (٢) عن أبي السمح بلفظ: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) . وقد اختلف الفقهاء في الاحكام المستفادة من هذه الآحاديث على مذاهب أشهرها - ما يأتي: المذهب الأول: يرى أن التطهير من بول الرضيع- كالتطهير من بول الكبير - انما يكون بغسله، لا فرق في ذلك بين بول رضيع أكل الطعام أو لم يأكل، كما أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. والى ذلك ذهب أبو حنيفة، وهو المشهور عن مالك على خلاف بينهما في كيفية الغسل الذي يجزئ في التطهير من النجاسة: فان أبا حنيفة يشترط لتطهير النجاسة

стр. 212

غير المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثا أو سبعا- والعصر بعد كل غسلة، ولم يشترط مالك أكثر من صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها ولا يشترط لازالة النجاسة امرار اليد والعصر ونحو ذلك (١) وقد حملوا ((اتباع الماء)) و ((نضحه)) و ((رشه)) ، هذه الالفاظ كلها حملوها على معنى الغسل، وقد أفاض الطحاوي في ايراد الآثار الدالة على أن هذه الالفاظ قد تطلق ويراد بها الغسل (٢) . لكن هذا يؤخذ عليه: أن هذه الالفاظ وان كانت تطلق أحيانا على الغسل فان الحال في مسألتنا هذه لا يحتمل ذلك؛ لأنه يؤدي الى تناقض تتنزه عنه نصوص الشريعة، فحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قد جاء بلفظ: ((فدعا النبي ﷺ بماء فاتبعه اياه ولم يغسله)) . فاذا جعل أتبعه بمعنى غسله فان المعنى حينئذ يكون: فغسله ولم يغسله. وكذلك حديث ام قيس بنت محصن قد جاء بلفظ: ((فنضحه ولم يغسله)) . فلو حمل النضح على معنى الغسل لكان التقدير: فغسله ولم يغسله، وهذا تناقض غير معقول. وأيضا فان النبي ﷺ عطف الغسل على النضح في حديث علي -كرم الله وجهه- وعطف الرش على الغسل في حديث أبي السمح ﵁ والعطف يقتضي المغايرة. فلو أريد بهما معنى واحدا لكان عبثا يتنزه عنه الشارع (٣) المذهب الثاني: نسب الى الشافعي قول: بأن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام

стр. 213

طاهر. ونسبت رواية الى مالك: أنه لا يغسل بول الجارية ولا الغلام قبل أن يأكلا الطعام. لكن ذكر الباجي: أن هذه الرواية عن مالك شاذة. وذكر النووي: أن نقل هذا القول عن الشافعي خطأ (١) . لذلك فلا حاجة للتعليق على هذا المذهب. المذهب الثالث: ينضح بول الطفل الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فاذا أكل الطعام كان حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل. وقد فسر هذا المذهب النضح: بأنه غمر موضع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يبلغ جريانه وتردده وتقطره. فهو بمعنى الغسل الذي سبق ذكره عن مالك (٢) وقد اعتمد هذا المذهب حديث أم قيس بنت محصن، فقد جاء بلفظ: ((أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام ... الخ وقد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيرا أو صغيرا -: بأن تخصيص ذلك بالصبي الذي لم يأكل ليس من كلام النبي ﷺ ؛ لذلك فالحديث لا دلالة فيه على هذا التحديد (٣) . ويجاب عن ذلك: بأن نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها كل ذلك متيقن بالاحاديث العامة الدالة على ذلك: كحديث أبي هريرة مرفوعا: ((استنزهوا من البول؛ فان عامة عذاب القبر منه)) (٤) .

стр. 214

وحديث ابن عباس في القبرين اللذين أخبر رسول الله ﷺ أن صاحبيهما يعذبان، وقال: ((أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول)) (١) . فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كل ذلك متيقن بهذه الاحاديث، وتخصيص بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا ذلك مشكوك فيه، فلا يترك اليقين للشك (٢) . والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الذي لم يأكل الطعام، أما بول الصبية فلا يجزى فيه الا الغسل (٣) . أما الشافعي نفسه فقد نص على جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام، واستدل على ذلك بالحديث، ثم قال: ((ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية كان أحب الي احتياطا، وان رش عليه ما لم تأكل الطعام اجزأ، ان شاء الله تعالى)) (٤) . وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى-: انه لم يذكر عن الشافعي غير هذا، وقال: قال البيهقي: كأن أحاديث الفرق بين بول الصبي والصبية لم تثبت عند الشافعي. وقول الشافعي هذا مروي عن النخعي، وهو رواية عن الأوزاعي ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النووي: بأنه ضعيف (٥)

стр. 215

وهنا يأتي دور حديث علي -كرم الله وجهه- ومثله حديث أبي السمح ﵁ خادم النبي ﷺ فهي أحاديث ثابتة، وقد فرقت بين بول الصبي وبين بول الصبية. وقد ثبت هذا عند أحمد؛ لذلك أخذ به وفرق بينهما في الحكم، أما الشافعي فقد صرح بأنه لم يثبت عنده من السنة ما يفرق بينهما؛ لذلك رأى ان النضح يكفي فيهما وان كان الأحب اليه غسل بول الصبي احتياطا؛ ولو ثبتت عند الشافعي هذه الأحاديث لأخذ بها - فهذا هو شأنه وشأن الفقهاء كافة لا يتخطون السنة الثابتة عندهم الى غيرها ما لم يكن لها عندهم معارض- ولذلك أطبق أصحاب الشافعي على الفرق في الحكم بين بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذه الأحاديث. وقد تترجح الرواية الموقوفة اذا كان رواتها أوثق: مثال ذلك حديث ابن عمر الآتي: روى الدارقطني (١) بسنده من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: ((انه جمع بين حج وعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ كما صنعت)) . وروى الدارقطني (٢) من طريق الحسن بن عمارة، عن علي -كرم الله وجهه- مرفوعا نحو هذا، وقال: ((لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك)) . وقد ضعف الحسن بن عمارة. أبو داود الطيالسي، والعقيلي وغيرهما (٣) . على ان الحديث قد روي من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا بخلاف هذا: فقد رواه أحمد بن أبي بكر الزهري، قال: أخبرنا الدراوردي، عن عبيد الله بن
следующие страницы →