← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثوبه؛ فدعا رسول الله ﷺ بماء، فنضحه ولم يغسله، رواه مالك والشيخان (١) . ٣- حديث علي -كرم الله وجهه- وقد سبق- ((ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية)) . ورواه النسائي (٢) عن أبي السمح بلفظ: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) . وقد اختلف الفقهاء في الاحكام المستفادة من هذه الآحاديث على مذاهب أشهرها - ما يأتي: المذهب الأول: يرى أن التطهير من بول الرضيع- كالتطهير من بول الكبير - انما يكون بغسله، لا فرق في ذلك بين بول رضيع أكل الطعام أو لم يأكل، كما أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. والى ذلك ذهب أبو حنيفة، وهو المشهور عن مالك على خلاف بينهما في كيفية الغسل الذي يجزئ في التطهير من النجاسة: فان أبا حنيفة يشترط لتطهير النجاسة

стр. 212

غير المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثا أو سبعا- والعصر بعد كل غسلة، ولم يشترط مالك أكثر من صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها ولا يشترط لازالة النجاسة امرار اليد والعصر ونحو ذلك (١) وقد حملوا ((اتباع الماء)) و ((نضحه)) و ((رشه)) ، هذه الالفاظ كلها حملوها على معنى الغسل، وقد أفاض الطحاوي في ايراد الآثار الدالة على أن هذه الالفاظ قد تطلق ويراد بها الغسل (٢) . لكن هذا يؤخذ عليه: أن هذه الالفاظ وان كانت تطلق أحيانا على الغسل فان الحال في مسألتنا هذه لا يحتمل ذلك؛ لأنه يؤدي الى تناقض تتنزه عنه نصوص الشريعة، فحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قد جاء بلفظ: ((فدعا النبي ﷺ بماء فاتبعه اياه ولم يغسله)) . فاذا جعل أتبعه بمعنى غسله فان المعنى حينئذ يكون: فغسله ولم يغسله. وكذلك حديث ام قيس بنت محصن قد جاء بلفظ: ((فنضحه ولم يغسله)) . فلو حمل النضح على معنى الغسل لكان التقدير: فغسله ولم يغسله، وهذا تناقض غير معقول. وأيضا فان النبي ﷺ عطف الغسل على النضح في حديث علي -كرم الله وجهه- وعطف الرش على الغسل في حديث أبي السمح ﵁ والعطف يقتضي المغايرة. فلو أريد بهما معنى واحدا لكان عبثا يتنزه عنه الشارع (٣) المذهب الثاني: نسب الى الشافعي قول: بأن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام

стр. 213

طاهر. ونسبت رواية الى مالك: أنه لا يغسل بول الجارية ولا الغلام قبل أن يأكلا الطعام. لكن ذكر الباجي: أن هذه الرواية عن مالك شاذة. وذكر النووي: أن نقل هذا القول عن الشافعي خطأ (١) . لذلك فلا حاجة للتعليق على هذا المذهب. المذهب الثالث: ينضح بول الطفل الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فاذا أكل الطعام كان حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل. وقد فسر هذا المذهب النضح: بأنه غمر موضع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يبلغ جريانه وتردده وتقطره. فهو بمعنى الغسل الذي سبق ذكره عن مالك (٢) وقد اعتمد هذا المذهب حديث أم قيس بنت محصن، فقد جاء بلفظ: ((أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام ... الخ وقد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيرا أو صغيرا -: بأن تخصيص ذلك بالصبي الذي لم يأكل ليس من كلام النبي ﷺ ؛ لذلك فالحديث لا دلالة فيه على هذا التحديد (٣) . ويجاب عن ذلك: بأن نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها كل ذلك متيقن بالاحاديث العامة الدالة على ذلك: كحديث أبي هريرة مرفوعا: ((استنزهوا من البول؛ فان عامة عذاب القبر منه)) (٤) .

стр. 214

وحديث ابن عباس في القبرين اللذين أخبر رسول الله ﷺ أن صاحبيهما يعذبان، وقال: ((أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول)) (١) . فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كل ذلك متيقن بهذه الاحاديث، وتخصيص بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا ذلك مشكوك فيه، فلا يترك اليقين للشك (٢) . والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الذي لم يأكل الطعام، أما بول الصبية فلا يجزى فيه الا الغسل (٣) . أما الشافعي نفسه فقد نص على جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام، واستدل على ذلك بالحديث، ثم قال: ((ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية كان أحب الي احتياطا، وان رش عليه ما لم تأكل الطعام اجزأ، ان شاء الله تعالى)) (٤) . وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى-: انه لم يذكر عن الشافعي غير هذا، وقال: قال البيهقي: كأن أحاديث الفرق بين بول الصبي والصبية لم تثبت عند الشافعي. وقول الشافعي هذا مروي عن النخعي، وهو رواية عن الأوزاعي ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النووي: بأنه ضعيف (٥)

стр. 215

وهنا يأتي دور حديث علي -كرم الله وجهه- ومثله حديث أبي السمح ﵁ خادم النبي ﷺ فهي أحاديث ثابتة، وقد فرقت بين بول الصبي وبين بول الصبية. وقد ثبت هذا عند أحمد؛ لذلك أخذ به وفرق بينهما في الحكم، أما الشافعي فقد صرح بأنه لم يثبت عنده من السنة ما يفرق بينهما؛ لذلك رأى ان النضح يكفي فيهما وان كان الأحب اليه غسل بول الصبي احتياطا؛ ولو ثبتت عند الشافعي هذه الأحاديث لأخذ بها - فهذا هو شأنه وشأن الفقهاء كافة لا يتخطون السنة الثابتة عندهم الى غيرها ما لم يكن لها عندهم معارض- ولذلك أطبق أصحاب الشافعي على الفرق في الحكم بين بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذه الأحاديث. وقد تترجح الرواية الموقوفة اذا كان رواتها أوثق: مثال ذلك حديث ابن عمر الآتي: روى الدارقطني (١) بسنده من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: ((انه جمع بين حج وعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ كما صنعت)) . وروى الدارقطني (٢) من طريق الحسن بن عمارة، عن علي -كرم الله وجهه- مرفوعا نحو هذا، وقال: ((لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك)) . وقد ضعف الحسن بن عمارة. أبو داود الطيالسي، والعقيلي وغيرهما (٣) . على ان الحديث قد روي من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا بخلاف هذا: فقد رواه أحمد بن أبي بكر الزهري، قال: أخبرنا الدراوردي، عن عبيد الله بن

стр. 216

عمر، عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: ((من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا ثم لم يحل حتى يحل من حجه)) . وهذا اسناد ضعيف؛ فان الدراوردي وهو عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله ابن عمر منكر كما نص عليه الامام النسائي (١) . والحديث أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: ٥/١٠٧) من طرق عن أحمد بن أبي بكر الزهري، بهذا الاسناد. وأخرجه أحمد (المسند:٢/٦٧) ، والدارمي (السنن:١٨٥١) ، والترمذي (الجامع: ٣/٢٨٤ رقم ٩٤٨) ، وابن ماجه (السنن: ٢/٩٩١ رقم ٢٩٧٥) ، والدارقطني (السنن:٢/٢٥٧) ، والطحاوي (شرح المعاني: ٢/١٩٧) من طرق عن الدراوردي، به. وقال الترمذي: ((حسن صحيح غريب (٢) ، تفرد به الدراوردي، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه وهو أصح)) وقد أورده ابن التركماني في الجوهر النقي (٣) وذكر قول الترمذي ثم قال: ((وفي الاستذكار: لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي وكل من رواه غيره (٤) أوقفه على ابن عمر)) . وقال الطحاوي: ((هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه الدراوردي فرفعه الى النبي ﷺ ،

стр. 217

وانما اصله عن ابن عمر، عن نفسه، هكذا رواه جماعة الحفاظ، وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردي عن عبيد الله اصلا)) (١) . نموذج لأثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: صفة حج القارن من المعلوم ان صفة الإحرام بالنسك له ثلاثة اوجه: التمتع، والافراد، والقران: فالتمتع هو: ان يحرم بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فاذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه ذلك. والمتمتع يحرم بالحج من مكة، أو أي مكان بالحرم. أما الافراد فهو: ان يهل مريد النسك بالحج مفردا ثم اذا فرغ من الحج، وأراد العمرة أهل بها من الحل. أما القران فهو: ان يجمع بين الحج والعمرة في الاحرام بهما. أو يحرم بالعمرة ويدخل عليها الحج (٢) . والذي يعنينا هنا صفة حج القارن؛ فقد اختلف الفقهاء فيه على مذهبين: المذهب الأول: ان القارن اذا دخل مكة طاف للعمرة وسعى، ثم يبدأ أعمال الحج: فيطوف للقدوم ويواصل اعمال الحج من وقوف ورمي وطواف ركن وسعي، وهكذا. ولا يحلق بين العمرة والحج؛ لأن في ذلك جناية على احرام الحج، وانما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد. فعلى هذا المذهب: لا يكفي طواف الافاضة للحج والسعي بعده عن الطواف والسعي. انما لا بد أن

стр. 218

يطوف ويسعى للعمرة، ثم لا بد بعد ذلك من طواف وسعي للحج أيضا. وقد قال بهذا بعض السلف، ويروى عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري والحسن بن صالح، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن احمد (١) . ومن الحجة لأصحاب هذا المذهب:

стр. 219

حديث ابن عمر من رواية الحسن بن عمارة، وقد سبق، فقد نص على طوافين وسعيين. وقد احتجوا أيضا: بأحاديث أخرى مرفوعة وآثار عن الصحابة وعضدوا ذلك بقوله تعالى: ((وأتموا الحج والعمرة لله)) (١) . قالوا: واتمامهما ان يأتي بأفعالهما على وجه الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره. قالوا: ولأنهما نسكان فكان لهما طوافان كما لو كانا منفردين (٢) المذهب الثاني: ان القارن اذا كان دخل مكة طاف طواف القدوم ثم يفعل ما يفعل المفرد، ويكفيه طواف الافاضة للحج والسعي له عن الطواف والسعي للعمرة؛ بمعنى: أنه يكفيه للنسكين طواف واحد وسعي واحد. وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي هذا عن جماعة من الصحابة، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد الله، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه (٣) . ومن الحجة لأصحاب هذا المذهب: حديث ابن عمر من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقد سبق، فقد نص على طواف واحد للنسكين. وهم وان رجحوا وقفه على ابن عمر الا أن معناه، ورد في أحاديث وآثار صحاح، منها: ١- حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وفيه: ((واما الذين كانوا أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا)) (٤) . وفي لفظ لمسلم (٥) قال النبي ﷺ لعائشة: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) . ٢- حديث جابر؛ أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة. فطاف لهما طوفا واحدا (٦) . ٣- حديث ليث بن أبي سليم، عن عطاء وطاوس ومجاهد، عن جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم، حين قدموا، الا طوافا واحدا (٧) . ومثال ذلك أيضا: حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشفق الحمرة، فاذا غاب الشفق وجبت الصلاة)) . رواه الدارقطني (٨) ، ورواه البيهقي مرفوعا وموقوفا

стр. 220

وقال: ((الصحيح أنه موقوف)) (١) . وقال شمس الحق آبادي: ((وقال البيهقي في المعرفة: روي هذا الحديث عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة ولا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء)) (٢) . أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: أول وقت العشاء أجمع الفقهاء على أن أول وقت العشاء غياب الشفق (٣) . وذلك لحديث طويل رواه أبو موسى عن رسول الله ﷺ وفيه: ((أن النبي ﷺ أمر بلالا فأقام العشاء حين غاب الشفق)) (٤) لكنهم اختلفوا في المراد بالشفق هل هو الشفق الأحمر أو الأبيض؟ : فذهب جماعة من الفقهاء الى أن أول وقت العشاء مغيب الشفق الأحمر. وهو مذهب كثير من السلف من الصحابة والتابعين واليه ذهب الشافعي وأحمد، ومالك في أشهر الروايتين عنه. وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها أبو يوسف ومحمد (٥) . وذهب بعضهم الى أن أول وقت العشاء مغيب الشفق الأبيض.

стр. 221

وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين واليه ذهب أبو حنيفة في اظهر الروايتين عنه، وقد اختارها الطحاوي، وهو رواية عن مالك، وقد اختاره المزني وابن المنذر من أصحاب الشافعي (١) . وقد احتج أصحاب المذهب الأول بما يأتي: ١- حديث ابن عمر الذي سبق ذكره. ٢- أن تفسير الشفق بالحمرة، قد ورد عن كثير من أئمة اللغة، منهم: الأزهري، والخليل، والفراء، والجوهري، وغيرهم (٢) . واحتج أصحاب المذهب الثاني بما يأتي: ١- ان تفسير الشفق بالبياض ورد عن أئمة اللغة، منهم المبرد، وثعلب (٣) . ٢- يدل على أن المراد بالشفق هنا البياض عدة أحاديث، منها: حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس)) .. الى أن قال: ((ويصلي العشاء حين يسود الأفق)) (٤) وحديث طويل لجابر قال: ((سأل رجل رسول الله ﷺ عن مواقيت الصلاة)) الى ان قال: ((ثم أذن -يعني: بلال- للمغرب حين غربت الشمس، فأخرها رسول الله ﷺ حتى كاد يغيب بياض النهار، وهو الشفق فيما نرى، ثم أمره رسول الله ﷺ فأقام الصلاة وصلى، ثم أذن للعشاء حين غاب الشفق (٥)) .

стр. 222

وحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((سئل رسول الله ﷺ عن وقت العشاء، فقال: ((اذا ملأ الليل بطن كل واد)) (١) . وقد تترجح الرواية المرفوعة لقرائن خاصة كحديث: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) . فقد روي (٢) من طرق عن عبد الله بن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه، عن حفصة زوج النبي ﷺ : ان رسول الله ﷺ قال: ((من لم يجمع الصيام-الحديث- وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات غير ابن لهيعة لكنه مقرون بيحيى بن أيوب، ثم ان ابن لهيعة صحيح الحديث اذا روى عنه أحد العبادلة الأربعة: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقريء وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن وهب (٣) ، وهذا الحديث من رواية عبد الله بن وهب فهي متابعة قوية ليحيى بن أيوب. وقد أخرجه الترمذي (٤) ، والنسائي (٥) والبيهقي (٦) من طرق أخرى، عن يحيى

стр. 223

وحده، قال الترمذي: ((لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله (١) ، وهو أصح، وهكذا روي أيضا هذا الحديث عن الزهري موقوفا (٢) ، ولا نعلم أحدا رفعه الا يحيى بن أيوب)) . وفي قوله: ((لا نعلم أحدا رفعه الا يحيى)) نظر فقد رواه ابن لهيعة أيضا كما سبق (٣) . وقال أبو داود: ((رواه الليث واسحاق بن حازم أيضا جميعا عن عبد الله بن أبي بكر مثله، ووقفه على حفصة معمر والزبيدي وابن عينية ويونس الأيلي كلهم عن الزهري)) (٤) . وقال البيهقي: ((وهذا حديث قد أختلف على الزهري في اسناده، وفي رفعه الى النبي ﷺ ، وعبد الله بن أبي بكر أقام اسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات)) (٥) أقول: لم يتفرد به بل تابعه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب (٦) .

стр. 224

قال عنه ابن حزم (١) : ((وهذا اسناد صحيح ولا يضر اسناد ابن جريج (٢) له أن أوقفه معمر ومالك وعبيد الله ويونس وابن عينية؛ فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ، والزهري واسع الرواية فمرة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرة عن حمزة، عن أبيه، وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك: مرة رواه مسندا، ومرة رواه أن حفصة أفتت به ومرة أفتى هو به؛ وكل هذا قوة للخبر)) . والخلاصة: أن هذا الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه: وقد صحح رفعه الدارقطني (٣) ، والخطابي (٤) ، وابن حزم (٥) وصحح وقفه البخاري فقال: ((هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب؛ والصحيح عن ابن عمر موقوف (٦)) . وقال أبو داود: ((لا يصح رفعه)) (٧) وقال النسائي: ((الصواب عندي موقوف؛ ولم يصح رفعه (٨)) .

стр. 225

أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: تبييت النية في الصوم المتعلق بزمن بعينه نقل ابن قدامة الاجماع على عدم صحة الصوم بغير نية، سواء في ذلك الفرض والتطوع (١) . ثم اختلفوا في حكم تبييت النية في الصوم المتعلق بزمن بعينه: كصوم رمضان والنذر المعين: فذهب جمهور الفقهاء: الى أن هذا الصوم لا يصح الا اذا بيتت (٢) فيه النية من الليل. وبه قال مالك والشافعي وأحمد، واحتجوا بالحديث السابق (٣) . وقال أبو حنيفة: لا يجب تبييت النية في ذلك، وانما تجزى النية فيه قبل الزوال (٤) . ولعل الحديث المذكور لم يصح مرفوعا عنده؛ أوحمل النفي فيه على نفي الفضيلة والكمال، وقاس صوم رمضان ونحوه على صوم التطوع، الذي صح فيه حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال فاني اذن صائم ... الحديث)) (٥) .

стр. 226

وقد تكون الرواية المرفوعة خطأ والصواب الوقف، وخطأ الرفع سببه الضعفاء. مثال ذلك: - حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: ((ما بلت قائما منذ أسلمت)) فهذا صحيح موقوف أخرجه ابن أبي شيبة والبزار (١) ، وقال الهيثمي: ((رجاله ثقات)) (٢) وقد رفع الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق -وهو ضعيف- (٣) ، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني رسول الله ﷺ أبول قائما فقال: ((يا عمر لا تبل قائما)) (٤) . قال البوصيري (٥) بعد أن ضعف سند ابن ماجه: ((وعارضه خبر عبيد الله ابن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبيته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان (٦) هذا الخبر من طريق ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، فانه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع، وقد صح ظنه، فان ابن جريج سمعه من ابن أبي المخارق)) وكذلك ضعف الامام الترمذي الرواية المرفوعة (٧) وأعلها بعبد الكريم بن أبي

стр. 227

المخارق، ثم ساق رواية عبيد الله الموقوفة وقال: ((وهذا أصح من حديث عبد الكريم)) . أثره في اختلاف الفقهاء: حكم البول قائما اختلف الفقهاء في حكم البول قائما على قولين: القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم الى أنه جائز غير مكروه. روي ذلك عن علي وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة وغيرهم واليه ذهب مالك (١) . واحتجوا بما روي عن حذيفة، قال: أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال عليها قائما)) رواه الشيخان وغيرهما (٢) . القول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم الى كراهيته. واليه ذهب الشافعي وأحمد (٣) . ومما استدلوا به الحديث السابق، وحديث أم المؤمنين عائشة: ((من حدثكم ان رسول الله كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول الا قاعدا)) (٤) .

стр. 228

_ ومثاله أيضا: ما أخرجه الدارقطني (١) : قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد المقريء، وأبو حاتم الرازي، قالا: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس: ((ان رسول الله ﷺ نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان)) . قال الدارقطني: ((خالفه (٢) شعبة)) ... ثم ساقه بسنده الى شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، قال: ((تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل المرأة ولا طهورها)) ... قال: ((وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب)) . وقال البيهقي بعد أن أعله بالوقف: ((وبلغني عن أبي عيسى الترمذي، عن محمد بن اسماعيل البخاري، أنه قال: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ (٣)) ، وكذا أعله ابن عبد الهادي (٤) وأجاب بعض العلماء: ان الرفع زيادة ثقة، فهي مقبولة (٥) .

стр. 229

أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم التطهر بفضل الطهور اذا تطهر شخص فأفضل من طهوره، فهل يجوز التطهر به؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب بعض الفقهاء الى جواز تطهر المرأة بفضل طهور الرجل، وعدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة مطلقا سواء خلت به أم لا، وهو مذهب الامام سعيد بن المسيب وابن حزم (١) . ومما استدلوا به حديث عبد الله بن سرجس السابق، كما يرويه ابن حزم، وبحديث الحكم بن عمرو الغفاري: ((ان رسول الله ﷺ نهى ان يتوضأ الرجل بفضل طهور المراة)) (٢) . وذهب بعض العلماء الى عدم جواز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر روي ذلك عن أبي هريرة (٣) ، وحجته حديث عبد الله بن سرجس، من رواية عبد العزيز، عن عاصم. وذهب جمهور العلماء الى جواز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية (٤) واحتجوا بما صح عن عائشة ﵂ قالت: ((كنت أغتسل انا والنبي

стр. 230

صلى الله عليه وسلم من اناء واحد تختلف ايدينا فيه)) (١) وصح: ((انه ﵊ اغتسل أو توضأ من فضل ما اغتسلت فيه أم المؤمنين ميمونة من الجنابة)) (٢) . الفرع الثالث: تعارض الاتصال والانقطاع قد يرد حديث ما بسند منقطع، ثم يرد نفس الاسناد من طريق آخر متصلا خاليا من الانقطاع؛ فتختلف لذلك أنظار المحدثين فيه: فمنهم من يرجح الرواية الموصولة، ومنهم من يرجح الرواية المنقطعة، وقد يتوقف بعضهم في ذلك. والأكثر يعتبرون الوصل زيادة فاذا كان من ثقة قبل (٣) . لكن صنيع المحدثين يشعر بأنه: ليس لذلك ضابط بل قد تترجح الرواية المنقطعة اذا كان رواتها أكثر أو احفظ، وقد تترجح الرواية الموصولة اذا كان رواتها أكثر عددا أو اشد ضبطا وما الى غير ذلك من المرجحات (٤) . مثال ذلك: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب، قال: ((صلاة السفر وصلاة الفطر، وصلاة الأضحى، وصلاة الجمعة، ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم)) . وقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر؛ وسبب

стр. 231

اختلافهم في ذلك: اختلافهم في تحديد مولده: فقد نقل بعضهم انه ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر (١) . بينما نقل آخرون: أنه ولد قبل ذلك، قال أبو نعيم: ((ولد في خلافة الصديق او قبل ذلك، وحدث عن عمر)) (٢) . هكذا اختلف في سماعه: فالأثر منقطع على رأي من لا يثبت السماع، ومتصل على رأي من يثبت له السماع. وقد أخرج الحديث أحمد (٣) من طريق وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، به. وأخرجه ابن ماجه (٤) ، والبيهقي (٥) من طريق محمود بن بشر، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر، به. وهذا اسناده صحيح، وفيه زيادة كعب بن عجرة، زادها يزيد بن زياد بن أبي

стр. 232

الجعد (١) وقد رجح أبو حاتم: رواية سفيان الثوري - بدون الزيادة- على رواية يزيد بن زياد بن أبي الجعد (٢) لكن أخرجه الطحاوي (٣) من طريق سفيان الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر. أثره في اختلاف الفقهاء: حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر اختلف الفقهاء في حكم قصر الرباعية في السفر على قولين: القول الأول: القصر عزيمة، فلا يجوز للمسافر الاتمام عند توفر شرائط القصر. وهو قول جماعة من السلف، وبه قال أبو حنيفة والظاهرية، وهو قول لمالك وبعض الزيدية (٤) . ومما استدلوا به حديث عمر السابق. القول الثاني: القصر رخصة فيجوز القصر والاتمام، وبه قال الشافعي، وأحمد وهو المشهور من مذهب مالك وبعض الزيدية (٥) . وقد احتج الجمهور بأدلة منها: ١- قوله تعالى: ((واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من

стр. 233

الصلاة)) (١) . فالآية قد نفت الجناح، وهذا انما يكون في الرخص لا في العزائم. ٢- وعن أم المؤمنين ﵂ قالت: ((انها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة الى مكة، حتى اذا قدمت مكة قالت: يارسول الله، -بأبي أنت وأمي - قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت؟ فقال: أحسنت ياعائشة، وما عاب علي)) (٢) . فقوله ﵊ لأم المؤمنين ((أحسنت)) وكانت قد أتمت الصلاة، دليل صريح على أن القصر رخصة لا عزيمة. ومثال ذلك أيضا: ما رواه مالك (٣) ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: ان رجلا من بني مدلج - يقال له: قتادة- حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فترى في جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعثم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال عمر: أعدد على ماء قديد، عشرين ومائة بعير، حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر بن الخطاب، أخذ من تلك الابل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا. قال: خذها. فان رسول الله ﷺ قال: ((ليس لقاتل شيء)) . وأخرجه ابن ماجه (٤) عن أبي الأحمر، عن يحيى بن سعيد به -مختصرا. وأخرجه

стр. 234

البيهقي (١) من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، به أتم منه. وهذا اسناد صحيح لولا الانقطاع، وليس في الرواية ما يدل على أن قتادة من الصحابة - حتى يحكم له بالعدالة- فهو مجهول لا يعرف، وعلى افتراض أنه صحابي فهو منقطع؛ لأن عمرو بن شعيب لم يدرك الا قليلا من الصحابة مثل زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ، وغالب روايته عن التابعين. (٢) وقد ورد الحديث موصولا كما رواه الدارقطني (٣) ، والبيهقي (٤) من طريق اسماعيل بن عياش عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس للقاتل من الميراث شيء)) . واسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين (٥) ، وهذا منها، لكنه لم ينفرد به فقد توبع متابعة قاصرة، فقد أخرجه أبو داود (٦) ، والبيهقي (٧) من طريق محمد بن راشد، قال حدثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، به. وسليمان بن موسى صدوق فيه بعض لين وخلط قبل موته بقليل (٨) .

стр. 235

ومحمد بن راشد هو المكحولي الدمشقي صدوق يهم (١) . فيكون هذا السند ضعيفا، لكنه يتقوى برواية اسماعيل بن عياش، وتعضد أحداهما الأخرى؛ فتتقوى بذلك الرواية الموصولة، ويصبح الحديث حسنا لغيره على أقل أحواله، فيترجح الوصل ويقوى الحديث وقد تصبح الرواية المنقطعة شاهدا للرواية الموصولة، ثم ان له شاهدا من حديث أبي هريرة (٢) أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: أثر القتل في الارث اذا قتل شخص مورثه فهل يعد هذا القتل مانعا من الارث؟ هذا موضع اختلف فيه الفقهاء: فذهب جماعة من الفقهاء الى أن القاتل لا يرث عمدا كان القتل أو خطأ. وهو مذهب جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم، منهم: الصديق، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وشريح، وطاوس، والشعبي، والنخعي. واليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٣) . واستدلوا بالحديث السابق فهو لم يفرق بين عمد وخطأ. وذهب بعض الفقهاء الى أنه يمنع من الارث القتل العمد، أما الخطأ فلا يمنع من

стр. 236

الارث الا الدية، فان القاتل لا يرث منها شيئا. روي ذلك عن جماعة من التابعين، ومن جاء بعدهم؛ منهم: عطاء، ومكحول، والزهري، وهو رواية عن سعيد بن المسيب واليه ذهب مالك (١) ، وحجتهم ما يأتي: ١- عموم آيات المواريث، فانها أثبتت ميراث من ورثه الله تعالى فيها، فلا يستثنى منهم أحد الا بدليل، ولم يثبت في استثناء القاتل خطأ اجماع ولا دليل صحيح. وحملوا حديث عمر على القتل العمد. ٢- ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: ((لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فان قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا، وان قتل صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته)) (٢) . وذهب بعض الفقهاء الى أن القتل غير مانع وان كان عمدا. روي ذلك عن سعيد بن جبير، وهو رواية عن سعيد بن المسيب (٣) وقد استدلوا بعموم آية المواريث؛ فانها تتناول القاتل وغيره. ولم تثبت عندهم أدلة تخص هذا العموم. وقد عد بعض العلماء هذا القول شاذا مخالفا لاجماع الصحابة (٤) الفرع الرابع: زيادة رجل في أحد الأسانيد اذا روي حديث بأسانيد متعددة، وكان مداره على رجل واحد، وزيد في أحد

стр. 237

الأسانيد رجل ونقص من بقية الأسانيد، ولم نستطع الترجيح بين الروايات مما يدل على ان الخطأ من الذي دار عليه الاسناد فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا، فتبين لنا ان هذا الراوي لم يضبط هذا الحديث فيحكم على الحديث بالاضطراب ويتوقف الاحتجاج به حتى نجد له ما يعضده من متابعات أو شواهد ترفعه من الضعف الى حيز القبول (١) . مثال ذلك: حديث: ((الفخذ عورة)) فالحديث يرويه: زرعة، عن جرهد، عن النبي ﷺ ، وقد ساق الزيلعي (٢) الاختلاف في الحديث، ونقل عن ابن القطان قوله: ((وحديث جرهد له علتان، أحدهما: الاضطراب المؤدي لسقوط الثقة به، وذلك أنهم مختلفون فيه: فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمن، ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله، ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم. ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقول: عن أبيه، عن جرهد، عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقول: زرعة، عن آل جرهد، عن النبي ﷺ ، وان كنت لا أرى الاضطراب في الاسناد علة، فانما ذلك اذا كان من يدور عليه الحديث ثقة فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عليه: الى مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع، وأما اذا كان الذي اضطرب عليه الحديث غير ثقة أو غير معروف فالاضطراب يوهنه أو يزيده وهنا، وهذه حال هذا الخبر وهي العلة الثانية: ان زرعة وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري العدالة)) . والحديث أخرجه احمد (المسند: ٣/٤٧٩) ، والطبراني (المعجم الكبير: ٢١٣٨) من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن جده جرهد:

стр. 238

((ان النبي ﷺ مر به، وقد كشف فخذه فقال: غطها فانها عورة)) . وأخرجه الطحاوي (شرح المعاني: ١/٤٧٥) من طريق مسعر، عن أبي الزناد، عن زرعة، به. وأخرجه عبد الرزاق (المصنف: ١٩٨٠٨) -ومن طريقه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨) ، والترمذي (الجامع: ٥/١٠٣ رقم ٢٧٩٨) - عن معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد، عن أبيه، به. وحسنه الترمذي، وقال: ((اسناده عندي ليس بالمتصل)) ، ولعله انما حسنه لما له من شواهد. وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨) ، والحميدي (المسند: ٨٥٨) ، والدارقطني (السنن: ١/٢٢٤) من طريق سفيان قال: حدثنا أبو الزناد، قال: أخبرني آل جرهد، عن جرهد. وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٩) من طريق أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن جرهد جده ونفر من أسلم سواه ذوي رضى: ان رسول الله ﷺ مر على جرهد ... وأخرجه الطيالسي (المسند: ١١٧٦) عن مالك بن أنس، عن سالم بن النظر عن ابن جرهد: ان النبي ﷺ مر به ... وأخرجه أحمد (المسند: ٣/٤٧٨) ، وأبو داود (السنن: ٤٠١٤) والطحاوي (شرح المعاني:١/٤٧٥) ، والبيهقي (السنن الكبرى:٢/٤٢٨) من طريق مالك، عن أبي النظر: سالم بن أبي أمية، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده جرهد ... وأخرجه الدارقطني (السنن: ١/٢٢٤) من طريق سفيان، عن أبي النظر، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (المصنف: ٩/١١٨) ، والحاكم (المستدرك: ٤/١٨٠)

стр. 239

من طريق سفيان، عن سالم أبي النظر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده جرهد. وأخرجه أحمد (المسند:٣/٤٧٨) ، والترمذي (الجامع ٥/١٠٣ رقم (٢٧٩٧)) ، والطحاوي (شرح المعاني:١/٤٧٥) من طريق محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه. وقد علقه البخاري (الجامع: ١/١٠٣ عقيب (٣٧٠)) بصيغة التضعيف (١) . فهذا الاضطراب الذي سبق بيانه قادح في صحته، ولكن هناك شواهد للحديث تجبره. منها حديث علي مرفوعا: ((لا تبرز فخذك ولا تنظر الى فخذ حي ولا ميت)) (٢) . وله شاهد آخر عن محمد بن عبد الله بن جحش مرفوعا: ((غط فخذك؛ فان الفخذ عورة)) (٣) . وله شاهد آخر عن ابن عباس مرفوعا: ((غط فخذك؛ فان الفخذ عورة)) (٤) .

стр. 240

وله شاهد آخر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا: ((اذا انكح أحدكم عبده أو أجيره، فلا ينظر الى شيء من عورته، فان أسفل من سرته الى ركبته من عورته)) (١) . وله شاهد آخر من حديث محمد بن جحش، قال: مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، قال: ((يا معمر، غط فخذيك؛ فان الفخذ عورة)) (٢) . فهذه شواهد يشد بعضها بعضا تقوي حديث جرهد فيصح الاحتجاج به أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء: حد العورة نظرا لاختلافهم في حديث ((الفخذ عورة)) حصل خلاف بين أهل العلم في حد عورة الرجل. فذهب فريق من أهل العلم الى أن عورة الرجل ما بين السرة، والركبة وهما ليسا من العورة. وبذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد في رواية وهو المعتمد في مذهبه، وبه قال أبو حنيفة وزاد الركبة فهي عنده من العورة (٣) .

стр. 241

وحجتهم الحديث المذكور. وذهب فريق من العلماء الى أن العورة: هي السوأتان فقط، والفخذ ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد (١) . وقد ضعف ابن حزم حديث ((الفخذ عورة)) . واحتج لهذا المذهب بأدلة منها: حديث أنس: ((أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب رسول الله ﷺ ، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأخر رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وان ركبتي لتمس فخذ النبي ﷺ ، ثم حسر الأزار، عن فخذه، حتى أني أنظر بياض فخذ النبي ﷺ ... الحديث، متفق عليه (٢) . الفرع الخامس: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه قد يروى حديث باسناد، ويختلف الاسناد حول مدار الراوي فيختلف في نسبه واسمه حتى لا يمكن ترجيح احدى الروايات على الآخرى مثال ذلك: حديث: عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((صاع من بر أو قمح على كل اثنين)) (٣) . قال الدارقطني: ((هذا حديث اختلف في اسناده ومتنه أما سنده فرواه الزهري واختلف عليه فيه فرواه النعمان بن راشد، عنه عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه، ورواه

стр. 242

بكر بن وائل عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، وقيل: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير عن أبي هريرة وقيل: عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وقيل عن عقيل، ويونس، عن الزهري، عن سعيد - مرسلا - ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة (١)) . أثره في اختلاف الفقهاء: مقدار الواجب من البر في زكاة الفطر اختلف الفقهاء في المقدار الواجب من البر لزكاة الفطر. فذهب بعض الفقهاء الى أن الواجب نصف صاع مستدلين بهذا الحديث وكأنهم لم يروا الاضطراب قادحا في صحته، وهو مذهب كثير من السلف وبه قال أبو حنيفة (٢) . وذهب جماعة من الفقهاء الى أن الواجب صاع (٣) .

стр. 243

واحتجوا: بحديث عبد الله بن عمر: ((ان رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر او عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين)) (١) . المطلب الثاني: الاضطراب في المتن كما أن الاضطراب يكون في سند الحديث فكذلك يكون في متنه. وذلك اذا ورد لنا حديث اختلف الرواة في متنه اختلافا لا يمكن الجمع بين رواياته المختلفة ولا يمكن ترجيح أحد الروايات على البقية فهذا يعد اضطرابا قادحا في صحة الحديث اما اذا أمكن الجمع فلا اضطراب، وكذا اذا أمكن ترجيح احدى الروايات على بقية الروايات، فلا اضطراب اذا فالراجحة محفوظة أو معروفة والمرجوحة شاذة أو منكرة (٢) . وقد يختلف أئمة الحديث في ذلك كل حسب اجتهاده. مثال ذلك: حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذا كان الماء قلتين أوثلاثا لم ينجسه شيء)) . فقد أخرجه الامام أحمد (٣) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن سلمة، به. وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا

стр. 244

حماد بن سلمة، به. وأخرجه البيهقي (١) من طريق ابراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد قالا: حدثنا حماد بن سلمة، به. وأخرجه أحمد (٢) قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، به وأخرجه أبو داود (٣) قال: حدثنا موسى بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة، به. وأخرجه أحمد (٤) ، والدارمي (٥) ، وابو داود (٦) ، وابن ماجه (٧) ، والترمذي (٨) ، وابن خزيمة (٩) كلهم من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فذكره. وأخرجه عبد بن حميد (١٠) ، وأبو داود (١١) ، والنسائي (١٢) من طريق حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير المدني، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن

стр. 245

عبد الله (١) بن عبد الله بن عمر، فذكره. قال ابن عبد الهادي: ((قد اختلف عن حماد: فروى عنه ابراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، وكامل بن طلحة فقالوا: ((قلتين أو ثلاثا)) . وروى عنه عفان ويعقوب بن اسحاق الحضرمي، وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار، وموسى بن اسماعيل، وعبيد الله بن محمد: ((اذا كان الماء قلتين)) ولم يقولوا ((أو ثلاثا)) واختلف عن يزيد بن هارون: فروى عنه ابن الصباح بالشك، وروى عنه أبو مسعود بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك)) . (٢) وقد رواه القاسم بن عبد الله بن عمر العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث)) . أخرجه الدارقطني (٣) ، والقاسم هذا ضعيف. قال عنه أحمد بن حنبل: ((القاسم عندي ليس بمتصل؛ كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناس حديثه)) (٤) . وقال يحيى بن معين: ((هو كذاب خبيث)) (٥) .

стр. 246

فهذه الرواية لسقوطها وشدة ضعفها لم تؤثر؛ لأن من شرط الاضطراب تساوي الوجوه (١) . وهذه لم تساوي بقية الروايات. وقد رجح كثير من الحفاظ طريق محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعا: ((اذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء)) . وكأنهم لم يروا الاختلاف فيه قادحا لارجحية هذا الطريق على باقي الطرق. قال المباركفوري: ((صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، واسحاق، وابن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن مندة، والحاكم، والخطابي)) (٢) . فتصحيحهم لهذا الحديث لارجحية هذا السند على الاسانيد التي وقع فيها الاختلاف والشك، ومع هذا فقد أعله بعض النقاد بالاضطراب. قال ابن عبد البر: ((اسناده مضطرب اضطرابا يوجب التوقف عن القول به)) (٣) . أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم الماء اذا خالطته نجاسة نقل غير واحد من العلماء الأجماع: على ان الماء اذا خالطته نجاسة فغير طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس قل الماء أو كثر (٤) . ثم اختلفوا اذا لم يتغير الماء.

стр. 247

فذهب جماعة من الفقهاء. الى أن الماء الذي خالطته نجاسة لم تغير أحد أوصافه طهور قل الماء أو كثر. وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين وبه قال مالك وأحمد في رواية، وبه قال ابن المنذر والغزالي، والروياني من أصحاب الشافعي (١) . وكأنهم لم يأخذوا بحديث القلتين للاختلاف الواقع فيه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري، انه قيل: يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيه الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ان الماء طهور لا ينجسه شيء)) (٢) . وذهب بعض الفقهاء الى أن الماء اذا كان قلتين فأكثر لا ينجس الا بتغيره، فاذا كان أقل من قلتين تنجس بوقوع النجاسة فيه سواء تغير أم لا. وهو قول جماعة من السلف. وبه قال الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه (٣) واحتجوا بحديث القلتين السابق. وذهب بعض الفقهاء الى أنه ينجس كلما غلب على الظن سريان النجاسة فيه

стр. 248

ويغلب على ظن المستعمل للماء انه يستعمل النجاسة معه. وبه قال أبو حنيفة. (١) وقدر المتأخرون من أصحابه بما كان مساحته دون عشرة أذرع في عشرة أذرع فالخلاصة: ان من صحح حديث القلتين أخذ به. ومن حكم عليه بالضعف لاضطرابه ترك الاحتجاج به واحتج لما ذهب اليه بأدلة أخرى المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة زيادة الثقة من القضايا الخفية في علل الحديث، وقد أولى المتقدمون لزيادة الثقة أهمية كبيرة فالزيادة نوع من أنواع الاختلاف سواء كان في المتن أو في السند. والزيادة في اللغة: هي النمو، وهو خلاف النقصان (٢) . أما في اصطلاح المحدثين فقد عرفت: بأنها ما انفرد به الراوي من زيادة - في المتن أو في السند عن بقية الرواة، عن شيخ لهم)) (٣) وصورها ابن رجب: ((بأن يروي جماعة حديثا باسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، ولم يذكرها بقية الرواة)) (٤) .

стр. 249

فالزيادة فن عظيم من فنون الحديث، ومرجعه الى الاختلاف بالروايات، ومن الطبيعي أن يختلف الرواة في بعض الأحيان سندا أو متنا ولا غرابة في ذلك؛ اذ يبعد عادة أن يكون الجميع في مستوى واحد من الاهتمام والتيقظ والتثبت والدقة والضبط منذ تلقي الأحاديث من أصحابها الى حين أدائها، لأن المواهب متفاوتة فمنهم من بلغ أوج مراتب الثقات، ومنهم من هو في أدنى هذه المراتب، ومنهم من هو بين الحدين، وهذا الفريق على درجات متفاوتة، وهؤلاء الثقات كثيرا ما يشتركون في سماع الحديث من شيخ لهم، فاذا حدثوا به بعد فترة من الزمن في جملة من الأحاديث المسموعة من مصادر شتى فان مدى الاتفاق بينهم والاختلاف يتوقف على مقدار تيقظهم واهتمامهم ومذاكرتهم ودقتهم وحفظهم، وبما أنهم مختلفون في ذلك فانهم قد يختلفون في أداء الرواية، والزيادة لون من ألوان الاختلاف، وعليه فاذا زاد أحد الثقات في حديث شيئا ليس في حديث الآخرين، فما حكم هذه الزيادة؟ هذا ما سنتكلم عنه بايجاز فيما يأتي: حكم زيادة الثقة: اختلف العلماء في حكم زيادة الثقة على أقوال كثيرة (١) ، أهمها ستة أقوال: القول الأول: تقبل مطلقا: سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا وسواء غير الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليس هي فيه أم لا، وسواء أكانت من شخص واحد- بأن يروي مرة ناقصا ومرة بتلك الزيادة - أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين، وجماعة من أهل الحديث (٢) .

стр. 250

القول الثاني: لا تقبل مطلقا: فلا تقبل ممن رواه ناقصا ولا من غيره. وهو قول جماعة من أهل الحديث (١) . القول الثالث: تقبل اذا كانت من غير الراوي ولا تقبل اذا كانت منه، وذلك بأن يرويها تارة ويسقطها أخرى. وهو قول جماعة من أهل الحديث، وحكاه الخطيب عن فريق من الشافعية (٢) . القول الرابع: تقبل اذا تعدد مجلس السماع وترد اذا اتحد (٣) . القول الخامس: لا تقبل اذا كانت مخالفة في الحكم لما رواه الباقون وتقبل اذا لم تكن مخالفة (٤) . القول السادس: تقبل الزيادة في الالفاظ اذا كان راويها يغلب عليه الفقه ولا تقبل اذا لم يكن راويها يغلب عليه الفقه (٥) .
следующие страницы →